اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/3 الساعة 17:02 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/11 هـ

انضم إلينا
القفز فوق الجغرافيا.. استثمارات قطر العالمية كأداة قوة

القفز فوق الجغرافيا.. استثمارات قطر العالمية كأداة قوة

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
في عام 1806 شهدت الساحة الأوروبية صراعًا هائلًا وتقليديًا بين القوتين الرئيستين في القارة: الإمبراطورية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، ضد "بريطانيا العظمى". اعتقد نابليون وقتها أن بريطانيا تمول وتشجع المتحالفين ضد فرنسا، لذا، ولصعوبة هزيمة بريطانيا عسكريًا، قام بحرب اقتصادية كاملة.

 

كانت بريطانيا مركز التصنيع والتجارة الأول في أوروبا بفضل الثورة الصناعية، ورأي نابليون إمكانية استفادة فرنسا من حظر التجارة بين بريطانيا ودول أوروبا، من ناحية لإنعاش التجارة والتصنيع داخل فرنسا ومن ثم تقوية الاقتصاد الفرنسي، ومن ناحية أخرى للإضرار بالاقتصاد البريطاني.

 

بحلول (نوفمبر/تشرين الثاني) من العام المذكور؛ وبينما يستعد الشتاء لإرخاء ثوبه الأبيض على الأراضي الأوروبية، أصدر نابليون مرسوم برلين الذي يحظر على حلفاء فرنسا ومستعمراتها التعامل مع بريطانيا، فيما عرف بـ"الحصار القاري"، نسبة إلى أن معظم دول أوروبا كانت متحالفة مع فرنسا، وبالتالي شاركت في الحصار أيضًا. لترد بريطانيا بعدها بعام تقريبًا، عام 1807، بإصدار أوامر المجلس القاضية بحظر التجارة مع فرنسا وحلفائها ومستعمراتها.

 

كانت خطة نابليون تقوم على ضرب الشريان الحيوي الرئيس في الاقتصاد البريطاني: "التجارة"، ومن ثم عزل بريطانيا اقتصاديًا. وقامت رؤيته على العزل الاقتصادي ثم غزوها بعد انهيارها اقتصاديًا. وأمر نابليون جميع الدول الأوروبية بوقف التجارة مع بريطانيا، وهدد روسيا بالغزو إذا لم تمتثل لأوامره، وواصل ضغطه عليها بمطالبته السيطرة على جزء من بولندا. وحين رفضت روسيا الرضوخ لتلك الأوامر قام بغزوها شتاء عام 1812، فيما اعتبر واحدة من الكوارث العسكرية الكبرى في تاريخ العالم، متلقيًا هزيمة كبرى مهدت الطريق لسقوطه النهائي(1).

 

الغزو الفرنسي لروسيا 1812 معركة بورودينو (مواقع التواصل)

 

كان من المقرر قطع جميع الاتصالات عن بريطانيا، بما فيها البريد، وعزلها تمامًا، إلا أن خطة الحصار أتت على عكس ما خططت له باريس، وأعطت دفعة غير مسبوقة للتجار البريطانيين للبحث عن أسواق جديدة، واستخدام كل الوسائل الممكنة وصولًا للانخراط في تهريب البضائع للداخل الأوروبي. في حين لم يكن بمقدور التفتيش النابليوني أن يقوم بالقبض على كل المهربين البريطانيين بسبب تواطؤ بطانة نابليون نفسها. ورغم انخفاض التجارة مع أوروبا بعد عام 1806 بنسبة تراوحت بين 25 إلى 55%، إلا أن التجارة البريطانية زادت بشكل حاد مع بقية دول العالم عن طريق سيطرتها على المحيطات، وبالتالي قامت باستبدال التجارة مع أوروبا بأميركا الشمالية والجنوبية، ما جعل الحصار الاقتصادي الفرنسي غير ذي جدوى تقريبًا.

 

على الجانب الآخر تأثرت فرنسا بشكل أكبر عن طريق تراجع عمليات بناء السفن وتجارتها، مثل صناعة الحبال الحيوية وقتها. وتأثرت العديد من الصناعات الأخرى المعتمدة على الأسواق الخارجية كالكتّان، ما أدى لوقف العديد من الصناعات المحلية الفرنسية. نتيجة لذلك؛ ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية في معظم أنحاء أوروبا، ما دفع نابليون بعدها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عن طريق الفتح الجزئي للتجارة مع بريطانيا عام 1810، ما اعتبر في ذلك الوقت اعترافًا صريحًا بتضرر الاقتصاد الفرنسي أكثر من البريطاني، وفشلًا ذريعًا في جني ثمار حصاره الاقتصادي، فلم تتراجع بريطانيا عن دعم حلفائها ماديًا، ليصبح حصار نابليون أحد أبرز الأمثلة التاريخية على كيفية فشل الحصار الاقتصادي غير المدروس (2).

 

نابليون: 2017

"كان من المقرر أن تكون قطر دولة تابعة للسعودية، لكنها استخدمت حكمها الذاتي الذي خلقته ثروة الغاز في رسم مسار مستقل لنفسها. ومن ثم فبقية المنطقة تبحث عن فرصة لقص أجنحتها."

(جيم كرين، باحث بمجال الطاقة بمعهد بيكر، جامعة رايس، هيوستن -ولاية تكساس الأميركية)(3).

 

في الخامس من (يونيو/حزيران) 2017 بدا وكأن روح نابليون قد هبطت على المنطقة الخليجية، إذ سارعت الإمارات والسعودية والبحرين ومن ورائهم مصر بارتداء ثوب القائد الفرنسي وربما تسرعه الاقتصادي أيضًا، والوقوف ضد قطر، من خلال قطع العلاقات السياسية، والقيام بحصار اقتصادي شامل، عن طريق قطع إمدادات الغذاء والماء، وإغلاق المجالات الجوية والبحرية المشتركة بينهم وبينها من ناحية، وفرض حصار بري من خلال إغلاق البوابة البرية الوحيدة دولة قطر مع السعودية من ناحية أخرى، لأسباب لا تخفى على الجميع.

 

كانت الإجراءات قاسية اقتصاديًا، وتمثل الدور المراد له في إضعاف الاقتصاد القطري رويدًا حدّ الانهيار، إلا أن الواقع فرض مسارًا آخر لم يدُر في خلد الثلاثي الخليجي.

 

 

بحلول عام 1997 كان القطريون على موعد مع عهد جديد لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى دول العالم. كانت البداية متواضعة، إذ قامت الدولة الصغيرة -مساحةً- والتي لم يكن لها وزن يذكر آنذاك، بتصدير 5.7 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال إلى إسبانيا(4). ومع إجراء عمليات توسعة في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، ظل الإنتاج القطري في تزايد مستمر صاحبه ارتفاع معدلات التصدير حتى وصل عام 2000 ما يناهز تريليون قدم مكعب، لتكون قطر بذلك أكبر مورّد للغاز الطبيعي المسال في العالم.

 

ارتفع الإنتاج عام 2009 إلى 3.1 تريليون قدم مكعب، وتم تصدير حوالي 1.8 تريليون قدم مكعب منها، لتصبح اليابان وكوريا الجنوبية والهند ضمن أكبر الزبائن للغاز القطري. وفي عام 2011 ارتفع الإنتاج إلى 3.75 تريليون قدم مكعب.

 

يمكن للدوحة أن تتحمل زيادة الإنتاج المستقبلية، لاسيما وأن الاحتياطيات المثبتة حاليًا تمكنها من مواصلة الإنتاج بمستوياته الحالية لمدة 135 عامًا أخرى

تصدر قطر الآن، وبحسب تقديرات العام الماضي 2016، ما يمثل 30% من إمدادات الغاز المسال العالمية وفقًا لبيانات المجموعة الدولية لمستوردي الغاز الطبيعي "غينغل" (GIIGNL)، وتصدر قطر للدول العربية مجتمعة ما مجموعه 10% من صادراتها فقط، يذهب أغلبها للإمارات وسلطنة عُمان عن طريق خط أنابيب دولفين، والبقية تذهب للأسواق العالمية وعلى رأسها الدول الآسيوية(5).

 

مع صعوبة وجود بدائل سريعة للغاز القطري، لم تزل إمدادات الغاز المسال تتدفق إلى الأسواق بما فيها السوق الإماراتي نفسه، غير متأثرة بأي انقطاع، من ثم أصبح الغاز الطبيعي سلاحًا اقتصاديًا في يد الدوحة، لتجد دول العالم المعتمدة على الغاز القطري نفسها في حاجة للوقوف بجوار قطر سياسيًا واقتصاديًا وربما عسكريًا، أو على الحياد على أقل تقدير، لتأمين الإمدادات دون مضايقات من دول الجوار.

 

في أوائل شهر (أبريل/نيسان) الماضي، أعلنت الدوحة رفع الحظر على تطوير أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم "حقل الشمال" كما تسميه، أو "جنوب بارس" كما تطلق عليه إيران، كونه حقلًا مشتركًا بين الدولتين. رفعُ حظرٍ أتى بعد توقف العمل فيه لمدة 12 عامًا، لتعلن قطر بذلك عن سيطرتها الكاملة على أسواق الغاز العالمية، ممّا يعطي ثقلًا دوليًا أكبر للدولة الخليجية الصغيرة، لكن الأهم هو أخذ التعاون القطري-الإيراني لمستوى آخر.

 

يقع حقل الشمال على مساحة تماثل مساحة قطر نفسها، ليمثّل إنتاج القطاع الجنوبي 2 مليار قدم مكعب يوميًا، أي حوالي 10% من الإنتاج الحالي. ويمكن للدوحة أن تتحمل زيادة الإنتاج المستقبلية، لاسيما وأن الاحتياطيات المثبتة حاليًا تمكّنها من مواصلة الإنتاج بمستوياته الحالية لمدة 135 عامًا أخرى(6). كما أن وجود الخزّانات الغزيرة والبنية التحتية المتقدمة تجعل الغاز القطري هو الأرخص في العالم، وبالتالي تضمن قطر استمرار تدفق موارد دولارية لعقود أخرى قادمة، تجعل صندوقها السيادي مُتخمًا بالأموال؛ ما يقي اقتصادها من الصدمات الخارجية قدر الإمكان، بخلاف النفط الذي يتميز بإنتاجه الثلاثي الخليجي وخاصة السعودية والمصاب بنقاط ضعف أكثر وعلى رأسها تهديد النفط الصخري الأميركي.

 

بوابات خلفية

على مدار السنوات الماضية أقامت قطر علاقات متوازنة مع أبواب احتياطية جغرافية هامة، وتحديدًا إيران وسلطنة عُمان، فضلًا عن دول أخرى كالعراق وتركيا. وبسبب العلاقات المتينة أصبحت تلك الدول بمثابة البوابات البحرية والجوية الخلفية لقطر.

 

وفقًا لبيانات وزارة التخطيط التنموي والإحصاء القطرية فإن إجمالي عدد السكان في قطر بلغ 2.7 مليون نسمة بنهاية (مايو/أيار) لعامنا الحالي 2017، وقام هذا العدد باستهلاك ما قيمته حوالي 2.9 مليار دولار من المنتجات الغذائية والمشروبات للعام الماضي 2016، قيمة تستحوذ دول الخليج مجتمعة منها على حوالي 29%، أي 840 مليون دولار تقريبًا.

 

 ميناء حمد في الدوحة (رويترز)

 

تُشكِّل واردات قطر من الثلاثي الخليجي، السعودية والإمارات والبحرين، حوالي 89% من تلك النسبة الخليجية، ومن ثم قامت قطر باستيراد منتجات غذائية ومشروبات عام 2016 بقيمة 747 مليون دولار تقريبًا(7). ويشكل عدد السكان القليل ميزة نسبية للدول في حال كانت تستورد أكبر احتياجاتها من المنتجات الغذائية من الخارج، فيمنحها الاستهلاك القليل مرونة كبيرة في التحول سريعًا نحو شركاء تجاريين جدد، خاصة مع الغطاء المالي الكبير، والبنية التحتية المتطورة سواءً فيما يتعلق بالمجال الجوي، عن طريق أسطول الخطوط الجوية القطرية، ومطاراتها مثل مطار حمد الدولي الجديد والخور، أو البحري عن طريق موانئها الرئيسة الثلاث "الدوحة والرويس وميناء حمد"، ومن المقرر للثالث أن يصبح أكبر مركز لوجستي في العالم بحلول عام 2030. وبناءً على ما سبق كانت هناك استطاعة كبيرة تغاضت بها قطر عن الواردات من ثلاثي الحصار الخليجي، واستبدالها بواردات وصادرات مع دول أخرى عن طريق البوّابات الخلفية، كإحلال بريطانيا قديمًا العلاقات التجارية مع أوروبا بأخرى مع الأميركتين عبر المحيط الأطلسي.

 

الغطاء النقدي

يعني الغطاء المالي القدرة على إحداث تحول سهل وسريع عن بعض الشركاء التجاريين، وبشكل أوضح يتمثل في استناد أي دولة على احتياطي نقدي أو صندوق سيادي كبير يفوق ناتجها الإجمالي المحلي. ويمكنِّها هذا الاحتياطي، سواء كان نقديًا أو استثماريًا، من المناورة بكفاءة عالية مع الأزمات أو المضايقات الاقتصادية.

 

في عام 2005 عندما بدا لقطر أن عوائد مبيعات الغاز غير منتظمة، ومع الفوائض الكبيرة في بعض السنوات، قررت إنشاء جهاز قطر للاستثمار؛ لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من تلك الفوائض سواء محليا أو أجنبيا، ولتأمين مصادر دخل جديدة بعيدًا عن ثروات النفط والغاز المتقلبة. كما وضعت رؤية قطر الوطنية 2030 هدفًا إستراتيجيًا كبيرًا يتمثل في التحول من الإيرادات القائمة على الغاز الطبيعي، إلى الإيرادات التي يجنيها جهاز قطر للاستثمار.

 

رغم حيّزها الجغرافي الضيّق وقلّة عدد السُكَّان، استطاعت قطر الوصول بثروتها السيادية إلى 342 مليار دولار من الأصول المنتشرة في جميع أنحاء العالم، لتقفز للمرتبة التاسعة ضمن أكبر صناديق الثروة السيادية على مستوى العالم بنهاية (مايو/أيّار) لعام 2017، وفقًا لمعهد صندوق الثروة السيادية(8).

  

ينتشر جهاز قطر للاستثمار عالميًا بشكل ضخم غير مألوف، فمحفظة الاستثمارات القطرية تتواجد في جميع قارات العالم وفي مختلف القطاعات. فبخلاف الاستثمارات التابعة لمؤسسات قطرية أخرى، مثل شركة قطر للاستثمارات الرياضية، وشركة الديار العقارية، وشبكة الجزيرة الإعلامية، فضلًا عن المستثمرين القطريين الأفراد، يهيمن الجهاز في قطر نفسها على مطار حمد الدولي بقيمة 17 مليار دولار، والخطوط الجوية القطرية، ويُعدُّ الجهاز أكبر مستثمرٍ في سوق قطر للأوراق المالية، حيث يمتلك أغلبية سهمية في بنك قطر الوطني، وهو أكبر "مُقرض" في دول مجلس التعاون الخليجي.

 

 

يمتلك الجهاز أيضًا شركة الاتصالات "أوريدو" التي تعمل في 12 دولة تقريبًا(9). وفي أوروبا؛ يُركِّز الصندوق على شركات صناعة السيارات الألمانية، وبيوت الأزياء الإيطالية ونوادي كرة القدم. ففي 2008 إبّان الأزمة المالية العالمية، مدَّ الصندوق أحد أذرعه إلى قطاع البنوك الأوروبية ليمتلك أجزاءً من بنك "باركليز بي إل سي" و"كريديت سويس غروب آي جي". وفي عام 2014 واصل مسيرته الاستثمارية بضخِّه لـ 1.85 مليار دولار في بنك "دويتشه" الألماني.

 

 

كما يعد الصندوق أكبر مساهم في عملاق صناعة السيارات الألماني العالمي "فولكس فاغن"، ولديه استثمارات في شركة "إكستراتا بي إل" السويسرية للتعدين. وفي بريطانيا وحدها بلغت الاستثمارات القطرية ما لا يقل عن 35 مليار دولار عام 2014، وفي عام 2015 اشترت مجموعة تقودها قطر مجمعات "كناري وارف لندن" السكنية، كما يمتلك الصندوق حصصًا في فندق "ذا سافوي"، وناطحة السحاب "شارد"، ومتجر "هارودز"، والقرية الأوليمبية، ومقر بنك "إتش إس بي سي" الرئيس. ويعتبر الجهاز أكبر مستثمر بحصة تبلغ 22% في شركة "سينسبري" ثاني أكبر متاجر التجزئة في بريطانيا. وفي عام 2012 اشترى الجهاز حصة بمقدار 20% من مطار هيثرو بلندن، كما رفعت الخطوط الجوية القطرية حصّتها في ملكية الخطوط الجوية البريطانية إلى 20% عام 2016.

 

 

في روسيا؛ امتلك الجهاز حصة بمقدار 11 مليار دولار من عملاق النفط الروسي "روزنيفت"، بما يمثّل حوالي 19.5% من قيمة الشركة، عن طريق ذراعه التعدينية متعددة الجنسيات "غلينكور"، وذلك في (ديسمبر/كانون الأول) للعام الماضي 2016، ليعد بذلك أكبر استثمار أجنبي في البلاد منذ الأزمة الأوكرانية. وفي (يوليو/تموز) من عام 2016 أيضًا اشترى الجهاز حصّةً مقدارها 24.9% من مطار سانت بطرسبورغ الروسي(10) .

 

في الولايات المتحدة؛ وضع الجهاز خططًا لاستثمار 35 مليار دولار هناك بحلول عام 2020، وفي العام الماضي احتل الجهاز المرتبة الرابعة كأكبر مستثمر في مجال المكاتب الأميركية، ومعظمها في نيويورك ولوس أنجلوس. كما يستحوذ الصندوق القطري على ما يقرب من 10% من شركة "إمباير ستيت بيلدنغ"، المالك للوكالة العقارية "إمباير ستيت رياليتي" في نيويورك. وفي العام الماضي أيضًا اشترك الجهاز مع "بروكفيلد بروبرتي بارتنرز" في مشروع بقيمة 8.6 مليار دولار على الجانب الغربي من نيويورك.

 

 

في آسيا؛ في (يونيو/حزيران) 2016 قام الجهاز بالاستحواذ على برج "آسيا سكوير" في سنغافورة، من شركة "بلاك روك" بقيمة 2.5 مليار دولار، فيما اعتبر أكبر صفقة في مجال المكاتب في سنغافورة، قبلها وفي 2014 ابتاع الصندوق حصة في مشغل إدارة متجر "لايف ستايل" هناك، كما يخطط الصندوق لإقامة مشروع استثماري بقيمة 10 مليار دولار مع مجموعة "سيتيك" الصينية، وللمساهمة في صندوق استثماري عالمي بقيمة 100 مليار دولار، تم تشكيله من قبل عملاق الاتصالات الياباني "سوفت بنك غروب".

 

في أفريقيا؛ أنشأ بنك قطر الوطني العديد من الفروع في الدول الأفريقية، كما قام بالاستحواذ على حصة مقدارها 23% في "إيكوبنك" عام 2014(11)، كما استثمرت قطر حوالي 390 مليون دولار في قطاع الخدمات اللوجستية والنقل في الاقتصاد النيجيري(12). ويملك الجهاز العديد من الاستثمارات في مجالات الزراعة بخاصة في السودان.

 

 

في أميركا اللاتينية؛ في (نوفمبر/تشرين) الثاني للعام الماضي، تم إنشاء صندوق استثماري مشترك بين الجهاز ووكالة التقاعد الحكومية الأرجنتينية "أنسيس" بقيمة 1.3 مليار دولار، يدفع الجهاز منهم مليار دولار من أجل الاستثمار في الأرجنتين(13)، وفي (ديسمبر/كانون الأول) من نفس العام اشترت الخطوط الجوية القطرية حصة مقدارها 10% من شركة لاتام، أكبر شركة طيران في أميركا اللاتينية، ومقرُّها في البرازيل وتشيلي(14).

 

ومن ثم تبسط قطر سيطرةً استثمارية في كل مكان متاح، ما يوفّر للاقتصاد القطري إيرادات متوازنة بعيدة عن اضطرابات الشرق الأوسط. وفي نفس الوقت تتميّز الاستثمارات بتوجهها نحو الأصول الخاصة ذات العوائد المرتفعة، بعيدًا عن السندات الحكومية الدولية كما تفعل أغلب الصناديق السيادية الخليجية، ما يعرّضها لضغوط سياسية من قبل الدول المدينة بتلك السندات وكذا مخاطر الاقتصادات الكلية الشائعة.

 

الثبات

هناك أسباب منطقية لكون الاقتصاد القطري من أكثر الاقتصادات ديناميكية واستقرارًا في المنطقة، ومن أقلها امتلاكًا للمشكلات الداخلية، فنجد أن الأزمة النفطية منذ منتصف العام 2014 أثَّرت بشكل كبير على الاقتصادات الخليجية، وخاصة ثلاثي الحصار، في حين كان تأثيرها أقل في قطر بسبب عدم اعتمادها على النفط. وبجانب ذلك أصبحت القطاعات غير النفطية تمثّل نسبة كبيرة من حجم الاقتصاد المحلي. وتعد مؤشرات قطر التنافسية الدولية أقوى من مؤشرات بقية دول مجلس التعاون الخليجي.

 

بناءً على كل ذلك؛ واعتمادًا على أساسين متينين يتمثلان في غاز طبيعي بفترة صلاحية طويلة تمتد لأكثر من قرن، والأهم على شبكة استثمارية غاية في القوة، تتغلب الدوحة على حاكميتها الجغرافية وحيّزها المكاني الضيّق بواسطة حيّز أعمالٍ أكثر ضخامةً ورحابة، في مقابل اقتصادات غير تنافسية ريعية نفطية بلا بدائل ممكنة في الأفق القريب. والأهم، أنها تعيد اكتشاف نقاط ضعفها مع امتداد زمن الحصار، مما يعطيها قدرة على التعامل معها بصورة أكثر إحكامًا من المتوقع.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار