انضم إلينا
اغلاق
الاغتيال الاقتصادي للأمم.. كيف يمكن هزيمة أمة عبر الدولار؟

الاغتيال الاقتصادي للأمم.. كيف يمكن هزيمة أمة عبر الدولار؟

  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

في أواخر (مارس/آذار) 1980، وعلى متن أحد القوارب الفارهة بجُزر "فيرجن آيلاند"، كان السيد "جون بيركنز" برفقة مساعدته الشابة "ماري" يمضي إجازته التي اقتنصها لتهدئة أعصابه من ضغوط وظيفته غير الاعتيادية. وفي إحدى رحلاته، وتحديدا في قناة سير "فرانسيس دريك" التي تفصل بين الجزأين: الأميركي والبريطاني من الجُزُر، حملت التأملات الساحلية لهذا الرجل الأربعيني قرارا مصيريا، خطيرا، وبسيطا بالقدر نفسه.

  

في قناة "دريك"، ذلك الاسم الذي أُطلِق تيمّنًا بالسير "فرانسيس دريك" نائب الأميرال الإنجليزي، تاجر الرقيق والسياسي والمدني ومهندس العصر الإليزابيثي، نتيجة لما ألحقه من هزيمة للأساطيل الإسبانية التي تحمل ذهب الأرض الجديدة، هناك حيث واجهت "بيركنز" ذكريات المستعمرين القدامى وهم يقتاتون على ثروات الشعوب الأدنى، تماما كما يفعل هو وأقرانه -كقراصنة اقتصاديين- في شركة "Main"، في قصة طويلة سينهيها ألم الضمير.

   

يقول "جون": "تذكرت حينها بعض الأمور التي تعمّدت تجاهلها في الماضي حتى لا تؤرق ضميري.. لم تفارقني تلك المشاعر. كنت غاضبا من الأصوات التي تأتيني من الماضي والطريقة التي طالما بررت بها جشعي"[1]. يمر "بيركنز" بقاربه على جزيرة أخرى، يترك قاربه لـ"ماري" ويستقل زورقا بسيطا ليرسو على شاطئ "سانت جون". يتسلق جبلها البسيط وينظر إلى زورقه الشراعي بالقرب منه.

 

"أنا أيضا استرققت العبيد. لعشر سنوات، كنت خلفا لهؤلاء السلف من الرجال الذين سحبوا العبيد من غابات أفريقيا إلى السفن المنتظرة على الشاطئ"

   

جون بيركنز (مواقع التواصل)

  

لقد كان الكهل الأميركي اقتصاديا بارعا، متخصصا في إغراء الدول النامية بالمشروعات التنموية، لإغراقها في الديون، ومن ثم السيطرة عليها سياسيا بعد قتلها اقتصاديا، فلا تملك بعد هذا إلا التبعية لسيدها الأميركي.

 

"لكنني كنت النموذج الأحدث في هذا الدرب والأكثر مرواغة، لم أر في حياتي جثث الموتى ولم أشم رائحة اللحم المتعفن، ولم أسمع صرخات الألم. لكن ما فعلته هو الشر نفسه.. ربما في التحليل النهائي أرى نفسي أكثر إجراما وشرًا"

 

مرة أخرى، يدير القرصان الاقتصادي نظره في المكان الذي يطأه وحيدا، فيرى آثار أسلافه الإنجليز حينما داسوا أرضها غزاة طاغين. يقول: "أبعدت ناظري عن البحر والخليج والسماء الأرجوانية. تفاديت النظر تجاه الجدران التي بناها العبيد المنتزعون من أوطانهم في أفريقيا، وحاولت أن أبعد تفكيري عن كل هذه الأمور"[2]. لم تفلح حيلته كثيرا بالهرب؛ لأنه اتخذ طريقه إلى قاربه الذي ينتظر، بعدما عرف ما ينبغي له فعله للخروج من تلك الحلقة الجهنمية التي يصعب الرحيل عنها بمرور الوقت.

 

"لقد أصبحت عبدا، يمكنني مواصلة جلد ذاتي.. ويمكنني أن أفر"

 

وفي الأول من (أبريل/نيسان) التالي -بعد يومين من عودته- كانت استقالته تقبع في "بوسطن" على مكتب السيد "بول بريدي" مدير المؤسسة.. مؤسسة "Main" للقتل الاقتصادي غير الرحيم.

 

من المهد إلى القرصنة

في "هانوفر"، لأب يخدم في الجيش برتبة ملازم وأم تعمل بالتدريس للاتينية، أطلّ رأس "جون" للعالم في نهايات الحرب العالمية الثانية، التي أبعدت أباه عاما كاملا عن رؤيته الأولى، ثم ما لبثت أن انقضت حتى زامل الأب زوجته في وظيفتها، لكن في مدرسة داخلية أخرى بريف "نيوهامبشاير" كانت مخصصة لأبناء الأثرياء. كانت أسرة السيد "بيركنز" بسيطة، لكنهم لم يشعروا بالفقر لتوافر الخدمات بسهولة -نظرا لوظيفة والده- من مأكل ومسكن وخلافه، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا يرون أنفسهم في مقام أعلى من سكان القرية الفلاحين. ثم، وفي الرابعة عشرة من عمره، يرحل الفتى "جون" في منحة دراسية إلى مدرسته الجديدة بـ"تلتون"، لتنتهي علاقته بالقرية وأهلها من البسطاء، وتبدأ سيرته الجديدة بين أهل الثراء.

  

كتاب "اعترافات قاتل اقتصادي" لجون بيركنز (مواقع التواصل)

  

من منحة المدرسة إلى منحة الجامعة، وكاختيار مصيري بامتياز، يحفّزه والده لاختيار المنحة الأكاديمية بجامعة "ميدابيري" على حساب المنحة الرياضية بجامعة "براون"، وهناك التقى "جون" بابن أحد مستشاري الشاه الإيراني وقتها، ليدخل في رحلة من العبث والمجون انتهت بفصل الثاني وترك الأول للجامعة بعد مشكلة جنائية في مشاجرة بحانة، والذهاب إلى "بوسطن" حيث حصل "جون" على وظيفته الأولى كمساعد شخصي لرئيس التحرير بمؤسسة هيرست في جريدة "ساندي ادفرتايزر"[3]. جُنِّد معظم زملاء "جون" بالجيش الأميركي في نهاية عام 1965، ولتفادي المصير نفسه، قرر "جون" الالتحاق بكلية إدارة الأعمال بجامعة الولاية، وهو ما تزامن مع انفصال صديقته القديمة بجامعته السابقة "آن" عن صديقها، ليفسح لعاطفته المكتومة تجاهها ويتزوجا تلك الزيجة التي ستبدل كل شيء.

 

كان والد "آن" مهندسا لامعا، وضع تصميم نظام التوجيه لنوع معين من الصواريخ، ليُكافأ بعدها بمنصب مرموق في البحرية الأميركية، ويصادق عن طريقه العم "فرانك" -وهو اسم مستعار أطلقه "بيركنز في مذكراته- الذي كان يشغل منصبا كبيرا بوكالة الأمن القومي "NSA"، "وهي أقل مؤسسات المخابرات شهرة في البلاد وأكثرها عددا"[4]، وهو المنصب الذي أهّله لإنقاذ "جون" من التجنيد الإجباري لحرب فيتنام بترشيحه لوظيفة شاغرة بالوكالة نفسها. في مقابلة التوظيف، لم تتوافق توقعات الشاب اليافع مع نتيجة الاختبارات، فلم يشغلهم كثيرا أمر ولائه لأميركا بقدر ما اهتموا بكذبه على الشرطة لحماية صديقه، وكذا بالإحباطات التي واجهها في حياته بشأن المال والجنس الآخر وطموحاته في الظفر بالأمرين معا، الأمر الذي فسّره "جون" فيما بعد بأنه ترك انطباعا جيدا عنه -في هذا الموضع- بأنه سهل الإغواء، وأن الثراء السريع إغراء كافٍ ومختصر للفوز بكل إمكانياته وتوظيفها.

 

بعد بضعة أسابيع من الاختبارات قُبِل "جون" في وظيفته وبدأ التمرين على فنون الجاسوسية ليبدأ في عمله بعد تخرجه في جامعة "بوسطن". وفي محاضرة لأحد المسؤولين عن فيالق الخدمة العامة، عرف "جون" أن بعض المناطق في غابات الأمازون ما زالت تعيش في بدائية الهنود الحمر، وأن الفيالق في حاجة إلى متطوعين للخدمة هناك، فشجّعه العم "فرانك" على التطوع؛ لأن الأمازون منطقة غنية بالبترول و"سنحتاج إلى عملاء أكفاء؛ أشخاص قادرين على فهم أهل البلاد". ثم يكمل جون: "لقد كانوا يعدونني للتحول من جاسوس إلى قرصان اقتصادي"[5].

 

مُهمتك إن قبلت بها

في سلسلة الأفلام الشهيرة "المهمة المستحيلة"، لم تكن تلك العبارة سعيدة لبطل السلسلة، إذ كانت إيذانا بمهمة جديدة من تلك التي لا يصح الظهور فيها رسميا، فتظهر وحدة المهام المستحيلة للقيام بالأمر على وجهه الأمثل دون أن تتورط الحكومة الأميركية بشكل رسمي. بصورة شبيهة، وحسب رواية "جون"، كانت أحداث إيران 1953 الداعي الأكبر لإنشاء منظمة القتل الاقتصادي غير الرسمي. فحينما قرر رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" زيادة العائد المالي الذي تجنيه الدولة من شركة البترول الأكبر "بريتش بتروليوم" (BP) لصالح الشعب الإيراني وإلا ستتوقف استثمارتها في إيران، تخوفت حكومة الرئيس الأميركي -آنذاك- "دوايت أيزنهاور" من زيادة نفوذ "مصدق" ومن لهجته الانفصالية عن المنظومة الرأسمالية مما يوحي بتقارب محتمل مع الاتحاد السوفيتي.

   

  

وكخوف من حرب نووية في حال قررت أميركا التدخل العسكري لحفظ نفوذ الشركة، خاصة مع خمول الدور البريطاني بعض الشيء في المنطقة، أقنع وزير الخارجية الأميركي "آلان دالاس" ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية "جون دالاس" -حسب رواية "جون"- الرئيس بإرسال أحد عملائهم بحفنة مليونية من الدولارات إلى إيران، فقط من أجل مهمة واحدة فقط: لا مزيد من أيام "مصدق" في كرسي الوزارة.

 

لم يمض الكثير حتى كان "كيرميت روزفلت"، مهندس الانقلابات في الشرق الأوسط، يطأ أرض "طهران" بما معه من ثروة وُزِّعت على مجموعة مختارة لإثارة السخط والتظاهرات ضد حكومة "مصدق"، ليحصل "روزفلت" ورؤساؤه على النتيجة المرجوة بتنحية "مصدق" وحكومته من الصورة تماما ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته. حينها أدرك المسؤولون، كما يروي "جون"، من أين تؤكل الكَتف، لكن، وعلى الرغم من بساطة التكاليف وقوة أثرها، فإن المهمة كانت تنطوي على مخاطرة كبيرة في حال انكشف أمر "روزفلت" والقبض عليه، بما في ذلك من إحراج للسلطة الأميركية أمام المجتمع الدولي، فكان ثمة طريق آخر للفوز بمغانم القتل الاقتصادي-السياسي دون التورط في الحرب، وفي الوقت نفسه يتلاشى مغارم الظهور الرسمي في الأحداث.

 

هذا الطريق هو المؤسسات الخاصة المتخصصة في الاقتصاد، العامرة بالموظفين المهرة في إتمام الأمر حسب التدرج الأميركي في الأمر: قتل اقتصادي بإغراء الحكومات بالاستثمار وتوريطها في ديون لا تنفك عنها ولا تترك لها استقلالا، وإلا فالإطاحة بالحكومات نفسها -كما حدث مع "مصدق"- واستبدالها بأخرى تسهل المهمة، فإن لم يكن فتصفية الحاكم كما حدث لـ"توريخوس" في بنما، حسب توقعات "جون" في كتابه، فإن كان الحاكم هو "صدام حسين" فإن الخيار الأخير هو سقوط بغداد تحت القصف. ولتلاشي الخيارين الأخيرين كان "بيركنز" في المشهد، فكانت مهمته التي قبل بها نحو ثلاثة عقود من الزمان.

 

حتى الأرقام تكذب

في التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1973 طلب الرئيس الأميركي "ريتشارد نكسون" من الكونغرس اعتماد معونة عسكرية عاجلة لدعم إسرائيل بمبلغ 2.2 مليار دولار، وهو الأمر الذي واجهته بعض الحكومات العربية بما لديها من أسلحة، خاصة مع وضوح المعونة على عكس سابقاتها المخفيات[6]، فاضطرت السعودية لإعلان قطع النفط عن أميركا بعد أن قامت ليبيا بذلك، وظهرت الأزمة النفطية الشهيرة بأميركا في فترة المقاطعة.

      

يقول "بيركنز" إنه ولتلاشي الخطر المحتمل لقيمة الدولار بعد صدمة نيكسون، شهد بنفسه على الصفقة التاريخية التي تقدم فيها السعودية ميزة خاصة لأميركا بتسعير البترول -دائما- بالدولار

مواقع التواصل
     

لكن، ولأن الكبرياء الأميركي لن يقبل تكرار الأمر -فضلا عن اقتصاده- كانت رحلة "بيركنز" إلى السعودية، بعد فترة تدريبية لا بأس بها في شرق آسيا، للقضاء على احتمالية التكرار لما كان. هكذا إذن بعد سنوات قليلة من التدريب على يد زميلته الفاتنة "كلودين مارتن"، قاد "بيركنز" المفاوضات الاقتصادية مع العائلة المالكة، حسب شهادته، على النهج ذاته الذي قام به في إندونيسيا. دراسات اقتصادية حول استثمارات بالملايين في البنية التحتية للبلد البترولي البدائي، وأرقام وهمية من الأرباح التي لا تصب في مصلحة الشعب بقدر ما تحقق الثراء السريع لطبقة الحاكمين وذويهم[6]، ثم هي الديون تتراكم على عاتق الدولة -كما حدث في مصر خلال الانفتاح الساداتي[7]- ولكن ما يحدث في السعودية كان أمرا مختلفا بعض الشيء؛ لأن دولة بهذا الثراء لن تمثل لها الديون عوائق ذات بال.

 

انتهت المفاوضات المرهقة -على حد وصف "جون"- إلى إنشاء "وكالة التنمية الأكثر غرابة في التاريخ وهي اللجنة الأميركية السعودية للتعاون الاقتصادي"، والتي اعتمدت على الأموال السعودية لتمويل الشركات الأميركية في بناء البنى التحتية والتحديثية للمملكة، وكانت اللجنة تحت إشراف وزارة الخزانة الأميركية التي لجأت للقتلة الاقتصاديين وطلبت منهم إخراج تقارير غاية في الإبداع لتبرير استنزاف مئات الملايين من الدولارات من اقتصاد السعودية[8].

 

لم يكن الهدف هذه المرة إغراق الدولة بالديون، بل كان محاولة استرداد للملايين التي خسرتها أميركا بسبب حظر البترول[9]. استغل الأميركيون البداوة السعودية، وخاصة مشكلة القمامة، "حيث إن القمامة تحتاج إلى شركات نظافة أميركية تجمعها وعمالة غير سعودية تحتاج إلى مساكن ومستشفيات وأسواق وخطط لمعالجة المياه والكهرباء ووسائل النقل. مشروع مؤسسات تصنيع خام البترول، الذي يحتاج إلى إنشاء مجمع لصناعة البتروكيماويات تحيطه مناطق صناعية وعمرانية ضخمة، محطة توليد للكهرباء وخطوط للنقل والتوزيع وخطوط أنابيب لنقل البترول وسائل مواصلات متضمنة مطارات جديدة وتحسين الموانئ"[10] … إلى آخر السلسلة.

 

ثم يردف "بيركنز" أنه، ولتلاشي الخطر المحتمل لقيمة الدولار بعد صدمة نيكسون[*]، شهد بنفسه على الصفقة التاريخية التي تقدم فيها السعودية ميزة خاصة لأميركا بتسعير البترول -دائما- بالدولار، وفي المقابل يتعهد البيت الأبيض بحماية ملك آل سعود في المملكة ما أمكنته الوسائل من ذلك، ويقول "بيركنز" في حواره مع قناة "روسيا اليوم": وقد كان التدخل الأميركي في حرب الكويت تجليا لهذا الاتفاق بعدما هدد "صدام حسين" عروش العائلات المالكة بالخليج[11].

 

بين الأيديولوجية ورأس المال

  

2 مايو/أيار 1945، برلين تستسلم للحلفاء بعد يومين من انتحار "هتلر"، وتنتهي الحرب باندحار قوى المحور وسيطرة المعسكر المتناقض (الأميركي - السوفيتي) على مقاليد الأمور. لكن، ولأنك لا تجمع النقيضين في السِلم كما قد تجمعهما الحرب، برز الخلاف الشاسع بين القوتين المركزيتين في العالم على طريقة إدارة المشهد العالمي. لكن لأن العالم لن يحتمل حربا جنونية ثالثة، ظهرت الحرب الباردة بين الفريقين من أواخر الأربعينيات وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وفي خلال الفترة المذكورة قامت القوتان بالاشتراك في عمليات بناء عسكرية وصراعات سياسية من أجل المساندة، وما لبثت الحرب الباردة أن انتشرت خارج أوروبا إلى كل مكان في العالم.

 

سعت الولايات المتحدة إلى سياسات المحاصرة والاستئصال للشيوعية وحشد الحلفاء خاصة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط. خلال هذه الأثناء، ودعم الاتحاد السوفيتي الحركات الشيوعية حول العالم خاصة في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية ودول جنوب شرق آسيا، وهو ما أجج من حدة الصراع الاقتصادي والحاجة إلى الاغتيالات الاقتصادية للدول وإخضاعها للمعسكر الأميركي خوفا من انحيازها للمعسكر الشيوعي.

 

تلك الحرب التي يصفها "بيركنز" بحرب الأيديولوجية -متمثلة في شيوعية السوفييت- ضد رأس المال الأميركي، والتي مالت كفتها في النهاية لصالح رأس المال، إذ بلغت مديونية العالم الثالث -حتى بدايات الألفية الجديدة- 2.5 تريليون دولار، بواقع 375 مليار دولار سنويا في عام 2004، وهو رقم يفوق ما تنفقه كل هذه الدول مجتمعة على الصحة والتعليم بنحو ضعفين تقريبا[12]. من هنا كانت مهمة الذهاب إلى إندونيسيا ودول الشرق الآسيوي وقتلها اقتصاديا، نظرا لسهولة استقطابها من الجانب السوفيتي، وهو الحال نفسه الذي أثار حفيظة الحكومة الأميركية ضد "مصدق" في إيران، والذي دفع بهم للتكفل بالبنية التحتية للإسكندرية في عهد "السادات" عقب خروجه من الكنف السوفيتي، واستغلال مصر في دور الوسيط العربي بين أميركا والوطن العربي بأكمله[13].

 

في السياق نفسه، يصرح "بيركنز" في حوار "روسيا اليوم" أن أميركا الديمقراطية لم تكن -في حقيقة الأمر- تدعم إلا الأنظمة الشمولية لأنها ستيسر عليها عملية السيطرة، في حين أنها حاربت الديمقراطيات الحرة في العالم الثالث بكل قوتها، كما هو الحال في جواتيمالا وبنما وفنزويلا على سبيل المثال. كما أن البلاد الغنية بمواردها الطبيعية، الهزيلة في قوتها العسكرية والاقتصادية كانت تعاني الأمرّين من النفوذ الأميركي، كما هو الحال في الإكوادور التي دفعوها نحو الإفلاس في خلال عقود ثلاثة ارتفع فيها حد الفقر من 50% إلى 70%، ونسبة البطالة من 15% إلى 70%، مع تزايد الدين العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار[14]، في نموذج مثالي للتركيع الاقتصادي والربح المالي بغض النظر عن الأيديولوجية الديمقراطية من الأصل.

  

  

ثم، السبب؟ غابات البترول، فهكذا يمكن للإكوادور تسديد ديونها، التي ورطها فيها القتلة الاقتصاديون بمشاريعهم، عن طريق بيع تلك الغابات لشركات البترول الأميركية، وهو بيت القصيد، مقابل 25 دولارا من كل 100 للدولة، تذهب 75% منها لسداد الديون الخارجية -لصالح الشركات الأميركية التي نفّذت مشروعات التنمية- والمصاريف الحكومية والدفاع، ليتبقى 2.5 دولار فقط للصحة والتعليم والبرامج الأخرى التي تستهدف دعم الفقراء[15]!

 

إن لم تكن معي فلن تكون

يعبر "بيركنز" عن شبكة المصالح التي تهيمن على تلك العملية باسم "الكوربوقراطية" وهو مثلث يتكون من الشركات متعددة الجنسيات، والساسة الأميركيين، والمؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي الذي يمنح القروض. فأصحاب الشركات الكبرى يتصرفون بوصفهم الأباطرة الحقيقيين لهذه الإمبراطورية، يسيطرون على الإعلام الأميركي، ويسيطرون على السياسيين لأنهم يمولون حملاتهم الانتخابية. هذا هو الضلع الأقوى من المثلث؛ لأن علاقتهم بالسلطة متداخلة بشكل كبير، فهم دائمو التنقل بين المناصب في الشركات والحكومات، فـ"هالي بون" -على سبيل المثال- كان رئيسا لشركة إعمار، ثم نائب رئيس الولايات المتحدة[16]. وتقوم "الكوربوقراطية" برسم شكل السياسة الأميركية ثم تقدم للحكومة ومن ثم تصبح سياسة الحكم، فهي علاقة ودية تكاملية.

 

في تلك المنظومة يلعب القتلة الاقتصاديون دور اليد الخفية لتحقيق مطامع السادة الكبار، "فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ.. بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأميركية بتنفيذ هذه المشروعات"[17]. بهذه الطريقة تعطيك الولايات المتحدة بيمينها قرضا، ثم تأخذه بيسراها ديونا وأرباحا، وبين هذا وذاك تستحوذ عليك تابعا لها كما تريد، ويقاس مدى نجاح الخبير الاقتصادي -حسب "بيركنز"- بحجم القرض الذي يورط فيه الدولة المنشودة، والذي يتناسب طرديا مع الفترة الزمنية التي ستخضعها بها الولايات المتحدة. تلك هي الطريقة التي أفلحت في كثير من الدول، لكنها خابت أمام دول قد تبدو أصغر حجما وأثرا، إلا أنها كانت أكثر استقلالية وصلابة، وهو ما يعني الانتقال للمربع التالي من المتتالية: اذهب من على الكرسي.

   

جاكو أربنز (يمين) وكارلوس أرماس (مواقع التواصل)

    

في هذا الصدد يذكر "جون" أمثلة ثلاثة يتبعهم مثال رابع أكثر تطرفا، فيبدأ بغواتيمالا التي نجحت في خمسينيات القرن الماضي بانتخاب رئيسها "أربنز" بشكل حر لأول مرة في تلك البلاد، ليعلن بعدها الرئيس عن برنامج للإصلاح الزراعي من شأنه تهديد النفوذ الأميركي لشركة "يونايتد فروت" العريقة، المسيطرة على أميركا الوسطى، وهو ما تسبب في شن حملة إعلامية داخل أميركا تصف "أربنز" كمتآمر سوفيتي على أبناء العم سام، ليتطور الأمر سريعا بتنظيم "CIA" لانقلاب سريع على الرجل، واستبداله بديكتاتور يميني متطرف هو الكولونيل "كارلوس أرماس" الذي أوقف الإصلاح الزراعي وألغى الضرائب على الاستثمار الأجنبي ونظام الاقتراع السري في الانتخابات من الأساس.

 

في بنما لم يختلف الحال كثيرا، فبعد نصف قرن من الحكم المورث لعائلات تربطها بواشنطن صلات قوية، أتى "عمر توريخوس" بالصندوق إلى سدة الحكم، لينازع الأميركان سلطتهم على قناة "بنما" الملاحية وينتهي به الأمر كمان انتهى بسابقه "رولدوس"، الرئيس الإكوادوري الذي فرض سيادة بلاده على موارد النفط بها، بحادث طائرة، يرى "بيركنز" أنه كان متعمدا، فصله عن حادث "توريخوس" بشهرين فقط، غير أنهما واجها المصير نفسه بالاختفاء من الوجود وإحلال حكام آخرين على نهج الكولونيل "أرماس" في جواتيمالا.

 

أما فنزويلا، والتي كانت رابع مصدر للبترول في العالم وثالث مورد للولايات المتحدة، فإنها سلكت الدرب الإكوادوري على يد "تشافيز" في ديسمبر/كانون الأول 2002، ليواجه حيلة الحكومة الأميركية مع "مصدق"، غير أن وقوف الجيش بجانبه أعاده إلى القصر بعد 72 ساعة من الإطاحة به، ليتمكن من الهروب ببلده من القبضة الأميركية، بالتزامن مع الهجوم الأميركي على بغداد بحجة أسلحة الدمار الشامل في 2003، والذي شغل إدارة "بوش" عن "تشافيز" لإزالة العدو الأهم بالنسبة إليه، والذي لم تفلح معه أيٌّ من الخطط الثلاثة السابقة، ليقرر الوحش الأميركي الهجوم العسكري رأسا على "صدّام"، وتكتمل فصول الهيمنة الأميركية على أرض الواقع، حتى لو فشل القتل الاقتصادي في القيام بمهمته.

 _______________________________________________

الهوامش

[*] صدمة نيكسون: هي سلسلة من التدابير الاقتصادية التي قام بها رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون في عام 1971، وأهمها كان إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأميركي إلى الذهب.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار