اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/6 الساعة 15:21 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/14 هـ

انضم إلينا
"رؤية 2030".. هل باعت الوهم للشباب السعودي؟

"رؤية 2030".. هل باعت الوهم للشباب السعودي؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
لم تكن ليلة الـ 26 من (أبريل/ نيسان) للعام الماضي 2016 عادية لأي من السعوديين، ويمكننا بسهولة حينها ملاحظة الترقب السائد، من خلال حال السير في شوارع العاصمة الرياض، وعلى ملامح ساكنيها حتى ذلك الوقت المتأخر من الليل. لم يكن السعوديون فقط من ترقبوا تلك اللحظة بطبيعة الحال، بل الوافدون أيضًا، كان الكل يعلم أنها لحظة ستؤثر عليهم جميعًا بلا استثناء، ولم يكن الشاب عمر اللحيدان استثناءً.

 

سارت الأحداث في حياة عمر القصيرة سريعًا بشكل إيجابي، منذ تخرجه من جامعة سوينبرن للتكنولوجيا في أستراليا وحتى لحظة الترقب تلك، ولم يستغرق عمر كثيراً من الوقت قبل أن يبدأ مشروعه الطموح في إحدى الساحات الاقتصادية البكر الواعدة: الطاقة البديلة، فأسس أول مصنع للطاقة الشمسية في المملكة، واستطاع الفوز بعدد من الصفقات مثلت الحكومة السعودية جزءً كبيرًا منها، وجاء نجاحه متصاعداً حتى افتتح مكتباً في السودان لحاجتها بشكل خاص لهذا النوع من الطاقة. وأهل نجاح المشروع عُمر للدخول في قائمة فوربس لعام 2015 كثاني أفضل الرياديين السعوديين خلال العام، ما ساهم في ذيوع صيته وشركته جي تك للطاقة الشمسية (GTEK).

 

قبل منتصف ليل الرياض بقليل، في التاريخ أعلاه، بدأ حساب مسمى بـ "رؤية 2030" بإعلان ملامح الرؤية على تويتر، الرؤية الاقتصادية المنسوبة للأمير الشاب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وظهر الأخير على الشاشات في ظهور إعلامي مكثف لشرحها، وبدت الرؤية كحل سحري لكل مشاكل السعودية الاقتصادية تقريبًا، مع هدفها الإستراتيجي الرئيس بنقل الاقتصاد من كونه ريعيًا، معتمدًا على النفط بشكل شبه كامل، لاقتصاد غير ريعي متنوع. وفي وقت تأزم فيه الاقتصاد السعودي للمرة الأولى بهذا الشكل، وبدا كأنه سيتهاوى بشكل خاطف، حملت الرؤية الكثير من الأماني بتحسين الوضع، إلا أنها بدت "وردية" أكثر مما يجب، وربما غير قابلة للتطبيق الواقعي.

 

ولي العهد محمد بن سلمان يعلن عن رؤية 2030 بعد الاتفاق عليها، مع والده الملك سلمان وولي العهد السابق محمد بن نايف في 25 (أبريل/نيسان) 2016  (رويترز)

 

مجتمع المعاناة الشاب

تمثل أيام التخرج الجامعي للشباب السعودي، في نسبة لا بأس بها، إحدى الفترات سيئة الناتج في الغالب، فمثلهم مثل 200 ألف مبتعثٍ سعودي إلى أميركا وأوروبا من أجل الدراسة، سيكونون في تلك اللحظة تحديدًا مؤهلين للانضمام لمئات الآلاف من العاطلين في المملكة، ممثلين لمعدلات بطالة متضخمة بلغت مستوياتٍ مقلقة[1]. وتبلغ نسبة البطالة في المملكة 12.3% بين المواطنين السعوديين، وهي مرشحة للزيادة حتى 22% عام الرؤية 2030، بحسب تقديرات مركز ماكينزي[2]. وتقدر الإحصاءات[3] أن 200 ألف شاب سعودي ينضمون إلى القوى العاملة المحلية كل عام، وهو عدد يصعب على اقتصاد المملكة تحمله عامًا بعد عام.

 

يعد المجتمع السعودي بشكل خاص، والخليجي عمومًا، من أكثر المجتمعات شبابًا وأسرعها نموًا بشريًا، نمو تُقدر نسبته بأكثر من 5% سنوياً مقابل نمو اقتصادي غير مكافئ تقدر نسبته بـ 2%. وتبلغ نسبة الشباب أقل من 30 سنة 70%[4]، يقبع أكثر من ثلثهم، بحسب تقديرات مركز وودرو ويلسون، في سن 14 عامًا أو أقل. وتتضاعف نسبة البطالة بالنظر إليها بين السعوديات بطبيعة الحال تبعًا لآلية عمل مجتمع المملكة، وعدم توافر مجالات واسعة للعمل لهن حتى وقت قريب، وضعًا في الاعتبار أن عمل الإناث في الأماكن العامة ليس مقبولًا اجتماعيًا لدى طيف كبير من المجتمع السعودي، وما زال كذلك.

 

وبالنظر إلى الإحصاءات فإن سبعة من كل عشرة من السعوديات، وثلاثة من كل عشرة من الشباب السعوديين "عاطلون عن العمل".

 

 

ورغم تركُّز الجهد السعودي الحكومي منذ سنوات على محاربة البطالة، عبر تشريعات وبرامج وإجراءات متتابعة، تركَّزت بشكل أساسي على تشجيع الشباب على العمل بمختلف مستوياته، وعلى تحول السياسة السعودية لاستبدال العمال الأجانب بالسعوديين كهدفٍ أساسي، إلا أنه جهد لم ينجح في تخفيف المعدلات أو الحد من تأثيراتها. وعلى العكس من ذلك ازدادت الأمور سوءً، إذ تصاعد معدل البطالة أربعة درجات كاملة عمّا كان عليه في عام 2000.

 

لا شك أن هذا الواقع هو ثمرة عقود من الاقتصاد الريعي، غير الديناميكي أو المتجدد، المعتمد بشكل شبه كلي على النفط. وهي وسيلةٌ سهلة للرخاء أنتجت أجيالًا شابة أكثر نزوعًا إلى العمل في مؤسسات الدولة بديلًا عن الشركات الخاصة، وإلى عدم الرضا في الأغلب إلا بأعمال ذات جهد وساعات دوام أقل ودخلٌ أعلى، بينما نمت على مر السنين حالة من النفور الشبابي السعودي المتزايد من الأعمال المُجهدة، وعدم الإقبال عليها مفسحة مجالًا للملايين من العمال الأجانب، حتى ولو كان متوسط أجورهم الشهرية لا يزيد عن 400 دولار[5]، بما يقل عن ثلث متوسط أجور أقرانهم السعوديين العاملين في الشركات الخاصة، وأقل من سدس متوسط أجور أولئك العاملين في أروقة الحكومة، ما تسبب في ما يمكننا أن نطلق عليه حاضنة بطالة شعبية سعودية.

 

 

أنتج ذلك في النهاية واقعًا مقلقًا: يمثل العاملين غير السعوديين في القطاع الخاص أكثر من 80% من حجم العمالة، بينما يعمل أكثر من ثلثي القوة العاملة السعودية في القطاع العام الحكومي، وبالمحصلة[6]، فإن 42% فقط من مجموع العمالة الكلي في المملكة فقط سعوديون.

 

تفجَّرت الأزمة الحقيقية للاقتصاد السعودي مع انهيار أسعار النفط بين عامي 2014 و2015، في بلدٍ يعرف بإنفاق مرتفع للغاية بلغ[7] عام 2015 وحده 260 مليار دولار بحسب الأرقام الرسمية المعلنة؛ هذا الإنفاق القائم على اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بنسبة تقترب من 90%، ولديه معدلات بطالة عالية.

 

كان أي تغير حاد لأسعار النفط يحدث أثرًا بشكل مباشر. وكما أن ارتفاع أسعار النفط من العام 2003 وحتى 2013، متعدية لحاجز الـ 110 دولار للبرميل الواحد، سببت رخاءً اقتصاديًا ضخمًا داخل المملكة، فإن انخفاضها لمعدلات قياسية بلغت 27 دولاراً عام 2014 سبب انكماشًا مباشرًا في لاقتصاد المملكة، وكان واضحًا أن منحنى الهبوط سيستمر بشكل لا شك فيه.

 

بحسب تقرير ماكيزي، المفصل في أكثر من 150 صفحة تتناول الاقتصاد السعودي من جميع جوانبه والصادر في (سبتمبر/أيلول) عام 2015 بعنوان "الاقتصاد السعودي فيما وراء النفط"[8]، فإن الاقتصاد في المملكة سيواجه تحديين رئيسيين حتى عام 2030 سيضعها على المحك، الأول خارجي متعلق بشريان حياة الاقتصاد السعودي: النفط، والمتوقع له استمرار تقلب سوقه العالمي وانخفاضه تبعًا لمتغيرات كثيرة، والثاني داخلي يرتبط بالديموغرافيا السكانية السعودية. ويُنسب للتقرير أثر بالغ على رؤية 2030 الصادرة في وقت لاحق، بينما نفت ماكينزي وقتها أي علاقة لها بالرؤية بعد صدورها، بعد تعرضها لموجة انتقادات نتجت عن الدراسة الكاشفة لتفاصيل الاقتصاد السعودي الغامض.

 

2030: الرؤية

منذ تولي سلمان بن عبد العزيز مقاليد حكم المملكة في (يناير/كانون الثاني) عام 2015، بدا وكأن نظام إدارة المملكة في طريقه إلى تغييرات جذرية. بدءً من قرارات اتخذها حاكم المملكة ما إن تولى الحكم أقصى بها طاقم القصر القديم، مستبدلًا إياهم بطاقم موالي من الأمراء وعلى رأسهم ابنه محمد بن سلمان، مروراً بقرار شن أول عملية عسكرية خارجية سعودية منذ حرب الخليج في (مارس/آذار) من نفس العام على اليمن، وأخيراً مع تكشف ملامح رؤية 2030 التي قادها ومازال وزير دفاعه حينها -ابن سلمان- في (أبريل/نيسان) من العام الماضي 2016.

 

 

في مقابلته التلفازية الأولى على قناة العربية[9]، شرح ابن سلمان رؤية 2030 لإنقاذ الاقتصاد السعودي من الانهيار، وتمحورت حول تجاوز النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، مركزة على مجال الاستثمارات من خلال صندوق استثمار سياديٍ ضخم، على غرار التجربة القطرية شديدة النجاح، وعلى الاتجاه للمساحات المغيبة من اهتمام الاقتصاد السعودي، مثل السياحة والتعدين والتجارة البحرية، وعلى دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية في القطاع الخاص ورفع حصتها من السوق، وعلى توطين الصناعات التي تشكل واردات ضخمة للسعودية مثل الصناعات الحربية، وأخيراً زيادة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل. كانت رزمة إصلاح اقتصادي نظرية هي الأكثر شمولًا في تاريخ المملكة.

 

خلال (مايو/أيار) من العام الحالي 2017 ظهر ابن سلمان في لقاء تلفزيوني[10] ثانٍ مطول بمناسبة مرور عام على رؤية 2030، وأعلن أن الرؤية تمكنت في عام واحد فقط من خفض نسبة العجز وزيادة الإيرادات النفطية وضبط الميزانية، والأهم، بحسب ما قاله، أنها قد حافظت على الوضع الاقتصادي من الانهيار، إذ لم تشهد معدلات البطالة والتضخم ومؤشر الاستثمار تغيرًا كبيرًا عما كانوا عليه. ولدى سؤاله عن الركود الذي شاب الأسواق السعودية وزيادة البطالة، مع تقلص الوظائف بسبب تقلص الإنفاق الحكومي، وعن الإجراءات التقشفية قال إنها "تأثيرات جانبية متوقعة، ولا يُعقل أن انهيار أسعار النفط بتلك الدرجة سيمر دون عواقب آنية".

 

بنظرة بعيدة عن الاستهلاك الإعلامي، نجد أن الرؤية نفسها، منذ إطلاقها وحتى الآن بعد مرور عام عليها، تثير العديد من الملاحظات والأسئلة المعلقة بلا إجابة. فأولًا، وعندما صدر بيان الرؤية، كان "بيانًا مليئًا بالعبارات البلاغية ومقتضب التفاصيل"، وهي عبارة استخدمها سايمون هندرسون في تقريره حول الرؤية في نهاية (أبريل/نيسان) الماضي، بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

 

في التقرير، نبه سايمون القراء للمفارقة الأولى والأهم في الرؤية، وهي أنها تتطلب الكثير من الأموال لتحقيقها، والأموال تأتي من النفط، أي ببساطة ينبغي للسعودية أن تحظى بأكبر استقرار نفطي لسنوات قادمة لتنتقل من الاقتصاد النفطي للأعم، وهو الأمر النظري كثير "الوردية" بالنسبة لوضع سوق النفط العالمي غير المستقر وشديد التشعب.

 

إن محاولة الفكاك من محيط البطالة السعودي الضخم لن يأتي من الحكومة نفسها، لعدم قدرتها واقعيًا على رفع معدلات النمو الاقتصادي، وسط كل هذا الاستنزاف والأزمات، لرقم يوازي معدلات البطالة نفسها (رويترز)

 

أما المفارقة الثانية فهي أن الرؤية تعتمد أيضًا على اكتتاب أرامكو العام، وتنتظر إيرادات طرح جزء من شركة النفط الأولى عالميًا بشكل عام للمرة الأولى في تاريخ السعودية في 2018، وهو أمر بجانب "الشك" في حدوثه حتى الآن، وبجانب حالة "عدم اليقين" من أن حجم الاكتتاب سيوازي حجم المبلغ الهائل الذي أعلنته المملكة -2 تريليون دولار-، فإنه يعيدنا لنفس المفارقة السابقة، أو بحسب تعبير سايمون نفسه "يطلب من المستثمرين الأجانب استثمار أموالهم في قطاع النفط والغاز السعودي، بينما تبدو المملكة متلهفة للابتعاد عن النفط".

 

لا تقتصر مفارقات الرؤية الصعبة على ذلك فحسب، وإنما تمتد إلى تكاليف حرب اليمن، واستمرارها حتى الآن بلا أمل قريب في الأفق لإنهائها سياسيًا أو عسكريًا، ما يعنيه هذا من استمرار نزيف الأموال اليومي للإنفاق على العمليات العسكرية هناك، فضلًا عما يسميه سايمون بـ"احتمالية رد الفعل من قبل المحافظين"، عطفًا على أن الرؤية تأتي نظريًا لكسر بعض ثوابت المجتمع السعودي في طياتها.

 

الهروب من الفخ: الشباب السعودي وريادة الأعمال

على الأرجح، فإن محاولة الفكاك من محيط البطالة السعودي الضخم لن يأتي من الحكومة نفسها، لعدم قدرتها واقعيًا على رفع معدلات النمو الاقتصادي، وسط كل هذا الاستنزاف والأزمات، لرقم يوازي معدلات البطالة نفسها. لذا فإن محاولات الفكاك تأتي من الشباب السعودي نفسه كما فعل عمر اللحيدان مثلاً.

 

يمكن ملاحظة نزوع كبير بين شباب المملكة إلى ريادة الأعمال، فبحسب إحصائية[11] للمرصد العالمي لريادة الأعمال لعام 2016، فإن هناك 23.9% من الأشخاص بين 18-64 عامًا يشاركون في مشروعات ريادية في السعودية، وهي نسبة يؤخذ عليها اتساع الشريحة العمرية بعمومها، بينما يرى 81% من السكان السعوديين أن ريادة الأعمال "خيار مرغوب فيه"، وقد أظهر مؤشر[12] المعهد العالمي لتنمية ريادة الأعمال للعام الحالي أن السعودية قد حققت المركز الـ 30 على مستوى العالم والثالث عربياً بعد الإمارات وقطر في ريادة الأعمال، وحدد المؤشر أن نقطة الريادة الرئيسية في المملكة هي بدء المشاريع، بينما نقطة ضعفها في الابتكارية فتأتي نسبة كبيرة من المشاريع بشكل تقليدي. وعلى مستوى الأعمال يحتل الشباب السعودي المركز الأول عالميًا مناصفة مع الإمارات من ناحية صغر سن رواد الأعمال، ف63% من رواد الأعمال السعوديين يبدؤون أعمالهم بعمر 26 عامًا.

 

مقارنة بين السعودية والإمارات وإسرائيل التي تعد الأولى على مستوى الشرق الأوسط في مؤشر المعهد العالمي لتنمية ريادة الأعمال  (الجزيرة)

 

تلاحظ مجلة فوربس الاتجاه الريادي الصاعد في المملكة منذ أعوام طويلة قبل الرؤية، وقد بدأت عام 2012 إصدار قائمتها[13] السنوية لرواد الأعمال الأكثر نجاحًا على مستوى الدولة الخليجية. وشملت القائمة في عامها الثالث 182 رائد أعمال سعودي، بينهم 29 رائدة أعمال من أكثر من 100 شركة ناشئة، يعملون في 23 قطاعًا اقتصاديًا مختلفًا، وعلى رأسهم قطاع التجارة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات بواقع 15 شركة ناشئة لكل منهما. وقد جاءت مدينة جدة، العاصمة الاقتصادية للسعودية، أولاً من حيث عدد المنشآت، تلتها العاصمة الرياض.

 

رغم اتساع مساحات ريادة الأعمال في السعودية، فإن الاقتصاد السعودي يمثل عدوًا رئيسًا لهذه المساحات. ففي العام الماضي انخفضت نسبة السعوديين العاملين في القطاع الخاص، وتباطأت عجلة الاقتصاد بشكل عام، وشهدت الأسواق السعودية حركة ركودا يمكن ملاحظتها بسهولة ويتفق على الشكوى منها جميع القطاعات الاقتصادية في المملكة بلا استثناء تقريبًا.

 

في وقت يتناقل الأثير كلمات ابن سلمان عن تحسين الرؤية لوضع المملكة الاقتصادي بعد أكثر من عام على مرورها، وهو تصريح لم يحمل معه أي دلائل رقمية إحصائية أو واقعية، فإن الرؤية لم تخرج حتى الآن من كونها عبئًا لتصبح رؤية حقيقية يؤمل في تنفيذها

يمثل العائق الأساسي أمام ريادة الأعمال ومشاريع الشباب السعودي أن المملكة ليست بيئة مثالية بعد لهذا النوع من العطاء الاقتصادي. فمن بين جميع المشاريع الابتكارية[14] يتعرض ما نسبته 40% منها للإغلاق والخروج من السوق بعد فترة وجيزة، بينما تمثل المشاريع الجديدة وغير التقليدية 5% مما يراه سوق العمل السعودي، لذا فإن ريادة الأعمال، على أهميتها كخيار شبابي أول، ليست بالضرورة الوسيلة السحرية لحل مشكلة البطالة في اقتصاد ضخم جامد كاقتصاد المملكة، بينما يمكنها على النقيض من ذلك أن ترفع معدلات البطالة نفسها مع ارتفاع نسبة فشل المشاريع.

 

خلصت دراسة[15] تحليلية مقارنة تحت عنوان "ريادة الأعمال الصغيرة والمتوسطة ودورها في الحد من البطالة"، في جامعة نايف للعلوم الأمنية، إلى أن أوجه الشبه بين ريادة الأعمال في المملكة وبينها في دول أخرى، عربية وأجنبية، يتمثل في ارتفاع النفقات وانخفاض الدخل في بداية تنفيذ المشروع، وفي وجود اهتمام بتقديم منتجات أو خدمات جديدة. بينما تمثلت أوجه الاختلاف بحسب الدراسة بين ريادة الأعمال الصغيرة والمتوسطة في المملكة وبينها في دول أخرى في اهتمام الدول الأخرى بدعم المشروعات الريادية كوسيلة لمواجهة البطالة بدرجة أكبر مما تفعله الحكومة السعودية، وفي حماية القوانين والتشريعات للمشروعات الريادية خارج المملكة منها داخليًا بدرجة أكبر، وفي مرونة المصارف في الدول الأخرى في دعم المشروعات الريادية ومساندتها عند التعرض لخسائر عكس السعودية.

 

وذكرت دراسة[16] سعودية أخرى أن نقاط الضعف التي يعاني منها قطاع شباب الأعمال بالسعودية تشمل تحيز المستثمرين للشركات الضخمة، وعشوائية قطاع ريادة الأعمال وعدم تنظيمه، والافتقار للتخطيط للإنتاج وربطه بحاجة السوق، وارتفاع تكاليف الإنتاج وفقر التكنلوجيا الصناعية السعودية، وضعف الموارد البشرية وعدم توفر تمويل من القطاع الخاص، وخصوصاً البنوك، لهذا النوع من الاقتصاد، إذ أنها في العادة لا تثق بها ولا تفضل الرهان عليها. وهناك أيضاً معوقات متعلقة بصعوبة التسجيل والترخيص في بعض الأحيان، وبالافتقار إلى المساعدات ذات الطابع الاستشاري من الحكومة، وبتعدد الجهات الرقابية السعودية.

 

في كل الأحوال، فإن الشباب السعودي أصبح واقعيًا بين مطرقة "البطالة" وسندان "رؤية 2030"، فبينما لا تتراجع معدلات البطالة بأي شكل تبعًا لحالة سوق النفط العالمي السيئة، وبينما يئن الاقتصاد السعودي تحت وطأة التقشف الفعلي، وفي وقت يتناقل الأثير كلمات ابن سلمان ولي العهد الحالي عن تحسين الرؤية لوضع المملكة الاقتصادي بعد أكثر من عام كامل على مرورها، وهو تصريح لم يحمل معه أي دلائل رقمية إحصائية أو واقعية، فإن الرؤية لم تخرج حتى الآن من كونها عبئًا لتصبح رؤية حقيقية يؤمل في تنفيذها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك