اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/29 الساعة 15:41 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/3 هـ

انضم إلينا
الابتكار.. قوة الفكرة في مواجهة التحديات الاقتصادية

الابتكار.. قوة الفكرة في مواجهة التحديات الاقتصادية

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض

نحن الآن في عام 1956، وتحديدًا في قرية "أجوناريد"، إحدى القرى الفقيرة التابعة لمحافظة "سمولاند" بجنوب السويد. هنا تعمل شركة صغيرة تبيع الأثاث التقليدي يمتلكها شاب لم يتجاوز الثلاثين يدعى "إنغفار كامبراد". كلف كامبراد أحد موظفيه الأربعة في الشركة، ويدعى "جيليس وندغرين"، بحمل منضدة ثلاثية الأرجل (والمسماة بالسويدية "لوفيت"؛ أي ورقة الشجر) والذهاب إلى ستوديو قريب من أجل تصويرها وإرفاق الصورة في كتالوج جديد تعده الشركة لمنتجاتها. خرج "وندغرين" حاملًا المنضدة الكبيرة إلى سيارته الصغيرة، ووقف أمام السيارة محاولًا إدخال المنضدة؛ لكن محاولاته باءت بالفشل فالأرجل كانت كبيرة ولا يمكن إدخالها في تلك السيارة صغيرة الحجم، في حين ظل "وندغرين" حائرًا فيما ينبغي عليه أن يفعله.

 

بالعودة إلى الوراء قليلًا، وتحديدًا في عام 1943، كان "إنغفار كامبراد"، البالغ من العمر 17 عامًا وقتها، قد بدأ للتو نشاطه التجاري الذي أطلق عليه اسم "إيكيا"، باستثمار مبلغ صغير من المال حصل عليه كمكافأة حازها من والده لتفوقه في المدرسة. بدأت "إيكيا" نشاطها ببيع الأقلام والجوارب النايلون عن طريق البريد، وبحلول عام 1948 بدأت الشركة بيع الأثاث؛ ولكنه لم يكن ذلك النوع من الأثاث الذي تبيعه "إيكيا" اليوم، فبدلًا من ذلك باع "كامبراد" الكراسي والطاولات التقليدية التي كان يتم تصنيعها وتجميعها من قبل الشركات المحلية، وبحلول العام 1951 وضعت "إيكيا" أول دليل عرض لتلك المنتجات التقليدية، وكان الأثاث كبير الحجم وضخمًا إلى الحد الذي يجعله أكثر تكلفة ويصعب من مهمة شحنه وحمله.

 

رجل الأعمال السويدي "إنغفار كامبراد" مؤسس "إيكيا" والبالغ من العمر 91 عاما، يحتل المركز الثاني عشر في ترتيب أغنياء العالم وفقا لـ"بلومبيرغ" بثروة تقدر بأكثر من 43 مليار دولار أميركي.

رويترز
 

لم يكن أحد يتوقع أن تلك المعضلة البسيطة التي واجهها "جيليس وندغرين" -خريج كلية مالمو للتقنية- والذي تم تعيينه في "إيكيا" عام 1953 كمدير للخدمات، في إدخال طاولته إلى السيارة سوف تكون مفتاحًا للثورة الأكبر في عالم الأثاث حتى عصرنا الحالي. في تلك اللحظة لاحت لـ"وندغرين" فكرة مبتكرة، حولت "إيكيا" حرفيًا من شركة مغمورة فقيرة إلى كيان عملاق يجوب الكرة الأرضية: "لماذا لا نزيل أرجل الطاولة ثم نطويها داخل السيارة؟" ومن هنا ظهر ابتكار الحزم المسطحة (Flat-pack) الثورية، وسرعان ما استطاع "وندغرين" إقناع "كامبراد" بإدخال تلك الحزم في نموذج الأعمال للشركة الوليدة، وقد نمت "إيكيا" بفضل الحزم المسطحة من شركة تقوم بأعمال صغيرة في الريف السويدي، إلى إمبراطورية متعددة الجنسيات بمبيعات تزيد على 37 مليار دولار سنويًا.

 

قلل هذا الابتكار الثوري تكاليف أثاث "إيكيا" بشكل كبير، كما أصبحت مخازن الشركة تحتفظ بكميات كبيرة من الأثاث مقارنة بمنافسيها، وسهَّلت التقنية الجديدة عمليات الشحن لأي مكان وبكميات كبيرة، كما تم تشجيع مصممي "إيكيا" على تبنّي لمسة جمالية هندسية نظيفة وبسيطة تميز الشركة إلى الآن. وتوسع استخدام تقنية الحزم المسطّحة من عالم الأثاث إلى الهندسة المعمارية والإغاثة من الكوارث، والسلع الرياضية وألعاب الفيديو والكثير من المنتجات، وُلدت جميعًا من رحم محاولة فاشلة لإدخال منضدة في سيارة.

اقتصاد الابتكار
في كتابهما الشيق "اقتصاد الابتكار: سباق الأفضلية العالمي"، يقدم الاقتصاديان "روبرت د. أتكينسون" و"ستيفن ج. إيزيل" الحجّة القوية حول الدور الاستثنائي الذي يلعبه العلم والتكنولوجيا في الاقتصاد. فالابتكار في رأيهما لا يتوقف عند الأفكار الجديدة، وإنما يتم اعتماده في المنتجات الجديدة والعمليات والخدمات والنماذج التنظيمية، ويرى السيّدان أن هدف السياسة العامة ينبغي أن يكون الاستثمار في خط الابتكار بداية من العلوم الأساسية إلى التسويق التجاري.

ويأتي هذا الطرح في معرض تحذير الكاتبين للولايات المتحدة من أن "الدول المنافسة تقدم الدعم اللازم للتكنولوجيا والابتكار حتى أضحى مبدأً رئيسًا لاستراتيجياتها وسياساتها الاقتصادية؛ بينما تفتقر أميركا إلى سياسة ابتكار قوية". ومن ثم أكد الكاتبان أنه إذا لم تتدارك الولايات المتحدة هذا الواقع، فسوف يواجه الأميركيون مستويات معيشة منخفضة نسبيًا بسبب الاقتصاد الوطني غير التنافسي الناجم عن ضعف الاقتصاد الابتكاري.

مجرد فكرة مبتكرة، حولت "إيكيا" حرفيًا من شركة مغمورة فقيرة إلى كيان عملاق يجوب الكرة الأرضية. (رويترز)

ولمّا كانت مؤسسات الأعمال، مثل الشركات، تشكِّل وحدات بناء الاقتصادات، ومع كون أداء تلك الشركات صار اليوم يرتبط بقدرتها على الابتكار؛ ظهرت نظرية "الاقتصاد الابتكاري" التي تعيد صياغة النموذج التقليدي للنمو الاقتصادي؛ بحيث يتم إدخال الابتكار في قلب ذلك النموذج بدلًا من اعتباره قوة مستقلة لا تؤثر في الأداء الاقتصادي.
ويستند اقتصاد الابتكار على اثنين من العوامل الرئيسة: أولهما أن الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية ينبغي أن يكون التشجيع على زيادة الإنتاجية عن طريق زيادة الابتكار، وثانيهما أن الأسواق التي تعتمد على حركة الأسعار وحدها لن تكون دائمًا فعالة. ومن ثم تتعارض نظرية اقتصاد الابتكار، الذي يعتبر عالم الاقتصاد "جوزيف شومبيتر" الأب الروحي لها، مع المذاهب الاقتصادية التقليدية الأخرى كالاقتصاد الكلاسيكي الجديد والاقتصاد "الكينزي".

 

ورغم ذلك؛ فإنَّ هناك حقيقة قاسية وقاتمة لأصحاب الأعمال الناشئة أو من يفكِّرون في بدء أعمالهم، وهي أنَّه من بين عشرة أعمال ناشئة تتعرض تسعة منها للفشل. وتعزى معظم أسباب فشل تلك المشروعات في النهاية إلى عدم استخدام منهجية الابتكار كإحدى الركائز الأساسية في نموذج الأعمال. وعلى النقيض من ذلك فإن الابتكار هو المفتاح الرئيس لنجاح الأعمال التجارية، ومن ثم دفع النمو الاقتصادي للدول التي تستضيف تلك المشروعات..

فالقدرة على توليد أفكار جديدة للحفاظ على العمليات والمنتجات والخدمات الجديدة؛ تعني نجاح المشروع واستدامته وتغلبه على المعوقات التي تقابله، بخاصة في فترة أول خمس سنوات من نشأته. وقد كشفت دراسة أجرتها "أكسنتشر"؛ عملاق استشارات الأعمال العالمية، أن أكثر من 90% من المديرين التنفيذيين يعتقدون أن النجاح طويل الأجل لاستراتيجية شركاتهم؛ يعتمد على قدرتهم على تطوير أفكار جديدة، كما توصَّلت الدراسة إلى أنَّ معظم الموظفين يشعرون أنَّ شركاتهم لا تفعل ما يكفي لتعزيز الابتكار.

 

 

تؤكد "مارغريتا درزنيك"، إحدى خبراء الاقتصاد البارزين وكبيرة الاقتصاديين في المنتدى الاقتصادي العالمي، أنه سيتم تحديد التقدم الاجتماعي والاقتصادي للدولة بشكل متزايد في المستقبل من خلال قدرتها على الابتكار والتكيف بسرعة مع البيئات الجديدة، كما أن عوامل مثل البحث العلمي والتكنولوجي والتطوير والإبداع والأفكار التجارية الجديدة والقدرة على تنفيذ نماذج أعمال جديدة؛ سوف تحدد بشكل متزايد مدى نجاح الدولة اقتصاديًا. وللدلالة على الأهمية المتزايدة للاقتصاد الابتكاري، عُد الابتكار الركن الأول من أركان اقتصاد المعرفة الأربعة. كما تم إنشاء مؤشر للابتكار العالمي من قبل كلية "إنسياد" بالتعاون مع جامعة "ييل" والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، وهو يقيس أداء الابتكار في الاقتصادات العالمية.

 

عالم من الابتكارات
منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي بدأت الشركات الكبيرة تلتفت إلى أهمية تطبيق نماذج ابتكارية، وجاءت استجابتها الأولى عبر الاستعانة بمصادر خارجية لتعزيز جهودها في مجال الابتكار، فكانت تدفع سنويًا ما بين 300 ألف دولار إلى مليون دولار إلى شركات الاستشارات التي تجري تحليلات للسوق، وتتعمق في البحث عن الاحتياجات حتى لا تطرح الشركات منتجات لا يريدها السوق، وتعمل الشركات الاستشارية -تلك أيضًا- على تحديد الفرص الجديدة، وتوليد أفكار واعدة، وغالبًا تقوم بتطوير الأفكار إلى نماذج أولية للعمل. ثم يأتي دور الشركات العاملة في تحسين هذه المفاهيم والنماذج الأولية ونقلها إلى السوق.

 

غير أن السمة الرئيسة للشركات التي تعتني بالابتكار سواءً باستيراده من الخارج أو من الداخل؛ هو قدرتها على التغلب على التحديات، سواءً كانت شركات ناشئة أو متوسطة أو كبيرة. وقد تطوَّر الأمر فيما بعد إلى خلق وحدات ابتكارية داخل الشركات نفسها من أجل توليد الأفكار الجديدة، وتطوير الأفكار القائمة، وإنقاذ المنتجات التي تشهد تراجعاً في مبيعاتها لأسباب معينة. فضلًا عن الشركات التي اتَّخذت الابتكار منهجية أساسية في نماذج أعمالها، والذي تقوم به الإدارة العليا لتلك المؤسسات، ليختفي جزئيًا اعتماد الشركات في الجهود الابتكارية على مؤسسات خارجية.

 

وتُولي العديد من الشركات الآن اهتماما كبيرا بإدراج حاضنات داخلية للابتكار أو مختبرات ابتكارية داخلية، والهدف من تلك البرامج هو تشجيع الموظفين على طرح الأفكار، وتوفير رأس المال التجريبي للموظفين، واختبار الأفكار، ومن ثم ضمان استمرار النجاح في نهاية المطاف. لدرجة أنَّ بعضها تخطَّى مرحلة مجرد وجود حاضنة للابتكار فقط إلى تطوير أنواع مختلفة من برامج الابتكار.

 

 

حقَّقت الشركات الكبرى، القائمة بالأساس على الابتكار، نتائج مبهرة جرَّاء إدخال الابتكار كمنهجية أساسية في عملياتها، فشركة مثل أمازون تدرُّ أكثر من ملياري دولار سنويًا كنتيجة مباشرة لاعتماد الابتكار في أسلوب عملها، بداية من الحوسبة السحابية مرورًا ببرنامج "أمازون برايم" الذي جعل عدد مشتركي "أمازون" أكثر من 100 مليون مشترك في الولايات المتحدة وحدها، وصولًا إلى جهاز "كيندل" الذي أحدث ثورة في قراءة الكتب الإلكترونية، فثلاثية الابتكارات صبَّت الإيرادات على "أمازون" صبًّا.

في الوقت الذي يلقي فيه فشل الشركات الناشئة بعبءٍ أكبر على الاقتصادات الوطنية في الوطن العربي؛ فإنه يمكن اعتبار اقتصاد الابتكار اليوم مسألة حياة أو موت ليس للشركات فقط؛ ولكن للدول أيضًا!

وبالطبع لا يمكننا في معرض الحديث عن الابتكار أن نتجاهل العملاق "آبل"، الذي نجح في تغيير مفهوم الاستماع إلى الموسيقى من خلال أجهزة "آي باد" و"آي تونز"، والتطبيقات الجديدة، إضافة إلى إحداث ثورة في عالم الهواتف النقالة عبر "آي فون" و"أب ستور". وتضم قائمة الابتكار الكثير من الشركات الضخمة كشركة "بليزارد"، و"كابيتال وان"، و"ديزني"، و"إليكترونيك آرتس"، و"فيدكس"، و"فور سيزون"، و"جولدمان ساكس"، و"نايك"، و"ستاربكس"، وبالطبع الشركات التكنولوجية مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"آي بي أم"، و"أتش بي"، و"أنتل"، و"موتورولا"، و"بيكسار"، و"نفيديا"، و"سوني"، وآخرين.

 

بالانتقال جغرافيًا إلى عالمنا العربي، حيث تقابل الشركات الناشئة صعوبات جمَّة في بداية عملها، نجد أنَّ معظم الناجين من فيضان فشل الشركات هم أولئك الذين يعتمدون نماذج عمل ابتكارية؛ حيث يمكّن الابتكار الشركات الناشئة من تقليل التكاليف ومن ثم تعزيز التنافسية، أو يُمكِّنُها من زيادة جودة المنتج أو الخدمة؛ ومن ثمَّ إعادة خُطَّة التسعير وتحقيق المزيد من الأرباح.

وفي الوقت الذي يُلقي فيه فشل الشركات الناشئة بعبء أكبر على الاقتصادات الوطنية؛ حيث يعني عودة الموظفين إلى بطالتهم، وتضييع الفرصة في ارتفاع الناتج المحلي، وتراجع نسبة الإيرادات العامة من الضرائب والرسوم، وحرمان أصحاب الأعمال من زيادة دخولهم، وخسارة المجتمع للجهود المجتمعية التي كانت ستقوم بها الشركة في حال نجاحها، وانخفاض مستويات معيشة المتعاملين مع تلك الشركات؛ فإنه يمكن اعتبار اقتصاد الابتكار اليوم مسألة حياة أو موت ليس للشركات فقط؛ لكن للدول أيضًا!

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار