هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
لهذه الأسباب يعد التحالف بين الدوحة وإسطنبول إستراتيجيا

لهذه الأسباب يعد التحالف بين الدوحة وإسطنبول إستراتيجيا

الإمام محمد محمود

باحث موريتاني
  • ض
  • ض
مقدمة

تعتبر منطقة الخليج العربي من ضمن أكثر المناطق في العالم استقرارًا وجذبًا للاستثمارات؛ حيث تعتبر السوق الخليجية سوقًا رائجة لتسويق المنتجات والبضائع وتستقطب قطاعات الطاقة والبنية التحتية الكثير من الشركات العالمية التي رأت في السوق الخليجية فرصة لتقديم خدماتها وتطوير مجالات عملها. ولهذه الأسباب، ظلت منطقة الخليج العربي تشهد سباقًا محمومًا بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى قوى إقليمية مثل تركيا وإيران؛ حيث تسعى هذه القوى جاهدة لكسب ثقة السوق الخليجية وتحقيق المزيد من السيطرة على أكبر جزء متاح منها، وذلك من خلال الحصول على ثقة المستثمرين؛ إذ تمتلك بعض دول مجلس التعاون الخليجي صناديق سيادية ضخمة يسعى العديد من الحلفاء الاقتصاديين لدول الخليج العربية إلى الاستفادة من الاستثمارات التي تشرف عليها الهيئات الخاصة بتسيير هذه الصناديق. 

  

مجهودات دول الحصار في عزل قطر دبلوماسيًّا ولوجستيًّا عن مجلس التعاون الخليجي وعن شركائها الاقتصاديين ستكون لها آثار سلبية ليس فقط على قطر بل على دول الحصار نفسها؛ فتقارير التبادل التجاري بين هذه الدول تشير إلى أن قطر تعتبر سوقًا مهمة ومربحة للشركات السعودية والإماراتية. فخلال العام 2015، بلغت الصادرات السعودية والإماراتية إلى السوق القطرية 309 ملايين دولار من المواد الغذائية فقط(1). هذا فضلًا عن شركات البناء والتشييد التي ترتبط بعقود بمليارات الدولارات من خلال مشاريع البنية التحتية الضخمة في قطر، إضافة إلى اتفاقيات الغاز (مثل مشروع دولفين أنابيب الغاز القطرية المغذي الرئيسي لأبوظبي)، وكلها مشاريع ضخمة ومصالح كبيرة ضربت بها دول الحصار عرض الحائط وسبَّبت هزة عنيفة في السوق الخليجية يتطلب علاج آثارها السلبية ردحًا من الزمن. 

   

مجلس التعاون الخليجي (رويترز)

  

بالمقابل، ففي عالم تطبعه السرعة وسهولة تنقل البضائع والأشخاص تعتبر البدائل متوفرة بشكل كبير؛ فدول مثل الهند والصين وتركيا وإيران والبرازيل وكوريا الجنوبية وغيرها تطمح بشكل دائم إلى حجز موطئ قدم لها في السوق الخليجية وخلق شراكات اقتصادية جديدة. كان هذا واضحًا من خلال تقاطر شركات هذه الدول على السوق القطرية مستغلة ظرفية الحصار وخروج الشركات السعودية والإماراتية، هذه الأحداث غيَّرت الاستراتيجيات الاقتصادية في المنطقة ومهدت لظهور لاعبين اقتصاديين جدد في السوق الخليجية. أفرزت الأزمة الخليجية تقسيمات وتحالفات جديدة في المنطقة ليس فقط على الصعيد السياسي والعسكري بل على الصعيد الاقتصادي أيضًا، فخلال فترة محدودة من عمر الأزمة كانت تكتلات اقتصادية جديدة تتشكل وأخرى تنمو وتتطور، ومن أهم هذه التكتلات مشروع الشراكة الاقتصادية بين تركيا وقطر.

  

فمنذ الأيام الأولى للأزمة الخليجية، قامت تركيا بدعم سريع وغير محدود لحليفتها الاستراتيجية، قطر، تمثَّل في مدِّ جسر جوي وبحري لنقل البضائع والمعدات إلى السوق القطرية، مَرَدُّ هذا الاهتمام والتعاون هو العلاقة العميقة بين البلدين؛ حيث لجأت تركيا إلى قطر لتزويدها بالغاز بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية على الأراضي التركية بعد أن قامت موسكو بفرض عقوبات تجارية على تركيا، وكان لقطر دور مهم في تخفيف حدة تأثير هذه العقوبات على تركيا خاصة في مجال الطاقة. وفي ظل احتدام الصراع الجيوستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط بين موسكو وواشنطن من جهة والسعودية وإيران من جهة أخرى وجدت تركيا في قطر الحليف الاستراتيجي الوحيد المتبقي لها في منطقة تشهد سياسة استقطاب قوية. في ظل هذه المعطيات ستتناول الدراسة، بناء على التحليل والمقارنة، تطور العلاقات الاقتصادية التركية-القطرية في سياق الأزمة الخليجية والتأثيرات التي أحدثها الحصار على التبادل التجاري بين البلدين وعلى آفاق تطوير الشراكة الاقتصادية بينهما.

   

العلاقات التركية-القطرية

ترتبط قطر وتركيا بعلاقات اقتصادية قوية ترتكز على التبادل التجاري. وقد شهدت هذه العلاقات في السنوات الأخيرة ازدهارًا كبيرًا شمل مختلف المجالات والنشاطات الاقتصادية، كما تُوِّجت هذه العلاقات باتفاقيات في مجال الطاقة، والبنية التحتية، والتصنيع، والمعدات العسكرية والسياحة، وقد أسهمت الشركات التركية بشكل ملحوظ في نهضة البنية التحتية التي تعرفها قطر خلال هذه السنوات، وقدمت هذه الشركات مساعدات لوجستية وصناعية في مجال الإنشاءات والطرق والمترو إضافة إلى أنابيب النفط والغاز ومصانع البتروكيماويات.

  

في سنة 2016، بلغت قيمة التبادل التجاري بين قطر وتركيا 710 ملايين دولار دون المنتجات النفطية ومتعلقاتها، وفاقت قيمة المشاريع المنفذة في قطر من قبل الشركات التركية 15 مليار دولار. تسعى تركيا إلى تطوير علاقتها مع قطر في مجال الطاقة حيث تحتل قطر المرتبة الثالثة عالميًّا في تصدير الغاز ويوجد بها 14% من احتياطي العالم من الغاز الطبيعي، ونتيجة للظروف الإقليمية والصراعات الدولية فقد سعت تركيا إلى اعتماد قطر حليفًا استراتيجيًّا في المجال السياسي والاقتصادي والعسكري(2). في إطار سياسة البلدين لتعزيز التعاون الاقتصادي واكتشاف فرص الاستثمار وتطويرها، انطلق بالعاصمة القطرية، الدوحة، في 19 أبريل/نيسان 2018، المعرض التركي-القطري للاستثمار (إكسبو تركيا في قطر)، ويعتبر هذا المعرض الأول من نوعه في قطر وشارك فيه حوالي 145 شركة تركية تعرض منتجاتها في السوق القطرية، وتشمل هذه المنتجات: الإلكترونيات، والمواد الغذائية، والأدوات المنزلية، إضافة إلى منتجات أخرى تستهدف مختلف المجالات والقطاعات.

   

 

معرض إكسبو تركيا في قطر هو منصة جديدة للتعاون ولَبِنة في مسار تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ودعم سبل تعزيز وتطوير هذه الشراكة، وهو تتويج للتعاون الثنائي المثمر وتأكيد لأهمية التعاون الاستراتيجي. هذا التعاون البنَّاء الذي كان من نجاحاته وجود 242 شركة تعمل في قطر برأس مال مشترك قطري-تركي، و26 شركة تعمل في قطر برأس مال تركي 100%. ينظر المستثمر القطري إلى السوق التركية كإحدى الأسواق المفضلة لديه، ويهدف معرض إكسبو تركيا في قطر إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 750 مليون دولار إلى 1.5 مليار دولار سنويًّا(3).

  

خلال السنوات العشر الماضية، استطاعت تركيا جذب 20 مليار دولار من الاستثمارات القطرية؛ حيث تقع قطر في المرتبة الثالثة بين الدول المستثمرة في تركيا، وتستهدف الاستثمارات القطرية مجالات مختلفة في مقدمتها القطاع المصرفي التركي، وقطاع الطاقة، والتصنيع، والسياحة، والعقارات، إضافة إلى قطاع الزراعة(4).

  

في نهاية 2015، تمكن بنك قطر الوطني من شراء حصة بنك اليونان الوطني المعروف بـ"فينانس بنك" في تركيا والذي يعتبر خامس أكبر بنك في القطاع الخاص في تركيا من حيث حجم الودائع والقروض. وقد قدَّم بنك قطر الوطني 2.94 مليار دولار ليمتلك بذلك 99.81% من حصة فينانس بنك، وقد شهد هذا المصرف ازدهارًا كبيرًا خلال سنوات معدودة وحقق نجاحات باهرة فوصل عدد فروعه إلى 620 فرعًا وعدد عملائه إلى أكثر من 5.3 ملايين عميل(5).

  

لم تقتصر الاستثمارات القطرية في تركيا على الجانب المالي والصناعات التكنولوجية فقط بل تعدت هذه الاستثمارات وتوزعت لتشمل قطاعات أخرى مثل قطاع التصنيع العسكري الذي يعتبر واجهة من أهم واجهات الاقتصاد التركي الحديث حيث تمتلك قطر 50% من أسهم شركة (بي. إم. سي) التركية المتخصصة في صناعة الآليات العسكرية(6). تمتلك قطر صندوقًا سياديًّا هو رابع أكبر صندوق سيادي في المنطقة والسابع على مستوى العالم؛ فحسب إحصائيات معهد صناديق الثروة السيادية، وصلت قيمة هذا الصندوق 320 مليار دولار، وقد قام جهاز قطر للاستثمار -الهيئة المشرفة على الصندوق- باستثمارات في شركات عالمية، منها: فولكس فاجن، وبورش، وغيرها، لذلك تسعى تركيا إلى جلب جزء من هذه الاستثمارات ودعوة القطريين للاستثمار ليس فقط في قطاع العقارات التركي، بل أيضًا في قطاعات الطاقة، والصناعة، والمالية، والتكنولوجيا، والخدمات الصحية(7).

    

أحد فروع شركة فوكس فاجن (رويترز)

 

تعيش العلاقات الاقتصادية التركية-القطرية عصرها الذهبي وتتوسع هذه العلاقات لتشمل قطاعات جديدة واتفاقيات جديدة في مجالات الطاقة والتصنيع العسكري والزراعة والسياحة وغيرها من النشاطات الاقتصادية ذات الأهمية المشتركة بين البلدين. خلال السنوات الثلاث الماضية، زاد حجم الاستثمارات القطرية في تركيا بشكل كبير تزامن مع انتشار كبير للشركات التركية في السوق القطرية، وحظيت هذه الشركات بعقود كبيرة في مجال البنية التحتية.

  

التبادل التجاري التركي-القطري في ظل الأزمة

شكَّل الحصار الذي فرضته الدول الأربع: السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، فرصة لنمو التبادل التجاري بين قطر وتركيا. بالإضافة إلى الاتفاقيات السابقة، قام البلدان بتوقيع اتفاقيات جديدة عاجلة لتغطية أي عجز في السوق القطرية نتيجة الحصار. وخلال أيام قليلة من عمر الأزمة كانت طائرات الشحن الجوي التركية والسفن التجارية المحملة بأنواع البضائع تشق طريقها نحو الدوحة. تم تعزيز الاتفاقيات بزيارة وفود من رجال الأعمال القطريين لتركيا واجتماع اللجنة العليا المشتركة القطرية-التركية. وحسب المعطيات التي قدمها وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، فإن الصادرات التركية لقطر قد ارتفعت من 36.2 مليون دولار في مايو/أيار 2017 إلى 52.4 مليون دولار خلال شهر يونيو/حزيران 2017. في المقابل، وصلت قيمة صادرات قطر إلى تركيا 23.7 مليون دولار في شهر يونيو/حزيران 2017 بعد أن كانت 19.6 مليون دولار خلال شهر مايو/أيار 2017(8). هذا التطور في نمو التبادل التجاري بين تركيا وقطر دفع غرفة التجارة القطرية إلى تشجيع رجال الأعمال القطريين على الاستثمار في تركيا نتيجة للفرص الكبيرة التي تمنحها تركيا والبيئة الملائمة التي تتمتع بها. وقد أشارت التقارير الاقتصادية التركية إلى أن قطر ستستثمر 19 مليار دولار في تركيا خلال عام 2018؛ حيث ستوجه 650 مليون دولار من هذه الاستثمارات إلى قطاع الزراعة والتنمية الحيوانية(9). 

  

شهدت العلاقات الاقتصادية التركية-القطرية نموًّا متسارعًا منذ بدء الأزمة الخليجية وقد بدا ذلك واضحًا من خلال حجم التبادل التجاري وعدد المشاريع وتنوعها؛ مما يوحي بمستقبل باهر لهذه العلاقات في المستقبل، خاصة بعد الحديث عن إنشاء منطقة تجارية حرة بين البلدين ووصول الشركات ذات رأس المال المشترك بينهما إلى 99 شركة في انتظار أن يرتفع هذا العدد خلال السنوات القادمة. دفعت الأزمة الخليجية بالعلاقات الاقتصادية التركية-القطرية إلى مزيد من التطور والنمو المتسارع في حجم التبادل التجاري والاستثمارات؛ فخلال شهر أغسطس/آب 2017، وقَّعت الشركات التركية والقطرية 15 اتفاقية تعاون شملت مجالات: قطاع الأدوية، والمواد الغذائية، ومواد البناء، والبلاستيك، والألومنيوم، إضافة إلى المنتجات التكنولوجية(10). خلال فترة الأزمة، تضاعفت الصادرات التركية إلى قطر ثلاث مرات عن وضعها الطبيعي.

  

الحصار أسهم في زيادة التبادل التجاري بين البلدين

تعزز حجم التبادل التجاري الذي شهده البلدان خلال السنوات القليلة الماضية وتطور بعد الأزمة الخليجية وفتح آفاقًا جديدة وغرس آمالًا واعدة لشراكة اقتصادية أكبر، تشمل المزيد من القطاعات وتوفر العديد من الفرص والخيارات للمستثمرين من كلا البلدين، هذا التعاون لا شك أنه سيعزز من متانة العلاقة السياسية والعسكرية بين تركيا وقطر وسيدفعهما إلى المزيد من توحيد الجهود في ضبط بوصلة سياستهما الخارجية نحو أهدافهما المشتركة في السياسة الإقليمية والدولية. ففي معرض إكسبو قطر-تركيا 2018، أشارت تقارير وزارة الاقتصاد القطرية إلى أن 40 شركة تركية دخلت إلى قطر في أعقاب الحصار الذي تعرضت له البلاد منذ ما يزيد على السنة، إضافة إلى زيادة حجم التبادل التجاري خلال فترة الحصار بـ30% ليصل إلى 4 مليارات ريال قطري في 2018(11). الحصار على قطر أسهم في زيادة الاستثمارات التركية في قطر حيث شهدت الدوحة إقبالًا كبيرًا من المستثمرين والشركات التركية مستهدفة قطاعات التصنيع والمواد الغذائية والأدوية. قيمة التبادل التجاري بين قطر وتركيا شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال العام 2017 حيث وصلت 788 مليون دولار مقارنة بسنة 2016 التي وصلت فيها قيمة هذا التبادل 678 مليون دولار، وشهدت الأشهر التي تلت الحصار على قطر النسبة الأكبر في هذا الارتفاع(12). 

  

   

واستمرارًا لنهج الشراكة الاقتصادية التركية-القطرية الذي زاد وتطور كثيرًا بعد الحصار، وصلت قيمة التبادل التجاري بين البلدين خلال الربع الأول من 2018 حوالي 200 مليون دولار، وهو ما يشكِّل زيادة 20% إلى 30% مقارنة بنفس الفترة من العام 2017(13). تعكس هذه الزيادات المعتبرة في حجم الاستثمارات وحجم التبادل التجاري بين قطر وتركيا تطورًا سريعًا ومهمًّا في العلاقات الاقتصادية التركية-القطرية، كما تعكس قدرة هذه العلاقة الاستراتيجية على التخفيف من أضرار الحصار على قطر من خلال إيجاد بدائل إقليمية متمثلة في تركيا كقوة اقتصادية وعسكرية صاعدة بقوة.

  

مساع تركية-قطرية لإنشاء منطقة تجارة حرة

مع توسع النشاط الاقتصادي التركي-القطري وزيادته بعد الأزمة الخليجية وفي إطار جهود البلدين لتطوير الشراكة الاقتصادية بينهما، أنهت اللجان الفنية الخاصة من البلدين الإجراءات والقوانين اللازمة لإنشاء منطقة للتجارة الحرة. وتهدف هذه الاتفاقية إلى تسهيل حركة التبادل التجاري وتسهيل الاستثمارات وإزالة كافة العقبات التي تواجه توسع النشاط الاقتصادي بين البلدين. سياسات إصلاحية جديدة في المجال الاقتصادي تم اتخاذها من طرف السلطات القطرية استعدادًا لإطلاق مشروع منطقة التجارة الحرة من ضمنها تطوير قوانين الاستثمار، وتحديث الأساليب الإدارية، وتوفير كافة الأدوات اللوجستية لتسهيل عمل هذه المنطقة.

  

شكَّل فتح ميناء حمد الدولي ركيزة مهمة في الاستراتيجية القطرية الجديدة للنهوض الاقتصادي حيث يرتبط الميناء الجديد بـ14 ميناء دوليًّا ويقدم خدماته إلى 72 جهة حول العالم. وتشير إحصائيات وزارة الاقتصاد والتجارة القطرية إلى أن ميناء حمد الدولي يسيطر على 27% من حجم التجارة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط. قرارات استراتيجية أخرى بشأن تطوير الشراكة الاقتصادية وتقويتها تم اتخاذها، من بين هذه الاستراتيجيات تنويع القطاع غير الهيدروكربوني من خلال فتح آفاق الاستثمار الخارجي (FDI) بنسبة 100% في العديد من قطاعات الدولة إضافة إلى سن القوانين الخاصة المنظمة لمنطقة التجارة الحرة(14).

  

  

منطقة التجارة الحرة بين تركيا وقطر ستشكِّل رافدًا اقتصاديًّا جديدًا في الشرق الأوسط وستدفع بالبلدين إلى تحقيق منافع اقتصادية كبرى من خلال جذب رؤوس الأموال وكسب مزيد من المستثمرين، كما يشكِّل نجاح هذا المشروع حلمًا راود تركيا منذ عام 2010 بإنشاء منطقة تجارة حرة بين تركيا ودول الخليج العربي وهو الحلم الذي تلاشى بفعل الأزمات وحالة الاستقطاب الحادة التي تشهدها المنطقة.

  

تجدر الإشارة هنا إلى أنه في العرف الاقتصادي يعكس إنشاء المناطق التجارية الحرة تطور النشاط الاقتصادي بين الدول وزيادة حجم هذا النشاط وبالتالي تسعى الدول من خلال إنشاء المناطق التجارية الحرة إلى دعم الاستثمار وتسهيل حركة السلع والبضائع وفق قوانين جمركية خاصة تحفز على جذب رؤوس الأموال.

  

اختلال الميزان التجاري بين تركيا ودول الحصار

تستحوذ دول الخليج العربي على 40% من مجمل العقود الخارجية لتركيا وهي نسبة كبيرة ذات إسهام مهم في الاقتصاد التركي؛ فحسب إحصائيات الربع الأول من 2017، وقَّعت الشركات التركية عقودًا بقيمة 2.9 مليار دولار في دول الخليج. وتتوزع مشاريع الشركات التركية على النحول التالي: 310 مشروعات في المملكة العربية السعودية، و128 مشروعًا في قطر، و109 مشروعات في الإمارات العربية المتحدة، و34 مشروعًا في الكويت. منذ بدء الأزمة الخليجية وتركيا تسعى جاهدة لرأب الصدع بين الأشقاء وإيجاد حل للأزمة، وقد جندت لهذه المساعي دبلوماسيتها التي عملت خلال أشهر على هذا الهدف، غير أن هذه المساعي والجهود لم تثمر أي تقدم في اتجاه حل الأزمة. تحرص تركيا التي خرجت للتو من عقوبات اقتصادية روسية على المحافظة على وحدة الخليج كسوق اقتصادية رائجة للشركات التركية فمستوى التبادل التجاري بينها وبين دول الخليج شهد ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، غير أن التحالف الاستراتيجي بين تركيا وقطر جعل أنقرة تدفع ثمن دعمها ووقوفها مع الدوحة في وجه الحصار على الأقل في الجانب الاقتصادي حيث عرفت التبادلات التجارية بين تركيا ودول الحصار انخفاضًا ملحوظًا خلال الأشهر الأولى من الأزمة. فعلى الرغم من أن حجم الصادرات التركية هذا العام قد ارتفع بنسبة 1.8% ليصل 12.1 مليار دولار إلا أن بعض المراقبين يبدون تخوفاتهم من تأثيرات محتملة لموقف تركيا من الأزمة على علاقتها الاقتصادية مع دول الحصار خاصة السعودية والإمارات وهو ما لا ترغب فيه تركيا كقوة اقتصادية إقليمية.

  

خلال شهر مايو/أيار 2018، وصلت قيمة الصادرات التركية إلى السوق السعودية 277 مليون دولار، وقد انخفضت هذه القيمة بنسبة 36.4% خلال يونيو/حزيران من نفس العام. أما الصادرات التركية للإمارات العربية المتحدة فقد تقلصت بنسبة 20.5% من 316 مليون دولار إلى 234 مليون دولار خلال نفس الفترة. أما البحرين فقد انخفضت الصادرات التركية إليها بـ24% من 20.7 مليون دولار إلى 15.6 مليون دولار. تأتي هذه النتائج فيما بدا وكأنه تحد للقرار التركي المساند لدولة قطر وعقاب اقتصادي لها. لا تبدو تركيا مكترثة بتلك الرسائل حتى الآن رغم أهمية العلاقة الاقتصادية مع دول الحصار فقد يمَّمت وجهها شرقًا وفعَّلت اتفاقيات تجارية مع إيران وارتفعت نسبة التبادل التجاري بين أنقرة وطهران بـ8.5%، أي من 233 مليون دولار إلى 250 مليون دولار، ثم فعَّلت اتفاقيات مماثلة مع الكويت في المجال الاقتصادي والعسكري(15). 

  

 

خارج حسابات الربح والخسارة، لا يخلو الموقف التركي تجاه الأزمة الخليجية من مسحة أخلاق واعتراف بالجميل، فلا تزال تركيا تتذكر جيدًا وقوف قطر معها في محنة الانقلاب، يوم 15 يوليو/تموز 2016، وقد جاءت كلمات الرئيس التركي، طيب أردوغان، مع بداية الأزمة لتؤكد على هذا التوجه حين قال: "تركيا تعرف من وقف معها ومن فرح بالانقلاب". في إشارة واضحة إلى وقوف قطر مع تركيا في تلك المحنة وفرح أطراف خليجية أخرى به.

  

تحديات الجغرافيا تُدخل إيران على الخط

رغم غياب أي حلول تلوح في الأفق للأزمة الخليجية وفي إطار تشكل تحالفات اقتصادية جديدة نتيجة لظروف الحصار على قطر، قامت كل من تركيا وقطر وإيران بتوقيع اتفاقية جديدة في مجال نقل البضائع؛ حيث تم الإعلان عن الخط البري التجاري: تركيا-إيران-قطر، الذي يربط تركيا بقطر لتسهيل نقل المنتجات التركية إلى الدوحة. الخط الجديد يشكِّل حلًّا استراتيجيًّا لقطر سيساعدها في تخفيف تكاليف نقل البضائع والمعدات التي تحتاجها السوق القطرية من تركيا، وحسب تقارير وزارة الاقتصاد القطرية سينجح الخط التجاري الجديد في تقليص تكاليف نقل البضائع بنسبة 80%، كما ستتقلص الفترة الزمنية لوصول البضاعة التركية من 14 يومًا إلى يومين فقط. تندرج الخطوة الجديدة في إطار البحث عن بدائل جديدة تمنح قطر مزيدًا من الانسيابية والسهولة في وصول حاجيات البلاد من البضائع والآلات والمعدات التي تحتاجها بتكاليف نقل منخفضة(16).

  

يبدو أن تأثيرات الجغرافيا منحت إيران فرصة جديدة لتعزيز علاقاتها التجارية في المنطقة وإن كان ذلك على حساب غريمتها التقليدية، المملكة العربية السعودية، ولا شك في أن هذه الخطوة ستزيد من المنافع التجارية التي تجنيها ظهران من هذه الصفقة؛ فالمحور التجاري الجديد يشكل دفعًا باتجاه قطب اقتصادي في المنطقة بدأت ملامحه تتشكل منذ بدء الأزمة الخليجية. وفي ظل التأزم بين منظومة مجلس التعاون الخليجي وغياب حل لأزمة حصار قطر فإن هذا القطب الاقتصادي الجديد سيقوى ويتعزز وربما يتوسع ليشمل دولًا أخرى كالعراق، والكويت، وعُمان.

  

إيران رغم صراعها السياسي ذي الطابع العقدي مع دول الخليج العربي، هذا الصراع الذي كانت آخر فصوله إعدام المملكة العربية السعودية لرجل الدين الشيعي، نمر النمر، سنة 2016، المتهم من السلطات السعودية بقيادة ثورة شيعية في المملكة، وما نجم عن ذلك من اقتحام السفارة السعودية في طهران، رغم ذلك لا تزال إيران ترتبط بعلاقات تجارية مهمة مع بعض دول الخليج العربي؛ فتشير إحصائيات التبادل التجاري إلى أن صادرات الإمارات العربية المتحدة إلى إيران وصلت في نهاية 2016 ما قيمته 8.1 مليارات دولار، وهو ما يشكِّل 9% من مجموع صادرات الإمارات إلى الخارج، كما تشكل واردات الإمارات العربية المتحدة من إيران 62% من مجموع صادرات إيران إلى دول الخليج العربي تليها سلطنة عُمان بـ26% من الصادرات الإيرانية(17). تحتل كل  من الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية النسبة الأقل في التبادل التجاري مع إيران؛ فمثلًا تصل نسبة التبادل التجاري بين السعودية وإيران نصف مليار دولار قبل إعلان قطع العلاقات السعودية-الإيرانية خلال عام 2016.

   

نمر النمر، رجل الدين الشيعي  (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

هكذا يدفع الخلاف الخليجي-الخليجي، الذي أفضى لحصار قطر، إلى دخول قوى إقليمية جديدة تسعى لتحقيق مزيد من الروابط والمنافع الاقتصادية، حتى وإن كانت هذه القوى على خلاف سياسي عميق مع دول المنطقة. إن تسارع الأحداث وعمق الشرخ سيؤدي بالمنطقة إلى مزيد من التحالفات الاستراتيجية الجديدة بناء على الوضعية التي أفرزتها الأزمة الخليجية المفاجئة في حدتها ونتائجها.

  

خلاصة

زادت العلاقات الاقتصادية التركية-القطرية صلابة وقوة وتوسعًا مع بداية الأزمة الخليجية وأضحت هذه العلاقة خيارًا استراتيجيًّا لكلا البلدين في ظل منطقة متوترة يخيم عليها شبح النزاعات الجيوسياسية. لا يزال أمام البلدين الكثير من العمل الدؤوب المشترك لتطوير آفاق الشراكة الاستراتيجية لتشمل قطاعات جديدة حيوية كالتعليم والصحة والتصنيع وغيرها من المجالات ذات النفع المشترك. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيدًا من العمل باتجاه هذا التكامل الذي ربما يتوسع ليشمل دولًا أخرى في المنطقة ويهيئ الظروف لخلق قطب اقتصادي جديد خاصة بعد الاتفاقية الخاصة بتسهيل عبور البضائع التي وُقِّعت بين تركيا وقطر وإيران، إضافة إلى الاهتمام المتزايد الذي تبديه كل من الكويت وتركيا لتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري بينهما. ومما يسرِّع الخطوات في اتجاه خلق هذا القطب الاقتصادي الجديد حالة الانزواء التي اختارتها دول الحصار، وهو خيار غير استراتيجي يفتح المنطقة على انقسام ستكون في غنى عنه، وسيتسبب في وأد تجربة التكامل الاقتصادي لدول التعاون الخليجي، والذي قطعت فيه هذه الدول خطوات مهمة، كما ستعاني اقتصادات هذه البلدان من الآثار السلبية لهذا الانقسام وستكون النتيجة هي أن تأثير الواقع الجغرافي لهذه المنطقة في فرض التكامل الاقتصادي أقوى وأكبر وأشد تأثيرًا من الصراعات الجيوسياسية العابرة.

  

لا شك في أن الأمن والاستقرار يخدم المنطقة أكثر من التوتر والنزاع؛ فتجارب الدول الأخرى في الحفاظ على وضعها الإقليمي مستقرًّا ومتماسكًا انعكس بشكل إيجابي على اقتصادات هذه الدول ونمائها وتطورها؛ لذلك تحرص هذه الدول على تصميم سياساتها بطريقة تجعل الأولوية في علاقاتها لدول الجوار والمحيط الإقليمي وذلك لأهميته في استمرار التنمية والازدهار والحفاظ على بيئة مستقرة لجذب الاستثمار، وقد نجحت دول جنوب شرق آسيا وغيرها من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في هذا المسعى مبرزة أهمية التكتل والتكامل الإقليمي وقوته في مواجهة التحديات الخارجية.

  

بغضِّ النظر عن مآلات الأزمة الخليجية وفرص حلها، فإن العلاقات الاقتصادية التركية شهدت نموًّا متسارعًا منذ بداية هذه الأزمة، وسجَّل التبادل التجاري بين البلدين رقمًا قياسيًّا مقارنة بالسنوات الماضية؛ فقد ذكر تقرير لوكالة الاستثمار التركية ارتفاع الصادرات التركية بنسبة 90% منذ الأشهر الأولى للأزمة، وقد أسهم في هذا النمو قوة العلاقات السياسية والاستراتيجية بين البلدين وتوجهاتهما المشتركة نحو مجمل القضايا الإقليمية والدولية. ستتعزز هذه العلاقة في ضوء تشكل واقع إقليمي جديد تلوح بوادره في الأفق وهو واقع سيفرز، لا محالة، أقطابًا جديدة في المنطقة على حساب التكتلات القديمة، هذا إذا لم تستيقظ دول الحصار وتعي خطورة وحجم الشرخ الذي أحدثه ومحاولة رأبه عسى أن تعود مياه العلاقات الودية بين دوله إلى مجاريها.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار