اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/26 الساعة 14:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/28 هـ

انضم إلينا
الطريق إلى "يوتوبيا".. فقاعة النوادي الاجتماعية والرياضية المصرية

الطريق إلى "يوتوبيا".. فقاعة النوادي الاجتماعية والرياضية المصرية

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
"يوتوبيا المستعمرة المنعزلة التي كوّنها الأثرياء على الساحل الشمالي؛ ليحموا أنفسهم من بحر الفقر الغاضب بالخارج، والتي صارت تحوي كل شيء يريدونه، يمكنك أن ترى معي معالمها: البوابات العملاقة، السلك المكهرب، دوريات الحراسة التي تقوم بها شركة سيفكو التي يتكون أكثر العاملين فيها من مارينز متقاعدين، أحيانًا يحاول أحد الفقراء التسلل للداخل من دون تصريح، فتلاحقه طائرة الهليكوبتر وتقتله" -رواية يوتوبيا، أحمد خالد توفيق

 

في شارع قصر النيل بوسط القاهرة، يمكث مبنى تم تأسيسه كنسخة طبق الأصل من نادي كارلتون الشهير في لندن عام 1924، صرح معماري فريد يرتدي ثوب العراقة والأناقة، ويُعرف بنادي السيارات الملكي، ترأسه لأول مرة الأمير محمد علي، وتم إهداء رئاسته الشرفية للملك فؤاد الأول.
 

 (أوتو كلوب)


في أول اجتماع لمجلس إدارة نادي السيارات عام افتتاحه، وهو المجلس المهيمن عليه من طرف الأجانب وأكثرهم من الإنجليز والأتراك، جلس مدير النادي "جيمس رايت" وأعضاء مجلس الإدارة لوضع لائحة النادي، وكان مما تم تداوله في اللائحة السماح للمصريين بالاشتراك في النادي من عدمه، الأمر الذي رفضه أغلب أعضاء مجلس الإدارة وقتها، وعلى رأسهم العجوز "رايت" نفسه.
 

حتى لا يثير ذلك مشاعر السخط والغضب من المصريين على الإنجليز، اشترطت لعضوية المصري أن يقدم تزكية مكتوبة من عضوين من مجلس الإدارة، وبذلك يسمح لهم رسميًا بالاشتراك في النادي، أما واقعيًا فلن يعطي أي عضو تزكية لمصري، معترضين أيضًا على مجرد الاستعانة بخدم وعمال مصريين، لدرجة أنهم فكروا في جلب خدم أجانب من بلادهم الأصلية، ولكن بسبب ارتفاع تكاليف ذلك استعانوا بخدم القصور الملكية وقتها من المصريين الملونين كما كان سائدًا في تلك الحقبة.
 

في 2017 وبمرور الزمن، يبدو أن عنصرية الأجانب انتقلت إلى المصريين أنفسهم المصنفين كـ"طبقة راقية"، أو "النخبة" ممن يملكون المال والسلطة، فعملوا على عزل أنفسهم عن بقية المجتمع داخل أسوار النوادي الاجتماعية والرياضية؛ لذا كان لابد وأن يأتي من يستغل تلك النزعة حديثًا، من خلال ضخ استثمارات بمليارات الجنيهات في إنشاء نوادي اجتماعية ورياضية؛ نوادٍ أصبحت حكرًا على الأغنياء ممن تنتفخ حساباتهم البنكية، ليجني بعض المستثمرين من وراء ذلك ملايين الأرباح سنويًا.
 

بداية "يوتوبيا"
لم تطرأ مجتمعات البروج المشيدة أو نوادي "أولاد الذوات" حديثًا على المجتمع المصري، ولكنها قديمة قدم الاحتلال الإنجليزي لمصر؛ حيث أدخلها الأخير لأول مرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر. ففي العام 1886، ومن قلب الجزيرة الواقعة بمنطقة الزمالك بوسط القاهرة، تم افتتاح نادي "الخديوي الرياضي" أو ما نعرفه بنادي الجزيرة الآن، بحضور الكثير من الشخصيات الإنجليزية رفيعة المستوى، وعلى رأسهم أول رئيس للنادي وهو "اللورد كرومر"، فلم يكن النادي للمصريين وإنما اقتصر على الإنجليز وبعض الإقطاعيين، وتم إنشاؤه ليضاهي أعرق الأندية الإنجليزية آنذاك، وليضم بعد ذلك نخبة من الأرستقراطيين المصريين.

 


بمجرد العبور من أسوار أحد نوادي النخبة، يشعر المرء وكأنه انتقل إلى بقعة جغرافية تنتمي إلى مصر اسمًا فقط؛ بينما تشكلت استراتيجية مالكي تلك الأندية، سواء كانوا مجالس إدارات بعد إعطاء الحق لهم قانونًا، أو نوادي خاصة، لجعل مجتمعات "البروج المشيدة" منعزلة في إطار وحيد هو ارتفاع أسعار عضوية الفرد، لتحقيق الأرباح الخيالية، ولجعل تلك النوادي مقتصرة على ثلة قليلة من أثرى الأثرياء، وبالتالي صعوبة انضمام فئات أقل مقدرة مالية؛ أي 85% من الشعب المصري تقريبًا.
 

بدأت تلك النوادي في التسابق لرفع أسعار عضويتها من آن لآخر أيضًا لتصفية الأعضاء القدامى بجانب الأرباح، وإدخال دماء جديدة وربما أكثر ثراءً، وبعض منها يقوم بعمل مقابلة شخصية للعضو المتقدم وزوجته وأولاده؛ لضمان انسجامهم مع العالم الخاص بالداخل. وفي آخر عامين رفعت تلك الأندية رسوم اشتراكاتها بنسب تراوحت بين 50% و100%، ولا توجد سيطرة قانونية لوزارة الشباب والرياضة على تحديد قيمة تلك الاشتراكات، وفقًا للقوانين المنظمة لأعمال النوادي الاجتماعية والرياضية المصرية.


ووفقًا
لتقرير الثروة العالمية للعام الماضي 2016، الذي يصدره معهد أبحاث كريدي سويس السويسري، فإن 10% من المصريين استحوذوا على 61% من إجمالي الثروة المصرية عام 2000، وارتفعت النسبة إلى 65.3% عام 2007، لترتفع من جديد 73.3% من إجمالي الثروة عام 2014، ولذلك تعد مصر إحدى أسوأ دول العالم من ناحية توزيع الثروات الداخلية.

 

مصر "الطبقية"
نتيجة للتفاوت الكبير في الدخول، وسوء توزيع الثروة في مصر؛ كانت تلك النماذج من مجتمعات "يوتوبيا" التي لا تلجها إلا طبقة بعينها، حتى أضحت استثمارات قطاع النوادي الاجتماعية والرياضية من أكثر الاستثمارات ربحية في مصر، نظرًا لما تدره من مليارات الجنيهات سنويًا بفعل استغلال "الطبقية" التي تُعشّش في البعض. وربما تتفرد مصر بتلك الطبقية دون غيرها من الدول.

 

لا تتجاوز رسوم الاشتراك في الأندية الرياضية المتخصصة مثل ليفربول أو أرسنال في كرة القدم، أو نادي ويمبلدون للتنس؛ بضعة مئات من الجنيهات الإسترلينية، وتتراوح رسوم عضوية نادي ويمبلدون بين 100 إلى 450 جنيها إسترلينيا سنويًا.

في الدول الخليجية تبلغ اشتراكات الأندية الرياضية في معظمها مبالغًا بسيطة، فعلى سبيل المثال تتراوح اشتراكات النوادي الصحية والرياضية في الكويت، سواء المخصصة للنساء فقط أو المختلطة، بين 100 و500 دينار كويتي فقط سنويًا، مثل نادي "البطل"، و"رأس الأرض"، و"الكويت الرياضي"، و"الكاظمة"، و"القادسية" وغيرها. أما في قطر فقد قامت وزارة الشباب والرياضة القطرية بإنشاء العديد من الملاعب في كل مدينة وحي، يمكن ممارسة لعبة كرة القدم عليها في جميع الأوقات، بعضها بشكل مجاني تمامًا، والبعض الآخر برسوم رمزية، وتنتشر كذلك أجهزة لتدريبات اللياقة البدنية على كورنيش الدوحة بشكل مجاني أيضًا، كما توجد مسارات مخصصة لركوب الدراجات.
 

في أوروبا يختلف الوضع كليًا، فلا توجد أندية اجتماعية بالمفهوم الموجود في مصر، ولكنها تكون متخصصة في الرياضة فقط، وتضم العديد من الرياضات المختلفة. ففي ألمانيا على سبيل المثال تعد ممارسة الرياضة حقا دستوريا لجميع المقيمين على الأرض الألمانية؛ ومن ثمّ تلتزم الحكومة بتوفير أماكن لممارسة شتى أنواع الرياضات، لذا فالنوادي منتشرة في كل مدينة وولاية، وتضاهي نوادي المدن الصغيرة النوادي الكبرى، فنادي مدينة هانوفر يضم كرة القدم والتنس وكرة المضرب والبولينج وغيرها من الألعاب، وتبلغ رسوم الاشتراك للأسرة 60 يورو، بينما الفرد من 40 إلى 60 يورو فقط. وتبلغ رسوم الاشتراك في عضوية أشهر الأندية الألمانية مبالغ زهيدة، فنادي بايرن ميونخ تتراوح رسوم العضوية السنوية فيه بين 30 إلى 60 يورو فقط، وكل نادٍ به شركة تعمل على اكتشاف المواهب، فحينما يتم اكتشاف موهبة ما، تقوم الشركات بالحديث مع والد الطفل أو الطفلة من أجل تبنيه ورعايته؛ لينتقل من كونه هاويًا إلى محترف دون دفع رسوم رعاية. وهناك نوادي مخصصة لألعاب معينة مثل الصيد أو التجديف، ورسوم الاشتراك بها زهيدة أيضًا، فنادي هامبورج تبلغ رسوم الاشتراك في لعبة السباحة فيه ما بين 10 إلى 60 يورو فقط.
 

في بريطانيا تنتشر المساحات الخضراء في كل مكان تقريبًا، ويستطيع الأفراد ممارسة الرياضة فيها بشكل مجاني، بينما لا تتجاوز رسوم الاشتراك في الأندية الرياضية المتخصصة مثل ليفربول أو أرسنال في كرة القدم، أو نادي ويمبلدون للتنس؛ بضعة مئات من الجنيهات الإسترلينية، وتتراوح رسوم عضوية نادي ويمبلدون بين 100 إلى 450 جنيها إسترلينيا سنويًا.
 

في الولايات المتحدة نجد الأندية مملوكة للولايات بأسعار اشتراك رمزية، أما الأندية الخاصة فأسعار اشتراكات العضوية بها مرتفعة، ولكن مع توفير بدائل لائقة وآدمية، فمن لا يستطيع الالتحاق بالأندية الخاصة القليلة المقصورة على أثرياء الولايات المتحدة؛ يمكنه ارتياد الأندية الحكومية شبه المجانية، والتي تضم إمكانات جيدة جدًا مقارنة برمزية رسومها، كما تنتشر الملاعب المفتوحة والساحات الشعبية الرياضية في كل حي تقريبًا، وتحتوي الجامعات على أندية رياضية متكاملة تضاهي الأندية الكبرى، والاشتراك فيها لطلاب الجامعة بسيط أيضًا.


تبلغ ميزانية وزارة الشباب والرياضة المصرية، في الموازنة العامة للدولة لعام 2015/2016، حوالي مليار جنيه فقط، يتم الإنفاق منها على شتى الأنشطة المتعلقة بالشباب والرياضة، بما فيها صيانة النوادي الحكومية ومراكز الشباب في المدن والقرى، ومن ثم إيرادات عضويات نادي الجزيرة المسجلة مثلًا تزيد على ميزانية وزارة الشباب والرياضة المصرية بأكثر من 50 ضعفا.


وإذا ما استطعنا إقناع 300 عضو فقط في نادي الجزيرة بتوجيه مبلغ العضوية لإنشاء مراكز شباب في قرى ونجوع مصر، التي
تعيش في العصور الوسطى كما أشار تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيمكنهم إغراق القرى المتبقية بمراكز الشباب، وإذا ما تعاطف معهم آخرين بنفس العدد، فيمكن صيانة وإعادة تأهيل كافة مراكز الشباب في شتى القرى المصرية، ومن ثم تستطيع تلبية احتياجات ملايين من شباب تلك القرى بشكل مستدام، وبالتالي النأي بهم عن السلوكيات المنحرفة. ولكن على العكس من ذلك وللمفارقة؛ يدعي بعض رؤساء تلك الأندية بتحقيقها خسائر؛ ومن ثم يطالبون بدعم وزارة الشباب والرياضة.


على صفحات الفيسبوك، دارت أحاديث منذ فترة ليست بالبعيدة -كردود أفعال- على ارتفاع أسعار اشتراكات نادي "وادي دجلة" المنتظرة؛ لتصل قريبًا إلى 350 ألف جنيه في العام، وبينما يبدو الرقم مبالغًا فيه بشدة، لم تكن الأحاديث من قبل الأعضاء أو من يريدون الاشتراك متعلقة بجدوى دفع كل هذه المبالغ الخرافية مقارنة مع متوسط دخول الأسر المصرية، وإنما كان الاهتمام منصبًا على تفعيل المقابلات الشخصية قبل منح العضويات بشكل أكثر دقة، والأهم وجود عدد لا بأس به من الاقتراحات بتقديم سجل قانوني يمثل سير وسلوك المتقدم للعضوية قبيل الانتساب، في عالم الأندية الاجتماعية المصرية؛ حيث يبدو كل شيء منفصل تمامًا عن ملايين المصريين خارجه.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار