اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/17 الساعة 14:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/19 هـ

انضم إلينا
أميركا في أزمنة شعبويّة.. حوار مع شانتيل موف

أميركا في أزمنة شعبويّة.. حوار مع شانتيل موف

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض

تُعدّ "شانتل موف" (Chantal Mouffe) واحدة من المنظّرين السياسيين البارزين حول مسائل الديمقراطيّة والشعبويّة والحركات الاجتماعيّة في العالم اليوم. لقد كتبت "موف" كثيراً عن أزمة النيوليبراليّة، والهويّة السياسيّة، والاشتراكيّة الاجتماعيّة.
 

ومن المعروف أنّ "شانتل موف" تُعتبَر القائد الفكريّ وراء بعض التطوّرات السياسيّة الأكثر إثارةً في أوروبّا. فقد استلهمَ مؤسّسو الحزب السياسيّ الأسبانيّ الجديد "بوديموس" (Podemos) تبصّراتٍ جوهريّة من عمل "موف" بجانب عمل زوجها الرّاحل، إرنستو لاكلو (Ernesto Laclau). لقد كان الدافع وراء طريق "سيريزا" إلى السّلطة في اليونان هو أفكار "موف" و"لاكلو"؛ كان حاكم أثينا ووزير الماليّة اليونانيّ السابق "يانيس فاروفاكيس" من تلامذتهما.

 

حوار بين إينيغو إريغون "السكرتير السياسي لحزب بوديموس و"شانتل موف" واحدة من المنظّرين السياسيين البارزين حول مسائل الديمقراطيّة والشعبويّة"
مواقع التواصل


لقد لخّص إينيغو إريغون (Iñigo Errejón)، السكرتير السياسيّ لحزب "بوديموس"، عمل "موف" و"لاكلو" حول الشعبويّة على مدار الثلاثين عاماً الماضية في نعيه بعد رحيل "لاكلو"؛ حيث يقول:
 

إنّ السياسة لا هي بمباراة ملاكمة (أي مجرّد صدام أو تحكيم بين فاعلين قائمين) ولا بلعبة شطرنج (أي تحالفات وحركات وتكتيكات تستعملُ الشرائح المُعطاة سلفاً)، وإنّما السياسة هي "حرب مكانة" مستمرّة؛ مع وقائع الحركة، ولكن أيضاً، بالطّبع، مع توازنات القوّة المتجمّدة في المؤسّسات؛ وذلك من أجل تشكيل الأطراف (الهويّات)، والشروط، وساحة القتال نفسها. فأنْ نتحدّث عن تشظي الهويّات المُحتملة وطارئيّتها لا يعني أن نحتفلَ بالخصوصويّات (particularisms) ولا بالأسطورة المُحافظة حول نهاية العداء؛ وإنّما يعني ذلك بالأحرى الوعيَ بالعوز الذي لا مفرّ منه للسياسة من أجل أغراض مفصلة وتوليد المخيالات التي يمكن أن توحّد الناس وتحشدهم.

 

وقد جلستُ مع "موف" قبل شهرين من الانتخابات لمناقشة السياسة الشعبويّة، والانتخابات الأمريكيّة، و(#AllofUs) وهو مشروعٌ انتخابيّ أطلقته مجموعة من قادة حركة شبابيّة في الولايات المتحدة مؤخراً.

  

ما هي أفكاركِ بشأن تطوّر اليسار وشعبيّته والشعبويّة اليَمينيّة في الولايات المتحدة الأمريكيّة؟

لستُ متخصّصةً في الولايات المتحدة. وأرى "ساندرز" مثالاً للحركة اليساريّة-الشعبويّة و"ترمب" كنموذج للشعبويّ-اليمينيّ. ومن المؤسف بحقّ أن "ساندرز" لم يحصل على الترشّح. فقد كانت لديه فرصة أفضل ضدّ "ترمب" وقد جلب عدداً أكبر من الناس سويّاً من خلال حماسة محضة للبديل والتغيير. وأودّ قطعاً أن أكون فضوليّة لأسمع أكثر حول لماذا يظنّ الناس أنّ "بيرني ساندرز" لن يتعامل بشكل جيّد مع الأقليّات.
 

يستخدم "ترمب" شعبويّة راديكاليّة لبناء هويّة سياسيّة جديدة تتجاوز ثنائيّة اليسار مقابل اليمين
رويترز


إنّ الأحزاب الديمقراطيّة الاجتماعيّة في أوروبّا، كما هو الأمر في أمريكا، قد أهملت تأسيس وتجذير نفسها في نضالات الطبقات الشعبيّة -العمّال، الطبقة الوسطى، الطلّاب. فقد كان هناك طابعٌ أوليغارشيّ للسياسة. إذ تأخذ الهوّة بين الطبقات الشعبيّة والطبقات الثريّة تتزايد وتكبرُ. ويشعرُ النّاس أنّهم لا يتمّ تمثيلهم من قبل الأحزاب السائدة، ومن هنا أتت شعبيّة "مارين لوبن" وحزب بوديموس في أسبانيا وسيريزا.
 

كما أنّ قاعدة "ترمب" هي أيضاً جزءٌ من الطبقات الشعبيّة لأنّ النيوليبراليّة كانت قد نبذت هذه الطبقات وأقصتها. لقد تعوّدت الطبقات الوسطى والعاملة البيضاء على أن يكون لها مزيد من الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ويستخدم "ترمب" شعبويّة راديكاليّة لإغراء هذا الشعور، ولبناء هويّة سياسيّة جديدة تتجاوز ثنائيّة اليسار مقابل اليمين.
 

ويجب على اليسار، ردّاً على ذلك، أن يخلق ما أسمّيه "جبهةً شعبويّة" لكلّ الطبقات الشعبيّة ضدّ النخب والمؤسّسة. وكان "ساندرز" هو المرشّح الوحيد الذي كان يمكن أن يقدّم هذا البديل المغاير.

 

كانت "ماري لوبن" قادرة على التعبير عن مطالب الطبقات الشعبيّة -بلغةٍ معاديةٍ للأجانب-. وهي مطالب ديمقراطيّة  (رويترز)


في فرنسا، تصوّت أغلبيّة الطبقة العاملة لـ "ماري لوبن"، ومن السهل أن نفهم هذا، وذلك لأنّ تلك القطاعات أصبحت هي الخاسر في العولمة. وكانت "ماري لوبن" قادرة على التعبير عن مطالب الطبقات الشعبيّة -بلغةٍ معاديةٍ للأجانب-. وهي مطالب ديمقراطيّة. إنّهم أناسٌ عاديّون يعانون. لكنّ "لوبن" تصدّر خطاب: "أفهمُ أنّهم يعانون. والمهاجرون هم الأناس المسئولون عن ذلك". إنّها تؤسّس جبهةً ضدّ المهاجرين. تقول "لوبن" إنّها تعتني بالنّاس؛ في حين أنّ الحزبَ الاشتراكيّ الفرنسيّ -مثله مثل كلينتون- لا يملك خطابا عن المشاكل الحقيقيّة للناس مع الوضع الراهن. لم يعد الناس يثقُون في قادة المؤسّسة والأحزاب بعد، ولم يعودوا يقتعنون.
 

ويبدو لي أنّ هذا هو ما كان "ساندرز" يحاول أن يقوم به. إذ كان يقدّم جواباً آخر. فليس المهاجرون هم العدو، وإنّما وول ستريت والمصالح الماليّة. هذه هي الشعبويّة اليساريّة. إلّا أنّها لا تتعلّق فقط بمطالب الطبقة العاملة؛ فهي تدور أيضاً حول تأسيس ما أسمّيه بـ "سلسلة التكافؤ" بين القطاعات المختلفة: مطالب النسويّين، والحقوق المدنيّة، والحركات المختلفة.

ومن العسير للغاية تأسيس سلسلة التكافؤ على اليسار. إنّها تعني أنّ المجموعات في السلسلة كلّ منها لديها علاقة خاصّة ببنية السّلطة. لكنّها لا تزال جميعها قادرة على العمل بصورة موحّدة حول بعض أشكال الأجندة المشتركة. إلّا أنّ السلسلة لا تتعلّق بتوحيد كافّة المطالب في حركةٍ أحاديّة ومتجانسة. فهذا التجميع للقوى يبدأ ببساطة في رؤية أنفسهم متضامنين مع بعضهم البعض، ومحرومين من بنية السّلطة القائمة بالفعل. تظلّ كلّ حلقةٍ في السلسلة متميّزة، لكن السلسلة بأكملها تبدأ بالعمل معاً بالتناغم.

لكن من أجل تأسيس سلسلة التكافؤ هذه، فإنّك بحاجةٍ إلى تحديد عدوّ مشترك. وهذه هي الطريقة التي تصبح بها السلسلة موحّدة.
 

هل تعتقدين أن ساندرز كان قادراً على تأسيس سلسلة التكافؤ؟

نعم، إلى حدّ ما. فعلى مدار العشر سنوات الماضية، كان هناك انبعاثٌ للحركات التي يقودها الشباب في الولايات المتحدة: حقوق المهاجرين، احتلوا وول ستريت، الحركة البيئيّة، وحركة بلاك لايفس ماتر، وحركة (Fight for 15). لقد دعا "ساندرز" مراراً وتكراراً إلى "ثورة سياسيّة" لتحدّي وول ستريت والطبقة المليارديّة. واستهلّ هذا بتأسيس نوع من أنواع "السلسلة" بالنسبة إلى الناس المستائين الذين لا ينتمون إلى أيّ حركةٍ أو تنظيم؛ ولكن أحسّ بفاعليتها من خلال حماسة الموسم الانتخابيّ ورسالة ساندرز.

 

انتقدَ كثيرٌ من الكتّاب حملة "ساندرز" الانتخابية لعجزها عن سرْد العلاقة بين العنصريّة والتفاوت الاقتصاديّ
رويترز
 

لكنّ حملته لم تَقصّ حقاً قصّة حول "أمريكا" بالطريقة نفسها التي قام بها "ترمب". وقد انتقدَ كثيرٌ من الكتّاب حملته لعجزها عن سرْد العلاقة بين العنصريّة والتفاوت الاقتصاديّ؛ الأمر المركزي طوال الوقت لسياسة الولايات المتحدة الأمريكيّة.
 

أتحدثُ كثيراً عن الشعبويّة في أوروبّا. لكنّ كثيراً من الأوروبيين لا يحبّذون مصطلح "الشعبويّة" لأنّه يفيدُ ضمناً الفاشيّة أو زعامة الرّجل القوميّ. لكن في أمريكا لديك تقليدٌ من الشعبويّة التقدّميّة. لا يوجد عندك هذه الوصمة، أليس كذلك؟
الإطار السياسيّ المهيمن في اليسار هو التقاطعيّة، وكثيراً ما أدّى موقفٌ معيّن من الخطاب التقاطعيّ باليسار إلى الخصوصيّة والاختلاف بدلاً من الكونيّة

كانت هناك بعضٌ من الموادّ المنبثقة من القطاعات الليبراليّة والمؤيّدة لـ "كلينتون" من وسائل الإعلام والطبقة السياسيّة حول غضب "ساندرز" وخطابه الشّقاقيّ. حتى إنّ أحد السياسيين الديمقراطيين أطلقَ على "ساندرز" أنّه مكارثيّ لأنّه أراد أن يضع السياسيين الذين أخذوا المال من البنوك على "محاكمات مسرحيّة". ووصّف بعضُ الناس قاعدة "ساندرز" بأنّها حشدٌ غاضبٌ غير قادر على الاستماع أو التسوية. لكنّك محقّ؛ إذ لا أعتقدُ أنّ المصطلح [الشعبويّة -م] له الدلالات السلبيّة نفسها كما هو الحال في أوروبّا.
 

ولا زلتُ أعتقدُ أنّ ثقافة اليسار في الولايات المتحدة تنفرُ إلى حدّ ما من الشعبويّة لأنّنا باغضون للسياسة الكونيّة. إنّ الإطار السياسيّ المهيمن في اليسار هو التقاطعيّة (intersectionality)، وكثيراً ما أدّى موقفٌ معيّن من الخطاب التقاطعيّ باليسار إلى الخصوصيّة والاختلاف بدلاً من الكونيّة. وكان التضامن في وسط الطبقة العاملة محفوفاً بالمخاطر بسبب استمرار العنصريّة.
 

نعم، هذه أيضاً مشكلة كبرى. لكنّني لا أحبّذ مصطلح "الكونيّة" (universalism)، وأفضّل مصطلح "تأسيس إرادة جماعيّة". ويتعلّق هذا بالطريقة التي نفكّر بها حول أناس مختلفين متحدّين معاً لقضيّة وتطلّعات مشتركة. هل لدينا الأدوات واللغة الصحيحة للتفكير في هذا المشروع؟

إنّني لا أتحدّث عن هجران أشكال بعينها من النّضال. لكن حينما نتحدث عن الإرادة الجماعيّة، فسوف ننشئ بعض التناقضات لا محالة. وهذه هي السياسة. إنّ سلسلة التكافؤ تدور حول تعبئة الناس معاً من خلال صراعاتهم المختلفة؛ ونسمّي ذلك التقاء الصراعات. وإنّ خلق رابطة بين هذه الصراعات يعني إدراك خصوصيّات الصراعات المختلفة بطريقةٍ ما؛ بل وإدراك -أيضاً- بشدة القواسم المتشركة والتضامنات بين مختلف الصراعات.

 

في الولايات المتحدة، لدينا مشكلة معاكسة؛ حيث لدينا المزيد من سياسة الهويّة، ولا يوجد صراع جماعيّ كافٍ  (رويترز)


هذه مشكلة كبرى في الولايات المتحدة الأمريكيّة تجب مواجهتها. فهناك ميلٌ في السنوات الأخيرة في اليسار الأمريكيّ نحو شكلٍ معيّن من سياسة الهويّة التي لا تتخيّل نفسها باعتبارها الجماعيّة القويّة. ويجب علينا أن ندرك أنّ هناك خصوصيّة للصراع النّسويّ أو لصراع السّود. فشكل الهيمنة لديهم مُحدّد. وليس بمقدورنا أن نقول إنّ هذا نتاجٌ للرأسماليّة، وأنّ كلّ ما نحتاجُ إليه هو الاشتراكيّة.

في أوروبّا، النّزعة المعاكسة قويّة جدّاً. يقول الناس في اليسار: "إنّ كافّة تلك الصراعات هي طبقة وسطى، وأنّ الصراع الرئيس هو الصراع الطبقيّ". من الجيّد أن نضع هذه الدوغما موضع تساؤل.

أمّا في الولايات المتحدة، فلدينا مشكلة معاكسة؛ حيث لدينا المزيد من سياسة الهويّة، ولا يوجد صراع جماعيّ كافٍ. كيف يمكنك أن تجمع هذين الأمرين معاً؟ لقد ناقشتُ ذلك الأمر مع "إينيغو إريغون" في كتابنا الأخير الذي يحمل عنوان بوديموس: باسم الشعب (Podemos: In the Name of the People). إذ يجب أن تكون السياسة متعلّقة بتأسيس صراعٍ جماعيّ بين "نحن" الكبرى و"هم" الصغرى. هذا كلُّ ما في الأمر. ويمكن أن تُؤسَّس هذه الجبهة بطريقةٍ تقليديّة وماركسيّة: الصّراع الطبقيّ في مقابل الرأسماليين. لكنّها لا تنجح في الولايات المتحدة بسبب العنصريّة، ولن تنجح أبداً في أوروبّا بعد الآن.

إنّنا بحاجةٍ إلى تأسيس جبهةٍ بطريقةٍ شعبويّة؛ حيث الشّعب في مقابل المؤسّسة والنّخبة. إنّ "الشعب" بناءٌ سياسيّ. ومهمّة اليسار هو بناء "شعبٍ" ما. ويتمثّل الاختلاف بين اليمين واليسار في أنّنا نبني أشكالاً مختلفة من "الشعب". أمّا سلسلة التكافؤ فهي مختلفة. إنّ الشعبويّة اليساريّة حاسمة لجمع كافّة صراعات الهويّة هذه جنباً إلى جنب إشكالات الطبقة العاملة. ولا يريد الأمريكيّون أن يواجهوا نسق الهيمنة ما لم تتمكّن من الإجابة على هذا السؤال الحاسم.

أعتقدُ أنّ "ساندرز" كان قادراً على نبذ التطابق القهريّ والتوصيف على الـ "هم"، لكنّه كان أقلّ قدرة على مفصلة الـ"نحن" أو "الشّعب". وأعتقدُ أنّ الرئيس "أوباما"، لا سيّما أثناء حملته في عام ٢٠٠٨، كان أكثر مهارةً في بناء "نحن" لكن لم يكن هناك "هم" قابلة للتحديد إطلاقاً.

 

لقد نظر إلى أوباما البعضُ في اليسار بوصفه راديكاليّاً، إلّا أنّ "أوباما" قد أخبرنا طوال الوقت بـ "أنّنا شعبٌ جيّد، وكلّنا نسيرُ معاً". (رويترز)


لم أكن متحمّسة بشأن أوباما بقوّة. فقد لُوحقت سياسته بسياسة التوافق النيوليبراليّة. وبالطّبع، أعتقد أنّه كان من التاريخيّ أنّ رجلاً أسودَ قد يكون رئيساً للولايات المتحدة؛ لكنّني كنتُ متشكّكة على الدوام، وكان أصدقائي الأمريكيّون متحمّسين للغاية. لكنّ "أوباما" لم يحدّد عدّواً مشتركاً بتاتاً.

حاولَ "أوباما" أن يتوصّل إلى تفاهم مع الجمهوريين وأن يبني توافقاً. وعندما عدتُ إلى الولايات المتحدة في ٢٠١٠، أطلقَ عليه الناس في اليسار أنّه خائن. لكنّ "أوباما" لم يتظاهر مطلقاً بأنّه ثوريّ، ولم يتظاهر بأنّه راديكاليّ. لقد نظر إليه البعضُ في اليسار بوصفه راديكاليّاً. إلّا أنّ "أوباما" قد أخبرنا طوال الوقت بـ "أنّنا شعبٌ جيّد، وكلّنا نسيرُ معاً".

الحركات الاجتماعية شأنها شأن حركة احتلّوا، فإنّ كثيراً من الحركات في أوروبا لا تريد إقامة أيّة صلة بالأحزاب والمؤسّسات التقليديّة

ومنذ "بيل كلينتون"، أصبح الحزب الديمقراطيّ حزبَ وول ستريت. وهذا يفسّر سبب استياء كثير من القطاعات الشعبيّة. يجب على اليسار أن يحاول حقّاً فهم ذلك الأمر. فليس هناك تعبيرٌ سياسيّ عن المطالب الفعليّة للشعب سوى "ترمب" الآن.

لقد احتكرَ الجمهوريون تمثيل البِيض وتمثيل ما يعني أن كونك "أمريكيّاً حقيقيّاً". وقال الديمقراطيّون إنّهم يمثّلون الأقليّات والطبقات الكوزموبوليتانيّة. وهناك البعض في وسط الحزب الاشتراكيّ في فرنسا الذين يدّعون أنّ الحزب يجب أن ينسى الطبقة العاملة لأنّهم ينتمون إلى "ماري لوبن" الآن ولن يعودوا إلى الحزب الاشتراكيّ. ويقول هؤلاء القادةُ الآن إنّ الحزبَ الاشتراكيّ هو حزب المهاجرين والطبقات الكوزموبوليتانيّة الوسطى والعليا. وهذه مشكلة كبيرة.
 

ماذا تعتقدين بشأن العلاقة بين الحركات الاجتماعيّة وهذه الأحزاب السياسيّة الجديدة؟

شأنها شأن حركة احتلّوا، فإنّ كثيراً من الحركات في أوروبا لا تريد إقامة أيّة صلة بالأحزاب والمؤسّسات التقليديّة. وهذا ما نسميّه بـ "الاستقلاليّة". لقد أرادت "ديمقراطيّة حقيقيّة" في الشوارع، لا قادة رسميين، ولا أحزاباً. وكانت لصالح الخروج من المؤسّسات والسياسة الانتخابيّة. ولكن بعد انفجار حركة "إم-15" (15-M) في أسبانيا، اكتسبَ اليمينُ أغلبيّة كبيرة في الانتخابات المقبلة جزئيّاً؛ لأنّ الحركةَ أخبرت الناس أن يتخلّوا عن النظام الانتخابيّ والسياسيّ. ولم يكن الأمر أنّ الحزب اليَمينيّ اكتسب أصواتاً أكثر؛ وإنّما حصل ذلك بسبب فقدان الحزب الاشتراكيّ لخمسة ملايين صوتٍ بسبب تغيّبه. هذا هو الفراغُ الذي شغره حزب بوديمس لأنّه كان كارثيّاً.

 

أنصار حركة "إم-15" في إسبانيا
رويترز

لا يمكن أن تُترَك التحركات إلى الشارع ببساطة. وأنا ناقدةٌ جدّاً لفكرة السياسة باعتبارها إثارة لحظةٍ من التمزّق الكلّيّ مع الوضع الراهن. فليست هذه بالطريقة التي تنجحُ بها الثورات. ففي مرحلةٍ ما، ستفقدُ التعبئات القوّة. وليس بمقدورك أن تغيّر الأشياء فقط على المستوى الأفقيّ للحركات الاجتماعيّة. وعليك أن تطوّر ما يُسمّيه حزب بوديمس بـ "آلة الحرب الانتخابيّة". إنّك بحاجةٍ للوصول إلى السلطة الفعليّة في المؤسّسات والحكومة. وهذا هو سبيلُ سيريزا أيضاً.

إنّ كثيراً من الحركات والقادة اليساريين لا يريدون أن يشتركوا في الانتخابات. وهذا يصدقُ على الحركات في اليونان وفي فرنسا. ويقولُ كثيرٌ من قادة الحركات إنّ الانتخابات هي نجعةٌ حمقاء؛ لأنّ السياسيين سيتحوّلون ضدّك دائماً. وكانت هناك معارضة كثيرة من الحركات الاجتماعيّة بشأن ترشّح حزب بوديموس. ولا يزالون يتعرّضون للانتقاد من قبل قادة الحركات بسبب دخولهم للنّظام البرلمانيّ. ولا يزال كثيرٌ من زعماء الحركات يقولون إنّ حزب بوديموس منضمّ للحركات لكن أفسدته الآن السياسة البرلمانيّة، غير أنّهم أقليّة.
 

لكنّ حزب بوديموس لم يقل بتاتاً إنّ الحلّ الوحيد هو الدخول في الحكومة. وإنّما يقولون إنّهم يسدّون فراغاً. يجب على الشعبويّة اليساريّة أن ترى علاقةً بين الأفقيّ في الشوارع والعموديّ في المؤسّسات. يقول البعضُ إنّ الدولةَ والأحزاب فاسدة ولذا فإنّنا بحاجة فقط إلى حركاتٍ اجتماعيّة. ويعتقدُ آخرون بأنّنا نحتاجُ فحسب إلى كسب الانتخابات واتخاذ مقاعد في البرلمان. وهاتان الطريقتان من التفكير مخطئتان. إنّنا بحاجةٍ إلى مفصلة "حزب الحركة" مع البُعد الانتخابيّ الحاسم الذي يتصّل بالحركات لكنه مختلفٌ ومتميّز أيضاً. سوى أنّ هناك توتراً طوال الوقت بين الحركات والأحزاب.
 

تكتبينَ بأنّ مهمّة اليسار تتمثّل في استعادة الديمقراطيّة واسترداد التقليد الديمقراطيّ الاجتماعيّ. هل بإمكانكِ القول مزيداً حول هذه النقطة؟ هل لا تزال الديمقراطيّة الاجتماعيّة هي الأفقيّ؟

لا أعرفُ ما يقصده الناس في اليسار حينما يتحدّثون حول خلق شيءٍ جديد. إنّ قادة حزب بوديموس لا يعنون أنّهم يريدون من اليسار أن يعودَ إلى الديمقراطيّة الاجتماعيّة الأوروبيّة التقليديّة لمنتصف القرن. إنهم يقولون شيئاً قد يُعبَّر عنه بطريقة مختلفة في الولايات المتحدة؛ حيث يقول قادة بوديموس إنّ هناك كثيراً من الحقوق الاجتماعيّة التي اكتُسبت في القرن العشرين لكنّ النيوليبراليّة فكّكتها. وتتمثّل الخطوة الأولى في استعادة تلك الحقوق الاجتماعيّة وتوسعتها.

 

 إنّنا في مجتمعاتٍ تطلق على نفسها أنّها ديمقراطيّة، لكنّ الديمقراطيّة تعملُ ههنا بنوع من أنواع الفراغ  (رويترز)


عندما كتبتُ كتابي الهيمنة والاستراتيجيّة الاشتراكيّة (Hegemony and Socialist Strategy) منذ ثلاثين عاماً مع "إرنستو لاكلاو"، فإنّنا كنّا لا نزال تحت هيمنةٍ ديمقراطيّة-اجتماعيّة. وكانت بداية النيوليبراليّة وقتئذ. وتمثّلت حجّتنا في أنّنا بحاجةٍ إلى رَدْكلة (radicalize) الديمقراطيّة. وكنّا نقول بدفع ما تمّ إحرازه في ظلّ الديمقراطيّة الاجتماعيّة إلى الأمام. وظنّنا أنّ الديمقراطيّة الاجتماعيّة لم تكن تحسّ بالمطالب الجديدة من حركات النّسويّة، ومعاداة العنصريّة، والإيكولوجي، والمثليين. فلم تكن هذه جزءاً من الأجندة الاشتراكيّة التقليديّة.
 

وبعد ثلاثين عاماً، يتمّ الآن تفكيك كثير من الأشياء التي تمّ إحرازها. وحينما كنت أتحدّث عن استعادة الديمقراطيّة، فكنّا نعني استعادة كلّ تلك الحقوق التي وُجِدت قبل أن يتمّ استبعادها. ولا يزال الهدفُ قائماً بردْكَلة الديمقراطيّة، لكن لكي تُردكلها فعليك استعادتها أولاً.
 

نحن نعيشُ في مجتمعات ما بعد ديمقراطيّة. إنّنا في مجتمعاتٍ تطلق على نفسها أنّها ديمقراطيّة، لكنّ الديمقراطيّة تعملُ ههنا بنوع من أنواع الفراغ. ولا يوجد إمكانيّة فعليّة للناس بأن يمارسوا حقوهم في المواطنة. نحن بحاجة إلى إعادة تأسيس ديمقراطيّة حيّة ومن ثمّ أن نكافح من أجل ردْكلة كيفيّة إدراكنا للديمقراطيّة.
 

نحن بحاجةٍ إلى حرب مكانةٍ؛ حيثُ القوى التقدميّة يمكن أن تبني نفوذاً حقيقيّاً في المجتمع المدنيّ، وفي المؤسّسات المسيطرة، والثقافة السائدة، وفي وسائل الإعلام

وفي الوضع الراهن، فإنّنا حقّاً في حالةٍ أكثر سوءاً من الحال منذ خمسين عاماً. والخطوة الأولى هي أن نستعيد ما فُقِدَ. واليسار المتطرّف مخطئٌ عندما يدعو علناً إلى تهديم الرأسماليّة، وتهديم الدّولة، والأشياء التي على غرار ذلك. وهذا جزءٌ من اليسار الذي كان موجوداً دون أيّ تأثير فعليّ، أو سلطةٍ أو استراتيجيّة.
 

نحن بحاجةٍ إلى حرب مكانةٍ؛ حيثُ القوى التقدميّة يمكن أن تبني نفوذاً حقيقيّاً في المجتمع المدنيّ، وفي المؤسّسات المسيطرة، والثقافة السائدة، وفي وسائل الإعلام. ونحتاج إلى أن نبدأ من الصراعات العادية التي تواجهها قطاعات كبيرة من المجتمع. هناك كثيرٌ من الصراعات المختلفة؛ لكنّنا نحتاج إلى إنشاء سلسلة تكافؤ راديكاليّة لمواجهة الصراعات المسيطرة ضدّ عدّو مشترك؛ وليس مجرّد الاتّصال بالصراعات، والذي لا يمثّل سوى خطوة أولى. العدوّ هو وول ستريت، والمؤسّسة السياسيّة، والأوليغارشيّة. وسنفشلُ دائماً ما لم نعبّر عن الإرادات الجمعيّة بلغة الشعب.
 

هذه هي المشكلة الرئيسة التي أراها في اليسار بالولايات المتحدة. فهناك هوّة سحيقة بين لُغة الشعب ولُغة الحركات. وإنّني أفهمُ أنّ ذلك ليس أمراً سهلاً في الولايات المتحدة لمجموعة متعدّدة من الأسباب؛ فلم يكن هناك حزب يساريّ حقيقيّ في الولايات المتحدة، وإنّك لتعيش في بلد متنوع بشكل لا يُصدَّق. لكنّ الانتخابات هي حيثُ الناس يجب أن يتحدوا معاً من أجل تطلّعات مشتركة؛ حيث توفّر الانتخابات فرصاً مناسبة للتعبير عن أنواع مختلفة من الصراعات في شكل إرادة جماعيّة. ويجب أن يُبنى ذلك عمداً وعن قصد. وهذا كامنٌ وموجود، لكنّ الهويّة السياسيّة الجديدة وأواصر التضامن يجب أن يبنيها القادةُ بعنايةٍ وانضباط.  

___________________________________

المقال مترجم عن: الرابط التالي 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك