اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/25 الساعة 15:50 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/29 هـ

انضم إلينا
"زمن التعويم الجميل"..طارق عامر والرقص على جثة الجنيه

"زمن التعويم الجميل"..طارق عامر والرقص على جثة الجنيه

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
في مؤتمر صحفي عقب تعويم الجنيه المصري، في الثالث من نوفمبر /تشرين الثاني للعام الماضي 2016، جلس طارق عامر (محافظ البنك المركزي المصري الحالي) وأمامه حشد من مندوبي المحطات الإعلامية المتلهفين لما هو محتمل، في أهم مؤتمر إعلامي مصرفي مصري في الآونة الأخيرة، فيما بدا عامر وكأنه في عُرس، فهو مصنف الآن على أنه "البطل المنقذ" الذي سحق السوق السوداء، حتى إنه في معرض رده على سؤال أحد الصحفيين رافعًا وملوحًا بيده اليمنى قال: "ما أنتم كلكم خبراء ودكاترة كتير بتطلع تقول دكتور وخبير، إحنا تعبنا، محدش مرة بيسألهم أنجزتم إيه في حياتكم العملية قبل ما تتكلموا في الإعلام، الشعب ده غلبان عمال بيسمع من ناس ومن ناس"، قالها مستاءً من الاقتصاديين الذين ينتقدونه، في رد -على قِصره- ينبئ عن جوهر الصراع الخفي. 

 

العطاءات المميتة
 (رويترز)

استلم "هشام رامز" مسئولية البنك المركزي المصري في يناير/كانون الثاني لعام 2013، بتكليف من الرئيس المعزول "محمد مرسي"، وكان سعر الصرف 6.5 جنيها للدولار، بينما كان يقترب من 7 جنيهات على استحياء في السوق الموازية، ومنذ أن بدأ البنك المركزي بتخليه عن نسق "الإنتربنك" في ديسمبر/كانون الأول 2012، وبضخ دولارات في شكل عطاءات دورية FX Auctions للبنوك لاستيفاء احتياجاتها من العملة الصعبة الشحيحة؛ بدأ الإنهاك يضرب جسد الاحتياطي النقدي، درع البنك المركزي الواقي ضد هجمات السوق السوداء، ومن ثم الحفاظ على قيمة الجنيه أمام الدولار دون تراجع.

 

في يناير/كانون الثاني أيضًا تراجع الاحتياطي النقدي ليسجل 13.9 مليار دولار، مع كثرة طعنات السوق السوداء وقوة نفاذها يومًا بعد آخر. أما عن المحاربين الأساسيين في ملحمة تدفق النقد الأجنبي فقد بدأت تؤثر عليهم الاضطرابات السياسية المصرية؛ ليتراجع أداؤهم إلى مستويات قياسية لأول مرة منذ سنوات بعيدة. فتراجعت إيرادات السياحة من 9.8 مليار دولار في العام المالي 2012/2013 إلى 5.1 مليار دولار في العام 2013/2014. أما إيرادات قناة السويس فقد تراجعت بشكل طفيف هي الأخرى، وكذا تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تعتبر بمثابة رأس حربة تدفق النقد الأجنبي الأهم، فقوتها تكافئ قوى إيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات مجتمعين، وربما تتفوق عليهم أحيانًا.

 

خلال عام 2015 بدأ مسلسل «انبطاح» الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي يأخذ منحىً أكثر حدة، مع شراسة ضربات السوق السوداء بفعل دخول لاعبين جدد ضمن جماعات «المضاربين»، ومن ثم اتسعت الفجوة بين السوقين بدرجة لم تصل لها من قبل

بعد الثالث من يوليو (تموز) لنفس العام 2013، وبعد إزاحة جماعة "الإخوان المسلمين" من السلطة؛ هبطت الكثير من المساعدات المالية في شكل منح وهبات من بعض الدول على مصر وصولًا إلى مبلغ 16 مليار دولار، مما حدا بالاحتياطي النقدي إلى الارتفاع من جديد حتى وصل إلى 18.9 مليار دولار في أغسطس (آب) 2013. ومع استمرار البنك المركزي في سياسة ضخ الدولارات، انخفض الاحتياطي من جديد في نهاية عام 2013 إلى 17 مليار دولار.

 

تتباطأ وتيرة انخفاض الجنيه أمام الدولار لتتراوح بين 6.5 في بداية العام إلى 6.95 بنهاية عام 2013، في حين بدت السوق السوداء بلا أنياب في هذه الفترة، حيث لم يتجاوز السعر 7.4 بفارق حوالي 45 قرش فقط عن السعر الرسمي. وفي العام 2014 بدأت تدفقات النقد الأجنبي تتحسن نسبيًا فوصلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستويات قياسية بلغت 19.3 مليار دولار في العام المالي 2014/2015.

 

أما عوائد السياحة فقد ارتفعت إلى 7.4 بينما حققت قناة السويس ارتفاعًا طفيفًا وصل إلى 5.47 مليار دولار. وحقق ميزان المدفوعات فائضًا لم يسجله منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وصل إلى 3.7 مليار دولار. ومع استمرار البنك المركزي في عطاءاته الدورية والاستثنائية فقد انخفض الاحتياطي النقدي إلى 15.9 مليار دولار بنهاية 2014.

 

تسببت التغيرات السابقة في استقرار سعر صرف الجنيه المصري نسبيًا وعدم تدهور قيمته أمام الدولار، فتراوح سعر الصرف طوال عام 2014 من 6.95 إلى 7.15 جنيه للدولار. ولكن السوق السوداء بدأت تنمو أنيابها قليلًا إذا زادت الفجوة نسبيًا بينها وبين السعر الرسمي وصل إلى 60 قرشًا وبالتالي وصل السعر إلى 7.75 بنهاية 2014. ويلاحظ أنه خلال عامي 2013 و2014 ازدادت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء بشكل يدعو للقلق وبأن الأمور حتمًا تنحدر للسيء وإن كانت تبدو مستقرة نسبيًا من بعيد.

 


مارد السوق السوداء

خلال عام 2015 بدأ مسلسل «انبطاح» الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي يأخذ منحىً أكثر حدة، مع شراسة ضربات السوق السوداء بفعل دخول لاعبين جدد ضمن جماعات «المضاربين»، ومن ثم اتسعت الفجوة بين السوقين بدرجة لم تصل لها من قبل، وبدأ الأمر يتخطى مجرد نقص تدفق موارد دولارية إلى الاقتصاد الكلي، وبدأ بعض محاربي جلب النقد الأجنبي للاقتصاد المصري «غير الحكوميين» في الانقلاب على البنك المركزي بفعل إغراق السوق السوداء.

 

بدأت بعض إيرادات قطاعات السياحة والصادرات، وأيضًا تحويلات المصريين العاملين بالخارج، في الاتجاه إلى السوق الموازية بدلًا من الصب داخل القطاع المصرفي قليل السعر، لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، لتتلقفها السوق السوداء بترحاب شديد في ظل عجز القطاع المصرفي عن تدبير احتياجات المستوردين، ومن ثم توجههم إلى البديل ولو كان مرتفع التكلفة، فالحصول على الدولار بسعر مرتفع وتحميل المستهلك ذلك الارتفاع أفضل بكثير من عدم الحصول عليه على الإطلاق. ومن هنا يتم خلق "الطلب" الذي يعد المحرك الرئيس ووقود السوق السوداء الحقيقي.

 

في أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2015 انصاع هشام رامز لضغوط السوق الموازي، وقام بتخفيض قيمة الجنيه رسميًا في البنوك بواقع 10 قروش ثم بعد أيام قام بتخفيض آخر بواقع 10 قروش أيضًا ليصل سعر صرف الجنيه إلى 8 جنيه للدولار الواحد، بينما استمرت السوق السوداء في استدراج الأسعار لتصل إلى 8.55 جنيه للدولار. 

 

 

زمن طارق عامر

بعد ارتفاع الانتقادات الموجهة لأداء البنك المركزي، لعجزه عن إيقاف تدهور قيمة الجنيه أمام الدولار، تقدم محافظ البنك المركزي هشام رامز باستقالته، مفضلًا عدم انتظار انتهاء مدته بشكل قانوني، في نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 2015، وأصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرارًا بتعيين طارق عامر خلفًا لرامز، وتكليفه بمهام توفير السلع الأساسية، وضبط الأسعار، وتفعيل وسائل الرقابة على الأسواق لمنع نزيف العملة المحلية أمام الدولار.

 

قرر طارق عامر المتحمس، والمرتدي ثوبًا غير ثوبه كما سنرى، توجيه ضربة استباقية للسوق السوداء قبل أن يتولى المنصب رسميًا، في خطوة كان يظنها ستزلزل السوق الموازية، فقام برفع قيمة الجنيه المصري في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 بمقدار 20 قرشًا، ليصبح سعر الصرف رسميًا 7.8 جنيه لكل دولار، وانتظر ردة فعل الأسواق التي لم تبالي بما فعله من الأساس وواصلت الارتفاع. كما قام بفرض العديد من إجراءات تقييد حصول المستوردين على الدولار، بحجة منع تهريبهم للعملة الصعبة خارج البلاد، وهو ما جعل تلك الفئة «المغضوب عليها» من البنك المركزي تصبح هدفًا سهلًا للسوق السوداء، لتسمن وتكبر كمارد متخم في مواجهة السوق الرسمي.

في منتصف مارس/آذار 2016 قام طارق عامر بتخفيض سعر صرف الجنيه بمقدار 112 قرشا جملة واحدة؛ ليصل سعر الصرف الرسمي لـ8.85 جنيها لكل دولار تقريبًا

رويترز


واصل ذلك المارد المترهل الضغط على الجنيه المصري لصالح الدولار، مع تفاقم نقص تدفق النقد الأجنبي للقطاع المصرفي، اللهم إلا عن طريق الاقتراض أو المنح من بعض الدول العربية، وهي عوارض غير ثابتة لا تسمن أو تغني من جوع، ومع زيادة الطلب من قبل المستوردين "وقود السوق الموازي" كما أسلفنا، وسط تحركات مكشوفة ومرتبكة من قبل طارق عامر نفسه، ومن أجل قتل الطلب على الدولار في السوق السوداء، كان لابد من توجيه ضربة إلى من يقود الطلب وهم "المستوردون"؛ لذا تمت زيادة الرسوم الجمركية على العديد من السلع في يناير /كانون الثاني للعام الماضي 2016؛ لكبح جماح عمليات الاستيراد التي تغذي السوق السوداء. ومع ذلك واصل المارد الضغط ليصعد بقيمة الجنيه أمام الدولار إلى ما يجاوز 9.15 جنيها للدولار الواحد في مارس /آذار 2016، بفارق تخطى 1.25 عن السعر الرسمي، وهي فجوة سعرية لم تصل إليها الأسواق من قبل.

 

في منتصف مارس /آذار 2016 بدا وكأن عامر استنفذ صبره بسبب ضغط السوق الموازية المستمر، فقام بتخفيض سعر صرف الجنيه بمقدار 112 قرشا جملة واحدة؛ ليصل سعر الصرف الرسمي لـ 8.85 جنيها لكل دولار تقريبًا، وتأثرت السوق السوداء وتراجع السعر ليلامس السعر الرسمي، وتأثر المواطن المصري أيضًا بارتفاع معدل التضخم بسبب هذا التخفيض.

 

ولكن إجراء عامر لم يكن قويًا بما يكفي للإنهاء على السوق السوداء؛ لذا وبعدها بأيام قليلة بدأت في النهوض من جديد، وكأنما زادها إجراء البنك المركزي قوة، فبعدها بشهر؛ أي في أبريل /نيسان 2016 وصل سعر صرف الجنيه في السوق السوداء 10.25 جنيها للدولار؛ لتتسع الفجوة السعرية بمقدار 1.35 جنيها. وفي منتصف يوليو /تموز 2016 وصل السعر إلى 11.75 جنيها للدولار؛ مما شكل صدمة سعرية لم يسبق لها مثيل. وما بدا أنه أمر محرج لمحافظ البنك المركزي طارق عامر، نجم الشباك الأول، هو ضغوط صندوق النقد الدولي الذي بدأ يتدخل ناصحًا تارة وآمرًا أخرى في سبيل إقراض مصر 12 مليار دولار. مبلغ لطالما ظلت الدولة تلهث خلفه على مدار أشهر طويلة، ولما تيقن الصندوق من أن تثبيت سعر الصرف يعد مضيعة للوقت وهدرًا للأموال وصراعًا لا فائز من ورائه سوى السوق السوداء، بدأ يلح على الإدارة الاقتصادية المصرية بتحرير سعر الصرف بشكل كامل.
 


في الثالث من نوفمبر /تشرين الثاني 2016 قام البنك المركزي بتعويم الجنيه المصري كليًا أمام الدولار الأمريكي؛ ليبدأ العمل بآلية الإنتربنك من جديد، وليقفز سعر صرف الجنيه المصري رسميًا إلى 14 جنيها للدولار في أول يوم بعد التعويم. وبالتالي تم ضرب السوق السوداء في مقتل يومئذ؛ حيث تم نقل عملياتها إلى حظيرة القطاع المصرفي، عن طريق تحديد سعر الصرف وفقًا لقوى العرض والطلب داخل البنوك. ولكن لم تنته القصة بعد، ففي الجزء الرابع والأخير نتناول توقعات قيمة الجنيه أمام الدولار في فترة ما بعد التعويم خلال عامي 2017/2018. 

 

الخلل المُدمِّر
"المركزي لا يخفي الدولار؛ لكنه يدير موارد الدولة من العملة الصعبة وفقًا لما هو متاح، فليست مهمة البنك جذب الدولار من الخارج، وللأسف المصروفات أكثر من الإيرادات، ويجب تحفيز الاستثمار وتشجيع السياحة" -هشام رامز، محافظ البنك المركزي السابق، متحدثًا في أكتوبر/تشرين الأول 2015 قبيل تقديمه استقالته من قيادة المصرف المركزي المصري.

 

منذ مطلع العام 2014 بدأت الإدارة الاقتصادية في مصر، بشقيها المالي والنقدي ومن خلفها الإعلام، تقع في مغالطة مدمرة ظلت تكبر يومًا بعد يوم، تنتهك أبسط قواعد إدارة الاقتصاد الكلي، وربما كانت السبب الرئيس في انبطاح الجنيه المصري أمام الدولار بتلك الطريقة في العامين الأخيرين، وهي اختزال الاقتصاد المصري برمته في تحركات السياسة النقدية فقط، وكأن المجموعة الاقتصادية ومن خلفها الإعلام تناسوا أن التأثير في السلوك الاقتصادي للدولة يعتمد على إجراءات معينة، يتم اتخاذها من قبل عديد من السياسات تتفاعل فيما بينها، ويعضد بعضها بعضًا، وأبرزها جناحي الاقتصاد الكلي وهما "السياسة المالية" و"السياسة النقدية"؛ فالأولى تمتلك أدوات تتعلق بالضرائب والإنفاق أو الموازنة العامة وإدارة الدين، وتوجيه موارد الدولة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المحددة، ويتفرع عن تلك الأدوات الإيرادات العامة بجميع أنواعها بما فيها قنوات تدفق النقد الأجنبي. 



 (رويترز)


أما مهمة السياسة النقدية فهي التحكم في أسعار الفائدة والمعروض النقدي وكيفية إدارته. وهناك السياسة التجارية الخارجية المتعلقة بتحسين ميزان المدفوعات وبخاصة الميزان التجاري. وجميع تلك السياسات تعمل معًا كقوة ضاربة متحدة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ومن ثم تحقيق معدل مرتفع من النمو في ظل استقرار الأسعار المصحوب بالتوظيف الكامل لعناصر الإنتاج.

 

ولا ينبغي أن تطغى واحدة على أخرى، وإنما يقتضي الأداء الاقتصادي القوي إحداث التوازن بين تلك السياسات، كما لا ينبغي أن يُختزل الاقتصاد ونتائجه في نوع واحد من تلك السياسات وإهمال الأخرى، وإلا فهناك خلل جسيم يضر أكثر مما ينفع.

 

في ورقة بحثية بعنوان «التفاعل بين السياسة المالية والنقدية» نُشرت في مارس (آذار) 2015 بواسطة ماريو بيرتيلا وآخرون، خلصت في أحد نتائجها إلى أن التغيرات في السياسة النقدية الناجمة عن الانحراف عن أهدافها؛ تولد دائمًا آثارًا مالية سيئة.

 

ما حدث في مصر خلال العامين الماضيين هو اختزال الأداء الاقتصادي في السياسة النقدية وممثلها البنك المركزي، حتى أصبح اسم محافظ البنك المركزي أكثر الأسماء شهرة وتداولًا بين العامة، وباتت حركاته وسكناته محل نظر بشكل مبالغ فيه من قبل الإعلام، حتى أضحى في صورة البطل المخلص، وقبل هو الآخر ذلك الدور البطولي «المصطنع». فكانت تحركاته مكشوفة للجميع، حتى أن الشخص العادي على سبيل المثال أصبح يعلم مواعيد سداد مصر أقساط ديون نادي باريس، ومن ثم يتوقع انخفاض قيمة الجنيه في تلك الفترة، وبالتالي يُمسك ما بيده من دولارات في انتظار المزيد من التدهور في قيمة الجنيه، وهو من كان قبل عامين ربما لا يعرف اسم رئيس الوزراء.

 

في عهد المحافظ هشام رامز دأب في جُل أحاديثه على نفي التهم الموجهة للبنك المركزي، ومشيرًا من طرف خفي إلى أن مهمة المركزي ليست جلب النقد الأجنبي، وإنما إدارته فقط. وكأن العودة للثوابت وايضاحها، ووضع الأمور في نصابها والاعتراف بالخلط الواضح في المفاهيم، أصبح «وصمة عار» عقابها رمي الرجل بالفشل. فاستغاثاته لم تقابل سوى بمزيد من الاستهجان لعجزه المفترض عن إدارة الاقتصاد المصري.

 

الجريمة
 
"يا جماعة إحنا مش بنصلح في مصنع كان بايز، إحنا بنظبط في اقتصاد عانى كتير لسنوات طويلة"
(طارق عامر، أثناء مؤتمر صحفي عقب تعويم الجنيه، في الثالث من نوفمبر /تشرين الثاني 2016)

 
 (رويترز)


لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ وإنما يتجاوز ذلك لمرحلة تلحق بالاقتصاد الكلي ضررًا كبيرًا وربما تقوده إلى الانهيار، وهي أن محافظ البنك المركزي "مصرفي" بالدرجة الأولى، ولا يحسن إدارة الاقتصاد بشكل يجعله مؤهلًا لحمل الدور الذي فُرض عليه. فبدلًا من القيام بدوره الرئيس في إدارة النقد الأجنبي، والتحكم في صنبور الأموال داخل السوق عن طريق أسعار الفائدة، يتم دفعه من قبل الأفراد المنوط بهم العمل على جلب النقد الأجنبي إلى حلبة القتال بالنيابة عنهم، بينما يقف أولئك الأفراد مصطفين مع الجمهور للمشاهدة. فلا غرو إذن أن
يقول عامر إن التعويم "أنقذ البلاد من كارثة محققة"، ولولاه لكانت الأوضاع الاقتصادية اتجهت إلى طريق "أكثر سوءًا".

 

ولما وافق عامر على دخول الحلبة منفردًا، كان من الطبيعي أن يخرج باستمرار ليتحدث في كل ما يخص الاقتصاد المصري؛ حتى طالبه الاقتصاديون بالصمت؛ لأن أحاديثه أضحت بمثابة قوة محركة للسوق السوداء. فمن بديهيات منصب محافظ البنك المركزي أن يتحدث بمقدار، ويصمت بمقدار أيضًا، فكلماته تحرك الأسواق إما سلبًا أو إيجابًا، ولكن طارق عامر تجاوز دوره كحاكم للبنك المركزي لدور إعلامي يؤثر بالسلب على قوة منصبه الوظيفية.

 

وبسبب هذا الدور المصطنع للمصرفي كان لابد من وقوع خلاف بينه وبين أولي الأمر وهم الاقتصاديون، للضرر البالغ لقراراته على الاقتصاد الكلي، ولأنه أصبح بمثابة "منقذ" الاقتصاد المصري فهو يتخطى اختصاصاته بشكل غير رسمي؛ ليتوغل في مناطق بعيده عن خبراته.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك