اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/18 الساعة 16:31 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/22 هـ

انضم إلينا
معاناة أوبك.. هل شارفت المنظمة على الموت؟

معاناة أوبك.. هل شارفت المنظمة على الموت؟

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
لأسطورة "الفزاعة"، التي كان قدماء المصريين أول من استخدمها تاريخيًا، أصلٌ لا يروى كثيرًا، فيُحكى قديمًا أن مزارعًا امتلك أرضًا لا مثيل لها بين كل الأراضي المجاورة؛ طقسٌ مثاليٌ للزراعة ومياه غزيرة وتربة شديدة الخصوبة؛ ولذا كان بديهيًا أن تجلب للمزارع ثروة طائلة، وكان بديهيًا -أيضًا- أن تكون مطمعًا لكثير من اللصوص وقطاع الطرق.

 

تقول الأسطورة إن سبعة من اللصوص دأبوا على الاستيلاء على ثروة المزارع تاركين له الفتات؛ إلا أن المزارع ثار عليهم ذات يوم حتى أعاد ملكية أرضه كاملة، لتمر سنوات أخرى ظل يراكم فيها ثروته ويدافع عنها، من اللصوص تارة ومن الطيور والزواحف تارة أخرى؛ واقفًا في قلب أرضه دومًا حاملًا عصا غليظة وفأسًا وبندقية، يهزمونه مرة ويهزمهم مرات بأسلحته الرادعة في ذلك الوقت؛ إلا أن زيادة الهجمات أوحت بالخطر الوشيك، حتى حولت المزارع إلى شخص أقرب إلى الموت من الحياة، قبعة مهترئة تغطي رأسه المتدلي، فاردًا ذراعيه المحطمتين، واقفًا وسط أرضه لا يحرك ساكنًا ليفقد السيطرة عليها بالكلية، متحولًا إلى ما عرفناه فيما بعد بالـ"فزاعة".

 

كانت آبار الشرق الأوسط النفطية المتدفقة بمثابة ملعب للشركات الضخمة، فقد حددت أسعار النفط العالمية بالاتفاق بينها، وبدعم من الدول المستعمرة لبلدان العالم النامي (أرامكو السعودية)

 

في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي هيمنت على صناعة النفط العالمية سبع شركات متعددة الجنسيات أطلق عليها "الأخوات السبع"، خمس منها كان مقرها بالولايات المتحدة وهي: شركة النفط "الإنجلو-إيرانية" والمعروفة حاليًا بـ"بريتش بتروليوم"، و"نفط الخليج" التي أصبحت فيما بعد جزءًا من مجموعة "شيفرون"، و"رويال داتش شل"، و"ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا سوكال"، والتي أصبحت "شيفرون" فيما بعد، و"ستاندرد أويل أوف نيوجيرسي إيسو" والمتحولة فيما بعد لـ "إكسون"، و"ستاندرد أويل أوف نيويورك سوكوني" وأصبحت "موبيل" بعد ذلك، وهي الآن جزء من "إكسون موبيل"، و"تيكساكو" المدمجة لاحقًا في "شيفرون" أيضًا.

 

كانت آبار الشرق الأوسط النفطية المتدفقة بمثابة ملعب تلك الشركات الأضخم والأهم، كما جرى تحديد أسعار النفط العالمية بالاتفاق بينها، وبدعم من الدول المستعمرة لبلدان العالم النامي، وبين لجنة تكساس للسكك الحديدية، التي تطور عملها من تنظيم السكك الحديدية في الولايات المتحدة؛ إلى تنظيم إنتاج النفط والغاز وخطوط الأنابيب والفحم واستخراج اليورانيوم، مع الإبقاء على اسمها القديم.

 

في (فبراير/شباط) عام 1959 قامت "الأخوات السبع" بتخفيض 1 أسعار النفط الخام الفنزويلي والشرق أوسطي بنسبة 10%، من طرف واحد، بالتنسيق مع لجنة تكساس كالعادة، بما يضر باقتصادات دول الشرق الأوسط وفنزويلا. حملت حينها الدول المصدرة للنفط غضبها جراء تخفيض الأسعار المتعمد، واجتمعت معًا في القاهرة بعدها بعدة أيام تقريبًا؛ ليصبح ذلك هو أول مؤتمر عربي للنفط. كانت مهمة المؤتمر الوصول لطرق ناجعة لتغيير الأسعار، والدفاع عن مصالح الدول المجتمعة ضد النفوذ الاقتصادي والسياسي الغربي المهيمن.

 

في (أغسطس /آب) 1960، ومع تجاهل غضب الدول المصدرة للنفط، قامت الشركات بتخفيضات كبيرة في أسعار نفط الشرق الأوسط مرة أخرى، فقد كان سعر برميل النفط العربي الخفيف في ميناء رأس تنورة عام 1955 يساوي 1.93 دولارا، وانخفض في عام 1960 إلى 1.5 دولارا. وفي الشهر التالي، وتحديدًا في الفترة من 10 إلى 14 (سبتمبر/أيلول) 1960، عقد مؤتمر في العاصمة العراقية بغداد2، حضره ممثلون حكوميون من الدولة المضيفة "العراق"، بالإضافة إلى إيران والكويت والسعودية وفنزويلا؛ لبحث سبل زيادة أسعار النفط الخام التي تنتجها دولهم، وكيفية الاستجابة للإجراءات الفردية التي تقوم بها الأخوات السبع.

 

تم انبثاق أوبك من المؤتمر الذي عقد في العراق وبحضور كل من إيران والكويت والسعودية وفنزويلا (1960) (موقع أوبك)

 

من شرر غضب الدول الخمس انبثقت منظمة للدول المصدرة للنفط عُرفت اختصارًا بـ"أوبك"، رغم معارضة الولايات المتحدة القوية، تهدف إلى "تنسيق وتوحيد السياسات البترولية في البلدان الأعضاء في المنظمة، وضمان استقرار أسواق النفط من أجل تأمين إمدادات منتظمة للمستهلكين، ودخل ثابت للمنتجين، وعائد عادل للمستثمرين في صناعة النفط". واقترحت دول الشرق الأوسط أن يكون مقر الكيان الوليد في بغداد أو بيروت، بينما أرادت فنزويلا أن يكون المقر في مكان محايد؛ ليتم الاتفاق على جنيف بسويسرا، وفي عام 1965 رفضت سويسرا تمديد الامتيازات الدبلوماسية3؛ ليتم نقل المقر إلى فيينا بالنمسا. وخلال عقد ونصف بعد إنشاء المنظمة انضمت كل من قطر وإندونيسيا وليبيا والإمارات والجزائر ونيجيريا والإكوادور والغابون؛ ليصبح إنتاج أوبك بحلول منتصف السبعينيات يُشكل أكثر من نصف الإنتاج العالمي.

 

اكتسبت المنظمة الفتية -منذ نشأتها- قوة ونفوذًا كبيرين لتصبح لاعبًا مؤثرًا في أسواق النفط العالمية، ومن ثم الاقتصاد العالمي برمته، بعد فرض كل دولة من الدول الأعضاء لكامل سيادتها على الموارد النفطية لها، ومع تحكم "أوبك" في حصتها العالمية التي فاقت النصف، أصبح لها اليد العليا في تحديد الأسعار وضبط الإنتاج، حتى التصق بها مصطلح "الكارتل" أو الحلف الاحتكاري، وكان يضرب بها المثل للتدليل على أي كارتل آخر.

 

وفي العام 1973 اكتشف الكارتل النفطي أن لديه أنيابًا سياسية فضلًا عن الاقتصادية؛ حيث وجهت "أوبك" ضربة موجعة للاقتصاد العالمي ربما لم تتوقع مدى تأثيرها الذي وقع آنذاك، فقامت بإجراء تخفيضات كبيرة في الإنتاج4، وفرض حظر نفطي على الولايات المتحدة، وبعض الدول الصناعية الأخرى مثل هولندا، بسبب دعم تلك الدول للكيان الصهيوني في حرب (أكتوبر/تشرين الأول) مع مصر؛ لترتفع أسعار النفط من ثلاثة دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا، ولترتفع معه إيرادات الدول المصدرة للنفط أيضًا، وانتشر الذعر في الاقتصادات العالمية، وتحديدًا الأميركي؛ حيث تم فرض حالة الطوارئ على قطاع الطاقة، وتم إنشاء الوكالة الدولية للطاقة لتقليل تأثير ضربة أوبك، وتم تقييد شراء البنزين في أيام معينة وترشيد الاستهلاك المحلي، وانخفض الإنتاج الأميركي من النفط، وتراجعت قيمة الدولار، وفرضت العديد من الدول الأوروبية حالة الطوارئ أيضًا؛ لتستمر الأسعار في الارتفاع حتى بعد إزالة الحظر في (مارس/آذار) 1974، ليشهد العالم ركودًا اقتصاديًا لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، وارتفعت معدلات البطالة العالمية مع ارتفاع معدلات التضخم، وحدثت اختلالات هيكلية في موازين الدول المستوردة للنفط.

 

كادت "أوبك" حينها أن تعصف بالاقتصاد العالمي، وتأكد للدول الصناعية -وعلى رأسها الولايات المتحدة- خطر وجودها، فكان لابد من البحث عن حلول لمواجهة هذا الخطر، أو على الأقل رد تلك الضربة من جديد.

 

اجتماع الدول الأعضاء في أوبك 1973 (موقع أوبك)

 

"أوبك" المتناقضة

كما كانت هناك عوامل بناء أدت إلى ولادة "أوبك"، فهناك عوامل هدم أخرى تحملها دول أوبك بين جنباتها أيضًا، وهي كمية التناقضات والاختلافات بين الدول الأعضاء في الظروف الجيوسياسية والاقتصادية والسكانية، وهو ما ظهر جليًا منذ بداية الثمانينيات. فقد اتفقت دول أوبك على تقنين نظام الحصص بين الأعضاء بداية من عام (1980/1981)، حتى تستطيع السيطرة على الإنتاج ولترفع من الأسعار المنخفضة؛ إلا أن الدول كانت تنتج أكثر من حصتها المقررة لتعويض انخفاض الأسعار، وفي العام 1982 بدأت أولى بذور الشقاق تُنبت في أرض "أوبك" فعليًا، فالسوق العالمي للنفط آنذاك كان متخمًا بالإنتاج من دول داخل وخارج "أوبك"، وواصلت الأسعار الانخفاض، وتراجعت الإيرادات النفطية للدول الأعضاء بشدة.

 

تغير سقف الإنتاج لأوبك؛ ومن ثم تم إعادة توزيع الحصص بين الأعضاء أكثر من 25 مرة، ما يدلل على عمق اختلاف وجهات النظر بين الدول الأعضاء وتضارب مصالحها، ما أفرز فشلًا معتادًا حينما تريد المنظمة الاتفاق على خفض الإنتاج أو رفعه

قامت المملكة العربية السعودية بالضغط على مجتمع "أوبك" لخفض حصص الإنتاج الوطني من أجل رفع الأسعار من جديد؛ إلا أن الدول الأعضاء لم تستجب، فقامت السعودية -أكبر منتج عالمي للنفط- بتخفيض إنتاجها منفردة من عشرة ملايين برميل يوميًا، وهو مستوى إنتاجها الطبيعي منذ عام 1979، إلى ثلث هذه الكمية تقريبًا حتى عام 1985. إلا أن محاولات المملكة في العودة بالأسعار إلى عهدها السابق لم تفلح، وعلى العكس فقد خسرت الكثير من حصتها في سوق النفط العالمي، وتراجعت إيراداتها بشدة، فقررت الانتقام من الجميع، وسارت عكس مسارها الأساسي، وغمرت الأسواق بالنفط لتسقط الأسعار إلى ما دون العشرة دولارات للبرميل، ويخسر المنتجون ممن ترتفع تكاليف الاستخراج والحفر عندهم. لتعود الدول غير الممتثلة إلى المطالبة بتفعيل نظام الحصص من جديد5، وتبدأ أوبك مرحلة جديدة في تقليل الإنتاج بداية من عام 1986، لتحقيق التوازن والعودة بالأسعار للارتفاع من جديد.

 

فيما بعد أصبح الخلاف حول نظام الحصص بين الدول الأعضاء سمة من سمات أوبك، يتجدد باستمرار بسبب وجود تلك التناقضات بينها، إلا أنه أصبح أكثر حدة بمرور الوقت ما شكل تهديدًا وما زال لسلامة الكيان العجوز الآن. فالخلاف على نظام الحصص تتسع فجوته في كل مرة عن سابقتها. اختلافات عميقة في بنيان "أوبك" تفضي إلى تناقض في المصالح؛ بداية من عدم توازن توزيع الثروة البترولية، فدول تمتلك ثروة ضخمة وقدرة إنتاجية كبيرة تمكنها من ترجيح الكفة لصالحها وقتما تريد، كالسعودية، وأخرى أقل قدرة، فضلًا عن الصراعات السياسية الداخلة بقوة على الخط، بداية من الصراع الإيراني العراقي ثم العراقي الكويتي إلى الخليجي الإيراني، ومرورًا بالصراعات الداخلية في العراق وليبيا ونيجيريا، والعقوبات الغربية على إيران، والنموذج الاقتصادي الأفشل عالميًا في فنزويلًا.

 

دول لديها احتياطيات نقدية ضخمة تمكنها من التحمل عند انخفاض الأسعار، وأخرى تعاني حد الإفلاس عند استمرار انخفاض الأسعار، ودول تكاليف إنتاج النفط فيها قليلة وأخرى أكبر، ما يحدث تفاوتًا في قوة التحمل عند انخفاض الأسعار أيضًا، ودول تخرج من تحت عباءة أوبك وأخرى تعلق عضويتها وثالثة تدخل، ما يُحدث اختلالًا في حصص الإنتاج يؤدي إلى النزاع في نهاية الأمر.     

 

منذ تفعيله لأول مرة عام 1982، إلى الاتفاق6 الأخير في 30 (نوفمبر/تشرين الثاني) للعام الماضي 2016، تغير سقف الإنتاج لأوبك؛ ومن ثم تم إعادة توزيع الحصص بين الأعضاء أكثر من 25 مرة، ما يدلل على عمق اختلاف وجهات النظر بين الدول الأعضاء وتضارب مصالحها، ما أفرز فشلًا معتادًا حينما تريد المنظمة الاتفاق على خفض الإنتاج أو رفعه. فالأمر الطبيعي يقضي بتخفيض الإنتاج عند انخفاض الأسعار حتى تعاود الأسعار الصعود من جديد؛ ولكن عند تتبع سقف إنتاج أوبك ومراحل تغيير الحصص، يتضح أنه في أغلب الأحيان كان يرتفع سقف الإنتاج عن طريق تجاوز الدول لحصصها في أوقات انخفاض الأسعار.

 

 

في العام 2012 تم الاتفاق على رفع سقف الإنتاج إلى 30 مليون برميل يوميًا؛ ليرتفع السقف تدريجيًا بتجاوز الدول لحصصها المقررة إلى 31 مليون برميل يوميًا. ومع ارتفاع الطلب العالمي على النفط، والاضطرابات التي حدثت في بعض الدول المصدرة للنفط، ارتفعت الأسعار حتى لامست 115 دولارا للبرميل في 19 (يونيو/حزيران) 2014. وبسبب تخمة المعروض النفطي بفعل ارتفاع إنتاج أوبك حتى وصل إلى 33.37 مليون برميل يوميًا، بزيادة قدرها 3.3 مليونا عن سقف الإنتاج المتفق عليه، مع ارتفاع ضخ الدول من خارج أوبك، بدأت الأسعار في الهبوط7 بسرعة لتصل إلى 100 دولار في (أغسطس/آب)، ثم أقل من 60 دولارا للبرميل في (ديسمبر/كانون الأول) 2014، إلى أن وصلت الأسعار إلى مستويات انخفاض قياسية لم تصل إليها منذ 10 سنوات؛ إذ بلغ سعر البرميل 30 دولارا في (يناير/كانون الثاني) 2016.

 

لقد تجاوزت دول أوبك حصصها حتى وصل الإنتاج إلى قرابة 33.6 مليون برميل. ومن ثم فكان ينبغي العودة أولًا إلى المستوى الرسمي لسقف الإنتاج عام 2012، ثم يسمى مقدار الهبوط بالمستويات إلى ما دون هذا السقف "تخفيضًا"

خلال تلك الفترة عُقدت العديد من الاجتماعات لأوبك من أجل تخفيض الإنتاج لوقف انهيار الأسعار؛ إلا أن المشهد المعتاد تكرر من جديد، فهناك دول ترفض خفض الإنتاج على رأسها السعودية، وأخرى تستغيث من الوضع الحالي وتريد تخفيض الإنتاج وعلى رأسها فنزويلا؛ لينتهي الأمر إلى الفشل المعتاد، ولتدخل "أوبك" في أطول فترة خلاف بين أعضائها منذ نشأتها؛ إذ فقدت السيطرة بشكل تام على الأسواق منذ منتصف عام 2014 إلى أواخر عام 2016، حتى قال أحد الأعضاء8 -غير الخليجيين- في أحد الاجتماعات في (مايو/آيار) 2016، ووسط التوتر المحتدم والانقسام الذي لم يسبق له مثيل إن "أوبك قد ماتت". إلى أن تم الاتفاق على تخفيض الإنتاج لأول مرة منذ 8 سنوات في 30 (نوفمبر/تشرين الثاني) 2016 إلى 32.5 مليون برميل، بواقع خفض 1.2 مليون برميل يوميًا، من أجل تحريك الأسعار الواقعة تحت 47 دولارا للبرميل منذ أشهر، وليبدأ سريان التخفيض من بداية (يناير/كانون الثاني) 2017 لمدة ستة أشهر فقط.

 

ورغم احتفال أعضاء أوبك، وغيرهم من المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط؛ بعودة روح الكيان العجوز من جديد، وبنجاح الاتفاق الذي طال انتظاره منذ سنوات على الرغم من قلة كمية التخفيض المتفق عليها، وقصر الفترة التي سوف يطبق خلالها؛ إلا أن هناك أمرًا ربما يغيب عن أذهان الكثيرين، فعند وضع الأمور في نصابها، يتبين أن اتفاق أوبك لتخفيض الإنتاج كما تمت تسميته، ليس اتفاقًا للتخفيض بقدر ما هو تقنين لتجاوز أوبك سقف الإنتاج المتفق عليه من قبل. فسقف الإنتاج المتفق عليه رسميًا عام 2012 هو 30 مليون برميل؛ إلا أن دول أوبك قد تجاوزت حصصها حتى وصل الإنتاج إلى قرابة 33.6 مليون برميل. ومن ثم فكان ينبغي العودة أولًا إلى المستوى الرسمي لسقف الإنتاج عام 2012، ثم يسمى مقدار الهبوط بالمستويات إلى ما دون هذا السقف "تخفيضًا".

 

هذا الفارق يوضح سبب عدم ارتفاع الأسعار كما خطط لها، فرغم مرور أكثر من أربعة أشهر على الاتفاق إلا أن الأسعار قد انخفضت؛ إذ كانت حوالي 56 دولارا عند بداية تطبيق الاتفاق في الأول من (يناير/كانون الثاني)؛ حتى وصلت إلى ما دون 50 دولارا أواخر (أبريل/نيسان) 2017. ومن ثم فمجرد الاحتفال بتقنين رفع سقف الإنتاج، مع قصر المدة الزمنية لتطبيق الاتفاق وهي ستة أشهر، مع التجاوب السلبي للأسواق حتى الآن؛ يشي بأن أوبك قد فقدت الكثير من سطوتها ونفوذها، وأن هناك شيئًا ما قد تغير وربما لن يعود في الكيان العجوز، بعكس الصورة التي يحاول الأعضاء تصديرها للخارج.

 

أوبك في فيينا 2016 (الأوروبية)

 

طوفان النفط الصخري

منذ مطرقة أوبك التي هوت على رأس الاقتصاد العالمي وتحديدًا الأميركي عام 1973، بدأت الولايات المتحدة -مع الحكومات الغربية الأخرى على الفور- في البحث عن بدائل لنفط أوبك، فأخذت9 على عاتقها ضخ مليارات الدولارات في الأبحاث من أجل تطوير تقنيات تحل في نهاية المطاف محل نفط أوبك، لدرجة أن قامت الحكومة الأميركية بتأجير مساحات شاسعة من الأراضي المحتمل أن يتواجد بها النفط الصخري، في ولايتي كولورادو ويوتا؛ لتصبح تلك الأراضي مختبرات مفتوحة لإجراء الشركات الأميركية لأبحاثها المطلوبة، ولتعمل الشركات النفطية مثل شيفرون وإكسون وشيل وغيرها كخلايا نحل من أجل دفع عمليات التطوير، وبدأت البحرية الأميركية ومكتب البحرية لاحتياطيات النفط والنفط الصخري في تقييم استخدام النفط الصخري في الوقود العسكري.

 

نتيجة لتلك الأبحاث الممولة تطورت تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، وغيرها من التقنيات التي أحدثت نقلة نوعية في إنتاج واستخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وتم تخفيض التكلفة الباهظة لاستخراج النفط الصخري نسبيًا؛ لترتفع مساهمته في إنتاج الولايات المتحدة من النفط التقليدي؛ إلا أن الصناعة تراجعت من جديد مع انخفاض أسعار النفط في الثمانينيات، ولكن استمرت الأبحاث لتقليل تكاليف الإنتاج بشكل أكبر. ولم تهدأ الحكومات والشركات يومًا واحدًا؛ إذ استمرت المحاولات لإحياء الصناعة وزيادة مساهمتها في الإنتاج، وبحلول أعوام 2005 و2007 توسعت الإدارة الأميركية في تأجير المزيد من الأراضي، وتم ضخ المزيد من الأموال في عمليات البحث والتطوير، وأصبحت مناطق مثل النهر الأخضر في وايومنغ وكولورادو ويوتا بمثابة وادي السيليكون للنفط الصخري؛ حيث يتسابق المهندسون في الشركات النفطية للوصول إلى تكلفة أقل لاستخراجه عبر تكنولوجيا أكثر تقدمًا. ففي الفترة من (مايو/آيار) إلى (ديسمبر/كانون الأول) 2009 ارتفع عدد منصات الحفر في داكوتا الشمالية من 35 إلى 75 منصة، ثم تضاعفت مرة أخرى إلى 173 بنهاية عام 2010. وفي العام 2000 كان إنتاج النفط الصخري يشكل حوالي 2% فقط من إنتاج الولايات المتحدة من النفط التقليدي، وبحلول عام 2016 تضخم إنتاج النفط الصخري؛ ليساهم بمعدل النصف تقريبًا في إنتاج الولايات المتحدة من النفط.

 

إلا أن العائق الأول الذي يقف أمام صناعة النفط الصخري هو "تكاليف الإنتاج"، ومن ثم فأبحاث التطوير تصب بشكل أساسي في تقليل تكلفة التكسير. ولكن من الواضح أن عمليات البحث والتطوير قد حصدت بعض ثمار مجهوداتها على مدار عقود بتخفيض التكاليف بنسبة كبيرة؛ إذ هبطت تكلفة إنتاج برميل النفط الصخري من مناطق تترواح بين 75 إلى 80 دولارا منذ عقود إلى 45 و55 دولارا، وإلى 40 دولارا في بعض المناطق في الولايات المتحدة الآن. ومن ثم فعند ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 55 دولارا يبدأ نشاط النفط الصخري من جديد. فعند ارتفاع الأسعار في الفترة من 2010 إلى منتصف 2014 تم إيقاظ عملاق النفط الصخري من سباته؛ لتبدأ الشركات في تكثيف عملياتها، وتم ضخ كميات كبيرة ربما لم تنتجها الولايات المتحدة من قبل منه، وهو ما ساهم في حدوث تخمة في المعروض النفطي، أدت إلى انهيار الأسعار من 115 دولارا في منتصف 2014 إلى ما دون 30 دولارا في (يناير/كانون الثاني) 2016، لتتوقف الحفارات من جديد وتتزايد ديون الشركات الأميركية العاملة فيه.

 

حقل ميدواي سنسيت النفطي في كاليفورنيا، الولايات المتحدة  (رويترز)

 

كان من ضمن أسباب إصرار السعودية على عدم خفض الإنتاج، حتى اتفاق 30 (نوفمبر/تشرين الثاني) 2016، هو انتهاجها استراتيجية تقضي بإغراق الأسواق بالنفط لتقليل الأسعار من أجل إخراج منتجي النفط الصخري من اللعبة؛ إلا أن صناعة النفط الصخري قد تطورت في العامين الماضيين بشدة للدرجة التي جعلتها أكثر تكيفًا مع الأسعار المنخفضة، واكتسبت مناطق جديدة تستطيع المناورة من خلالها. وهو ما لم تدركه أوبك والسعودية إلا مؤخرًا حينما أيقنت المملكة بتغير استراتيجيات اللعب كليًا، وأن معركة الأمس لا تصلح تكتيكاتها لمعركة اليوم، فقامت أخيرًا بالموافقة على اتفاق التخفيض في 30 (نوفمبر/تشرين الثاني) 2016، لأنها اكتشفت أن دحر النفط الصخري لن يتم إلا بتخفيض الأسعار إلى ما دون 40 دولارا للبرميل، وهو السعر الذي تعاني فيه دول أوبك أيضًا من تخفيض للإيرادات بدرجة كبيرة تُحدث عجزًا بارزًا في موازينها العامة.

 

ورغم أن الأسعار الحالية تدور في فلك 50 دولارًا للبرميل؛ إلا أن تقارير حديثة من وكالة الطاقة الأميركية تفيد بانتعاش في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، على عكس ما تنبأت به أوبك، فكان متوقعًا أن يرتفع الإنتاج بنسبة 109 آلاف برميل10؛ ليصل إلى 4.96 مليون برميل يوميًا، في (أبريل /نيسان) الماضي.

 

خلال العامين الماضيين، أحدثت صناعة النفط الصخري الأميركية تغييرًا جذريًا في أسواق النفط؛ بحيث يمكن لبعض المنتجين العمل في ظل أسعار نفط منخفضة، فمنذ عقد واحد كان من المستحيل أن تتمكن الولايات المتحدة من إنتاج ما يربو على خمسة ملايين برميل يوميًا من النفط الصخري في ظل سعر يبلغ 50 دولارًا للبرميل الواحد، في حين أصبح يحدث الآن، وهو حلم ظل يراود الولايات المتحدة منذ تلقيها ضربة أوبك عام 1973، ليتحول الحلم إلى واقع متجسد على الأرض الآن، بينما يصبح بالتدريج كابوسًا لأوبك نفسها.


جدول يوضح إنتاج الولايات المتحدة من النفط11 من (يناير/كانون الثاني) عام 2012 حتى توقعات الإنتاج في (يوليو/تموز) للعام الحالي 2017.

 

 

ترمب وأوبك

دخل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب سباق الرئاسة، قبل فوزه بها، برؤية مفصلة حول قطاع الطاقة الأميركي. وتشمل تلك الرؤية -باختصار- تشجيع صناعة النفط والغاز الصخري، وتقديم الدعم اللازم للنهوض بتلك الصناعة بعد تقييدها من قبل الرئيس السابق باراك أوباما، ومنظمات حماية البيئة، كما تهدف رؤية ترمب لـ"استقلال قطاع الطاقة في أميركا"، ويعني "أن تكون الولايات المتحدة مستقلة تمامًا عن الحاجة لاستيراد النفط من أوبك أو أي دول معادية لمصالح الولايات المتحدة"، كما صرح مرارًا وتكرارًا.

 

قطعت الولايات المتحدة أشواطًا كبيرة في الاستغناء عن "أوبك" بالفعل؛ إلا أن وجود ترمب في البيت الأبيض يعني أن الولايات المتحدة ستدير ظهرها لنفط "أوبك" قريبًا جدًا. ففي العام 2013 تجاوزت الولايات المتحدة كلًا من السعودية وروسيا12؛ لتصبح أكبر منتج للنفط في العالم للمرة الأولى تاريخيًا، وتستورد الآن حوالي ربع نفط أوبك معظمه يأتي من السعودية وفنزويلا، وهو أدنى نسبة استيراد أميركية منذ العام 1970، وعلى مدى العقد الماضي انخفضت الواردات من "أوبك" كل عام بنسبة أكبر من سابقتها، وفي عام 2015 وصلت النسبة إلى أدنى مستوياتها منذ العام 1987. ورغم استيراد الولايات المتحدة للنفط الخام والمنتجات النفطية الأخرى من 88 دولة مختلفة؛ إلا أن "ترمب" قد صرح علانية عن رغبته في وقف استيراد النفط من "أوبك"13، ما دفع السعودية إلى تحذير ترمب من الإقدام على تلك الخطوة.

 

في عهد الرئيس السابق أوباما تم تقديم مشروع قانون للكونجرس عام 2015 تتم الموافقة بموجبه على بناء خط أنابيب "كيستون زل" مع كندا لتزويد المصافي الأميركية بالنفط الكندي؛ إلا أن الرئيس أوباما اعترض على هذا القانون. وفي وقت لاحق صرح ترمب بأنه يريد إعادة النظر في قرار أوباما بخصوص "كيستون زل". وفي (يناير/كانون الثاني) 2017 وقع ترمب على الإجراءات التنفيذية المتعلقة بمد خط أنابيب "كيستون زل"، مما يعني أن الولايات المتحدة تتجه لزيادة وارداتها من كندا، وربما تبدأ في الاستغناء عن نفط أوبك كما وعد ترمب. وبالتالي فوجود ترمب في السلطة يعزز من تقويض سلطان الكيان العجوز.

 


 

في الأعوام القليلة الماضية -وبالتوازي مع تطور استخراج النفط الصخري- ظهرت دعوات علنية للقضاء على "أوبك"14، لأنه قد آن الآوان للقيام بتلك الخطوة. فترى تلك الدعوات أن هناك إجراءات ينبغي على الولايات المتحدة اتخاذها الآن لتحرير أسواق النفط العالمية من قبضة المنظمة، وفي الوقت الحالي يزدهر قطاع الطاقة في الولايات المتحدة، ومن ثم فالاعتماد الأميركي على واردات النفط آخذ في التراجع؛ ولكن هذا التراجع لن يستمر طويلًا. وبالتالي فهناك فرصة غير مسبوقة للقضاء على "أوبك" مرة واحدة وإلى الأبد.

 

تقدم تلك الدعوات أطروحات للقضاء على أوبك عن طريق إغراق أسواق الطاقة العالمية بوقود مختلف، يمكن اعتباره بديلًا حقيقيًا للنفط الذي تسيطر عليه المنظمة، ومن شأن ذلك أن يضغط على أسعار النفط، ومن أنواع الوقود المقترحة لمنافسة النفط "الميثانول"، فترى تلك الدعوات أنه إذا تمكنت الولايات المتحدة من تحويل أسطول السيارات للتشغيل عن طريق الميثانول؛ فإن مئات المليارات من الدولارات التي تدفعها الولايات المتحدة لأوبك كل عام نظير النفط؛ يمكن أن تذهب إلى الشركات والعمال الأميركيين لإنتاج ذلك الوقود، ومن ثم يستفيد الاقتصاد الأميركي عن طريق تحويل الأشخاص من خانة البطالة إلى دافعي الضرائب. وبغض النظر عن جدوى تلك الحلول من عدمها؛ إلا أن مفهوم "القضاء على أوبك" فيما يبدو أصبح مترسخًا في أذهان الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بشكل متزايد يومًا بعد يوم.

 

يبدو أن المزارع العجوز صاحب الـ57 عامًا، أو منظمة أوبك، قد فقدت الكثير من أسلحتها الرادعة فكثرت هزائمها، حتى فقدت السيطرة على ثرواتها بدرجة كبيرة، وباتت ضرباتها متخبطة، فيما يبدو وكأنه طريق ينتهي بـ"أوبك" إلى منظمة تشبه كثيرًا "جامعة الدول العربية" الآن.                    
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك