اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/13 الساعة 17:26 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/22 هـ

انضم إلينا
الوجه الآخر لـ"أوبر".. انهيار وشيك أم توسع جامح؟

الوجه الآخر لـ"أوبر".. انهيار وشيك أم توسع جامح؟

أشرف إبراهيم

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض

في مساء يوم الـ28 من (يناير/كانون الثاني) من عامنا الحالي 2017م، وتحديدًا بين السادسة والسابعة مساءً، خلا مطار "جون كينيدي" الدولي في نيويورك من سيارات الأجرة برتقالية اللون التابعة لتحالف "سائقي تاكسي نيويورك" على غير العادة. في نفس الوقت بدأ أسطول من السيارات الشخصية بملء محيط المطار المزدحم، لنعرف بعد قليل أنها سيارات مشتركة في "أوبر"؛ علامة توصيل الأفراد الأولى عالميًا حاليًا.

 

قبلها ببضعة أيام، قام الرئيس الأميركي "دونالد ترمب" بتوقيع مرسوم يقضي بمنع لاجئي سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، ما أثار موجات غضب كبيرة بين شرائح عديدة داخل المجتمع الأميركي، واندلعت على إثرها العديد من المظاهرات المنددة بالقرار الرئاسي "غير الإنساني" على حد وصفهم. كان من بين المحتجين على القرار تحالف "سائقي تاكسي نيويورك"، ممثلًا لأكثر من 19 ألف سائق، وأعلنوا على حسابهم الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إضرابهم عن العمل من السادسة إلى السابعة مساءً بمطار "كينيدي"، وعدم توصيل أي شخص تضامنًا مع اللاجئين المتضررين من مرسوم ترمب (1).

 

لم تمض نصف ساعة بعدها إلا وأعلن حساب شركة "أوبر" الخاص بمدينة نيويورك على "تويتر" أيضًا عزم الشركة إلغاء تعريفة وقت الذروة على الرحلات الخاصة بالمطار(2)، ولفهم الأمر أكثر، فإن مطار "كينيدي" هو أحد أكثر المطارات ازدحامًا بالركاب، وغالبًا ما يتم احتساب الأجرة في محيطه وفقًا لتسعيرة ساعات الذروة، حيث يكون الطلب على الخدمة أكثر من المتوفر فعليًا، وبالتالي تتضاعف الأجرة العادية وصولًا لعدة أضعاف.

    

تصاعدت الاتهامات لـ"أوبر" بمحاولة إفساد إضراب السائقين من خلال تكثيف رحلاتها حول المطار، وعرض الخصومات غير المسبوق، واتخاذ موقف غير إنساني على حساب تحقيق مآرب سياسية

رويترز
    

وقتها، كان الرئيس التنفيذي لشركة أوبر "ترافيس كالانيك" عضوًا في المجموعة الاستشارية الاقتصادية لـ"ترمب"، وتعهد مرارًا بالعمل مع الرئيس الجديد لحل القضايا المتعلقة بالتنقل في المناطق الحضرية، منذ انضمامه للمجموعة الاستشارية الرئاسية قبل الحادثة بشهرين تقريبًا، في (ديسمبر/كانون الأول) عام 2016م، ومع ربط الأمور تصاعدت الاتهامات لـ "أوبر" بمحاولة إفساد إضراب السائقين من خلال تكثيف رحلاتها حول المطار، وعرض الخصومات غير المسبوق، و«اتخاذ موقف غير إنساني على حساب تحقيق مآرب سياسية» حسبما قيل.

 

بدا وكأن "كالانيك" ومن ورائه "أوبر" لم يتوقعوا نتائج المعركة جيدًا، فعلى الفور بدأ عدد لا يستهان به من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في إطلاق وسم #DeleteUber لإلغاء تطبيق الشركة من الهواتف الشخصية، وسرعان ما انتشر الوسم كالفيروس في جميع أنحاء العالم. حاول "كالانيك" تهدئة الوضع بقوله إنه «سيطرح قضية اللاجئين على الرئيس ترمب في اجتماع المجموعة الاستشارية يوم الجمعة»، إلا أن سيل الانتقادات لم يتوقف، وكانت الرسائل سلبية في معظمها مثل «أنت تعمل مع ترمب، وأنا سوف أعمل مع "ليفت"»، والأخيرة هي المنافس الأول لأوبر في الولايات المتحدة، أو «أنت تتواطأ مع الفاشيين»، وغيرها(3).

 

في اليوم التالي استغلت"ليفت" ما فعلته "أوبر"، وأعلنت عن تضامنها مع اللاجئين ورفضها التام لقرار ترمب، كما تعهدت بالتبرع بمليون دولار لاتحاد الحريات المدنية الأميركية المعني بالدفاع عن حقوق الأقليات والوقوف بجوار اللاجئين، بعدها تحولت شريحة كبيرة من عملاء أوبر لـ "ليفت"، وفي أقل من ثلاثة أيام حذف 200 ألف شخص تطبيق أوبر من هواتفهم المحمولة(4)، واضطرت الأخيرة إلى تنفيذ نظام أوتوماتيكي جديد للتعامل مع هجمة إلغاء الحسابات.

 

انتقلت الاضطرابات للهيكل الداخلي لأوبر، وتساءل عدد كبير من موظفي الشركة عن سبب انضمام "كالانيك" للمجلس الاستشاري الاقتصادي لترمب، وترجمت الأسئلة لمطلب واحد ألقي بضيق في وجه "كالانيك" في اجتماع عقد بمقر الشركة بوادي السيليكون بسان فرانسيسكو، بعد إثارة القضية بأربعة أيام: «ما الذي قد يتطلبه الأمر حتى تنسحب من المجلس الاقتصادي؟».

  

الرئيس التنفيذي السابق لشركة أوبر "ترافيس كالانيك" (رويترز)

 

لم يمض على اجتماع الشركة يومين آخرين حتى قدم "كالانيك" استقالته من مجموعة ترمب، قائلًا: «لا يُقصد بالانضمام إلى المجموعة تأييد الرئيس أو جدول أعماله، ولكن لسوء الحظ فقد فسر الأمر على هذا النحو تمامًا» (5)، لتلقي الحادثة بأكملها ضوءًا ساطعًا على وجه آخر لأوبر، وجه سيء ربما لا يعرفه الكثيرون، وعلى مستقبل غير مضمون لنموذج الأعمال الواعد.

  

عالم أوبر المُظلم
حينما كان مراهقًا؛ كانت أولى وظائف كالانيك هي "بائع سكاكين متجول"، ويبدو أنه بعدها بأعوام طويلة لم يستطع بعد تعلم كيفية تفادى الطعنات مترأسًا لأكثر شركة ناشئة واعدة عالميًا. فالعلاقة بين أوبر وسائقيها متوترة دومًا ومثيرة للجدل في كثير من الأوقات، ولفهم ذلك، فإن نموذج أعمال الشركة، مع 1.5 مليون سائق حول العالم، يعتمد على أنهم «مقاولون مستقلون» وليسوا موظفين تابعين للشركة، مما يتسبب في نتائج تثير غضبهم في كثير من الأحيان.

 

فمثلًا يعني هذا الأمر أن الشركة ليست مسؤولة ماليًا عن الحقوق المعتادة للعاملين بالشركات الكبرى مثل الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والإجازات مدفوعة الأجر، ومثل التأمين على أداة العمل الأولى "السيارات"، وتسديد مصروفات الوقود والصيانة حال لم يتمكن السائق من الحصول على عملاء بمعدل مرتفع. ويهدف هذا النموذج إلى جعل تكاليف الشركة في أدنى مستوياتها، ومن ثم تظل "أوبر" ذات جاذبية كبيرة للمستثمرين قبيل الطرح العام المتوقع أن يحدث في أي وقت (6).

 

يجادل كثير من السائقين بأنهم أكثر من مجرد موظفين عاديين لأن "أوبر" هي من تحدد تسعيرة الانتقالات لا هم، ولم يكن هذا مجرد جدال عابر على هامش غضبهم من نموذج الأعمال كاملًا، وإنما تطور إلى قضايا رفعها بعضهم أمام المحاكم الأميركية، وفي (أبريل/نيسان) للعام الماضي 2016م وافقت "أوبر" على دفع 100 مليون دولار إلى 385 ألف سائق كتسوية لقضيتين تم رفعهما في ولايتي "كاليفورنيا" و"ماساتشوستس" مطالبين بتغيير نموذج العمل وتعيينهم كموظفين لديها، وجاءت التسوية لتشكل تهديدًا لنموذج الأعمال كاملًا، حتى وإن نصت التسوية على استمرار نمط أعمال "المقاولين المستقلين" كما هو. ووافقت الشركة بموجب حكمي القضيتين، اللتين تم رفعهما في عامي 2013م و2014م على التوالي، على إجراء تغييرات في السياسات العامة تعطي مساحات تحكم أكبر للسائقين(7).

   

  

لم يكن الأمر تجربة سارة لأوبر رغم التسوية، ففي (أغسطس/آب) من نفس العام رفض "إدوارد تشين"، القاضي الاتحادي في منطقة شمال كاليفورنيا، تسوية المائة مليون دولار معتبرًا أنها «ما تزال غير عادلة وغير كافية وغير معقولة»، مكملًا بأن الأضرار اللاحقة بالسائقين جراء اعتبارهم "مقاولين مستقلين" تفوق المبلغ، وجاء في وثائق المحكمة المعروضة بعد الحكم بشهر، في (مايو/أيار)، أن من حق السائقين الحصول على 730 مليون دولار في شكل تسديدات للنفقات حال اعتبارهم موظفين لدى أوبر لا مجرد مقاولين(8)، وهو أمر ردت عليه "أوبر" بطبيعة الحال قائلة إنها تشعر بـ «خيبة أمل» إزاء قرار تشن معيدة النظر في خياراتها، بينما فرض الحكم على الطرفين إعادة النظر في تسوية أخرى ترضي المحكمة، إلا أنه وبعد ذلك بستة أشهر ربما سيعتبر "كالانيك" أن معركة السائقين في ساحات القضاء، وتهديد نموذج أعمال الشركة كاملًا، ضربًا من الرفاهية مقارنة بما سيراه على مدار النصف الأول من عامنا الحالي 2017.

 

الانحلال
لم تكد "أوبر"، أو "كالانيك" بالأخص، يتخطى واقعة مطار جون كينيدي بالاستقالة من مجلس ترمب، إلا وواجهت الشركة فضيحة أخلاقية أثارت موجة عاصفة من الغضب والتساؤل أيضًا حول بيئة العمل. ففي 19 (فبراير/شباط) الماضي نشرت "سوزان فاولر"، إحدى مهندسات الشركة، تجربتها «المروعة» كما وصفتها في تدوينة على موقعها الإلكتروني (9).

 

تحكي "فاولر" عن التحاقها بالعمل بـ "أوبر" في (نوفمبر/تشرين الثاني) عام 2015 كمهندسة تدقيق "SRE" لموقع الشركة على الإنترنت، قبل أن تتركها في (ديسمبر/كانون الأول) نهاية العام الماضي، بادئة بأن مديرها المباشر أرسل لها عدة رسائل عبر برنامج محادثات الشركة الداخلي، يحاول من خلالها دعوتها لإقامة «علاقة» معه. قامت "فاولر" بتسجيل وحفظ تلك الرسائل وأعادت إرسالها لإدارة الموارد البشرية، ثم جاء الرد بأنه وبرغم كون الرسائل تحمل «تحرشًا جنسيًا واضحًا»، إلا المخالفة الأولى له، كما أن أداءه الوظيفي ممتاز وبالتالي لم تعاقبه الإدارة مكتفية بتحذيره.

 

لم يكن ذلك فقط ما أثار "فاولر" ودفعها لإعلان ما حدث، وإنما طريقة الشركة حينما قامت بطرح خيارين لحل المشكلة: إمكانية انضمامها لفريق آخر، أو بقائها في نفس الفريق مع تقبلها لاحتمالية حصولها على تقييم عمل ضعيف كون استمرار الرجل مديرا لها مباشرة، وهي حالة لن تستطيع الشركة أن تفعل فيها أي شيء، وهو خيار أخبرها إياه أحد ممثلي الموارد البشرية مضيفًا أن حصولها على تقييم ضعيف «لن يكون انتقامًا» لأنه قد تم منحها الخيار.

  

أحدثت تدوينة "فاولر" ضجة ضخمة داخل أوساط "أوبر" خاصة بعد توثيقها لما حدث، ما أدى لانزعاج المساهمين أنفسهم وتشككهم في بيئة عمل الشركة المليارية

أن سبلاش
 

ذُهلت فاولر من رد فعل الموارد البشرية والإدارة ورائه، وحاولت التصعيد دون جدوى، لذا تركت الفريق وانضمت لآخر جديد، ما مكنها من مقابلة مهندسات أخريات لتجد أن بعضهن كان لديه قصص مشابهة لما حدث لها، حتى أن بعضهن قمن بالإبلاغ عن نفس مديرها السابق من قبل، لتدرك بعدها أن كذب الادعاءات الإدارية كون ما حدث معها «الخطأ الأول له». بعد بضعة أشهر من واقعة "فاولر" تم الإبلاغ عن حادثة جديدة، وأتى الرد عليها إداريًا بشكل مماثل بأنها «المخالفة الأولى له»، ولم يتم اتخاذ أي رد فعل، إلى أن ترك مدير الفريق منصبه بعد فترة ليست بالقصيرة، لتتساءل "فاولر" في تدوينتها عالمية الانتشار عن سبب الإطاحة به أخيرًا.

 

بالإضافة لبيئة العمل غير الآمنة، كتبت "فاولر" عن «فوضى العمليات» داخل الشركة، حيث كشفت عما يشبه "صراع عروش" إداري، كما أن تلك الحروب لم تكن خفية كما أغلب بيئات العمل، بل شهدت بعض الاجتماعات تفاخر أطراف الصراعات بها، فتذكر "فاولر" أن أحد المديرين تفاخر في أحد الاجتماعات بابتسامة عريضة قائلًا لفريقها أنه حجب معلومات، ذات أهمية تجارية، عن أحد المديرين التنفيذيين حتى يتمكن من كسب ود مدير آخر.

 

كان لهذا الصراع تداعيات «خطيرة» على حد قول "فاولر"، منها التخلي عن عدة مشاريع، وتغيير الأهداف المفتاحية عدة مرات لكل ربع عام مالي، كما ادعت حدوث «تمييز فج» بأوبر بين الجنسين، موثقة ذلك أيضًا بمحادثات بين مديريها، مضيفة أن عدد النساء في الشركة حال انضمامها كان أكثر من 25% من إجمالي الموظفين، وبحلول وقت مشكلتها وتداعياتها كانت النسبة 6% فقط، في ظل «الفوضى التنظيمية واستمرار مسلسل التحرش الجنسي»، لينخفض العدد إلى 3% في آخر يوم عمل لها.

 

أحدثت تدوينة "فاولر" ضجة ضخمة داخل أوساط "أوبر" خاصة بعد توثيقها لما حدث، ما أدى لانزعاج المساهمين أنفسهم وتشككهم في بيئة عمل الشركة المليارية، مطالبين "كالانيك" بتفسير واضح، ليكون الأخير لجنة تحقيق يرأسها النائب العام الأميركي السابق بإدارة أوباما "إريك هولدر"، وعضو مجلس إدارة أوبر "أريانا هافينغتون"(10)، مضيفًا في تعليقه على تدوينة "فاولر": «قرأت للتو تدوينة سوزان، ما تصفه بغيض وضد كل ما ترتكز عليه أوبر. هذه المرة الأولى التي يسترعي فيها الأمر انتباهي، وأصدرت تعليمات لـ ليان هورنزي كبير موظفي الموارد البشرية بإجراء تحقيق عاجل في هذه الادعاءات» (11).

  

تعرض كالانيك لضغوط على مدار ساعات من قبل المستثمرين في أوبر، بقيادة خمسة من كبارهم، مطالبين إياه بالاستقالة «لأن الشركة بحاجة لتغيير قيادي»، إلى أن أعلن استقالته، ولم يتم إقصاءه من مجلس الإدارة

رويترز
  

لم تمض عدة أيام إلا وتم نشر تدوينة أخرى من قبل امرأة مختلفة جاءت بعنوان «أنا الناجية من أوبر»، قصت فيها حالات جديدة من الاعتداءات والمضايقات بالشركة (12)، ثم جاء تحقيق "نيويورك تايمز" الشهير، والكاشف عن إحدى أكثر بيئات العمل «استهتارًا وتمييزًا» عن طريق التواصل مع أكثر من ثلاثين موظفًا وموظفة سابقين وحاليين، واستعراض رسائل بريد داخلية وسجلات اجتماعات مرئية مسجلة، فضلًا عن وصول الأمر لتناول بعض موظفي الشركة المخدرات في إحدى حفلات الشركة، مرورًا بتسجيل حالة تحرش جنسي كاملة في نفس الحفلة من قبل أحد مديري الشركة، مع تسجيل فصله بعدها بـ 12 ساعة فقط من الواقعة، ليرسم التحقيق صورة ساهمت في تقويض سمعة الشركة بسوق العمل كاملًا (13).

 

الثورة
لم يقتصر تدهور نموذج الأعمال الشهير على ما سبق، ففي الثالث من (مارس/آذار) الماضي كشفت بعض التقارير عن أن أوبر تستخدم أداة سرية للتحايل على السلطات في المدن التي تحظر أعمالها مثل بوسطن وباريس، تدعى "غريبال"(14)، وهي أداة تستخدم ضمن برنامج سري يسمى "انتهاك شروط الخدمة"، ويسمح لها بالاطلاع على بيانات شديدة الخصوصية للعميل مثل معلومات بطاقات الائتمان(15). واعترفت أوبر باستخدام الأداة معللة ذلك بحماية سائقيها، ومواجهة تعسف السلطات، ليتم فتح تحقيق جنائي داخل وزارة العدل الأميركية في بداية شهر (مايو/أيار) الفائت بخصوص ما حدث (16)، وليلقي بمزيد من الشك حول نجاعة نموذج أعمال أوبر الحالي، وحلولها التي تواجه بها مشاكل التشغيل والتوسع.

 

في منتصف (مارس/آذار) أيضًا تم تسريب بيانات حول مشروع أوبر لتصنيع السيارات ذاتية القيادة، وكانت البيانات «مخيبة للآمال» مقارنة بما وصلت إليه غوغل في مشروعها المنافس، رغم إنفاق أوبر ملايين الدولارات. فلم تستطع سيارات عملاق التوصيل السير بمفردها إلا مسافة 1.28 كيلو متر فقط في المتوسط قبل تدخل ضروري من قبل الإنسان، فيما يعرف بمرحلة "فك الارتباط" (17)، بينما أوضحت البيانات الصادرة في (فبراير/شباط) أن سيارات "وايمو" ذاتية القيادة التابعة لغوغل أجرت العام الماضي عملية "فك ارتباط" مرة واحدة كل ثمانية آلاف كيلو متر تقريبًا(18).

  

 

انعكست كل هذه التراكمات بطبيعة الحال على مجلس إدارة الشركة، وفي الساعات الأولى من صباح يوم 20 (يونيو/حزيران) من عامنا الحالي 2017م اندلعت ثورة من المساهمين وشركات رأس المال الاستثماري على الرئيس التنفيذي "كالانيك"، تعرض خلالها الأخير لضغوط على مدار ساعات من قبل المستثمرين في أوبر، بقيادة خمسة من كبارهم بينهم شركة رأس المال الاستثماري "بينشمارك" أحد أكبر مساهمي أوبر كاملة، مطالبين إياه بالاستقالة «لأن الشركة بحاجة لتغيير قيادي»، إلى أن رضخ "كالانيك" وأعلن استقالته(19)، إلا أنه لم يتم إقصاءه من مجلس الإدارة.

 

يثير صراع العروش داخل مجلس أوبر، نتيجة للمشاكل التي تواجهها الشركة؛ العديد من التساؤلات حول مدى استدامة نموذج أعمالها القائم على "اقتصاد المشاركة"، بل وتذهب التساؤلات لمدى نجاح نموذج الأعمال في جميع شركات الاقتصاد التشاركي، إذ إن أوبر كانت من أوائل الشركات المبلورة لهذا النمط من الأعمال مع شركة "أير بي إن بي" (Airbnb)، لاسيما في ظل نهجها القائم على عدم القبول بإهمال بيئة العمل، وعلى الامتثال للتشريعات، وهو الأمر الذي جعل نموذج أوبر محل اهتمام بخاصة من قبل نماذج الشركات الناشئة الأخرى التي تعمل بنمط اقتصاد المشاركة، قبل المشكلات الأخيرة المتتالية من كافة الجبهات.

 

تعتقد البروفيسورة "جيان إكهاردت"، أستاذ التسويق في "رويال هولواي"، كلية إدارة جامعة لندن، أن انهيار أوبر إن حدث يهدد جميع شركات اقتصاد المشاركة. وبالتالي فيبدو أن نهج الشركة يتصادم أيضًا مع قواعد وأسس اقتصاد المشاركة. وتشير "بينيتا ماتوفسكا"، خبيرة اقتصاد المشاركة العالمي، إلى أن أوبر وفرت خدمة فعالة ومن ثم فقد نمت، إلا أن هذا لا يعني أن الأعمال التجارية يمكن أن تتم «بطريقة استغلالية وغير أخلاقية، ومن المؤكد أن الشركة لا تمثل القيم الحقيقية لشركات اقتصاد المشاركة، فليس هناك أي عذر للسلوك الجنسي أو الاستغلالي» (20).

 

كما سلكت أوبر منحى بعيدًا نسبيًا عما يتطلبه نموذج أعمالها الجديد، فشركات اقتصاد المشاركة أغلبها شركات خاصة لم تطرح للاكتتاب العام بعد، ولم تحصل على تمويل من شركات رأس المال الاستثماري بالحجم الذي تلقته أوبر، ومن ثم تنخفض احتمالية نشوب صراع عروش كما يحدث الآن داخل مجلس الإدارة، وما يمثله ذلك من تهديد لكيان الشركة. وحادت أوبر عن نموذج أعمال شركات اقتصاد المشاركة في علاقتها بالمنظمين أو السائقين (21)، فرغم أن العلاقة بين تلك الشركات والمنظمين بشكل عام تتسم بعدم الاستقرار، إلا أن تعامل أوبر مع هذا الملف بدا وكأنه أخذ الصورة النمطية للشركة وهي التعامل بقسوة ولامبالاة أحيانًا، فكانت الصراعات السابقة بين الطرفين.

  

 

لم تكن أوبر مجرد الشركة الناشئة الأكثر قيمة في التاريخ على مدى نصف قرن مضى فحسب، وإنما كانت مصدر إلهام ونموذج يحتذى به للشركات الناشئة والمبتدئة، وكانت أوبر من بين الشركات الناشئة القليلة التي خلقت طريقة رائدة للتمويل وتشغيل شركة تكنولوجية برأس مال خاص وليس باكتتاب عام (22). ولكن تلك الصورة النموذجية تستحق إعادة نظر، فأوبر قد اتخذت مواقفًا يمكن وصفها بأنها «أكثر عدوانية وتهورًا» في التعامل مع المنافسين والمنظمين والسائقين، وتجاهلت مرارًا التعامل السريع مع العناصر السيئة في صفوفها، كما فتحت أبوابا تُلقي رؤوس الأموال على مصراعيه بلا ضوابط اقتصادية سليمة، حتى حدث فائض تمويلي في الوقت الذي لم تنضج فيه الشركة نفسها بعد، نسبة إلى حجمها المتنامي، فضلًا عن تمكن أصحاب رؤوس الأموال من التحكم والتدخل في مصير الشركة بغض النظر عن تدهور أداء أوبر نفسه، حتى بات عصر الأعمال الناشئة في وادي السليكون الآن محكومًا بإدارة سلطة المال على غير العادة.

 

يقول "جوزيف هولت"، أستاذ أخلاقيات العمل بجامعة نوتردام، معلقًا على استقالة "كالانيك" أن ذلك «سوف يدفع بعض التقنيين في وادي السليكون للتفكير مليًا فيمن سيختارونهم ليكونوا قادة»، في حين يقول "ليزلي مايلي" مهندس البرمجيات الذي عمل سابقًا في شركة "سلاك"، إنه يحب أن يُرى شركات أخرى تتغير نتيجة لمشاكل أوبر المعروفة جيدًا، ولكنه يعتقد أن القضايا الثقافية في وادي السليكون «عميقة الجذور لحد بعيد» (23).

 

تقف أوبر اليوم بين مصيرين تحددهما الأشهر المقبلة، إما الانطلاق من جديد وإعادة فتح شهية التوسع والانتشار، وفي تلك اللحظة ربما لن يتمكن منافس من الوقوف أمامها، وإما مواصلة التخبط والفوضى والصراعات، وهو ما سيقودها للاندثار رويدًا وبشكل حتمي، لتلقي حينها ضوءاً ساطعًا على ما قد يسمى بانتهاء عصر صداقة رؤساء وادي السيليكون، والأهم تغييرات جذرية سيشهدها نموذج الأعمال التشاركي.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك