اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/30 الساعة 14:19 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/7 هـ

انضم إلينا
الاختيار الأوروبي.. أي مصير ينتظر الاتحاد بعد خروج بريطانيا؟

الاختيار الأوروبي.. أي مصير ينتظر الاتحاد بعد خروج بريطانيا؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يناقش يانيس فاروفاكيس في هذا الحوار الأزمّة الأوروبيّة بوجه عامّ، والاتحاد الأوروبيّ بوجه خاصّ، فيما يتعلق بالسياسات الماليّة وسياسات التقشّف وإجراء صندوق النقد الدوليّ لـ"تفقير" الشعوب، معرّجاً على دول أوروبيّة عدّة، مقترحاً سبل للخروج من الأزمة. وعلى أوروبا أن تختار.

 

نص المقابلة
دوغ هينوود: المرّة الأخيرة التي تحدثنا فيها كانت في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2014. وكانت معدّلات النمو الأوروبيّ تتراوح ما بين 1 إلى 1.5%، لا أدري. أمّا الاقتصاد اليونانيّ فكان ذا حال جيّدة إذا كان لديه 0.25% . يبدو أنّنا في المكان ذاته إلى حدّ كبير حيث كنّا منذ عامين، أليس كذلك؟
  

يانيس فاروفاكيس: كيف لنا أن نتوقّع شيئاً مختلفاً عندما نقوم بالشيء نفسه بالضبط في أوروبا؟

 

دوغ هينوود: لقد وُعدنا أنّ هناك أشياءً ستتحقق، لكنّهم لم يحققوها.
 

يانيس فاروفاكيس: نعم، لكنّ تلك الوعود إنّما تمّ تدعيمها بتعهّد بمواصلة القيام بالشيء نفسه على وجه التحديد. وأيّاً ما قاموا به، فقد كان دائماً وراء الانحناء، وأتى دائماً كاستجابة على استمراريّة الأزمة التي كانوا مسؤولين عنها، لا كمحاولة لإيقافها، ولتجاوزها، ولفعل شيء حيال الأسباب بدلاً من الأعراض.

  

يقوم الانتعاش في أسبانيا على التوسع الائتمانيّ في الدّولة التي عانت من الفقّاعة الائتمانيّة، وبالتالي فلا يزال يعمل تحت إرث انفجار الفقّاعة

بيكساباي
  
دوغ هينوود: هل هناك أيّ أمارات على الانتعاش؟
 

يانيس فاروفاكيس: هناك انتعاش دوريّ، لكنّه فاتر وضعيف جدًا. ويجب على دورة الأعمال في هذه اللحظة أن تسجّل انتعاشاً قويًّا، لكنّ قوانين التصميم المعماريّ والمماطلة والالتزام بالسياسات الفاشلة هي التي تعيق ذلك. وإذا نظرت إلى بلدان كأسبانيا مثلاً، فستجدُ نمواً متواضعاً. وهناك حتى شيءٌ من التضخّم.

 

وحتّى في ألمانيا، لقد انتقلنا بعيداً عن النّمط الانكماشيّ (Deflationary) للعام الماضي، لكن مع ذلك فكلّها أمور مؤقتة. على سبيل المثال، يقوم الانتعاش في أسبانيا على التوسع الائتمانيّ في الدّولة التي عانت من الفقّاعة الائتمانيّة، وبالتالي فلا يزال يعمل تحت إرث انفجار الفقّاعة. إنّ الاستثمار في الأشياء التي يحتاجها المجتمع لا يزال منخفضاً للغاية. ونحن نبذّر طفرة دورة الأعمال بسبب الفشل السياسيّ لمنطقة اليورو (Eurozone).

 

دوغ هينوود: هل هناك أيّ تفريعٌ بين جوهر الاتحاد الأوروبيّ والأطراف، أمّ أن كلاهما عالقان في الوحل؟
 

يانيس فاروفاكيس: كلاهما غارقٌ في الوحل بطرق مختلفة. فتجلّي الأزمة في إيطاليا بائنٌ للعيان جميعاً. حيث لدينا نظامٌ مصرفيّ معتلٌّ، ودَيْنٌ عامٌ لا يُطاق، حتى رغم أنّ البنك المركزيّ الأوروبيّ يشتري عشرات الملايين منه طوال الوقت.

 

وفي أماكن مثل ألمانيا، لدينا صناديق التقاعد التي سحقتها القوى الانكماشيّة التي أطلقتها السيرورةُ نفسُها. وحقيقة الأمر أنّه بينما نجحت السّلطات النّقديّة، لا سيّما البنك المركزيّ الأوروبيّ، في حقن الزبون الأوروبيّ بالكورتيزون الكافي تحت الجلد وداخل مؤسّسات الاقتصاد الحقيقيّ لجعله وكأنّه مستقرّ، فقد أصبحت أوروبا غير متوازنة بصورة متزايدة. إنّ قوى الطّرد المركزيّة تقوم بعملها الكارثيّ المميت.

  

لا ينسجمُ التيسير الكميّ في أوروبا مع ميثاق البنك المركزيّ الأوروبيّ. فغير مسموح للبنك المركزيّ الأوروبيّ بأن يكون المُقرِض الأخير. ولا يُسمح له بأن يقوم بالأشياء التي يقوم بها المجلس الاحتياطيّ الفدراليّ (رويترز)

 

دوغ هينوود: ماذا بشأن النسّخة الأوروبيّة للتيسير الكَميّ؟ هل كان له أيّ أثرٌ إيجابيّ على الإطلاق؟
 

يانيس فاروفاكيس: ذلك هو الكورتيزون الذي تحدثتُ عنه. فلم يكن هناك أيّ من منطقة اليورو يتحدّث إذا لم يكن ذلك لصالح التيسير الكميّ، ولكنه مثير للغاية أن نقارن التيسير الكميّ في أوروبا بالتيسير الكميّ في الولايات المتحدة أو اليابان، أو حتّى في بريطانيا. لا ينسجمُ التيسير الكميّ في أوروبا مع ميثاق البنك المركزيّ الأوروبيّ. فغير مسموح للبنك المركزيّ الأوروبيّ بأن يكون المُقرِض الأخير. ولا يُسمح له بأن يقوم بالأشياء التي يقوم بها المجلس الاحتياطيّ الفدراليّ (Fed).

 

لقد توجّب على ماريو دراغي، رئيس البنك المركزيّ الأوروبيّ، المضيّ عبر منافسة من أجل أن يُسمَح بتنفيذ التيسير الكَميّ. فكان عليه أن يَعِدَ بشراء الدين الألمانيّ بصورة أكبر من الدين الإيطاليّ أو الأسبانيّ. بعبارةٍ أخرى، كان عليه أن يشتري الدين بما يتناسب مع حجم كلّ اقتصاد دولة عضو، وهو أمر سخيف.

 

ولكلّ يورو واحد من الدّين الإيطاليّ اشتراه، يتوجّب عليه أن يشتري اثنين يورو من الدين الألمانيّ، وهو الأمر الذي لا يتوجّب عليه بالطبع، لأنّ ألمانيا ليست في حالة انكماشيّة كالتي فيها إيطاليا. ومن أجل حفظ استقرار إيطاليا، توجّب عليه أن يسحق صناديق التقاعد والبنوك الصغيرة في ألمانيا. وبطبيعة الحال، فإنّ هذا يخلقُ قدراً كبيراً من ردود الفعل العنيفة في ألمانيا بسبب إجراءات البنك المركزيّ الأوروبيّ، والتي هي مُعدّة بالأساس لإبقاء إيطاليا في منطقة اليورو.

 

دوغ هينوود: وماذا بشأن البنوك الألمانيّة؟ هل لا تزال قائمة؟
 

يانيس فاروفاكيس: هي لا تزال قائمة فقط بسبب الكفالة الضمنيّة للدّولة الألمانيّة. فكما تعلمون جيّداً، فإنّ بنك دويتشه مفلس تمامًا. وإنّ دفاتر أصوله مليئة بالأصول غير العاملة وصفريّة القيمة. وقد خفّض قرار الولايات المتحدة الأخير المتعلّق بالغرامات على بنك دويتشه حقوقَ ملكيته إلى مستوى شركة صغيرة، رغم أنّه البنك الأكبر في أوروبا.

 

وفي كثيرٍ من الأحيان، كان لديه حجم الاقتصاد الألمانيّ مدفونًا في دفاتر أصوله، في شكل خصوم، وليس في شكل أصول، وبالتالي فإنّ الشيء الوحيد الذي يبقيه مستمراً هو ثقة السّوق التجاريّة بأنّ دافع الضرائب الألمانيّ يقف وراء بنك دويتشه.

  

للسماح بتمديد أثر بنك دويتشه لبقيّة أوروبا -ليليق باليورو- فقد فرض البنك المركزيّ الأوروبيّ هذا الشّرط: لن يُستخَدم البنك المركزيّ الجديد باعتباره أرضًا للديون والأصول البائدة للأوباش -أي للبنوك الإيطاليّة واليونانيّة

الأوروبية
  
دوغ هينوود: هل لدى دافع الضرائب الألمانيّ الوسائل اللازمة لتدعيم بنك دويتشه؟
 

يانيس فاروفاكيس: إنّ دافع الضرائب الألمانيّ غير قادر على مساندة بنك دويتشه في حال تعيّن استدعاء بنك دويتشه إلى مهمّة من قبل المنظّمين. وما يمكن أن يفعله دافع الضرائب الألمانيّ هو ضمان إعادة التمويل قصيرة الأمد لهذه الأصول السيئة. وطالما أنّ المنظّمين لا يفرضون على بنك دويتشه تدقيقاً ماليّاً سليماً، فسيكون دافع الضرائب الألمانيّ قادراً على توسيع والتظاهر بإفلاس بنك دويتشه في المستقبل عن طريق السّماح له بالمداولة والمتاجرة.

 

يتحكّم المنظّمون بقوّة في اللعبة، وبإمكانهم أن يسمحوا لبنك دويتشه بأن يظلّ متاجراً مثلما هو يفعل لفترة طويلة جداً جداً. وبالطبع، هذه قنبلة سياسيّة موقوتة في مؤسّسات أوروبا. وفي حين أن هذا يحدث مع بنك دويتشه في ألمانيا، فإنّ البنوك المفلسة في إيطاليا معرضة للخطر بالمثل، ويجري تركيز الضغط على روما لنقل خسائرها على أكتاف دافعي الضرائب الضعفاء. ومن ثمّ، لدينا ردّ فعل عنيف شعبويّ ضدّ الاتحاد الأوروبيّ ومنطقة اليورو. ولدينا موقفٌ في إيطاليا حيث إنّ حزباً واحداً فقط يدعم عضويّة إيطاليا في منطقة اليورو، وقد انقسم هذا الحزب أيضاً.

 

دوغ هينوود: تشبه هذه المقاربة للمشكلة المصرفيّة إلى حدّ بعيد أزمة المدّخرات والقروض في الثمانينيّات، وإن كان ذلك على نطاق أكثر اتساعاً بكثير. فهل ينظر أيّ أحد إلى السّوابق، أو أنّهم يحاولون عبور يوم إلى اليوم الذي يليه فحسب؟
 

يانيس فاروفاكيس: هذه هي فضيحة المدخرات والقروض على نطاق أوسع ومع وجود اختلاف كبير بين الولايات المتحدة وأوروبا. يتمثّل الاختلاف الأوّل في أنّ الولايات المتحدة كان لديها حكومة فدراليّة تؤثّر بها على خطّة الإنقاذ الفدراليّة.

 

فلدينا بنك احتياطيّ فدراليّ له القدرة على نقل كلّ خسائره البائدة ميزانيّته العموميّة بقوّة. أمّا البنك المركزيّ الأوروبيّ فلا يُسمح له بذلك. وللسماح بتمديد أثر بنك دويتشه إلى بقيّة أوروبا -ليليق باليورو- فقد فرض البنك المركزيّ الأوروبيّ هذا الشّرط: لن يُستخَدم البنك المركزيّ الجديد باعتباره أرضاً للأنقاض للديون والأصول البائدة للأوباش -أي للبنوك الإيطاليّة واليونانيّة وللحكومتين الإيطاليّة واليونانيّة، وهلمّ جرًّا.

 

واتضح أن ذلك مثّل مشكلة بالنسبة إليهم، لأنّ البنك المركزيّ الآن الذي أنشأوه لا يمكن أن يكون لإنقاذ بنك دويتشه. وفي الوقت نفسه، ليس لدينا حكومة فدراليّة لفعل ما حدثَ في الولايات المتحدة بعد فضيحة المدخرات والقروض.

  

قرّر موظفو صندوق النقد بأنّ اليونان تحتاج إلى تخفيف الديون وأهدافاً ماليّة يمكن إدراتها، وفي الوقت نفسه، فإنّ الصّندوق صلْبٌ في عزمه على استهداف التخفيضات على الفقراء (غيتي)

 

دوغ هينوود: هل هناك أيّ شخص في هذه المرحلة يكسب من هذا التدبير ماديًّا؟ وما الذي يبقي الأمر مستمرّاً أيديولوجيا؟ أم هو مجرّد جمود؟
 

يانيس فاروفاكيس: تلعبُ الأيديولوجيا دورًا، ولكن الأمر بالأساس متعلّق بالمصالح المكتسَبَة. وفي لحظة انفجار الفقاعة عام 2008 و2009 و2010، كانت حالة من ضمانة أنّ تكلفة الأزمة ستلقى على عاتق الضعفاء من الأوروبيين، وذلك من وجهة نظر المؤسّسة. وهذا ما كانته خطّة الإنقاذ اليونانيّة، والأيرلنديّة والبرتغاليّة والأسبانيّة، وبالطبع سياسات التقشف التي حلّت سريعاً. فهذه كانت محض مصلحة ذاتية خالصة نيابة عن القوى التي تكون.

 

والآن بطبيعة الحال لأنّهم لم يظنّوا ذلك منذ البداية -أو لأنّهم كانوا مرعبين عندما لجأوا إلى إعادة التوزيع الهائلة والكلبيّة- فلم يدركوا ما سيحدث، وهو أنّ هذه الحملة التقشفيّة وخطط الإنقاذ السّامة أسفرت عن بيئة انكماشيّة، والتي لها آثار أخرى غير مقصودة. لذا حاولوا أن يتعاملوا مع هذه الآثار. ومثلهم مثل رجال الإطفاء تماماً بحيث لا يصوّبون مدافع المياه في قلب الحريق ولكن صوب النيران بدلاً من ذلك، فقد تحوّلت الأزمة ببساطة إلى شيء مختلف تماماً. فلم يهاجموا أبداً الشِّقَ النّسقيّ. وهناك مزيجٌ من المصالح المكتسبَة، والهلع، وفقدان المقاربة النّسقيّة والمتناسقة للمشكلة، وأخيراً، هناك الصلابة التي لا تلين في الطريقة التي أرداوا بها إلقاء اللوم على ضحايا الأزمة.

 

دوغ هينوود: في فترتك الوجيزة بصفتك وزيراً للماليّة في اليونان، كان عليك الجلوس والحديث مع أنواع من الناس لا يحتكّ بهم الاقتصاديّون عادةً. فماذا علّمتك هذه التجربة بشأن التفكير في أعلى مستويات المؤسّسة الماليّة؟
 

يانيس فاروفاكيس: لقد علمتني الشيء الكثير الكثير. وإيجازاً، دعني أشيرُ إلى درسين تعلمتهما. يتعلّق الدرسُ الأوّل بما قد أخبرتنا به حنّة أرندت ذات مرّة بشأن تفاهة الشرّ. كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يكونوا تافهين، لا سيّما التقنوقراطيين، وبخاصّة المصفقين من الدرجة الثانية للأقوى والأكبر -شخصيّات مثل فولفغانغ شويبله. أمّا الدرس الثاني، فهو أنّ الناس الأكثر قوّةً يعلمون ما هو جارٍ. بالنسبة إليهم، تشبه اللعبةُ لعبةَ دبلوماسيّة البوارج (Gunboat Diplomacy) في القرن التاسع عشر. حيث لا يوجد هناك سوى مساحة ضئيلة جداً للاضطلاع بحججٍ اقتصادية معقولة.

 

كثيراً ما أشرتُ إلى ما عرّفتُه على أنّه تجربة النّشيد الوطنيّ السويديّ. وأودّ أن أطرح له حجّة اقتصاديّة معقولة حول ما يجب أن يحدث. ثمّ أفكّر في وجوهه وتفكيره، "ربّاه، سواءَ أقلتُ ما قد قلتُ للتوّ أو أنشدتُ النشيد الوطنيّ السويديّ فسينتجُ الشيء نفسه بالضبط، وسينتج التعبير المبتذل نفسه".

 

في نقاشٍ قمتُ به مع كريستين لاغارد كان ثاقباً بشكل خاصّ. حيث كان أوّل اجتماع لنا، بعد فترة طويل من نقاش الأزمة اليونانيّة. فبعد أن شرحتُ لها ما أعتقد أنه يجب القيام به -ما كانت عليه المشكلة، والأخطاء التي ارتُكِبت-، فقد كانت منفتحة جداً على خطّ تعليلي وتفكيري. وفي النهاية، عندما كنّا نحن الاثنان فقط، قالت: "انظر يا يانيس، بالطبع أنت محقّ. فهذا البرنامج لا يمكن أن يعمل". كانت تشيرُ إلى التدعيم الماليّ والبرنامج الإصلاحيّ كان صندوق النقد الدوليّ وبقيّة المجموعة الائتمانيّة يضغطونه علينا. ولم تقل إنّه من العسير أن يعمل؛ بل قالت إنّه لا يمكن أن يعمل. ثمّ سرعان ما أضافت: "لكن انظر، يجب أن تفهم أنّنا وضعنا رأسمالاً سياسياً أكبر في هذا البرنامج الذي لا يمكننا التراجع عنه، ومصداقيتك تعتمد على قبوله". أعتقد أن هذا يحكي القصّة، أليس كذلك؟

  

ألمانيا يسعدها أن تكون ليّنة بعض الشيء بشأن الفقراء طالما أنّ تخفيف الديون هو خارج القائمة، لأنّ ميركيل لا تريد ببساطةٍ الذهاب إلى البرلمان الفدراليّ

الأوروبية
 
دوغ هينوود: يقول البعض إنّ صندوق النّقد الدوليّ كان أكثر منطقيّة وأكثر إنسانيّة نوعاً ما من مثلاً فرانكفورت أو بروكسل، بينما يقول آخرون غير ذلك. فما هو تقييمك لدور صندوق النّقد الدوليّ؟
 

يانيس فاروفاكيس: يعرفُ صندوق النقد حساباته بشكل أفضل من الأوروبيين، ولا شكّ في ذلك. وعلى الأقلّ، فإنّ الموظفين في الصّندوق جيدون بصورة معقولة. لقد ارتكبوا أخطاءً كبيرةً في الماضي بتنبؤهم بأثر تقشّفهم، لكنّهم تعلّموا على الأقلّ الآن دروسهم. لقد قرّروا بأنّ اليونان تحتاج إلى تخفيف الديون وأهدافاً ماليّة يمكن إدراتها، خلافاً للأهداف التي تطلبها بريطانيا أو فرانكفورت أو بروكسل. وفي الوقت نفسه، فإنّ الصّندوق صلْبٌ في عزمه على استهداف التخفيضات على الفقراء.

 

إنّهم ذوو مقاربة كمقاربة تاسيتوس -مؤرخ ورئيس قضاة في الإمبراطوريّة الرومانيّة -م-. إذ يعتقدون بأنّنا يجب أن نتخلّص من ملايين الأعمال الصغيرة والناس الذين لا يستطيعون دفع قروضهم العقاريّة. مجرّد نبذهم فقط. ويعني هذا، بطبيعة الحال، أنّ اليونان في طريقها إلى لأن تتحول إلى صحراء. ثمّ طبعاً عليكم تخفيض الديون لأنّكم لا تستطيعون دفع الديون. بهذا المعنى، فإنّ صندوق النّقد الدوليّ يحصل على حقّه الحسابيّ على أساس حزمة إصلاحات مناهضة للمجتمع ومفرطة في تقشّفها.

 

بالمقابل، فإنّ ألمانيا، مثلاً، يسعدها أن تكون ليّنة بعض الشيء بشأن الفقراء طالما أنّ تخفيف الديون هو خارج القائمة، لأنّ ميركيل لا تريد ببساطةٍ الذهاب إلى البرلمان الفدراليّ وتقرّ بأنّها عندما كانت تَعِدهم بأنّ الدينَ اليونانيّ سيتمّ سدادُه بالكامل وبفائدة، فإنّها كانت كَذوبة. إنّ المجتمع اليونانيّ الآن هو حصيلة الضرر التابع في حرب الإنهاك بين وغدٍ جيّد الحساب بصورة معقولة -أي صندوق النقد الدوليّ- وبين مماطلٍ مزمن لا يريد ببساطةٍ أن يناقش الدين، وهذا المماطل هو ألمانيا.

 

دوغ هينوود: تلك روح أندرو ميلون للتخلّص من الذين يعيشون عالةً وتصفيتهم.
 

يانيس فاروفاكيس: من الجاذب جداً أن نرى هذه الروح وهي تمارس في الواقع. لقد كانوا حريصين جداً على ما أسموه بـالحدّ الأدنى من الدّخل المضمون، وهو منفعة أساسيّة للفقراء، بينما كانوا حريصين في الوقت نفسه على إزالة كلّ أشكال الحماية للعمّال وللأعمال الصغيرة التي تحافظ على توظيفهم. تلك هي عقلية التصفية، ثمّ يعطونهم ثلاثمائة يورو حتى يتمكّنوا من شراء بعض الخبز من المحلات.

 

دوغ هينوود: كان لدى الحقبة النيوليبراليّة، وبكلّ سوءاتها، تماسك داخليّ معيّن. والآن، منذ 2008 فإنّنا نعيش في هذا العالم مع عدم وجود تماسك مطلقاً. ولا شيء لدينا يشبه نظام الاستيعاب والتراكم أو أيّ شيء مثله. فقد كُشف الأمر كلّه أنه احتيالٌ متزعزع، ومع ذلك لا شيء متماسك حلّ محلّه. فكيف تقرأ سياسة هذه اللحظة؟
 

يانيس فاروفاكيس: الشيء المذهل هو أنّ هؤلاء الناس ليسوا حتى نيوليبراليين بعد الآن. لقد كنتُ هناك، كوزير المالية في الحكومة، جزءاً من حزب اسمه هو تحالف اليسار الراديكاليّ، وما الذي كنت أطلبه؟ كنتُ أطالب بمقايضة الديون بنوع من الذي يقوم به وول ستريت كلّ يوم.

  

أردت خفض معدلات الضرائب على الشركات، وضريبة القيمة المضافة، ومعدلات ضريبة الدخل؛ لأن لدينا اقتصادًا متشظياً مع ارتفاع معدلات الضرائب، والناس إما غير قادرين أو غير راغبين في دفعها (رويترز)

 

دوغ هينوود: يشبه الأمر إلى حدّ كبير مثل ما فعلته الولايات المتحدة مع خطة برادي وديون أميركا اللاتينيّة، أليس كذلك؟
 

يانيس فاروفاكيس: لقد كان الأمر أقلّ راديكاليّة حتى من ذلك، أي ما كنتُ أقترحه. فبدلاً من وجود فائض ضخم -أو تقشّف ضخم، بتعبير آخر- يكون لدينا فائض أصغر. تلكَ كانت راديكاليّة ما كنتُ أقترحه. إنّه بنك سيئ، يتعامل مع القروض غير العاملة. تلك هي الممارسة المعياريّة في الدوائر النيوليبراليّة. وبنك التنمية الذي يستخدم الأصول العامة كضمان للاقتراض من أجل الحصول على بعض الاستثمارات. وبعض الإصلاحات من أجل الحدّ من السّلطة الاحتكاريّة في قطاع السّوبر ماركت، ولتخفيض الضرائب. لقد أردت خفض معدلات الضرائب على الشركات. أردت خفض ضريبة القيمة المضافة. أردت خفض معدلات ضريبة الدخل.

 

لماذا؟ لأن لدينا اقتصادًا متشظياً مع ارتفاع معدلات الضرائب، والناس إما غير قادرين أو غير راغبين في دفعها. بمعنى ما، لقد كنت أطرحُ حجّة ريغانيّة [نسبةً إلى رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة -م]. لقد حملت الأزمة وزير المالية اليساريّ الصّلب أن يقترح سياسات ريغانيّة. هذا هو مدى الأزمة. وكان هناك الدائنون من جانب آخر، وصندوق النقد الدولي والبنك المركزيّ الأوروبيّ يقولون: "لا، عليك أن تزيد معدلات الضرائب".

 

إنّنا لا نعيشُ في عصر نيوليبراليّ بتاتاً. ما نحنُ فيه هو نيوليبراليّة عِقابيّة تأديبيّة، وهي ليست حتّى نيوليبراليّة اقتصاديّة. إنّها تموضع صوْن السّلطة المؤسّساتيّة ضدّ أيّ أحد لديه أفكار مختلفة. وكان من البيّن لي أن أسوأ كوابيسهم تمثّل في أيّ اتفاق معي من شأنه أن يكون مفيداً للطرفين. وكثيراً ما كان لديّ شعورٌ ساحقٌ بأنّني كنت أتفاوض مع الدائنيين الذين لا يريدون لأموالهم أن تعود.

 

دوغ هينوود: لقد أرادوا جعل الهدف السياسيّ لإرغام أنف اليونان في التراب.
 

يانيس فاروفاكيس: مطلقاً. ما كان مهمّاً للإشارة إلى شعب أسبانيا أو البرتغال أنّه إذا كانوا يجرؤون على اختيار الرعاع مثلنا، فسوف يُسحقون. وإنّ أيّ اتفاق معنا، ومعي بصورة خاصّة، فسيرسل إشارة خاطئة إلى شعب أسبانيا أو البرتغال، بمعنى أنّه كان هناك أيّ اتفاق على الإطلاق مع حزب شنّ حملة وتلقى تفويضاً ديمقراطيّاً لمعارضة الدائنين ولإثارة مجموعة مختلفة من الاعتراضات.

 

الأمر تماماً مثل العشرينيّات والثلاثينيّات. حيث كان هناك اندفاعٌ غير عقلانيّ قائم على تخطيط ماليّ خاطئ، الأمر الذي خلق سيرورة التمويل. وانهار التمويل في وول ستريت في 1929 و2008. وبعد ذلك، كان لدينا مؤسّسة جاهلة تحاول أن تفرض سلطتها، أولاً عبر وضع كافّة التكاليف الماضية على عاتق الضعفاء، وثانياً بالقيام بما في وسعها للحفاظ على السّلطة، مهما كانت حمقاء سياسياً واقتصاديّاً.

  

إنّنا مفلسون سياسياً وأخلاقيّاً إذا وضعنا رؤانا ضدّ هؤلاء الناس الذين قرورا أن يحاولوا معاقبة المؤسّسة بالتصويت لترمب وبريكست ولوبان

رويترز
  
دوغ هينوود: نحن نشهد شيئاً في شكل تمرد سياسي ضد هذه الأشياء، لكنه يأخذ شكلًا قوميّاً يمينياً. ما هي أفكارك بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ؟
 

يانيس فاروفاكيس: لقد رأينا هذا كلّه من قبلُ في الثلاثينيّات. ألم يكن هذا بالضبط ما حدث بعد التعامل مع تلك الأزمة؟ فقد صعد النازيون إلى الحكومة نتيجة التقشف الذي فرضه هير برونينغ في ظروف مشابهة جداً. بريكست، وحركة الخمس نجوم في إيطاليا، ولو بين في فرنسا، البديل فور ديوتسكلاند في ألمانيا، ترمب في الولايات المتحدة -هذه كلها تمظهرات لنوع خاطئ من العاطفة التي تعود إلى السياسة أثناء الانكماش والأمل الضائع.

 

دوغ هينوود: عند النظر إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ، من الصعب الإشارة إلى ما فعله الاتحاد الأوروبي لبريطانيا من أيّ ضرر. معظم السياسات الاقتصادية البريطانيّة كانت قُطريّة -وفرضوا تاتشر وكاميرون على أنفسهم. لماذا تتخذ هذا الشكل ضدّ الاتحاد الأوروبيّ؟
 

يانيس فاروفاكيس: لم يكن للأمر علاقة مع الاتحاد الأوروبيّ. كان التمرّد ضد المؤسسة. ورأوا أشخاصاً مثل ديفيد كاميرون، وبنك إنجلترا، والخزينة، وكل مدينة لندن، وجميع المصرفيين، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصاديّ، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدوليّ، والرئيس أوباما، وولفغانغ شوبل، وأنجيلا ميركل، والرئيس فرانسوا ألاند، ينقضّون عليهم مشيرين بإصبعهم لهم قائلين: "إذا كنتم تجرؤون على التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ، فإن معركةً حاسمةً ستصيبكم".

 

وظنّوا "اليمين، أي أولئك الناس المتحدين معاً، والمؤسّسة، الذين يعاملوننا كأشخاص منبوذين وكجماعات منبوذة. فماذا يمكن أن نفعل لهم ليغربوا عن وجوهنا". الجواب هو التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ.

 

دوغ هينوود: كانت هناك بعض الكراهية لناخبي بريكست، ولناخبي ترمب، ومعظمهم من النيوليبراليين اليساريين ولكن حتى من الناس اليساريين منهم، الذين يرون التوجه وراء بريكست، وترمب، وجميع الحركات القارية على أنه عنصريّ، ورجعيّ، وكاره للأجانب. هل هذه هي الطريقة الصحيحة للتفكير فيه؟
 

يانيس فاروفاكيس: إنّنا مفلسون سياسياً وأخلاقيّاً إذا وضعنا رؤانا ضدّ هؤلاء الناس الذين قرورا أن  يحاولوا معاقبة المؤسّسة بالتصويت لترمب وبالتصويت لبريكست وبالتصويت للوبان.

  

إذا كان الاتحاد الأوروبي يتفكك الآن، وإذا قمنا جميعًا بأخذ رَحْلِنا، فإن التطورات على المستوى الاقتصادي ستخدم اليمين المتطرف فقط. وسيُطلق العنان لقوى الانكماش المالي؛ وهو ما سيخدم قوى مثل لوبان فقط

رويترز
   
دوغ هينوود: في ظنك ماذا ستكون نتائج الانسحاب؟
 

يانس فاروفاكيس: ما يهمني ليس النتائج الأولية بل النتائج الثانوية. كنت أقول لجمهوري قبل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، "انظروا، إذا صوتّم لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإنه لن يتغير أي شيء في الست أو الإثني عشر شهر القادمة. قد يزداد التضخم قليلا، وهو ليس أمرًا سيئًا بالضرورة إذا كنت واقعًا في شباك الانكماش المالي. لن تعاني من النتائج الأولية لانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكنك ستعاني من النتائج الثانوية للانسحاب، لأن الانسحاب سيسرع تفكك الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو".

 

فقط انظروا إلى إيطاليا. هذا التفكك سوف يكشف العنان لقوى الانكماش المالي الضخمة من داخل القارة والتي سوف تمتد عبر القناة البريطانية. سوف يسددون ضربة لكم، وسوف يلدغونكم عندما لا تتوقعون ذلك. لن تكونوا محميين من هذه القوى ببساطة من خلال التصويت على الانسحاب.

 

دوغ هينوود: يعتقد الناس أن الانسحاب قد يفتح إمكانيات لليسار. برأيك ما هو موقع حملة "Lexit"؟
 

يانس فاروفاكيس: إنني أختلف بعمق معها. قبل الاستفتاء، أجريت مناظرة عامة مع طارق علي، قيادي في حملة "Lexit". كانت الحجة الأقوى هي أن الانسحاب سيقسم أعضاء حزب المحافظين البريطاني. كانت حجتي المقابلة هي أن :"المحافظين لن ينقسموا أبدًا، لأنهم يعرفون الصراع الطبقي، وتفانيهم في الحرب الطبقية لصالح البرجوازية لا شك فيه." إنه اليسار الذي سوف ينقسم. إنه حزب العمال الذي سوف ينقسم بفعل الانسحاب، وهو ما حدث.

 

وبشكل أعم، يسألني رفاقي، "كيف يمكن أن تكون ضد حل الاتحاد الأوروبي؟ إنه بنية نيوليبرالية. لا علاقة له بالتضامن الحقيقي. إن الأمر كله يتعلق بالتضامن بين الصناعة الثقيلة ورأس المال،" وهذا كله صحيح بالطبع. لكن سبب كوني ضد حملة (Lexit) متعلق بالفصيل النيوليبرالي في الاتحاد الأوروبي.

 

إذا كان يتفكك الآن، وإذا قمنا جميعًا بأخذ جذوعنا ورحلنا، فإن التطورات على المستوى الاقتصادي ستخدم اليمين المتطرف فقط. وسيُطلق العنان لقوى الانكماش المالي من انهيار اليورو، وهو ما سيخدم قوى مثل ماريان لوبان فقط. لن يفيد ذلك اليسار، فقط كما لم يفيد الانسحاب اليسار. ومن وجهة النظر العواقبية، فإنني أعتقد أن حملة (Lexit) مخطئة بعمق.

 

كيساريين، فقد احتججنا دائمًا على حكومتنا عندما كانت حكومتنا على خطأ، وهو ما يكون أغلب الوقت. لكن هذا لا يعني، باستثناء بعض الأناركيين في وسطنا، بأننا ضد وجود حكومة. وبالمثل، وكأوروبي، فإن من واجبي الاحتجاج والعصيان على مراسيم بروكسل وفرانكفورت وهلم جرا، ولكن وفي الوقت ذاته فإنني لا أعلم لمَ ينبغي علي أن اقترح تفكك الاتحاد الأوروبي، على الرغم من كوني ناقد لأبعد الحدود لروحها وعمارتها. التزامنا هو أن نتحدّث معهم للكشف عمّا يبقيهم في الليل، ولإجراء مناقشة معهم، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل تفكيرهم.

  

 

اسمح لي أن أقدم لك مثالاً. كنت في دونكاستر، وهي مدينة شمال إنجلترا، خلال حملة بريكست، وكانت هناك هذه السيدة الجميلة التي اقتربت مني وقالت: "انظر، أنا مثلك كثيراً، وأنا أحب ما قمت به في منطقة اليورو وهكذا لكنني لا أستطيع أن أوصي بتوصيتكم بضرورة التصويت ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ. واسمح لي أن أقول لك لماذا"، فقالت: "أنا لست عنصرية. المجاورون لي هناك هم أربعة أولاد رومانيين. إنهم أولاد جميلون. ويشتركون في شقة. يدفعون الإيجار. ويقومون بكل أنواع الوظائف. يكافحون. إنهم محببون، ويوفرون الكثير من المال كيما يمكن أن تعود إلى وطنهم محافظين على حيوات آبائهم في رومانيا".

 

وأضافت: "لكن هل تدركون أنه من خلال العمل معاً مثل ذلك، والعيش معاً فإنهم يستطيعون تحمّل نفقات الأسر المحليّة في دونكاستر التي لا تستطيع تحمل نفس القدر من الإيجار كما يقدرون، لأنهم فتيةٌ فقراء يعملون؟". قلتُ لها: "دعيني أسألكِ. هذا المبنى الخاص بك، هل هو مملوك للقطاع العام أو هو مملوك للقطاع الخاص؟". قالت: "حسنا، كان من المفترض أن يكون ملكاً للمجلس، وهي الملكيّة المملوكة للقطاع العام، ثمّ تمت خصخصته، والآن لدينا مالك خاص".

 

قلتُ: "إذن، ترى أين المشكلة؟ المشكلة ليست الفتيان الرومانيين. المشكلة هي أن مساكنكم العامة قد خُصخصت، ثم قرر القطاع الخاص استخدام حق الملكية الجديد هذا من أجل زيادة إيجاراته إلى أقصى حدّ. المشكلة ليست الفتيان الرومانيين. والمشكلة هي تدمير برنامج الإسكان التابع للمجلس من قبل المحافظين. هل تريد حقاً التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تمكين حكومة المحافظين من تدمير كل حماية لحقوق العمال من الاتحاد الأوروبي؟". هذا هو الطريق لمناقشتها. لا تتعامل معها على أنها متعصبة عنصرية، ولكن انخرط في ما يُبقي حقّاً هؤلاء الناس في الظلام. وإذا كنا لا نستطيع أن نفعل ذلك، فنحن كبار الفشلة.

 

دوغ هينوود: أنت تكرّس كثيراً من وقتك لفكرة إعادة إحياء تقدميّة للاتحاد الأوروبيّ. لقد شُكلت الدول القوميّة على أساس اللغة المشتركة، والدولة المشتركة، نفسانيّاً من خلال استيهامات التضامن وفرادة الأمّة في العالم. والاتحاد الأوروبيّ هو طريقٌ طويل من ذلك. لقد ذعرتني حواشي اليورو، والطبيعة العامّة للآثار التي على العملات النقديّة. فليس هناك من تاريخ مشترك. وعندما كان يجري إنشاء اليورو، قال تيموثي غارتون آش إنّ القارة باشرت الاتحاد السياسيّ من خلال المال. وهذا لم ينجح حقاً. فهل هناك هويّة أوروبيّة يمكن لشيء كهذا أن يُبنى عليها؟
 

يانيس فاروفاكيس: يأتي الجواب على ذلك في كلمةٍ واحدة: الحركة. فأنا أكرس كلّ حياتي، وكلّ نشاطاتي وكلّ طاقاتي لما نسميّه بحركة (DiEM25)، أي حركة الديمقراطيّة الأوروبيّة. فبعد استقالتي من الحكومة، لم أتمكن من جلب نفسي لإنشاء حزب سياسيّ في اليونان فحسب، لأنّ المشكلة تعمّ عموم أوروبا. بعضنا اجتمع في بريطانيا وأنشأ حركة الديمقراطية الأوروبية من حوالي عام. والآن لدينا عشرات الآلاف من الأعضاء في كلّ مكان، لا سيّما في ألمانيا، واليونان، والبرتغال، وفي أمكان مختلفة ومتفاوتة كثيرة.

  

 

إنّ الجواب على سؤالك ينبع من الطاقة والتضامن والمقترَح المشترك الذي أراه في كلّ مكانٍ أذهب إليه، سواء بولندا أو البرتغال، أو أيّ مكان آخر. تقارب الحركة المشكلةَ الأساسيّة التي نحن فيها في عموم أوروبا، بالطريقة نفسها التي تقارب بها الحركةُ الخضراء مشكلة التغير المناخيّ. فالتغيّر المناخي لا يمكن تفسيره من قبل لوكسمبورغ واليونان أو حتى الولايات المتحدة وحدها. فهذا شيءٌ إمّا أن نفعله معاً أو نُهزم منه معاً. وينطبق الشيء نفسه على المشاكل الكبرى التي نواجهها في أوروبا، مثل الدَّيْن العام، والاستثمار المنخفض جداً، والفقر، وأزمة اللاجئين. فإمّا سنتعامل معها على مستوى عموم أوروبا أو ستهزمنا تلك المشاكل.

 

إنّنا بحاجةٍ إلى أوْربة (Europeanize) الحلول لهذه الأمور من أجل تعظيم السيادة على مستوى البلديّة، وعلى مستوى الحكومات الجهويّة، والحكومات الوطنيّة بالطبع. هذا هو ما نعمل عليه في حركة "ديم"، ونأمل أن نجعل هذه الحركة قادرة على تحدي كل من مؤسسة أوروبا والتمرد عن الأممية القومية، لأنهما شركاء. إذ تغذي المؤسسة والقوميون بعضهم البعض. نحن بحاجة إلى حركة لمعارضتهما في جميع أنحاء أوروبا. هذا هو ما سيخلق الحل، وهذا يسير جنبا ًإلى جنب مع الهوية الأوروبية الجِيليّة (Generational).

 

دوغ هينوود: كيف ستبدو بُنى الحكم؟
 

يانس فاروفاكيس: دعنا نفصل المبدأ عن البنية. ينبغي أن يكون المبدأ لإنهاء البطالة المُقنعة الإلزامية والهجرة غير الطوعية. في هذه اللحظة، فإن هاتين الظاهرتين تدمران أوروبا. إن البطالة المُقنعة الإلزامية ناتجة عن الاستثمار القليل جداً، وعن التركيز على الاستثمار في مناطق صغيرة جداً حول لندن، وحول أجزاء معينة من ألمانيا وهولندا. أما الهجرة غير الطوعية، فهي لأن ملايين الأوروبيين لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة ضمن مجتمعاتهم. يجب عليهم أن ينتقلوا. إنهم لا يذهبون إلى لندن أو إلى برلين بسبب الطقس أو بسبب الطعام. بل لأن ليس لديهم بديل.

 

كيف نتعامل مع هذا الأمر؟ هذه هي حركة (DiEM25). نحن نجمع ما نسميه وثيقة الصفقة الجديدة الأوروبيّة وعرضه في 25 (مارس/آذار). وهذه السياسات يمكن أن تطبق غداً، دون اتحاد، دون أي تغيير جوهريّ في المؤسسات، فقط إعادة نشر المؤسسات القائمة بطريقة معقولة وتقدميّة، حتى نتمكن من تحقيق الاستقرار في أوروبا بعد أن نتمكن من مناقشة المسألة التي طرحتموها.

 

ماذا ستبدو بنية أوروبا في المستقبل؟ ينبغي أن يطرح هذا لمناقشة مفتوحة. لا أؤمن بالحدود. أود أن أرى بنية فيدرالياً، ويكون ديمقراطياً -ديمقراطياً بشكل أساسي بطريقة ليست عليها الولايات المتحدة، ولا أوروبا. ولكن إذا سادت وجهة نظر مختلفة، علينا أن نعود إلى الدول القوميّة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً، طالما أن مشاكلنا المشتركة مُؤورَبَة، ونحن منفتحون على تلك المناقشة أيضاً. ما هو مهمّ جداً هو حصر هذه الشريحة التي لا حصر لها في الثلاثينيّات ما بعد الحداثيّة.

    

يمكن للصفقة الجديدة أن تجلب الاستقرار لرأس المال بما فيه الكفاية حتى نتمكن من إجراء محادثة حول ما بعد الرأسمالية

بيكساباي
   
دوغ هينوود: كم من هذا يمكن تحقيقه دون تغيير راديكاليّ في بنى الرأسمالية؟
 

يانيس فارفوكيس: لا يمكن، ولكن هناك الكثير الذي يمكننا القيام به. وهذا أمرٌ تألفه الولايات المتحدة تماماً. عندما كنّا في الكساد العظيم، فإنّ صفقة جديدة يمكن أن تعيد الاستقرار. فالصفقة الجديدة تشقّ ثروة خاملة في استثمارات منتجة مع تغطيات على سلطة الممولين ومع تقوية الضعفاء.

 

يمكن للصفقة الجديدة أن تجلب الاستقرار لرأس المال بما فيه الكفاية حتى نتمكن من إجراء محادثة حول ما بعد الرأسمالية. وإذا لم نجلب الاستقرار للرأسماليّة، فهذا خطأ فادح. هذا شيء أختلف معه مع العديد من رفاقي اليساريين. ولا أعتقد أن السقوط الحر للرأسماليّة يفضي إلى تغييرٍ تقدّميّ.

 

دوغ هينوود: أعتقدُ أنّ تاريخ السنوات العديدة الماضية كان حاسماً جداً بشأن ذلك.
 

يانيس فاروفاكيس: وأنا أعتقدُ ذلك أيضاً.

 

دوغ هينوود: لقد رأيت مقابلة معك حيث قلت إن لدينا الوسائل جميعاً لأن نعيش حياة غنية ومتحضرة دون تدمير الأرض. لستَ متشائماً بخصوص التكنولوجيا تعتقد أنه سيكون علينا تقليص عدد السكان، والعودة إلى أن نكون صيّادين.
 

بالطبع لا. لم نصل إلى هذا الحد حتى نعود إلى غباء الحياة الريفية، كما قال ماركس. لدينا التكنولوجيا، وقريبا جداً سنكون قادرين على أخذها أبعد قليلًا، لصّدنا إما عن الحاجة إلى الأشياء التي يمكن أن تكون لدينا أو عن الأعمال التي لا تنتهي.

 

وبطبيعة الحال، فإن هذه التكنولوجيا، وكيف نستخدمها، هي مسألة سياسية. نحن في منعطف هام. هناك اتجاهان ممكنان يمكننا اتخاذهما. الأول هو شيء مثل ستار تريك، وهو الشيوعية المطلقة. حيث لدينا العالم كله الذي ينتج كل شيء، ولا أحد يحتاج إلى العمل. ليس هناك مال. ويمكن للناس الجلوس حول الطاولة ومناقشة معنى الحياة واستكشاف الكون. والآخر، بدلا من ذلك، مثل ماتريكس، حيث إنّنا جميعا عبيد الآلات التي أنشأناها. الخيار هو لنا، ونحن بيدنا أن نجعله أفضل من ناحية ديمقراطيّة.

 

______________________________

 
التقرير مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك