هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
العقوبات على إيران.. ضغط على النظام أم تعجيل بثورة شعبية؟

العقوبات على إيران.. ضغط على النظام أم تعجيل بثورة شعبية؟

آدم المخزنجي

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  

على الأرجح لم تكن تتصور أفنيك ميليكان، المواطنة الإيرانية التي تعيش في أرمينيا منذ 12 عاما وتحمل الجنسية الأرمينية، أن تصحو يوما لتُفاجأ بأن حسابها المصرفي قد تم تجميده. لم يكن التجميد متعلقا بانتهاك ميليكان لأحد القوانين المحلية كما المعتاد في مثل تلك الظروف، وإنما ضمن حملة من تجميد الحسابات البنكية التي تقوم بها البنوك الأرمينية في شتى أنحاء البلاد للعملاء الذين يدرجون "إيران" كمكان ميلادهم حتى لو كانوا من حملة الجنسية الأرمينية، فيما شكا آخرون من أن البنوك منعتهم من امتلاك حسابات بالدولار أو اليورو على الرغم من امتلاكهم الجنسية الأرمينية. بالتأكيد لم يكن الأمر يتعلق بتوتر مفاجئ في العلاقات بين إيران وأرمينيا -بل على العكس فهناك علاقات وطيدة بين البلدين الآسيويين المتجاورين-، وإنما بنفوذ وسلطان قوة في أقصى الغرب يحكمها شخص قرر أن يحول حياة الإيرانيين إلى جحيم: وهو دونالد ترامب.

 

فيما يبدو، وضعت العقوبات الأميركية التي قرر ترامب توقيعها على إيران أرمينيا التي تحافظ على علاقات جيدة مع طهران وتعتمد عليها في التجارة، وضعتها في موقف حرج. ورغم توضيح رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، المستقيل حديثا لإجراء انتخابات جديدة، لمستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أثناء زيارته إلى العاصمة الأرمينية، يريفان، أن لحكومته مصالحها الخاصة بها مع طهران، فإنه وجد نفسه مضطرا في النهاية لتلبية الطلبات الأميركية بمراقبة المعاملات المالية للإيرانيين عبر البنوك الأرمينية.

   

ويبدو أن تهديدات بولتون بأن إدارة ترامب ستدير العقوبات الإيرانية "بقوة شديدة" كانت كافية لدفع أرمينيا إلى الانصياع في نهاية المطاف، إلى الدرجة التي جعلتها تجمد حسابات مواطنيها من ذوي الأصول الإيرانية بدلا من حماية حقوقهم، ما دفع "ميليكان" لوصف عقوبات ترامب أنها "مثيرة للسخرية، ولا تؤثر على النظام بأي حال، بل على الأشخاص العاديين"، منتقدة حكومة بلادها التي فشلت في حماية حقوقها كمواطنة على كل حال (1).

       

       

كان المواطنون الإيرانيون وغيرهم من ذوي الأصول الإيرانية حول العالم قد تنفسوا الصعداء للتو منتصف عام 2015 حين وقّعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين مع إيران على خطة عمل مشتركة وافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل إنهاء العقوبات الاقتصادية، حيث وافقت طهران على خفض مخزونها من اليورانيوم المخصب من 12 ألف كيلو جرام إلى 300 كيلو جرام، ووافقت أيضا على إزالة نحو ثلثي أجهزة الطرد المركزي أي ما يوازي 10 آلاف جهاز طرد تنتج اليورانيوم، وعدم إنتاج أو امتلاك اليورانيوم المستخدم في صنع الأسلحة، كما سمحت لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوصول إلى سلسلة التوريد الكاملة للإنتاج النووي الإيراني (2)، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة -وقبلها الاتحاد الأوروبي- شرعت في رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي بحلول الأسابيع الأخيرة من العام نفسه.

  

ولكن تلك الانفراجة لم تدم طويلا على ما يبدو، فمع قدوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017، فإنها شرعت في تضييق الخناق على إيران مجددا وصولا إلى مايو/أيار 2018 حين أعلن ترامب انسحابا أحادي الجانب من الاتفاق النووي ووضع خطة مدتها 180 يوما لإعادة فرض العقوبات الأميركية التي كانت سارية قبل إبرام الاتفاق(3)، ما وضع الإيرانيين تحت الضغط من جديد، جنبا إلى جنب مع أي أشخاص أو كيانات تتاجر مع إيران والتي وقعت منذ ذلك الحين تحت مقصلة العقوبات الأميركية وفي مقدمتها المنع من الولوج للنظام المالي الأميركي وفقدان القدرة على الوصول للدولار (4)، لتبدأ بذلك دورة جديدة من دورات معاناة الاقتصاد الإيراني الهش، وحلقة جديدة من معاناة المواطنين الإيرانيين وهم المتأثر الأول بتلك الدائرة التي لا تنتهي من العقوبات الوحشية في كل الأحوال.

  

انفراجة لم تدم

مع دخول الاتفاق النووي الإيراني حيز التنفيذ وسريان رفع العقوبات على طهران مطلع عام 2016، حصل الاقتصاد الإيراني على دفعة قوية بعد سنوات متصلة من العقوبات المتصاعدة، وفي فبراير/شباط عام 2016 تذوقت أوروبا طعم النفط الإيراني لأول مرة منذ ثلاث سنوات حيث صدّرت 4 ملايين برميل إلى فرنسا وإسبانيا وروسيا، وفي بلد يُشكّل النفط 80% من صادراته فإن عودة النفط للتدفق بحرية في الأسواق كانت بمنزلة قُبلة الحياة للاقتصاد المتداعي لخامس أكبر منتج للنفط في العالم، وبحلول عام 2017 كانت إيران تُصدّر قرابة 2.1 مليون برميل يوميا، وكان من المتوقع أن تتضاعف تلك الكمية بمرور الوقت بمجرد استكمال البنية التحتية اللازمة، وصولا لمستويات إنتاج ما قبل العقوبات والتي بلغت 4 ملايين برميل يوميا.

 

نتيجة لذلك، شهد الاقتصاد الإيراني انتعاشا ملحوظا، حيث توسع بنسبة 12.5% عام 2016 واستمر النمو خلال عام 2017، فيما تسابق عمالقة الصناعة الغربيون مثل توتال، وبيجو، ورينو، وإيرباص، وسيمنز وغيرها على العقود المليارية في طهران، وجاءت توقعات النمو الاقتصادي من قِبل صندوق النقد الدولي لتعكس ما يمكن تسميته دفعة ما بعد العقوبات، إذ توقع الصندوق أن يستمر نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة 4% خلال العام الحالي 2018.

   

   

لكن مطرقة ترامب هوت فوق أحلام الإيرانيين مبكرا على ما يبدو، حيث قوض الانسحاب الأميركي أحادي الجانب من الاتفاق النووي مطلع العام الحالي الانتعاش قصير الأمد الذي تلقاه الاقتصاد الإيراني بعد التوقيع على الاتفاق النووي قبل ثلاثة أعوام. ووفقا للعديد من المؤسسات البحثية من بينها "بي إم آي للأبحاث" (BMI Research)، فمن المتوقع أن يتباطأ الاقتصاد الإيراني مع تراجع صادرات النفط وتدفقات الاستثمارات الأجنبية بسبب الارتياب السياسي المرتفع والمخاطر المتعلقة بالعقوبات الأميركية.

  

وكمثال على ذلك، وبعد أسبوعين من انسحاب ترامب من الاتفاق النووي؛ أعلن رئيس شركة النفط الفرنسية العملاقة توتال أنه قد يضطر إلى بيع حصته في صفقة غاز إيرانية بقيمة 4.8 مليار دولار لتجنب التعرض للعقاب من قِبل الولايات المتحدة، ومع هيمنة توتال على مشاريع الغاز الأكثر أهمية في إيران، وعلى رأسها مشروع تطوير حقل بارس الأكبر للغاز حيث تسيطر الشركة الفرنسية على حصة 50.1% من المشروع مقابل نسبة 30% لشركة البترول الوطنية الصينية وأقل من 20% لشركة بتروبار الإيرانية، كان ذلك مؤشرا مبكرا حول التأثيرات المحتملة للانسحاب الأميركي.

 

خلال الأسابيع التالية، بدأت الشركات الكبرى تعد عدتها للرحيل عن إيران واحدة تلو الأخرى بما يشبه تأثير الدومينو، وتراجع الحديث عن أي استثمارات جديدة بشكل ملحوظ، لذا لم يكن مفاجئا أن تنخفض توقعات صندوق النقد الدولي لنمو الناتج المحلي الإجمالي الإيراني من 4.3% و4.5% عامي 2018 و2019 إلى 3.1% و0.8% بعد فرض العقوبات الأميركية (5).

 

لم يختلف الأمر كثيرا في تقرير (6) شركة الأبحاث الاقتصادية المتخصصة "أكسفورد إيكونوميكس" (Oxford Economics) الذي صدر نهاية شهر أغسطس/آب الماضي، حيث أشار التقرير إلى أن العقوبات التي تم تطبيقها أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الحالي والتي تستهدف صناعة النفط الإيرانية وصادرات النفط الخام التي تُشكّل العمود الفقري للاقتصاد والمصدر الرئيسي للدخل والعملات الأجنبية في البلاد؛ سوف تشل الاقتصاد الإيراني عن طريق إعادته إلى الركود، وتوقع التقرير أن يشهد إجمالي الناتج المحلي انكماشا بنسبة 3.7% في عام 2019 وهو أسوأ أداء اقتصادي منذ ست سنوات، بينما توقع أن يشهد عام 2020 نموا بنسبة 0.5% فقط.

   

   

وكان الريال الإيراني هو المؤشر الأسرع على الاستجابة للعقوبات على ما يبدو، حيث بدأت العملة الإيرانية مسلسل السقوط الحر مباشرة عقب إعلان الانسحاب الأميركي، واستمر في السقوط على مدار الأشهر التالية ليبلغ مستوى غير مسبوق من الهبوط قبيل تطبيق المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية أوائل أغسطس/آب الماضي بواقع 100 ألف ريال لكل دولار في السوق السوداء (7).

 

جحيم العقوبات

لم تكن المؤشرات الاقتصادية الكلية وحدها هي ما يُنبئ عن محنة الاقتصاد الإيراني عقب إعلان وزارة الخزانة الأميركية إعادة فرض العقوبات الأميركية في مايو/أيار الماضي، فجولة واحدة داخل الأسواق المحلية الإيرانية يمكنها أن تكشف ما تعنيه العقوبات بالنسبة للمواطنين الإيرانيين الذين يشعرون بالضرر أكثر بكثير مما تشعر به حكومتهم على ما يبدو، مع خلو المتاجر من الزبائن وأحاديث التجار والمواطنين حول التداعيات الكارثية التي بدأت تُلمس بالفعل بداية من ارتفاع الأسعار وغياب البضائع، وصولا إلى تسريح المزيد من العمال الذين صاروا على وشك أن يفقدوا وظائفهم ومصادر دخولهم.

 

تُعاني إيران بالفعل من معدلات مرتفعة للبطالة بلغت 12.1% مع أكثر من 3 ملايين إيراني يعانون للعثور على وظيفة، وهو رقم مرشح للتزايد مع عودة العقوبات، ففي سبتمبر/أيلول الماضي حذّر تقرير برلماني من أن ارتفاع معدلات البطالة قد يهدد استقرار الجمهورية الإسلامية، منوّها أنه إذا ظل معدل النمو الاقتصادي في إيران أقل من 5% في السنوات المقبلة؛ فقد تصل نسبة البطالة إلى 26%.

 

يعد الشباب العاطل عن العمل كابوسا يهدد أحلام النظام المحافظ في طهران، حيث لا يقتصر الأمر على الصداع التقليدي للمطالبة بالوظائف، بل يمتد ليهدد استقرار النظام نفسه، وهو ما حذر منه التقرير البرلماني السابق الإشارة إليه قائلا: "إذا كنا نعتقد أن الوضع الاقتصادي للبلاد هو المحرك الرئيسي للاحتجاجات الأخيرة، وأن معدل التضخم بلغ 10% ومعدلات البطالة وصلت 12% قد تسببت في الاحتجاجات؛ فلا يمكن تصور شدة ردود الفعل الناجمة عن الارتفاع الحاد المنتظر في معدل التضخم والبطالة" (8).

   

     

كانت إيران قد شهدت على مدار الأشهر الأخيرة احتجاجات اقتصادية مناهضة للحكومة في أكثر من 80 مدينة بما في ذلك العاصمة طهران بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، والارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، والبطالة، وفساد الدولة، وكلها عوامل تضافرت لتفجر الغضب الشعبي لأول مرة منذ سنوات طويلة، لا سيما من قِبل الشباب الذي يُعاني من ارتفاع مستويات البطالة إلى نِسب قياسية بلغت 25% بشكل إجمالي، ووصلت 50% في بعض المناطق، في بلد يقع ثلثا سكانه تقريبا تحت خط الثلاثين عاما.

 

وفي محاولة لتهدئة المحتجين وتقديم كبش فداء على ما يبدو، قام البرلمان في أغسطس/آب الماضي بإقالة علي ربيع وزير العمل الإيراني بدعوى سوء الإدارة وفشله بما يكفي لحماية سوق الوظائف من العقوبات، ولحقه بعد أيام قليلة مسعود كرباسيان وزير الاقتصاد والشؤون المالية (9)، الذي حذّر قبل إقالته بأيام من أن إيران ستخسر مليون وظيفة بحلول نهاية العام كنتيجة مباشرة للعقوبات الأميركية.

 

تؤكد المقابلات التي أجرتها وكالة رويترز مؤخرا مع العشرات من أصحاب الأعمال في إيران، تؤكد -بما لا يدع مجالا للشك- مخاوف وزير الاقتصاد المُقال، وأشارت الوكالة إلى أن مئات الشركات في إيران قد علّقت الإنتاج وأن الآلاف من العمال يتم تسريحهم بسبب مناخ الأعمال المعاد والناجم عن العقوبات الأميركية، في وقت جعلت فيه السياسات النقدية المتناقضة للحكومة مع تقلبات سعر الصرف الأجنبي، والزيادة في أسعار المواد الخام، والقروض ذات الفائدة المرتفعة من البنوك، جعلت من المستحيل بالنسبة لهم البقاء في العمل، وبالتالي عجزت الكثير من الشركات عن دفع أجور عُمّالها لأشهر، ومن ثم كان عليهم إما إغلاق العمل وإما تسريح الكثير من العمال.

 

وكانت صناعة السيارات الإيرانية من بين القطاعات الأكثر تأثرا بالعقوبات بعد الطفرة التي شهدتها عقب رفع العقوبات وتوقيع العديد من العقود الضخمة مع الشركات الفرنسية والألمانية، وكمثال على ذلك، علّقت شركة بي إس آي الفرنسية لصناعة السيارات مشروعها المشترك مع الحكومة الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي لتفادي العقوبات الأميركية، كما ألغت شركة دايلمر الألمانية العملاقة لتصنيع السيارات والشاحنات خططها لتوسيع أعمالها في إيران، وكما يشير مازيار بيجلو، عضو مجلس إدارة جمعية صناع قطع غيار السيارات الإيرانية، فإن أكثر من 300 من صانعي قطع الغيار اضطروا إلى وقف الإنتاج، مما يهدد عشرات الآلاف من الوظائف في هذا القطاع.

   

ولكن المخاطر الاقتصادية للعقوبات الأميركية لا تقف عند حدود البطالة على ما يبدو، وكما حذر إسحاق جهانجيري، النائب الأول للرئيس الإيراني، فإن إيران تواجه خطرين رئيسيين هما: البطالة، وانخفاض القوة الشرائية، حيث يعد التضخم هو الآخر إحدى أكبر المعضلات التي تؤثر على المواطن الإيراني بسبب انهيار قيمة الريال وما تبعه من ارتفاع تكاليف المعيشة وبخاصة أسعار السلع والخدمات الرئيسة مثل المواد الغذائية والإيجارات (10). كما تضاعفت أسعار السيارات والهواتف المحمولة والعديد من المنتجات الأخرى، ناهيك بتفاقم مشكلات المياه والطاقة بسبب نقص الاستثمار في البنية التحتية.

  

إسحاق جهانجيري، النائب الأول للرئيس الإيراني (رويترز)

   

لا يقف الأمر عند هذه الحدود أيضا، فمع دخول العقوبات الأميركية حيز التنفيذ بدأت إمدادات الأدوية الحيوية المستوردة تنفد بسبب شح الدولار والتضييق على الشركات الإيرانية، وعلى الرغم من مزاعم المسؤولين الأميركيين أن الأدوية معفاة من نظام العقوبات، وأن الولايات المتحدة استثنت ثماني دول من العقوبات وسمحت لها باستيراد النفط الإيراني بهدف توفير أموال لاستيراد الدواء، فإن مسؤولي الصحة في إيران يقولون إنهم يعانون من نقص الأدوية المستوردة، كما أدى تدهور قيمة العملة إلى ارتفاع التكاليف بنسبة من 40% إلى 50% (11).

 

ويبدو أن الهروب من الجحيم لم يعد خيارا متاحا للإيرانيين أيضا، مع تضاعف أسعار تذاكر الطيران إلى الوجهات الأجنبية بنحو ثلاثة أضعاف مما يجعل الهروب من الأزمة الاقتصادية والسياسية الساحقة أمرا بعيدا عن متناول الجميع، وكان تأثير الزيادة في أسعار التذاكر فوريا، إذ انخفض عدد الحجوزات إلى الوجهات الأجنبية من إيران إلى النصف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي وفقا لتصريحات ماجد نجاد، مؤسس إحدى أكبر وكالات السفر إلى إيران، لصحيفة واشنطن بوست (12)، ويأتي الارتفاع الحاد في تكاليف السفر الجوي نتيجة للقيود المفروضة على ممارسة الأعمال التجارية بالدولار، ما رفع تكلفة السياحة والسفر إلى العواصم الإقليمية والأوروبية بالنسبة للإيرانيين.

 

كان الانتعاش النسبي في حركة الطيران الأجنبي وتدفق شركات الطيران مثل الخطوط الجوية الفرنسية والبريطانية والكورية إلى تسيير رحلات من وإلى إيران وحمل السياح الأجانب إلى إيران قد أسهم في انتعاش ملحوظ في عائدات السياحة الإيرانية، ولكن هذه الأبواب تغلق مجددا بسرعة مع توقف شركات الطيران الكبرى تقديم خدماتها في إيران. وفي شهر أغسطس/آب الماضي أعلنت الخطوط الجوية البريطانية والفرنسية أنها ستُنهي رحلاتها المباشرة إلى طهران، وذلك عقب قرار مماثل من قِبل الخطوط الجوية الهولندية في الشهر السابق، وعلاوة على ذلك فإن المواطنين الإيرانيين كانوا محرومين سلفا من دخول الولايات المتحدة بفعل حظر ترامب، وأصبح كثير منهم غير قادر حتى على زيارة أقربائه في الولايات المتحدة وأوروبا.

   

يدرك ترامب وإدارته جيدا أن العقوبات تؤلم المواطنين الإيرانيين ربما بصورة أكبر من الحكومة والنظام الإيراني نفسه، لذا يعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة تريد أن تضيق الخناق على الشعب الإيراني لدفعه للاحتجاج ضد حكومته سواء للإطاحة بالنظام أو لإحداث تغيير كبير في سلوكه (13)، ما يعني أن المواطنين الإيرانيين يتم استخدامهم كعِصيّ في لعبة لتصفية الحسابات بين واشنطن التي ترغب في دفع الضغوط على النظام الإيراني إلى الحد الأقصى، وبين نظام الملالي الذي يراهن على تمرس شعبه على تحمل الألم الاقتصادي، والذي يَعِد الصابرين فيما يبدو فقط بالمزيد من جرعات الصبر.

 

رابحون وخاسرون

وعلى الرغم من كون العقوبات فصلا جديدا في لعبة طويلة الأمد لشد الحبال بين واشنطن وطهران، فإن تأثير تلك العقوبات يتجاوز بوضوح حدود إيران إلى المنطقة والعالم بأسره على ما يبدو، فمن ناحية يُتوقع أن تبدأ إمدادات النفط الإيرانية في الانخفاض مع تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات أوائل الشهر الحالي، ما يهدد برفع أسعار النفط، ورغم أن الأسعار لا تزال تتجه نحو انخفاض درامي بفعل ضغوط ترامب على السعودية لتعويض إمدادات النفط الإيراني على ما يبدو.

   

  

ولكن هذا الانخفاض لا يُرجّح أن يستمر طويلا مع ظهور آثار انسحاب النفط الإيراني، وربما تتجه الأسعار للصعود مجددا لتنعش خزائن الدول المصدرة للنفط لا سيما الخليجية منها كالمملكة السعودية، حيث تُقدّر مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، أن عائدات النفط السعودية التي بلغت 117.3 مليار دولار عام 2017 قد ترتفع بنسبة 7 إلى 9% هذا العام أكثر بفعل العقوبات على إيران (14).

  

وبالمقابل فإن ارتفاعا محتملا في أسعار النفط يُمثّل أخبارا سيئة للدول المستوردة مثل مصر بسبب ارتفاع فاتورة دعم مواد الطاقة ومن ثم تفاقم عجز الموازنة العامة المصرية، ما يضع الحكومة المصرية في مأزق مع صندوق النقد الدولي لمخالفة اتفاق القرض الذي منحه الصندوق لمصر وقدره 12 مليار دولار أواخر عام 2016. ومن المرجح حينها أن تلجأ الحكومة إلى تصدير الأزمة للمواطن المصري عن طريق زيادة أسعار المحروقات وفرض المزيد من الرسوم والضرائب الجديدة ورفع أسعار الخدمات الحكومية.

 

ويمكن للعقوبات أن تُشكّل ضغطا على الجهات التي تمولها إيران في المنطقة مثل حزب الله بسبب تقلص الموارد النقدية المقدمة لها، وبما أن حزب الله يعد كيانا متجذرا في النسيج الاجتماعي والاقتصادي اللبناني؛ فيمكن القول إن العقوبات سوف تؤثر على الاقتصاد اللبناني برمته ما لم تتدخل جهات أخرى لسد الفجوة (15).

 

في هذه المرحلة، يبدو أن العقوبات الجديدة على إيران تعمل كما أراد ترامب تماما، واضعة المزيد من الضغوط على البلد الذي يتهمه الرئيس الأميركي بإثارة عدم الاستقرار ودعم خصوم الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومع أقل قدر ممكن من العواقب حتى الآن، ومع ذلك لا يمكن لأحد أن يستبعد أن تنقلب الطاولة تماما إذا ما تفجرت الأوضاع الداخلية في إيران بصورة لا يمكن السيطرة عليها دافعة النظام الإيراني لتجاوز خطوطه الحمراء، وساعتها سيكون هناك الكثير ليقلق العالم بشأنه أكثر بكثير من أسعار النفط.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار