اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/4 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/8 هـ

انضم إلينا
صناعة الإرهاب.. كيف تغذي العنصرية الفرنسية تيارات التطرف؟

صناعة الإرهاب.. كيف تغذي العنصرية الفرنسية تيارات التطرف؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
شهدت فرنسا خلال عام 2015 موجة من الهجمات الإرهابية، نقَلَت إلى عاصمتها باريس صدى حرب كانت تبدو بعيدة، شنتها حركة أطلقت على نفسها اسم الدولة الإسلامية، أصبحت تعرف باسم "تنظيم الدولة"، وقد حاول الكثير من المحللين فَهم ما يجري وتحليل نشأة ودوافع هذه المنظمة التي تمكنت من تنفيذ عمليات واسعة النطاق في جهات مختلفة من العالم وأيضا في قلب العواصم الغربية الكبرى.

 

في هذا الحوار الذي جرى في شهر يونيو من عام 2016 والمقتبس من كتاب "مقابلة مع رافايل كامبيون" الحاصل على درجة الماجستير في العلوم الاجتماعية قسم (AMO - آسيا الجنوبية والشرقية) بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، يقدّم "فرانسوا بورغا" قراءته بشأن مختلف المقاربات الجهادية، خاصة المتعلقة بـ"تنظيم الدولة"، إلى جانب مناقشة أطروحات عدد من المحللين، وردود الحكومات الغربية في تصدّيها لعمليات هذا التنظيم.

فرانسوا بورغا

مواقع التواصل

 فرانسوا بورغا هو مدير الأبحاث في (CNRS) بمعهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي (IREMAM)، ومحلل سياسي وخبير كرَّس جزءاً كبيراً من عمله لدراسة الديناميكيات السياسية والحركات الإسلامية في العالم العربي. له 3 كتب في هذا الموضوع، وقد اشتغل في مراكز البحوث في الجزائر واليمن ومصر وسوريا ولبنان، واكتسب خلالها معرفة عميقة وواسعة لمنطقة الشرق الأوسط، مكَّنته من تحليل أصول الجهادية والتفسيرات المختلفة في فرنسا.

 

1. لماذا فرنسا مستهدفة من قبل هجمات تنظيم الدولة وبماذا تفسرون هجمات 13 نوفمبر في باريس؟
في ضوء تراكم النزاعات التي كانت وراء العمليات الأخيرة المعبرة عن الشرخ في صفوف الجهاديين، يستحسن التوجه مباشرة إلى جوهر القضية، والإشارة إلى جانبها الأكثر وضوحا، أي الجزء الظاهر من الجبل الجليدي السياسي، أرى من الضروري التذكير قبل كل شيء أن فرنسا، ألقت منذ سبتمبر 2014، أطنانا من القنابل على العراق وسوريا.
 


يبدو أن قادتنا نسوا ذلك الزمن غير البعيد، الذي كان من الممكن استخدام "دبلوماسية المدفعية" دون تعريض مواطنيهم لخطر الانتقام، فنذكرهم أن ذلك الزمن قد ولى منذ فترة طويلة. بادرت فرنسا بقصف تنظيم الدولة، فجاء رد فعل التنظيم الذي أوضح في بياناته التي تبنى فيها الهجمات، عن دوافعه من عملياته في الأراضي الفرنسية، وفي رد فرسا على هذه الأعمال الانتقامية، قررت فرنسا من جديد إلقاء المزيد من القنابل.

 

هذا التسلسل يمكن اعتباره العمود الفقري الذي يفسر وضعنا الحالي، أي تحوّل فرنسا "هدفا للإرهاب"، وكان دخولنا بشكل انتقائي جدا في مسرح الحرب الأهلية السورية العراقية، بمثابة "القشّة التي قسمت ظهر البعير" ويفسر جوهر الوضعية: لقد جندنا ترسانتنا  لمواجهة "مخلفات" الأزمة فقط، أي ظهور تنظيم الدولة في الساحة، الناشئ عن اليأس السياسي الذي ساهمنا في انتشاره، ولم نُعبئِ قواتنا المختلفة لمحاربة الأسباب الهيكلية لهذه الأزمة، المتمثلة إدامة جهاز قمعي رهيب، يستمر بفضل ما يتلقاه هذا النظام المتهالك، من إمدادات عسكرية هائلة، من طرف مدعميه الإيرانيين والروس.

 

الملفت للنظر أن هذا البعد السياسي الفعلي الذي يراد التقليل من شأنه بل وتجاهله، لا يحظى بأي اهتمام من قبل قادتنا الذين يفضلون إقناع مواطنيهم، مثلما فعل "بوش" قبلهم، بأن الغربيين يتعرضون للهجمات الإرهابية بسبب "حبهم للحرية" وأن الفرنسيين يواجهون اليوم نفس الهجمات لسبب تمسكهم بنمط عيشهم الذي يغضب الطرف المعتدي، في صورته النمطية للمواطن الفرنسي المولع باحتساء النبيذ على طاولات شُرُفات الحانات في جادات شوارع فرنسا المرحة.

 

من الواضح أن الطابع الأحادي لسياستنا المتعلقة بالأزمة السورية في الآونة الأخيرة، لا يشكل العنصر الوحيد المثير للجدل، يضاف إلى تعاظم الشعور العدائي تجاهنا وسط شرائح واسعة في العالم الإسلامي، فضلا عن اتساع رقعة سوء الفهم المتراكم، أو ما يمكن اعتباره الجزء المغمور من الجبل الجليدي السياسي، نذكر منه قانون 2004 الذي جاء مباشرة بعد "قضية طارق رمضان" الأولى، حيث تم حظر المرتديات للحجاب من دخول المدرسة؛ إحدى الركائز الأساسية للجمهورية، ثم تبع ذلك موجة ردود الفعل الناجمة عن حملة النشر المكثف والمتواصل إلى حد الغثيان للرسوم المسيئة لنبي الإسلام، تحت ستار "حرية التعبير" المضللة، من حيث اعتدائها على أكثر مكونات النسيج الوطني هشاشة.

 

صورة من نسخة لصحيفة "شارلي إيبدو" عشية الهجوم عليها يوم الـ14 من (كانون الثاني/يناير) عام 2015

الأوروبية

وقد كان لذلك الحادث دور مركزي في اغتيال أفراد قسم إدارة شارلي إيبدو، لكنه لم يكن له أي صلة بالاعتداء على سوبر ماركت "هايبر كاشر" (اليهودي) ولا بهجمات 13 نوفمبر. وما كان لهذا النزاع (قضية الكاريكاتير المسيئة) الذي يحمل رمزية قصوى، أن يبلغ ذروته، لو لم يجد أرضية مساعدة، زادت من درجة الاحتقان، وتمثلت في عسكرة دبلوماسيتنا، من أفغانستان إلى مالي، وانخراطنا في "الحرب على الإرهاب" التي خلفت منذ عام 2001، ما بين مليون ومليوني حالة وفاة في العالم الإسلامي..

 

إضافة إلى دعمنا النشط طيلة التسعينات للسياسة الاستئصالية للنظام الجزائري و"فيالق الموت" في حربها ضد المعارضة الإسلامية، التي انتخبها الشعب، دون أن ننسى بطبيعة الحال دعم باريس غير المشروط للسياسة الإسرائيلية أو حلفائها الإقليميين، مثل "مصر السيسي"، دون أن يتحرج قادتنا من بعض الأعمال الغير مقبولة على الإطلاق، مثل حصار غزة وانتشار المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويحثهم على إعادة النظر في ذلك الدعم.

 

وعلى صعيد أكثر عمقا، تفاقمت هذه النزاعات، على خلفيتها التاريخية التي لا يجب التقليل من شأنها، يتعلق الأمر بالإرث الاستعماري الثقيل الذي ظل أكثر حضورا في مخيلة الآلاف من المواطنين المنحدرين من هذه المنطقة، وأيضا بالنسبة للفرنسيين الذين لم يعيشوا تلك الحقبة ولم يدفعوا ثمنها، ويجدون صعوبة كبيرة في طي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ رفضوا حتى الآن، بشكل من الأشكال، كتابته. بالإضافة إلى هذه الأرضية المتجسدة في السياسات الخارجية، فلا بد من إضافة العقبات العميقة التي تؤثر سلبا، مثلها مثل قضية الرسوم الكاريكاتورية، في فرص نجاح "العيش المشترك" في أرجاء الوطن الواحد، على حساب الفرنسيين المسلمين. تُعد هذه الشروخ في النسيج الوطني، نتيجة لخلل عميق في آليات التمثيل السياسي وتخصيص الموارد، من حقوق مادية ورمزية واجتماعية واقتصادية وسياسية لهذه الفئة من الفرنسيين.

 

ترفض أطروحة "الهامشيين الانتهازيين" (التي أطلقها "أولفي روي" في وصفه المتهكم للجهاديين) جملة الروابط السببية التي يصفها "روي" بشيء من الازدراء بـ"معزوفة العالم الثالث"، ولهذا السبب، يبدو لي ضروريا دحض هذه الأطروحة، لأنني أعتقد أن الخلافات بين الأطروحات المتنافسة حول موضوع بمثل هذه الأهمية، تشكل من وجهة نظري، قضية أكثر أهمية مما يتظاهر به هؤلاء الذين لا يريدون، ربما كسلا منهم، رؤية فيما يحدث مجرد شجار تافه بين أنانيات متضاربة.

 

2. من أين جاء "تنظيم الدولة"؟ وبماذا يتميز هذا التنظيم في تاريخ الإرهاب وكيف يمكن فهم وضعية هذه الخلافة التي نصبت نفسها على المدى الطويل؟


أولا، يمكننا القول إن "تنظيم الدولة" هو تنظيم القاعدة من نواحٍ عدة، لكنه استطاع كسب مساحات على الأرض وبنية تحتية تشبه الدولة. في الواقع لم ترفض القاعدة هذا الخيار من قبل مثلما أشيع عنها، بما أنها قامت في أفغانستان، في وقت ما، بتكريس موضع قدم لها على الأرض في ظل حكومة طالبان. وحتى إن تردَّدَ "أسامة بن لادن" في تبنّي مقاربة "قومية" لتنظيمه، علماً أنَّ المقاتلين العرب كانوا متواجدين على أرضٍ إسلامية لكنها أجنبية، لم يكن له في أي وقت من الأوقات لا القوة العسكرية ولا العُمق الاجتماعي اللذان يسمحان له بتصور إمكانية إنشاء نوعٍ من أنواع "الدولة".

 

زاد من هالة هذا التنظيم وعزَّز مكانته؛ ذلك العداء الذي يكنه بالإجماع المجتمع الدولي بأسره لـ"تنظيم الدولة".. هذه الخلفية توضح في جزءٍ كبيرٍ منها قدرة "التنظيم" على جذب العديد من "المُتخلَّى عنهم" من قِبَل النظم السياسية في أكثر من 75 بلدا

في حين نجح "تنظيم الدولة" في اكتساب مساحات من الأراضي لأنه تمكن من الاستفادة من دعم شرائح واسعة من الشعب العراقي ثم السوري، ومن هذا المنظور يمكن رؤية "تنظيم الدولة" كتنظيم متطرف، لكنه تمكن على نحو ما، ولأول مرة من تخطي الحدود التي ميزت منذ زمن بعيد الجماعات "المتطرفة". وسرُّ نجاح "تنظيم الدولة" في تحقيق ذلك، أنه نسج علاقة تعاون وثيق وإيجابي ليس فقط مع الهوامش "المتطرفة" من المجتمعات العراقية والسورية، ولكن أيضا مع قطاعات كاملة منها، وتحديداً مجتمعاتها السنية المضطهدة من قبل حكوماتهم. جرت محاولات أخرى، بقدر متفاوت من النجاح في أماكن مختلفة، وخاصة في ليبيا واليمن، حيث كان قدر نجاحها بقدر فشل البدائل الحكومية، التي تشكل عمليا أهم ركيزة ومفتاح مستقبل تنظيم "الدولة الإسلامية".

 

من المهم إذن معرفة ما إذا كان التنظيم يعزز هذه الركيزة الهامة أو مجرد الحفاظ عليها أم أنه يقوم بتبديدها، خاصة من خلال مبالغته في استخدام الأساليب السلطوية. تشكل هذه المسألة، سواءً في العراق أو سوريا، أهم مساحة غامضة بالنسبة لمعظم المحللين، نظرا لصعوبة وصول الباحثين مباشرة وبشكل مقبول إلى مسرح الأحداث، ولهذا السبب نجد أنفسنا مضطرين للاستناد إلى شهادات جد متناقضة، منها شهادات التائبين التي تصلنا بسهولة فائقة، بطبيعة الحال، لأسباب جلية، وبشكل منتظم، عكس غيرها من الشهادات الواردة من مصادرة أخرى. لقد تكبَّد التنظيم في ليبيا وتونس نكسات واضحة، ليس نتيجة التدخلات الغربية التي عادة ما تسهم عمليا في تعقيد الأمور إلى حد كبير، ولكن بسبب رد فعل السكان المعنيين، كلما عرض عليهم بديل سياسي جاد.

 

ولشرح القدرة الجاذبة الهائلة والرمزية التي ساعدت تنظيماً نشأ في العراق؛ في الحصول على قاعدة تكاد تنتشر في جميع مناطق العالم، يمكننا مقارنتها إلى حد ما، بولادة النظام الإيراني في عام 1979 غداة الثورة الإسلامية للإمام الخميني. أما على المستوى السُنِّي، قد تبدو "الدولة الإسلامية" في عيون أتباعها كأول فاعل دولي يتجاوز حدود الدول القومية المستقلة على أيدي قادة وطنيين (عبد الناصر والقذَّافي على وجه الخصوص)، الذين سرعان ما انهارت سلطاتهم في ظل حقبة "إعادة الاستعمار"، وتحصين الدولة الإسلامية نفسها من كل تأثير غربي سواءً كان مباشراً أو عن طريق حلفاء بالوكالة.

 

وقد زاد من هالة هذا التنظيم وعزَّز مكانته؛ ذلك العداء الذي يكنه بالإجماع المجتمع الدولي بأسره لـ"تنظيم الدولة"، هذه الخلفية توضح في جزءٍ كبيرٍ منها قدرة "التنظيم" على جذب العديد من "المُتخلَّى عنهم" من قِبَل النظم السياسية في أكثر من 75 بلدا.

 

3. ما هو تحليلكم للتقدم الذي أحرزته هذه المنظمة الإرهابية في الغرب؟
هجوم باريس الأخير قبيل الانتخابات الرئاسية في (أبريل/نيسان) الماضي أوقع قتلى وجرحى من الشرطة، وتبناه تنظيم الدولة (الأوروبية)

من المهم، مثلما تفضلت به، تمييز تأثير "تنظيم الدولة" في البلدان التي دمرتها الحرب الأهلية الناجمة عن الغزو الأميركي للعراق، عن تأثيره في حوالي 75 دولة أخرى التي تمد هذا التنظيم بالمقاتلين، بنسب جد متفاوتة. تختلف مخيلة مواطن عراقي، أو سوري أو يمني، التحق بصفوف تنظيم الدولة في ظل بيئته التي تتميز بشلل مؤسساتي تام، اختلافا تاما عن مخيلة شباب مزدوج الجنسية، مغربي بلجيكي أو شاب فرنسي اعتنق الإسلام حديثا، يشعر في زمن العولمة وبفضل وسائل التواصل عبر الإنترنت، بالتضامن على خطى العديد من أسلافه، مع قضية مشتركة باسم انتمائه الديني، حتى وإن كان منشؤها خارج حدود التراب الوطني الذي يقيم فيه، لكن المحللون لا يكلفون دائما أنفسهم عناء وتوخي الحذر الذي يفرض عليهم ذلك التمييز الأساسي بين الأراضي السياسية (العراق، سوريا، اليمن) مصدر "عرض" فرص الجهاد، وبين المجتمعات الغربية (أو العربية أو حالة مختلف أخرى) مسرح انتشار "الإقبال على الجهاد".
 

4. ماذا يمكننا استنتاجه من هذا التقدم النسبي الذي أحرزته المنظمة في العالم الغربي؟
تمثلت الإستراتيجية الغربية في "الرد" على تصاعد قوة تنظيم الدولة الإسلامية في أوروبا، في أعقاب الهجمات الأولى، في طابع عسكرتها الانتقائية (إلى جانب النظام) لتدخلنا في مسرح الأزمة السورية. حيث قرر قادة الغرب فجأة، استخدام تلك الإستراتيجية في سوريا والعراق، حيث نشأ "عرض" الجهاد، الأسلحة التي ما انفكوا يبررون للمعارضة السورية على وجه الخصوص، استحالة استخدامها لاحتمال تمخضها عن نتائج عكسية مضرة، عندما كانت هذه المعارضة تطلب بها للدفاع عن نفسها ضد الهجمات بالأسلحة الثقيلة والقصف الجوي القاتل من قبل النظام السوري.

لقد عارضتُ بشكل جذري هذه الإستراتيجية التي اعتبرتها نتيجة مباشرة لاعتبارات انتخابية بالأساس. وفي سياق تعاظم نفوذ الجبهة الوطنية، والفشل الصارخ في التصدي لمعضلة البطالة، بات جد مفيد ومريح اللجوء إلى سلاح "كسر عظام الملتحين". فبدلا من مواجهة تعقيدات الأزمة، اعتمدنا في أغسطس 2014 هذه الإستراتيجية القائمة على شن غارات جوية إلى جانب القوات الجوية الغربية والروسية والعربية، لمساعدة بقايا الجيش العراقي والمليشيات الكردية والشيعية المقاتلة على الأرض. أعتبر أننا وقعنا في فخ المشاركة الفعلية لإنقاذ النظام السوري إلى جانب الروس، وفي الوقت ذاته ساهمنا في تقويض بشكل كبير فرص التفاوض الجادة، مع ضرورة الإشارة أن هذا الرد العسكري المشترك لم يكن عديم الفائدة بالمطلق، على الصعيد العسكري البحت.

 

فليس من المستحيل أن يحقق التحالف بعض الانتصارات ويسجل نقاطاً على الأرض، حتى وإن كانت حربنا الطويلة السابقة ضد حركة طالبان الأفغانية أثبتت ألاَّ شيء مضمون مسبقا -  خصوصا وأن الأميركيين بالنظر إلى ما يملكونه من قدرات، على عكس الفرنسيين، قادرون على توكيل مهمة مواصلة العمليات على مسرح الأحداث، إلى المليشيات الكردية، وهو ما يبدو واضحا على الأرض، على الأقل، منذ سنة وحتى الآن.

 


لكن من العبث اعتقاد التوصل إلى حل ما للأزمة طالما استمر تغييب بديل سياسي محلي، أعني بذلك، حلا واقعيا وفعالا خلاف عمليات الانتقام الكردية أو الشيعية التي تنفذ بفضل المجازر المرتكبة عن طريق الغارات الجوية الغربية، ولن يحقق تكبيد العدو هزيمة عسكرية، سوى نقل المشكلة إلى مناطق أخرى أو تأجيله زمنيا، على غرار ما يحدث في مالي، بحيث  تتوزع قدرات "تنظيم الدولة" الثورية على مختلف مناطق العالم، لمواصلة المعركة، بما في ذلك بالطبع على أرضنا، بشكل خفي، ومن ثم أكثر صعوبة لمواجهتها والتصدي لها عن طريق الهجمات "المريحة" نسبيا التي تضمنها لنا الغارات الجوية.

 

(3000 عملية اقتحام للبيوت باستخدام العنف وانتهاك حرمة المواطنين مقابل حالة واحدة قدمت إلى المحكمة)، أشعر أن هذه الطريقة الفرنسية المتميزة، قد ساهمت في ولادة عشرة أضعاف المشاريع الجهادية الجديدة.. مقابل كل جهادي تم القبض عليه

أعتقد أننا انتهجنا على التراب الأوروبي؛ أسوأ الطرق لمحاربة مشكلة "الإقبال على الجهاد"، وإذا جاز لي التعبير، يمكنني القول بطريقة صادمة، أن نوع البرمجيات الضارة (استعارة لمفردات البرمجيات الإلكترونية) التي استخدمها قادتنا لأغراض انتخابية، دفعتهم إلى تنمية الظاهرة الإرهابية، بدلا من التركيز الرصين والشجاع للعمل على تقويضها. ولمَّا يحاول هؤلاء القادة، في ردهم على هجمات 13 نوفمبر، استغلال هذه الهجمات بمكر قل نظيره، عبر طرح إشكالية "سحب الجنسية"؛ فلا أعتقد بأنهم قد عزَّزوا أمن مواطنينا، بل على العكس تماما، أما على الجانب الشرقي، بدعمهم للنظام السوري المسؤول عن الأزمة، فقد مكَّنوه من تأجيل إلى أجل غير مسمى عن طريق التفاوض.

 

إذا أردنا فعلا أن تلتئم الجراح ومعالجة التمزق الكامن داخل النسيج السياسي الفرنسي، والحد من حالة الغبن والهشاشة التي يعاني منها مئات الآلاف من المواطنين المسلمين، كان يتطلب الأمر حالا، أكثر من أي وقت مضى، وضع مرهم لتخفيف الألم، وزرع الثقة والاعتراف بذلك الوضع، لكن، بدل ذلك، قام "فالس" من خلال برمجياته الحاقدة والغبية في آن واحد، والفاقدة للتبصر والذكاء، بتأجيج المزيد من مشاعر التشكيك والتجريم، من قبيل طرحه مسألة سحب الجنسية. وفي ضوء ذلك الدمار الكاسح الناجم عن الاستخدام غير المسؤول للبنود المتضمنة في سن حالة الطوارئ (3000 عملية اقتحام للبيوت باستخدام العنف وانتهاك حرمة المواطنين مقابل حالة واحدة قدمت إلى المحكمة)، أشعر أن هذه الطريقة الفرنسية المتميزة، قد ساهمت في ولادة عشرة أضعاف المشاريع الجهادية الجديدة.. مقابل كل جهادي تم القبض عليه.

 

5. هل توافقون على صيغة "أوليفييه روي" التي يعتبر فيها "الجهادية نوعا من الثورات العدمية" عندما يقول بأن الأمر لا يتعلق بتطرف الإسلاميين، وإنما بـ"أسلمة التطرف"؟
سبق لي أن أجبت مطولا على أطروحة "أوليفييه روي" وبشكل أقل، وعلى "جيل كيبيل" من خلال عمود نشر في شهر ديسمبر من عام 2015 على موقع "89 rue" أحيلكم إليه. وأقتصر هنا على التذكير ببعض أهم ما أشرت إليه في ذلك العمود، حيث اعتبرت أن أطروحة "أسلمة التطرف"، خاصة في شقّها الذي يدحض الأطروحة الثقافية لظاهرة "تطرف الإسلاميين" تشرح جزءاً من الواقع. فما من شك، أن بعض الشباب لا يتبنون قضية الجهاد إلا للتخلص من وضعهم المتأزم وفشلهم الاجتماعي. والتشكيك في وظيفة نموذج "الهامشيين الانتهازيين" في إشارة إلى الوصف الذي يستخدمه "روي" إزاء الجهاديين الفرنسيين، لا يعني نفي وجود داخل صفوف الجهاديين مثل هذه النماذج.

 


لا أمانع استخدام هذه الأطروحة التي تقوم على تفكيك التنشئة الاجتماعية للجهاديين، التي استعملها أول مرة عالم الأنثروبولوجيا ألان بيرثو، لكن بطريقة أقل حدة، فلا حرج إذن أن تستعمل لتسليط لضوء على بعض جوانب تصرف بعض الجهاديين الأوروبيين، لاسيما معتنقي الإسلام حديثا. لكن ما أرفضه هو قبل كل شيء تلك الصيغة الكاريكاتورية التي تُستخدم لنزع كل بعد اجتماعي وسياسي لمطالب وتطلعات هؤلاء الشباب، وكان فرهاد خوسروخافار، وغيره، قد بينوا أن هؤلاء الشباب ربما لم يكونوا مسيسين قبل دخولهم السجن، لكن تسيس جميعهم بقوة عند خروجهم من السجن، وهي حقيقة يتغاضى روي عنها تماما، والأمر الذي اعتبره غير مقبول تماما، هو إسقاط جزء من الواقع وتعميمه بحيث يصير المحور الذي يفسر الظاهرة برمتها.

 

وهو بالضبط ما يقوم به روي، عندما ينفي عن الضباط العراقيين في صفوف تنظيم الدولة (ضباط سابقين في جيش صدّام حسين) وضعهم كفاعلين سياسيين فعليين، ويعتبرهم مجرد "مجانين"، وهو بذلك يشمل، من خلال رؤيته المختزلة التي تنفي البعد السياسي، ظاهرة "الإقبال على الجهاد" بالنسبة للشباب في دول أوروبا، وأيضا مسألة "عرض" الجهاد العراقي، الأكثر تعقيدا مما يوحى إليه.

 

اقتصارنا في تفسير العلاقات السببية لهجمات 11 سبتمبر وإحالة أصولها للمشاكل الجنسية التي كان يعاني منها محمد عطا، أحد الطيارين الذين ارتطمت طائرته بأبراج مركز التجارة العالمي، استنادا إلى سيرة حياته.. هل يدرك أصحاب مثل هذا التحليل مدى عواقبه وسلبياته؟

إذا بدأنا على وجه التحديد بمرتكبي هجمات (كانون الثاني/يناير) 2015 (أو منفذ هجوم بروكسل)، فمن السهل جدا إثبات هشاشة مثل هذا التعميم وإسقاط واقع فئة اجتماعية على هامش ثورة وجعلها المحور الذي يفسر كل شيء، هذه القراءة هي التي أرفضها كونها تحمل في طياتها مشاكل منهجية غير قابلة للحل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول هذه النزعة التي تختزل التعبئة الاحتجاجية برمتها في تلك العناصر الموجود فعلا، من الفاشلين على المستوى (الاجتماعي و/أو الفردي)، لكنها على هامش الحراك الاحتجاجي، فمثل هذا الاختزال بعيد كل البعد عن الموضوعية.

 

التصدي لجيل الإسلاميين (وغيرهم قبل ذلك)، هو في الواقع انحراف قديم جدا ومتكرر في الرؤية الغربية. قبل ذلك بسنوات، تطوع الصحفي جاك بارين من جريدة لوموند في 27 ديسمبر 1991 واعتقد أن بوسعه "شرح" لقرائه نتائج الانتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر في الجزائر والتي تمخضت عن فوز ساحق لمرشحي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كتب جاك بارين "جندت الجبهة الإسلامية للإنقاذ معظم عناصرها وسط الفئات المهمشة، أولئك الذين ليس لهم ما يخسرونه لدى منحهم الحزب فرصته، وهم على استعداد لمواجهة أي مخاطر".

 

هذا النوع من التحاليل يبرر مقدما، من الناحية العملية، انقلاب الجنرالات الجزائريين الذين لم ينتظروا كثيرا لشن "الحرب القذرة" ضد مواطنيهم، الحرب التي برروها رسميا بـ"استئصال" مناصري نوع من الإسلام السياسي الجاد، الذي أثار هلعهم، خاصة وأنه يهدد بحرمانهم من مصادر الإثراء الشخصية التي تتغذى من الفساد المنظم. هذا الاتهام، المبهم جدا، أي "عدمية" الجهاديين المزعومة، هو من صميم مصطلحات معجم خاص بالتشويه السياسي أكثر منه إلى معجم العلوم الاجتماعية.

 

من الجدير الإشارة أن هذه التهمة استخدمت أول مرة، من دون أي أسس تبررها، في عام 1825 ضد الروس "الدسنبريين"، نسبة إلى شهر ديسمبر، الذين تصدوا لحكم القيصر المطلق، وكانوا في الواقع بمثابة أسلاف الثوار السوفيات، لنتصور لحظة، أنه من أجل تقييم شامل للمقاومة الفرنسية للنازيين، يلجأ مؤرخ ما إلى تركيزه فقط إلى فئة "البلطجية الشباب" الموجودة على هامش المقاومة، دون أن ينكر أحد وجود مثل هذه الفئة على الأرجح! لنتصور أيضا اقتصارنا في تفسير العلاقات السببية لهجمات 11 سبتمبر وإحالة أصولها للمشاكل الجنسية التي كان يعاني منها محمد عطا، أحد الطيارين الذين ارتطمت طائرته بأبراج مركز التجارة العالمي، استنادا إلى سيرة حياته. هل يدرك أصحاب مثل هذا التحليل مدى عواقبه وسلبياته؟

 


ثمّة سوابق كثيرة لمثل هذا الانجراف التحليلي، على غرار ما قام به بعض "المحللين النفسانيين الرسميين"، طيلة سنوات في فرنسا، الذين حظوا بتغطية إعلامية سخية "لتوضح" الحرب الأهلية الجزائرية، أمام جمهور "مقتنع مسبقا" بتلك الرواية الرسمية، وعرضوا عليهم التشكيلة الواسعة للأمراض التي يفترض أنها تؤثر على النشاط الجنسي (!) لدى أعضاء من المعارضة الإسلامية، التي تمكنت سياسة الاستئصال المرعبة على يد الجيش الجزائري من دفعها (فعلا) نحو التطرف.

 

في كتاب صغير نشر في عام 2007 بعنوان "اجتماع الحضارات" ليوسف كرباج وإيمانويل تود، اعتقد المؤلفان في تجاهل كامل لآثار الاحتلال العسكري الإسرائيلي، تمكنهما من ربط "العنف الفلسطيني" بطبيعة مجتمعهم، القائمة على السلطة الأبوي، التي تدفع باتجاه تأجيل سن الزواج إلى ما بعد المراهقة، مما يثير لدى الشباب الكثير من التهيج الجنسي. هذه الأضرار الهائلة الناجمة عن هذا النوع من المقاربات، التي يسعى إلى ترويجها كل من يوجد على الجانب الأقوى من المعادلة، لا يزل صداها ينبعث من داخل التصور الغربي المهيمن للظاهرة الإسلامية ككل. والمشكلة الرئيسية الثانية المتعلقة بنموذج "الهامشيين الانتهازيين"، تكمن في اعتبارها وجود عزلة مطلقة، ولا تخص فقط مشكلة التواصل بين الأجيال، وإنما عزلة الجهاديين عن محيطهم ككل، أي بعبارة أخرى، عزلتهم عن جميع المسلمين الآخرين، في فرنسا أو في أي مكان آخر.

 

وفق هذا الطرح، لا تربط أميدي كوليبالي، قاتل متجر ايبر كاشير في يناير 2015، أي علاقة أو اهتمام بمشاكل المسلمين في فرنسا، ولم يكن أصلا يهتم بـ"النزاعات الفعلية في العالم الإسلامي (فلسطين)"، ولتبرير هذه الأطروحة المشكوك فيها كثيرا من وجهة نظري، طور روي حجة هشة للغاية، عندما حرص على تأكيده أن عدد الجهاديين ليس قليل فحسب، بل أن حتى محيطهم الأسري، يرفضهم رفضا جذريا. ومن الوقائع التي يفترض أنها تثبت ذلك الرفض، حسب أصحاب هذه الأطروحة، أنه عندما يتوجه أحد أبنائهم إلى سوريا، فبدلا من أن يلتحقوا به، يتوجهون على الفور "ليشتكوا إلى دنيا بوزار" وهي مناضلة جمعوية فرنسية أسست في عام 2014 "مركز الوقاية ضد الانحرافات الطائفية المرتبطة بالإسلام".

 

وإذا كان محيطهم يرفضهم وينأى بنفسه عنهم، فلا ينبغي بأي حال من الأحوال عند شرح دوافع سلوكهم، الالتجاء إلى التاريخ، وأوجه الحرمان المختلفة التي يعاني منها هؤلاء الشباب في بيئتهم، أي، من العبث حسب أطروحة روي، تفسير تصرفات الجهاديين بـ"المعاناة ما بعد حقبة الاستعمار، أو تضامن الشباب مع القضية الفلسطينية، أو رفضهم التدخل الغربي في الشرق الأوسط واستبعادهم داخل فرنسا العنصرية والمشبعة بالإسلاموفوبيا".

 

الشرطة الفرنسية تتأكد من هويات نساء مسلمات يرتدين الحجاب أثناء مظاهرة بمدينة ليل احتجاجا على حظره أواخر 2012 (رويترز)


هذا التفسير يدينه روي بازدراء، ويصفه بـ"معزوفة العالم الثالث العتيقة"، وأعتقد من جانبي أن هذا المنطق مُغالٍ بشكل كبير، لأن المسافة بين ثورة أقلية ضئيلة من مسلمي فرنسا وبين جميع إخوانهم في الدين، تحمل بالتأكيد ميزة مفيدة تستحق الثناء، كونها تفند أطروحة تعميم الذنب والمسؤولية لتشمل جميع المسلمين، التي من الملاحظ أن جهات عدة في فرنسا، وليس اليمين المتطرف فحسب، تتبناها تلقائيا.

 

غير أن هذه المقاربة يترتب عنها ثمن تحليلي باهظ. ولنا أن نسأل، هل فعلا يتوجه بعض أولياء الجهاديين إلى دنيا بوزار ليشتكوا لها تصرف أبنائهم؟ بالتأكيد، لكن هل معنى ذلك (بصرف النظر عن حجم هذه الجمعية المتواضعة جدا قياسا بعدد المواطنين المعنيين..) دليل على أن ثورة أطفالهم أسبابها غريبة تماما عن جميع المسلمين في فرنسا ولا يهتمون بها مطلقا؟ وهل هذا دليل على أن كل الذين يدينون بصدق أساليب الجهاديين هم فخورون بالتدخلات الإعلامية على الشاشات التلفزيون للأمام الجاهل حسن شلغومي، الذي يفترض تمثيلهم؟ وهل هو دليل على اكتساح الفوبيا في جميع أرجاء فرنسا تجاه الحجاب الإسلامي؟ أو مشاركتهم في الهوس المتفشي في تجريم طارق رمضان من قبل الطبقة السياسية برمتها؟

 

هل يعني ذلك أنهم من المناصرين الثابتين لتملق لوران فابيوس إزاء منفذي المجازر في غزة، وإيماءات نيكولاس ساركوزي العسكرية في كابل أو دعم فرانسوا ميتران الانقلابيين العسكريين في الجزائر؟ وأخيراً، هل يعني ذلك أنهم لا يكترثون بسلاسل الازدراء التي تكبّل حركاتهم وتحرمهم من حقوقهم المشروعة في مجال الشغل، وتحبسهم داخل "الغيتو" الاجتماعي المفروض عليهم، والذي يطالبون مع ذلك مرارا بالتخلص منه؟ هذا بالضبط ما يطلبنا به صاحب أطروحة "الهامشيين الانتهازيين" قبوله، وهو ما أعتقد من الضروري النأي بنفسي عنه.

 

قد يكون من ضمن الأضرار الجانبية لهذه الأطروحة التي تقطع كل صلة وسببية بين العنف الذي يعصف بشوارع باريس وسياسات الحكومة الفاشلة والمدانة، أنها تشترك مع منافستها الثقافية، التي تحمّل الإسلام المسؤولية عما يجري -إنه خطأ الإسلام- في عامل مضلل ومتحيز، الذي يعفينا من أي مسؤولية تقريبا، لسان حاله يقول "اقصفوهم متى شئتم وكيفما شئتم"، وإذا فحصنا عن قرب، قد نقرأ بين السطور "قنابلهم لا تنافس قنابلنا أبدا". وبهذا يتضح الفارق بين الأطروحتين، بين الأطروحة التي أدافع عنها وأطروحة روي، لأنني أسعى بحثا عن جذور الجهاديين في مكان تمركزهم العميق، في السياسة، في بؤر البؤس المعيشي، الذي يكابده ضحايا سياستنا الخارجية أو آلياتنا التي تكرس إقصاء قطاعات كاملة من مواطنينا.

 

6. في النقاش الذي حظي بتغطية إعلامية مكثفة، بين أوليفييه روي وجيل كيبيل، أين موضعكم؟ هل يتعلق الأمر بـ"ثورة الأجيال" مثلما يذهب إليه روي، أم تتبنون موقف كيبيل، الذي ينطلق من الإسلام والخطاب السلفي لتحديد ملامح الأوجه الجديدة للإرهاب؟

المحلل السياسي الفرنسي جيل كيبيل

رويترز
 
لاستكمال جوابي على سؤالك السابق أود القول، بالتشديد قليلا، أن مقاربات كيبيل وروي تشتركان من حيث تقليلهما من شأن آثار علاقات الهيمنة شمالاً وجنوباً، على سلوك الجهات الفاعلة المعنية. يؤكد جيل كيبيل، لدى شرحه ظاهرة الجهادية، على المتغير الديني والأيديولوجي، ويقيم بدقة كبيرة، ترابط فكري وثيق بين الإسلام المحافظ والعنف السياسي، وفي حالة تعذره إثبات ذلك، يستعمل سلاسل الترابط الجغرافي بكثير من الدقة: فهو يرى أن التطرف قد يكون مر بهذا الحي من تلك المدينة أو حتى من الطابق الرابع من ذلك السجن إلى الطابق الثالث، فضلا عن استعمال، التطرف وسائط معينة من هذه التكنولوجيا أو تلك (الإنترنت، والشبكات الاجتماعية).

 

إلى جانب حرصي على النأي بنفسي عن هذا النوع من المنهجية، فإن الوقائع الملموسة تدحضها وتشكك في مصداقيتها. من جهة أخرى، تطرح مركزية شخصية "أبو مصعب السوري" إشكالية، حيث لا يمكن لمثل هذه الشخصية الغامضة جدا، والتي أعيد تشكيلها بشكل رائع من قبل "ليا برينيا" (مهندس الجهاد العالمي: حياة القائد الاستراتيجي في تنظيم القاعدة أبو مصعب السوري OUP 2014)، لا يمكنها تبوء مرتبة "رئيس أوركسترا في خوض ثورة شملت جزء من المعمورة". وقد بلغ غموض هذه الشخصية بحيث لم تعد تثير إعجاب قادة تنظيم الدولة، وانتهى بهم الأمر بالنأي بأنفسهم عنه بشكل مدوي.

 

في قراءة "كيبيل"، تتحول الوسائط والأدوات ووسائل التواصل تدريجيا إلى أسباب! ويبدو واضحا أن سجل كتاباته الأخيرة من قبيل "لقد قلت لكم بأن الأسوأ على وشك أن يحدث" يتسق والتصريحات التي تتخذ شكل نبوءة تحقق نفسها بنفسها، وهو بذلك يتمتع بجني ثمار يستمدها من تحاليل ترتكز على تشويه سمعة الخصم، ومن السهل التحقق من أنه أحد مروّجيها: لا أتفق مع هذا التوجه وأنأى بنفسي عن نهج يركز على الأشكال ويغض الطرف كليا عن الأسباب، ويجهد نفسه في تسليط الأضواء على جميع أشكال التعبير عن العداء لدى الآخر ...دون محاولة الإصغاء إلى الأسباب العميقة لهذا العداء.

 

لا شك أن عمق النزاع السياسي بيننا وبين الجهاديين يشار إليه أحيانا بشكل عابر، لكن من خلال استخدام صيغة التلطيف المنهجي، باستعمال خطاب ماكر للغاية، يوظف وصف "الإيذاء". ومن هذا المنطلق، تتحول كل الأهداف التي تتعرض للعنف من قبلنا، إلى أشخاص ميالين لتقمص صفة الضحية (ظاهرة "الإيذاء")، كما لو أن كلما اشتكى أحد مواطني قطاع غزة من المعاملة التي يلقاها من الاحتلال الإسرائيلي، نتهمه بنزوعه إلى تبني موقف "الضحية". ومن جانبه، يبرز "أوليفييه روي"، مثلما أشرت إليه من قبل، متغير يمكنني وصفه بمتغير "نفسي اجتماعي"، فبالنسبة له الجهاديون هم أفراد فاشلون معزولون عن غيرهم من المسلمين، ولا يمكن ربط سلوكهم هذا بأي جانب من جوانب الإخفاق أو غيره من أشكال سوء الفهم بين مجتمع "الأغلبية" ومسلمي فرنسا.

 

أوليفييه روي، الأستاذ بمعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا بإيطاليا

الأوروبية
 

أُفضِّلُ من جهتي منح الأولوية للمتغير السياسي، لأن الجهادية تمثل في نظري الزبد الذي يعلو موجات العاصفة العميقة المعبرة عن ردود فعل جزء من العالم؛ متذمر من تصرفات الجزء الآخر. وأعتبر أن المسار الاجتماعي أو سياق المشاركة التفاعلية لحاملي الثورة، أمرٌ ثانوي وليس العمق، لذا أراه من الضروري التأكيد على عكس ما يقوله "روي" و"كيبل"، مذكرا بأولوية البعد السياسي في التطرق إلى الظاهرة الجهادية.

 

عندما توظف العقائد الدينية، من قبل الفاعلين السياسيين، يمكنها "إنتاج" جميع أنواع الفاعلين، يمكن للعقيدة المسيحية أن تكون بمثابة أرضية لعمل الرهبان المتأملين.. أو الرهبان المحاربين، "متعبدين" من دعاة السلام مثل القديس "فرانسوا داسيز"، وأتباع لاهوت التحرير أو قضاة متعصبين مثل الذين أقاموا محاكم التفتيش أو حتى مثل ما حدث مؤخرا، بروز اليمين المتطرف اللبناني، على غرار "حراس الأرز" (الرهبان الموارنة في الكسليك) الذين وصل به الوضع إلى حد التنظير للتصفية الجسدية للمسلمين.

 

بالنسبة للإسلام، يمكن للدين أن ينتج صوفيين متعبدين، أو سلفيين مسالمين، نوع من "المورمون"، مع التزام حرفي للدين ورفض أي تدخل في المجال السياسي أو بالمقابل السلفيين الجهاديين الذين يبررون حربهم بضرورة فرض، حتى ولو كان ذلك من خارج مجتمعهم، المعايير الكامنة في عقيدتهم. ما يهم إذن ليس تحليل التفسيرات المحتملة لكل من العقائد الدينية، وهي تفسيرات متعددة في جميع الأديان، وإنما فهم الأسباب التي تجعل الفاعلين يختارون هذا التفسير "التأملي" أو ذلك التفسير "المحارب". وهذه الأسباب ليست أيديولوجية، ولا يمكن اختزالها في مجرد متغيرات نفسية واجتماعية، فهي من وجهة نظري ذات طابع سياسي بالأساس، وهنا يكمن الفرق بيننا، ولهذا السبب لا أتفق مع نهجي "كيبيل" أو "روي".

 

حتى وإن كنت في الواقع أنأى بنفسي بشكل كبير عن النبرة الساخرة التي تتميز بها كتابات جيل كيبيل، التي تحمل في كثير من الأحيان روح الازدراء، والكراهية المستوحاة مباشرة من  المدرسة الأميركية لبرنارد لويس، التي تعتبر مشكلة العنف متأصلة في الدين الإسلامي، وهي المدرسة التي غذَّت برمجيات "المحافظين الجدد" الأميركيين، بما نشهده من إنجازات سياسية، إلا إنني لا أرفض تماما أطروحة "أسلمة الراديكالية" التي قد تكون مفيدة ومساعدة على تفسير عيّنة صغيرة من المسارات، وربما مسارات بعض معتنقي الإسلام تحديدا، لكن أعتقد أنه من الخطأ إسقاط هذه النظرة مثلما يذهب إليه روي، لشرح جذور هذه الظاهرة برمتها.

ولأن مقاربة كيبيل وروي، تشترك في عنصر الفصل التام بين أصل العنف وتأثير السياسات الغربية، في الماضي والحاضر، في العالم الإسلامي، وتبرئة في الوقت ذاته المسؤولين السياسيين الفرنسيين والغربيين من جميع الإخفاقات والفشل في تحقيق "العيش معا" في الوطن الواحد، أو ما يقابلها على نطاق الشرق الأوسط.

 

7. هل يمكن للدراسة النقدية للثقافة أو الدين (الإسلامي) عند الطرف الآخر، أن تشكل مسارا مثمرا لفهم ظاهرة "تنظيم الدولة" والرد على مظاهره الإرهابية؟


مثلما دأبت على تكراره منذ مدة، هذا النهج يشكل أحد السبل التي تتجنب عناء التفكير في نصيبنا من المسؤولية عن بروز هذا العنف، وهو بذلك أحد أوجه الانحرافات الأكثر وضوحا وتكرارا وضررا في طريقة ردودنا على الهجمات الإرهابية، مع الإشارة أن هذا الخطأ ليس وليد اليوم. كان واضحا خلال الرد الأميركي على هجمات 11 سبتمبر، اقتصار الإدارة الأميركية، إلى جانب "القوة الصلبة" القمعية، على استعمال أداة "حوار الثقافات"، التي لم تهدف في واقع الأمر سوى إلى إصلاح ثقافة الآخر، ولم يكن أبدا الغرض منها إصلاح ثقافتنا! من الواضح أن إصلاح الآخرين، أمرٌ مُغرٍ وأقل تكليفا من تنظيف عتبات بيوتنا، وهو ما لم نستطع فعله نحن، بشكل أفضل مما فعلته إدارة بوش بعد خمسة عشر عاما من هجمات 11 سبتمبر، فضلا عن نتائجه المروعة التي يعلمها الجميع.

 

والآن نقف أمام وضع بائس، بضعة آلاف من الأفغان "الجهاديين" ينتشرون في جميع أنحاء المعمورة، أما حركة طالبان، الهدف الأول "للحرب ضد الإرهاب" المتواصلة منذ عقود، تقترب من الإمساك بالسلطة. إن التفكير في ثقافة الآخر من أجل "فهم" عنفه إزاءنا، هو بمثابة تركيز البحث عن الشكل على حساب المضمون، أي التركيز على مظاهر الغضب عند الآخر، بدل البحث عن أسبابه.

 

--------------------------------------------------------------------------

 

يمكن الاطلاع على المقابلة الأصلية على صفحة "فرانسوا بورغا" عبر الرابط التالي

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك