اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/6 الساعة 16:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/21 هـ

انضم إلينا
أبو مرزوق: دعم المقاومة هو أفضل رد على ترمب

أبو مرزوق: دعم المقاومة هو أفضل رد على ترمب

يوسف علي

محرر واقع
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

في قلب إقليم مضطرب، ومنطقة يعاد فيها تشكيل مساحات الأعداء والحلفاء، وصفقة قرن بدأت ترشح التسريبات عن ملامحها لتصفية القضية الفلسطينية، وصراع حزبي داخلي يشتت البوصلة نحو العدو الرئيس، وحصار خانق يطال غزة والمقاومة فيها، ومزيد من الأراضي الفلسطينية التي تبتلعها المستوطنات، وفي زحف تتآكل معه مساحة النضال الفلسطيني.

   

هكذا تبدو فلسطين بنظرة أفقية، ووفق هذا الحال، قابلنا في ميدان، الدكتور موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، لنرى كيف تبدو فلسطين بعيني أحد المساهمين في صنع القرار الفلسطيني، للحديث عن الملفات الشائكة، ورؤية حركة حماس للأحداث وموقفها منها، بدءا من الوضع الداخلي الفلسطيني، بما فيه غزة وملف المصالحة، مرورا بعلاقة الحركة التي أسالت كثيرا من الحبر مع تيار دحلان، وعلاقتها مع إيران، وانتهاء بالحديث عن صفقة القرن وملامح التطبيع العربي.

    

المصالحة الفلسطينية

"إذا تحدثوا أو قالوا، نحن نحقق، أو لا نحقق. نحن لا نريد منهم تحقيقا، ولا نريد منهم معلومات، ولا نريد منهم أي شيء؛ لأننا نعرف تماما، أنهم هم، حركة حماس، التي وقفت وراء هذا الحادث، وارتكبته بكل حماقة ونذالة"

  

بهذه الكلمات، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اتهامه حركة حماس، بالوقوف وراء تفجير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله ومدير المخابرات العامة ماجد فرج خلال زيارتهما الأخيرة للقطاع يوم 13 مارس/آذار 2018، معلنا، بحسب ما يراه القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش (1) عودة بالمصالحة لنقطة الصفر بعد تقدم نظري شهده الملف عقب قدوم الحمد الله ذاته للقطاع بداية أكتوبر/ تشرين الأول 2017 معلنا بدء ماراثون جديد لتحقيق المصالحة. مشهد بدأه الحمد الله، باستقبال حاشد من أبناء غزة أملا بانفراجة سياسية قد تمتد لتخفف بعضا من أزمة القطاع الخانقة إثر الحصار. لينتهي المشهد الاحتفالي، بآخر، كان الحمدالله بطله أيضا.

   

        

 تصريح محمود عباس، رآه مراقبون، استباقا لنتائج التحقيقات التي أعلنت الجهات الأمنية في غزة شروعها بالبحث عن مخططيه ومنفذيه، وهو ما كُشف اللثام عن نتائجه لاحقا (2). وانطلاقا من هذا الحدث وانعكاسه الحاد على مسار المصالحة الفلسطينية، سألنا الدكتور موسى أبو مرزوق عن رؤية حركة حماس للتفجير الذي استهدف موكب الحمد الله ولاتهامات الرئيس محمود عباس بضلوعها وراءه:

ليجيب أبو مرزوق بقوله "حادث التفجير جريمة، وجزء لا يتجزأ من محاولات العبث بأمن القطاع، ويهدف لضرب أي جهود لتحقيق الوحدة والمصالحة، ونحن عبّرنا عن إدانتنا للحادث، وبالقدر نفسه الذي نستنكر فيه هذا العمل الجبان الذي حدث في غزة، نستنكر الاتهامات لحركة حماس بأنها خلف هذا الحادث الإجرامي والمدان، بالرغم أن المعلومات المتوفرة لدينا حين بعد حادث التفجير مباشرة، والتي أطلعنا الفصائل الفلسطينية وعددا من الدول عليها، وأطلعنا الرأي العام الفلسطيني على جزء منها، تشير إلى أن مجموعة من المتشددين يقفون خلف التنفيذ بتوجيه من جهة أمنية.

 

 أما وقد انتهت التحقيقات والتي دعونا السلطة للمشاركة فيها وظهر المجرم الحقيقي وراء تلك الأحداث سواء بعض الأحداث في سيناء أو حادثة محاولة اغتيال للواء توفيق أبو نعيم وحادث التفجير الأخير لموكب الحمدالله، فتبين بما لا يدع مجالاً للشك ضلوع قسم خاص بالمتشددين يُدار من خلال جهاز المخابرات العامة في رام الله وهو المسؤول عن كل تلك الأحداث.

 

هذا التفجير ليس تفجيرا أمنيا، بل تفجير سياسي بامتياز، تم التحضير له والإعداد لما بعده بدقة وبتنفيذ متواضع، ولا أدل على ذلك من أن عبوة واحدة فقط التي انفجرت، ومن خلال العبوة التي لم تنفجر تم الوصول إلى الفاعلين، ومن دفعهم ورتّب لهم المسرحية كاملة، والتفجير سياسي لأن العبوتين مصممتان بأن لا تُحدث إصابات، ويكون اتجاه الموجة الانفجارية إلى الأعلى وليس إلى الموكب.

 

ونؤكد أن استخدام العنف في الخلافات السياسية مرفوض ومنبوذ في ساحتنا الوطنية، وهي المستهدفة بالدرجة الأولى بتكريس الانقسام ورفض المصالحة، والاستمرار بمعاقبة غزة."

  

يبدو البعد السياسي إذا عاملا هاما، ومفتاحا لفهم ما حدث، فكما تُظهر التعليقات حول التفجير، يلقي كلا الطرفين اتهاماته تجاه الآخر، لتلقي آثار الحادث بظلالها نحو تكريس مزيد من الانقسام، وهو ما بدا واضحا من التصريحات الرسمية للطرفين.

  

اتهامات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لم تقف عند عتبة اللوم، بل تبعها تصعيد جديد تجاه غزة، بفرض مزيد من العقوبات (3). وهي النتيجة التي رآها الرئيس طبيعية تجاه طرف لا يريد المصالحة ويسعى لعرقلتها بحسب وصفه، معبرا في خطابه الذي ألقاه في اجتماع للقيادة الفلسطينية ضم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة فتح في رام الله عن سعي السلطة الفلسطينية بكامل جهودها نحو إتمام المصالحة، ومتهما حركة حماس بوضع العراقيل تجاهها. وانطلاقا من الاتهامات التي ألقاها الرئيس عباس تجاه حماس، وجهنا سؤالا الدكتور موسى عن المسؤولية التي تتحملها الحركة تجاه تكريس الانقسام الفلسطيني.

       

      

تتهمكم السلطة الفلسطينية بأنكم تمثلون حجر العثرة الرئيس أمام المصالحة في ظل عدم تمكينكم لحكومة الحمد الله، فكيف للحركة أن ترمي بثقل فشل المصالحة على السلطة دون تحمل تبعات استئثارها بملفات سيادية هي في الأساس من وظائف أي حكومة، كالملف الأمني على سبيل المثال؟

"موقف حركة حماس تميّز بمرونة عالية ومن طرف واحد، وقلنا للجميع إننا خارج معادلة الانقسام، وعملنا على تمكين حكومة الحمد الله بالرغم من ملاحظاتنا الكثيرة حولها، وطالبنا الرئيس عبّاس بالقدوم لغزة، وأبدينا إيجابية عالية، دون اشتراطات، وغلّبنا مصلحة الشعب ومصلحة أهلنا في غزة على أي هدف آخر. وكل قضية كان من الممكن أن تكون مثار شك، حاولنا أن نوضحها ونبيّنها بشكل واضح حتى لا يكون هناك لوم على الحركة، وهذا تم بشهادة الجميع بما فيهم أركان السلطة وأعضاء مركزية فتح، لكن لا يمكن أن نقول غادر شعبنا مربع الانقسام طالما بقي طرف داخله مُعرضا أو مستنكفا، وطالما لم تتلمس حركة فتح حاجة الشعب الفلسطيني والسير قدما في المصالحة الفلسطينية.

 

فالمطلوب من حركة فتح والسلطة الفلسطينية إنهاء العقوبات التي فُرضت على قطاع غزة، خاصة في مجالات الكهرباء، والمياه، وتخفيض رواتب الموظفين وإحالة بعضهم إلى التقاعد المبكر، والأسر الفقيرة، ووقف التحويلات المالية، وإلغاء الجمعيات الخيرية وغيرها من الإجراءات، وعليها التوقف عن سيل التصريحات المتعلقة بالمقاومة سواء كانت استجابة للضغوط الأميركية أو الإسرائيلية، وإذا كان هناك التزامات في هذا الصدد يجب مراجعة الالتزامات وليس إقحامها في العلاقات الوطنية، وخاصة في ظل عدم التزام الطرف الآخر بأي شيء.

 

الملف الأمني من أكثر الملفات الشائكة، نظرا لوجود مؤسستين أمنيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة بهياكل فيها بعض التمايز وعقيدة أمنية مختلفة، وقد شكّل الملف الأمني أحد أبرز الملفات التي تصدرت جولات الحوار مع حركة فتح بالقاهرة، وتتوافق حماس وفتح على حساسية الملف والعمل عليه بما يحتاج من وقت دون تسرع حتى لا تتأثر المصالحة به سلبا، ومع ذلك تجاوبنا مع حركة فتح بشكل يفوق ما التزمنا به في اتفاق القاهرة مايو/أيار 2011 وهو مرجع التفاهم الأخير مع حركة فتح، وأعتقد أن في اتفاقية 2011 ما يكفي ويلبي ما نحتاجه من تفاهمات، وما نحتاجه هو التطبيق فقط.

 

كما أننا أبدينا استعدادنا لتسليم الجباية الداخلية، نظير التعهد فقط بتطبيق ما تم الاتفاق عليه بدفع رواتب الموظفين، لكن حكومة الحمد الله رفضت أن تتعهد بشيء، بمعنى أن فتح تريد أن تأخذ ولا تعطي، وتسيطر ولا تشارك، وتأخذ صلاحياتها ولا تقوم بواجباتها. لهذا أي مطالب لحركة حماس بتقديم مزيد من التنازلات دون وجود ضمانات حقيقية تُلزم حركة فتح بالقيام بواجباتها يكون ضربا من الخيال.

  

وما تطرحه حركة فتح من معيقات لإتمام المصالحة الفلسطينية هي ذرائع غير مقنعة تعكس إرادة سياسية متشككة من المسار، ونحن نخشى من أن استمرار حركة فتح في ذات السياسية سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل المصالحة الفلسطينية.

 ويمكن حصر أسباب فشل المصالحة عند فتح في عدة أسباب، هي:

1. فتح ترى أن حماس جاءت مهزومة ولا داعي لإنقاذها، وبالتالي ترهقها بالمطالب وتغرقها بالذرائع.

2. فتح متشككة في نيّات حماس نحو المصالحة، ولذلك هي غير مستعجلة "واللي عند أهله يا مهله".

3. وترى أن الورقة الحقيقة التي تريدها هي الأمن وقرار وسياسة المقاومة، وحماس حتى اللحظة لم تعط هذه الورقة ولن تُعطيها.

4. فقدان فتح قاعدتها الجماهيرية الحاضنة في غزة مما يشككها في قدرتها على إدارة القطاع. ولاسيما وأن جزء كبير تحول من فتح أبو مازن لفتح دحلان.

5. كما أنها لا تريد مشاركة حماس حتى لا تدفع الثمن من قِبَل الأميركيين والاحتلال، وهنالك أسباب أخرى لا داعي لذكرها. وهذا بات واضحًا من خلال انعقاد المجلس الوطني في رام الله خاليًا من حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ومعارضة داخل فتح وفصائل الشام وعدد لا يستهان به من المستقلين وتم استبدالهم بآخرين في الضفة الغربية وهكذا تم اختيار النصاب ليتم اختيار عباس رئيسًا وأن يأتي بأعضاء تنفيذية على مقاسه وبغطاء إقليمي ورفض شعبي لخطواته."

 

ترفض حماس إذا تسليم سلاحها، عادّة ذلك شرطا غير قابل للتفاوض، وهو ذاته، أي تسليم السلاح، المطلب الذي أصر عليه الحمد الله عقب التفجير الذي استهدفه بقوله "ما جرى يؤكد ضرورة أن يكون هناك سلطة واحدة وسلاح واحد، ومطلب أي حكومة هو تسليم ملف الأمن الداخلي لها" (4)، وبهذا يتجه المشهد نحو مزيد من المسارات التي لا تتقاطع.

   

   

 ومع كل هذه المناكفات، وتراشق التصريحات، بات الشارع الفلسطيني يرى المصالحة مصطلحا ضبابيا لا يمكن رؤية ملامحه إلا عبر صور المسؤولين، والتي لا يخرج المتابع للشأن الفلسطيني بعدها سوى بفشل متكرر يؤسس لإحباط شعبي، لذلك وجهنا سؤالا للدكتور: متى ستصرون على المصالحة والسلوك الفعلي للأطراف الفلسطينية المختلفة لا يشير إلا لمزيد من الانقسام؟

"من طرفها، قدمت حركة حماس كل ما بوسعها لإنجاز المصالحة الفلسطينية، وذلك بشهادة الرأي العام الفلسطيني وأعضاء مركزية حركة فتح، قبل أن ينقلبوا على تصريحاتهم، والوسيط المصري، حيث حلّت الحركة اللجنة الإدارية تلبية للدعوة المصرية في مقابل رفع عقوبات الرئيس عباس اللاإنسانية عن قطاع غزة، والتي لم يرفعها بدوره، واستقبلنا حكومة التوافق في غزّة وسهّلنا إجراءات استلام الوزارات، ووافقنا على إعادة ما يلزم من الموظفين المستنكفين، والذين بلغ عددهم ما يزيد عن 2600 موظف، إضافة إلى تسليم معابر قطاع غزة بالكامل والجباية عليها، وفي ذلك مخالفة واضحة لما تمّ التفاهم عليه، لكننا آثرنا تجاوز الخلافات لإتمام المصالحة الفلسطينية، وقمنا بتفكيك نقطة 4-4 على الرغم من الأثر السلبي لهذا الإجراء على الوضع الأمني في القطاع، والتعامل بإيجابية بالغة مع احتياجات الحكومة.

  

هذا في المرحلة الحالية، أما في المرحلة السابقة فقد تخلت الحركة عن أغلبيتها في المجلس التشريعي عام 2011، وقدمت حكومة الأخ إسماعيل هنية استقالتها عام 2014 على الرغم من أنها الحكومة التي نالت ثقة المجلس التشريعي، ووقعنا اتفاقية المصالحة والتي تعتبر أساس عملنا السياسي ومنطلق الشراكة الوطنية مع كل مكونات شعبنا الفلسطيني، ولكننا نقر بأننا وحركة فتح مختلفون على كثير من المسائل، أولها تعريف فلسطين، ومرجعيات العمل الوطني وثوابته، والأولويات في إدارة الأطر الوطنية، ومع ذلك كله لا خيار لنا إلا الوحدة والتكامل والشراكة وتنظيم الخلاف وتكامل الجهود وليس المزايدات لإرضاء أطراف إقليمية ودولية.

 

ونحن نستشعر المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه شعبنا الفلسطيني في غزة، ولن نقف موضع المشاهد للتصفية الممنهجة التي يتعرض لها شعبنا وقضيتنا الفلسطينية، ولا يمكننا أن نقبل باستمرار حكومة حركة فتح بهذه الشاكلة دون أن تتحمل كامل مسؤولياتها، مع العلم أنها ليست حكومة الوفاق الوطني التي اتفقنا على تشكيلها في 2014، وأن حكومة الوحدة الوطنية الحقيقية هي ما أقرته اللجنة التحضيرية في لقاء بيروت 2017 وبإجماع فلسطيني غير مسبوق لكن أوقف تشكيلها الرئيس عباس، ونحن في الحركة سندرس الخيارات المتاحة مع الفصائل الفلسطينية بما يخدم الشعب الفلسطيني، وقرارنا: لا عودة للمرحلة السابقة بالشكل الذي كان، وسندرس كل الاحتمالات الممكنة والإجراءات المناسبة لهذه الاحتمالات، ولا نقبل أن يبقى أهلنا في غزة على ما هم عليه من تأزم، وصبرنا على الوضع الحالي له حدود.

  

أما موضوع تسليم سلاح المقاومة تحت أي ذريعة فهذا مطلب إسرائيلي لا يخدم شعبنا وترفضه كل قوى وجماهير شعبنا، والغريب أن من يطالب بنزع السلاح والسيطرة من الباب للمحراب وفوق الأرض وتحت الأرض لا يستطيع أن يتصرف بحرية في رام الله ولا في تنقلاته بين مدن الضفة الغربية."

  

في مساحة التجاذبات تلك بين الفصائل الفلسطينية، لم يكن المتابع للشأن الفلسطيني خارج المشهد، ليظهر الانقسام جليا في رؤية الشارع للمتسبب بتعطيل مسارات المصالحة، وقد تبدى ذلك في صورة تعكس، وإن بصورة مبسطة، حال الشارع الفلسطيني عبر استطلاع أجرته صحيفة المونيتور عقب الحادثة (5) حيث اتهم 45% حركة فتح والرئيس بتعطيل المصالحة الفلسطينية، في حين يرى، 15 % حماس هي المسؤولة، في حين يمثل 27% شريحة الذين لا يعلمون من المسؤول وسط هذه الفوضى.

   

غزة والمجهول

في قلب الأزمة الفلسطينية، يقف القطاع باعتباره الجغرافيا الحاوية لمشروع المقاومة، ومعقل حركة حماس الرئيس، فمنه ينطلق التهديد الإستراتيجي الأبرز للأراضي المحتلة، وعليه تشن الحروب المتكررة، وحوله يلتف حبل الحصار الذي يشتد بتقدم عقارب الساعة على أهالي القطاع، وهو ما يهدد استمرارية حكم الحركة للقطاع في ظل عدم قدرتها على استيفاء المتطلبات اللازمة لإدارة الموارد بما يلبي حاجيات المجتمع الغزيّ، وفي ظل استمرارية مسار الانقسام، تتبدى الضبابية كأفق يرى المواطن الغزي مستقبله  خلاله ، وانطلاقا من هذا الواقع، سألنا الدكتور موسى: هل تجد حركة حماس نفسها عاجزة عن إدارة القطاع؟

"حركة حماس أدارت قطاع غزة في ظل مؤامرة كبيرة عليها من قِبَل ذوي القربى ومن الاحتلال الإسرائيلي وقوى إقليمية، وما خفي من المعارك التي خاضتها الحركة أعظم مما ظهر للعيان، فلقد كان كل دبلوماسي أميركي في أي دولة مجندا لملاحقة الحركة ونقل تفاصيل دقيقة عن تحركاتها في محاولة للحد منها ومنعها، ولتجفيف الموارد المالية للحركة التي كانت المغُذي الأول لصمود الحكومة في غزة كون القطاع خاليا من الموارد، بالإضافة إلى التضييق على كل جهة أو هيئة تتعامل مع الحركة أو الحكومة الفلسطينية المنتخبة أو حتى أعضاء المجلس التشريعي وفرض عقوبات عليهم، في محاولة لردعهم عن تقديم العون لشعبنا الفلسطيني، ومع ذلك تجاوزت الحركة العديد من العقبات بذكاء وفطنة، وخضنا معارك سياسية خفيّة أساءت وجه الاحتلال الإسرائيلي، لكن التجاذبات الإقليمية والتغيرات والأحداث في النظام الأمني أثّر بشدة علينا وحدّت من كفاءتنا، ولو أُتيحت الفرصة لحركة حماس للحكم في ظل ظروف أفضل لشعر بها المواطن الفلسطيني، ومع ذلك نحن مع خيار الشعب، وإن أراد الشعب أن نستمر في الحكم فنحن خدم لشعبنا، وإن رغب في تغيير قيادته فسننزل على رغبته.

    

     

وفق ما رشح من بعض الصحف الإسرائيلية، فإن هناك توقعا بحرب قريبة على غزة تسعى لتدمير سلاح حركات المقاومة، فهل تستعد الحركة لهذه الحرب في ظل الأوضاع العصيبة التي يمر بها القطاع؟

"تزايد الحديث الإعلامي عن اندلاع عدوان جديد ضد شعبنا الفلسطيني لا يخدم جبهتنا الداخلية، ويزيد من متاعب أهلنا في غزة، ونحن في حركة حماس لا نريد تسعير حرب، وتقديرنا أن الاحتلال بطبعه عدواني ولكن تصريحاتهم أنهم غير معنيين بالحرب، لكن القراءة الإعلامية الخاطئة لسلوك الجيش الإسرائيلي وصدور عدة تقارير إعلامية خاطئة ومتزامنة مع تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة ساهم في انتشار هذه التخوفات.

  

ونحن كشعب فلسطيني ضحية آلة القتل والإبادة والتطهير العرقي الممنهج منذ الهجرات اليهودية إلى فلسطين وتشكيل العصابات الأولى للاحتلال الإسرائيلي، ورفضنا الخضوع للاحتلال وإملاءاته، وراكمنا القوة بفضل الله أولا ومن ثم بجهود أبناء شعبنا المقدام ودعم الشعوب والحكومات الحرة التي مدتنا بالسلاح وبالمال وبالدعم السياسي، والقتال بحد ذاته ليس غاية أو قيمة لدينا، وحماس ليست مُسعرة حرب لأهوائها، وإنما تُراعي مصلحة الشعب الفلسطيني الحاضن الأول للمقاومة، ومراعاة الأبعاد الإقليمية والدولية، ومع ذلك كنا في جميع جولات الصراع ضحية غدر وعدوان، وفي المعارك التي خضناها أحبطنا فيها بعون الله أهداف الاحتلال وبقينا صامدين محافظين على ثوابتنا، وإذا ما فُرضت علينا الحرب مجددا فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي وسنتصدى لها بكل بسالة.

  

أما نزع سلاح حماس فهو ليس شرطا فلسطينيا لتقوية الحكومة وفرض سيادتها، لأنها لا تمتلك السيادة على الضفة الغربية، ولكنه شرط إسرائيلي، والغريب أن يطالب به الفلسطيني تطوعا وحتى دون أن يشترط لنفسه شيئا، أليس الأمر غريبا ومستهجنا ومستنكرا؟ ولكن حماس لن تستجيب لمثل هذا أبدا، وفي الوقت نفسه ليست سلبية اتجاه جمع الكلمة ونبذ التفرقة، وهي مع توحيد كل قوى المقاومة في صف واحد وجيش واحد وقرار واحد وهدف واحد."

   

حماس وعلاقاتها السياسية

في مشهد أثار الكثير من الجدل، ظهر محمد دحلان عبر الإنترنت، في اجتماع للمجلس التشريعي الفلسطيني في غزة بمشاركة نواب حركة حماس (6)، بعد مقاطعة بدأت منذ سيطرة الحركة على إدارة القطاع عام2007، ومن ثم ما عرضته الصحافة حول لقاءات جمعت بين وفد من حماس وتيار دحلان في القاهرة وهو ما بدا تحولا جذريا في انفتاح حماس على دحلان، وتيه سياسي وتعبير عن هواجس الحركة في القطاع بحسب وصف الكاتب الأردني ياسر الزعاترة (7)، هذا التقارب أفرز تحليلات عدة في الصحافة الإسرائيلية تحديدا حول المسارات المرتقبة لهذا التقارب(8) . وهو ما دفعنا لسؤال الدكتور موسى:

  

تظهر حركة حماس مؤخرا في تقارب مع تيار دحلان رغم العداء التاريخي، فما الذي طرأ في توجهات الحركة؟ وإلى أين تسير هذه العلاقة التي تشوبها الكثير من علامات الاستفهام؟

 "هذه اللقاءات ليست بالجديدة، وجرت العادة أن يلتقي قادة الحركة أو وفودها مع مكونات الشعب الفلسطيني في الشتات في أي زيارة يقومون بها سواء في مصر أو في غيرها من الدول، ومن ذلك لقاء قيادة الحركة بقيادة تيار محمد دحلان كأحد المكونات الاجتماعية الفلسطينية، وهذا يأتي كجزء من جهودنا في رأب الصدع الفلسطيني الداخلي والانفتاح أمام أي جهود في سبيل توحيد البوصلة الفلسطينية والتخفيف عن المواطن الفلسطيني، ونحن نبحث عن لملمة التشظي الفلسطيني والوصول إلى مصالحة وطنية شاملة لجميع مكونات وأطياف الشعب الفلسطيني بما يخدم معركتنا في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والعلاقة مع التيار ليست موجهة لأحد في الساحة العربية، وليست مناكفة لأحد في الساحة الوطنية، ومُركّزة في الجوانب التي تخدم شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وبدلا من أن تلعن الظلام فلتضئ شمعة، وبدلا من نقد اللقاءات بهذا التيار قدموا المساعدات لقطاع غزة المحاصر، وبدلا من أن تعاقبوا قطاع غزة قدموا له يد المساعدة، ولم تكن هذه اللقاءات مع قادة تيار دحلان ممنوعة في الحركة فهي قديمة ومستمرة، أما التحفظ الذي تعاملت الحركة على أساسه هو اللقاء بالسيد دحلان نفسه."

      

لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمستشار الأمني السابق محمد دحلان مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية - 2007 (رويترز)

       

بالانتقال من العلاقة مع دحلان، إلى العلاقة مع إيران، فإنه وفي ظل التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية بمشروع طائفي سياسي، شهد المتابع تقاربا من قِبَل حماس تجاه إيران في الفترة الأخيرة، بعد جفاء بدأ إثر قرار الحركة بالخروج من سوريا عقب اندلاع الثورة، قرار جاء بعد رفض حماس تأييد المواجهة الدموية بحسب وصفها (9) بين النظام السوري والحراك الشعبي. ليتبدى المشهد في تبدل التحالفات وكأنه استمرارية لحالة التقلب المضطرد الذي يموج بالمنطقة، لنسأل الدكتور موسى أبو مرزوق: هل تخلّت الحركة عن امتدادها الشعبي في مقابل مكاسب سياسية؟

"هناك قواعد للعلاقة بين الحركة والدول لا تتجاوزها، وهي:

1.   عدم التدخل في شؤونها الداخلية.

2.   أن لا تكون علاقاتنا بأي دولة على حساب علاقاتنا بدولة أُخرى.

3.   لا شأن لنا بعلاقات الدول البينية بعضها مع بعض.

4.   مصلحتنا الراجحة في العلاقة هي التركيز على قضيتنا الوطنية.

5.   إن صداقتنا وتحالفاتنا مع أي دولة لب معناها، التطابق في المواقف والسياسات بيننا.

  

وعليه نحن مع إيران في تأييدها للمقاومة الفلسطينية، ولا تتطابق سياساتنا معها في سوريا مثلا، وعلاقاتنا مع إيران لم تنقطع، هناك مساعدات حقيقية تقدمها إيران للمقاومة الفلسطينية، وهذا الأمر لم يتأثر إذا ما تباينت المواقف السياسية.

 

ومصالح إيران كما يُنظر إليها بأنها طائفية فإن الأحداث الأخيرة حيث تحالف البعض مع الكيان الصهيوني ضد إيران ولم يكن الكيان الصهيوني سنيا وإيران شيعية عند إبرام هذا الحلف السيئ، أما تدخل إيران في سوريا والعراق واليمن، فهل التدخل الإيراني فقط هو المشكلة وماذا بشأن التدخل الأمريكي والروسي؟ وهل يقارن هذا بذلك؟ نحن ضد أي تدخل في شؤون العرب، ونرفض أي حلول خارجية لمشاكلنا العربية، ونحن حركة شعبية في الأساس ننحاز إلى خيارات الشعوب، والأصل أن الشعوب هي صانعة الحكومات، ونريد أن يجتمع الجميع حكومات وشعوبا على قضيتنا.

 

الموقف السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية هو الأعلى ضد عدونا الصهيوني، فهي سحبت اعتراف إيران بالكيان الصهيوني، وأعطت السفارة الصهيونية للفلسطينيين وحوّلتها إلى سفارة فلسطين، وهي مع إنهاء الكيان الصهيوني، إذ تسميه غدة سرطانية، كما أنها تدعم كل المقاومين في مواجهة الكيان، وحماس في مقدمة من تقدم لهم الدعم، ولعلها متفردة في هذا الموقف بين دول المنطقة.

  

كما أن العديد من الدول تتسابق لإقامة علاقات مع الاحتلال، أما إيران، فترفض، لتعاقب بسبب هذا الموقف. أما ما يدور من أحداث داخلية في بلاد العرب وخاصة الحروب الأهلية والاشتباكات الداخلية وتدخلات الدول، فنحن لا نقرها، ولا نوافق عليها، وندعو لحل سياسي لكل هذه المشكلات، ونبذ استخدام السلاح، وتدخل الدول الأخرى في شؤون الدول العربية، وهذه سياسة واضحة، ودفعنا ثمنا لهذه السياسة التي لم تتغير.

  

الأمة العربية والإسلامية مستهدفة في وجودها ومصالحها، ويجب أن يصطلح الحاكم والمحكوم، وأن تنبذ الخلافات البينية بين الدول، وألا تنعكس تلك الخلافات على الشعوب، كما يجب على الدول والشعوب والحكام والمحكومين أن يعلموا علم اليقين أن كل ما يدور في المنطقة دافعه الأساس هو أمن واستقرار الكيان الصهيوني وجعله جزءا من المنطقة التي رفضته وما زالت ترفضه، ويسعى أعداؤنا لنواجه بعضنا البعض وأن تتجه العلاقات لصالح الكيان الصهيوني الغاصب."

    

   

تبدو العلاقة إذا بين إيران وحماس في تصاعد تقوده الضرورة كما يظهر من سلوكهما السياسي، فالمصلحة المتبادلة بينهما، تدفعهما لنبذ خلافاتهما حول الملفات التي يصعب الالتقاء حولها. فالتصعيد الذي تواجهه إيران من أطراف إقليمية ودولية، يضيق الخناق على مساحات الحركة لديها، ويستدعي حاجتها لامتلاك المزيد من الأوراق الفاعلة التي يمكن الاستفادة منها، فالاتهامات المتبادلة بين إسرائيل وإيران حول الملف السوري، والوثائق الجديدة التي كشفها نتنياهو حول إخفاء إيران لتطوير أسلحتها النووية سرا، وثائق أعلنها نتنياهو بالتزامن مع نبرة ترمب الرافضة للاتفاق النووي الإيراني. وهو تصعيد وصفته السي أن أن تعليقا على احتدام الخلاف بين طهران وتل أبيب ب "أن المواجهة بين الفريقين باتت أقرب من أي وقت مضى" (10).

  

على الضفة الأخرى، يتأزم وضع غزة الداخلي ومعه وضع حماس، كما أن المشهد الفلسطيني برمته يتجه نحو مزيد من الانحدار بعد إعلان ترمب للقدس عاصمة لإسرائيل، وتزايد المشاريع التهويدية التي تبتلع ما تبقى من أراض فلسطينية، لذلك، يعد كسب الورقة الإيرانية لحركة حماس ضروريا بحسب مركز الجزيرة للدراسات (11) باعتبار أن متطلبات الدعم العسكري والمالي والسياسي للجهد المقاوم بات على رأس المحددات التي تملي نمط تحالفات حماس الإقليمية، في ظل فقد الحركة لأي داعم حقيقي يمكن أن يسهم في دعم مسارها المسلح، أو مسار بقائها على أقل تقدير.

  

صفقة القرن

ما سبق يمكن قراءته في ظل التغيرات الإقليمية الدولية التي تعيد ترتيب ملفات المنطقة، والتي يقف على رأسها في خارطة التغيرات التي تمس المشهد الفلسطيني، ما أعلنه ترمب حول إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، في مشهد مثّل تصعيدا وتهديدا وجوديا على مستقبل القضية الفلسطينية، وهو ما يتقاطع مع مشاهد التطبيع العربي الذي قادته عدة دول عربية، لتعيد معها ترتيب أولوياتها تجاه تعريف العدو، ومع ما يرشح من ترتيبات حول "صفقة القرن"، تُطرح أسئلة حول ملامح صفقة القرن، والأطراف المشاركة فيها، لنوجه السؤال هنا مرة أخرى للدكتور موسى: هل اقتربت تصفية القضية الفلسطينية؟

"الإدارة الأميركية الحالية تنوي طرح خطة سلام وتطبيقها قبل بلورتها، وهي في الوقت نفسه لم تكن مطروحة في الإدارات الأميركية السابقة، وتخالف القوانين والقرارات الدولية خاصة في قضيتي القدس واللاجئين والحدود وقضايا الحل النهائي، ويسعون لتبديل أولويات المنطقة وحرف الصراع العربي-الإسرائيلي، واللعب بالاستقرار الداخلي للدول والفتن البينية بين دول المنطقة لتدفعها للهرولة لنيل الرضا الأميركي من البوابة الإسرائيلية، ما أتاح للولايات المتحدة فرصة نادرة لفرض أجندتها في المنطقة، ونحن نرفض هذه الصفقة بالكلية، والحراك الشعبي متمثلا في مسيرة العودة الكبرى أحد أوجه الرفض لهذه الصفقة.

  

ملامح واضحة بدأت تظهر لصفقة القرن، عبر الموقف الأميركي الأخير من مسألة القدس بالاعتراف بها عاصمة للاحتلال مع ضمان حرية العبادة فيها، ونقل سفارات الدول من تل أبيب إلى القدس المحتلتين، واختلاق عاصمة على هامش ضواحي القدس مع الاعتراف بالكتل الاستيطانية وضمها إلى الاحتلال، واستئثار الاحتلال بصلاحيات الأمن القصوى، مع الاعتراف بالكيان الإسرائيلي كوطن قومي للشعب اليهودي، وإسقاط عودة اللاجئين مع إيجاد حلول أخرى في ظل حكم ذاتي فلسطيني على كنتونات فلسطينية، وأن تكون المياه الإقليمية والأجواء والموجات المغناطيسية تحت سيطرة الاحتلال، وأن يأتي ذلك في إطار حل إقليمي أمني لأزمات المنطقة ومحاصرة إيران ونفوذها واستبدالها بالعدو المركزي للدول العربية بدلا من الكيان الصهيوني، وتطبيق المبادرة العربية مقلوبة عبر التطبيع والاعتراف العربي بالكيان الغاصب وتأجيل الموضوع الفلسطيني وإحالته إلى الزمن يفرض الإرادة الصهيونية.

  

وأفضل رد على صفقة القرن والمؤامرات التي تُحاك ضد شعبنا وقضيتنا الوطنية هو وضع خطة مواجهة شاملة على الصعيد الوطني الفلسطيني وعلى صعيد الأمة الإسلامية للتصدي للخطة، وتدعيم برنامج المقاومة الذي يعاني من مؤامرة كبيرة لم يسبق التعرض لها، وهذا واجب كل منتمٍ إلى قضايا أمته، والاستعداد بموقف فلسطيني سابق وموحد قدر الإمكان ويشمل كل الفصائل، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، وصياغة مشروع وطني فلسطيني جامع يشمل جميع فصائل وقوى الشعب الفلسطيني على خطة مرحلية تتلاقى فيها جميع البرامج السياسية."

     

   

رغم كون الموقف الفلسطيني موحدا في اتجاهه النظري برفضه لقرار ترمب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، فإن المسارات التي اتخذتها الفصائل الفلسطينية في سياق التحرك الفعلي تبدو متباينة، حيث استعرض الدكتور موسى دعوة لتدعيم المقاومة الفلسطينية، وهو ما يقف على الخط المعاكس من التوجهات التي لا تتبنى النهج العسكري، حيث يرى أحمد مجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن الرد سيتمثل في مسارات ثلاثة (12)، مسار سياسي عبر الأمم المتحدة، وتحريك دعوى قضائية في المحاكم الدولية، وموازاة لذلك تبني النهج السلمي عبر المظاهرات الشعبية. أما القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدر جابر في تصريح لصحيفة العربي الجديد (13)، فإنه دعا لمسار موحد ينطلق من التمسك بالثوابت.

 

إلا أن تلك الثوابت التي دعا إليها جابر في تصريحه، تبدو كذلك ضبابية في ظل غياب مسارات واضحة تجمع الفصائل الفلسطينية للتأثير الفاعل بمواجهة المسارات التصعيدية التي تطال القضية الفلسطينية. لذلك، تبدو الأطراف الفلسطينية عاجزة عن التأثير المادي للحيلولة دون القرارات المتتالية التي تنبئ عن تقدم مستمر في تصفية المسلمات التقليدية للقضية الفلسطينية، كالقدس واللاجئين، وعليه سألنا الدكتور موسى أبو مرزوق حول الأوراق التي تمتلكها الفصائل الفلسطينية، وحركة حماس تحديدا، للوقوف أمام الإجراءات الأميركية؟

"نرفض هذه الصفقة بالكلية، وحركة حماس جزء من هذا الشعب وقريبة من نبضه وهمومه سواء على المستوى المعيشي أو الهموم الوطنية الكبرى، والقضية الفلسطينية تتعرض لمحاولات تصفية وتهميش في ظل تحولات إقليمية وتجاذبات قد لا تصب في صالح القضية، لهذا توجهنا إلى الوحدة الوطنية في محاولة للابتعاد بالقضية عن التجاذبات وإعادتها إلى الواجهة كقضية مركزية للأمة العربية والإسلامية، ويهم حركة حماس تفكيك الأزمة الإنسانية للشعب الفلسطيني، فالأزمة معقدة ومتداخلة في العديد من القضايا، ونريد أن يحيا المواطن الفلسطيني بكرامة وإنسانية وتوفير مقومات الصمود له لمواجهة المؤامرات التي تحاك ضد قضيتنا، حيث تحرم الأزمة الإنسانية المواطنين من حرية الحركة من وإلى قطاع غزة ومن الحصول على الرعايا الطبية اللازمة، وتزايد المشاكل المجتمعية على إثر ارتفاع معدلات الفقر والبطالة خاصة في صفوف الشباب حيث بلغ معدل الفقر 65% وبلغت البطالة 41%، وهذه صورة الفلسطيني في غزة فما بالك بصورة اللاجئ الفلسطيني في سوريا وما يتعرض له أمنه وسلامته مما دفع العديد منهم ركوب البحر عوضا عن اللجوء في محيطه، وكذلك اللاجئ الفلسطيني في لبنان وحقوقه المفقودة، ولدى شعبنا خيارات متعددة ومنها الحراك الشعبي متمثلا في مسيرة العودة الكبرى أحد أوجه الرفض لهذه الصفقة، وإرادة المقاومة والتصدي لكل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية ومخزون الشعب لمواجهة الاحتلال لا يقف عند حد، من ثورة إلى ثورة، ويصعب التنبؤ به، نضال بالسكاكين والحجارة والدهس والحراك الشعبي والكاوتشوك والمواجهات الجماهيرية، إنه شعب مقاوم ومجاهد لن يمرر أي صفقة تُنهي قضيته وتحرمه من حقوقه."

  

بعد إعلان ترمب، بدا تصعيد الإدارة الأميركية متسارعا نحو تصفية القضية الفلسطينية، ورغم أن ترمب، وعد ضمن برنامجه الانتخابي بنقل السفارة، إلا أن قراءة للداخل الأميركي ولسلوك ترمب السياسي، تعطينا إشارات تتجه بالتحليل ليأخذ منحى اعتبار قراره "المفاجئ" و"المتسرع" هروبا من أزمة داخلية لحقته بعد اشتداد التحقيقات حول ضلوع روسيا في فوز ترمب بالانتخابات الأميركية، ليأتي قراره محولا أنظار الداخل الأميركي من الاهتمام بفضيحة التزوير، نحو الاتجاه لتحليل قرار ترمب "التاريخي"، وهو المسار (14) الذي اختطه ترمب منذ وصوله للسلطة باستغلال قضايا العالم للتغطية على أزماته الداخلية.  لذلك، اتجهنا للدكتور موسى بسؤاله، إن أمكن اعتبار قرار نقل السفارة، وما رشح عن صفقة القرن مشروعا أميركيا، أم أنه مشروع إدارة ترمب؟

"الإدارة الأميركية الحالية محدودة الخبرة السياسية، وفشلت في تحقيق وعودها الانتخابية باستثناء قضية المناخ ونقل السفارة الأميركية، لكنها تضع في أولوياتها إنهاء القضية الفلسطينية، كون الفريق في جوهره صهيونيا ويهوديا، وقد ساعدها مجموعة دوافع وظروف، ويرى ترامب في الصراع العربي-الإسرائيلي مدخلا جيدا لتحصين نفسه في أزماته الداخلية ومراكمة مكاسب شخصية كون خطواته تجاه القضية فوق النقد داخليا ومرغوبة من الفواعل داخل الولايات المتحدة وآثارها الجانبية محدودة تأثيرا وزمانا، ولهذا هو في عجلة من أمره لطرح مقاربته الجديدة.

  

الإدارة الأميركية الحالية خالفت الإدارات الأميركية السابقة في عدة أمور، أبرزها اعتبار القدس عاصمة للدولة اليهودية، وثانيا اعتبار إسرائيل دولة يهودية، وثالثا نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، ورابعا أنها تنطلق من قناعات أيدولوجية ولا تعترف بالتشاور بين أطراف الصراع.

   

وأخيرا انحيازها أوضح وأكثر طموحا نحو العدو الصهيوني، ولذلك أرى أن صفقة القرن صفقة إدارة ترامب."

     

  

لم يمثل المشهد العربي بعمومه نشازا عن النغمة التي عزفها ترمب، ليبدو الأفق السياسي متناغما في إيجاد حل تسوّى فيه القضية التي مثلت مرتكزا في ثوابت السياسة العربية، حيث شكلت سلوكيات التطبيع العربي التي سبقت إعلان ترمب بداية لتشكل حلف جديد، وهو ما رصدت صحيفة الجيروزاليم بوست الإسرائيلية أبرز ملامحه واصفة إياه بـ "الحلف السني الإسرائيلي"(15)  وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو بقوله "إن العرب يلتفون حولنا بشكل لم أكن أتوقعه في حياتي" (16)، مؤكدا بذلك سعي إسرائيل لجهود حثيثة نحو تشكيل تحالف مع دول سنية ضد إيران. لتتراجع بذلك أهمية القضية الفلسطينية على سلم أولويات الدول، وعليه نعود لسؤال الدكتور موسى إن كانت القضية الفلسطينية قد فقدت امتدادها الذي شكّل ثقلا كانت تتكئ عليه الفصائل في مشروعية نضالها؟ وهل بات السياسيون الفلسطينيون عاجزين عن بناء منظومة تحالفات قادرة على حلحلة الوضع الفلسطيني؟

 

"العلاقات الدولية تتجه نحو البراغماتية على حساب المبادئية، وهذا يُلحق ضررا بحركات التحرر الوطني ومنها حركة حماس، وتتداخل الأزمات المحلية بالأزمات الإقليمية، وقد تتداخل الأزمات المحلية بالأزمة الإقليمية، والتكتلات الرئيسة للمنطقة تم تقنينها، فالجامعة العربية أصبحت اسما عاجزا عن الفعل، واجتماعاتها مضرة بأعضائها، وغير مفيدة للمنطقة، وتم إنهاء كل التحالفات الأخرى كمجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون العربي، وتحالف دول شمال أفريقيا (المغرب والجزائر وتونس وليبيا)، وحتى العلاقات الثنائية بسبب الأزمات المحلية لم تعد ذات جدوى، وذابت الأنظمة في ذواتها للحفاظ على النفس، وعمق الأزمات الاقتصادية والسياسية انعكس سلبا على أولوياتها، بل وغابت عن اهتماماتهم بالقضية الفلسطينية، وإن حضرت فهي لتكون في بعض الأحيان على طاولة المتاجرة بها، وأصبح الحديث مع إسرائيل كمكون في المنطقة، وهذا تغير كبير في إدارة الصراع، ما يفتح شهية العدو الصهيوني على الحل العربي المطلوب، وإهمال المسار الفلسطيني، بالإضافة إلى تعزيز الرواية الصيهونية للصراع بأن المنطقة مشاكلها بسبب مكوناتها، وخلفياتهم الطائفية، والعرقية، والمذهبية، هي الأسباب المفجرة للصراع، وليس وجود الكيان الصهيوني.

  

ومن هنا كان الدفع باتجاه الحل الإقليمي، أو المبادرة العربية معكوسة، وهذا الأمر خطير على مستقبل القضية، ويجب العمل على فشله، وتجاوز المرحلة الحالية لأي أطروحات تتجه لضعف الإقليم في المرحلة الراهنة، والاهتمام الأساسي بالوضع الوطني، والعمل على وحدة الشعب ومكوناته، والتوافق على برنامجه السياسي.

  

وحِدّة الأزمة الخليجية جعل أطرافها تطرق باب الكيان الصهيوني لتطبيع العلاقات معها طمعا في الموقف الأميركي المحتمل، ولعل التصريحات الأخيرة لمسؤولين خليجيين على رأس عملهم أو مسؤولين سابقين خير دليل على ذلك، كما أظهرت الأزمة أن العامل المذهبي لم يكن يوما يصلح في المنطقة لأن تتقاتل تحت لوائه، لأنه يفتت المنطقة، ويقضي على فكرة الدولة القُطرية، وفي القضية الفلسطينية هناك تكامل في الأدوات لمكونات الأمة ووحدتها كمشروع وحدة والتقاء بين الشعوب والحكومات، نحن أمام استحقاقات مستقبلية ستؤثر في كل شعوب المنطقة وليس على القضية الفلسطينية لوحدها."

  

مسيرات العودة

مع اقتراب الذكرى ال 70 للنكبة الفلسطينية، يظهر السلوك الفلسطيني المقاوم بحلة جديدة معلنا تصعيدا على خط المقاومة الشعبية وهو ما تبدى من خلال مسيرات اتخذت من العودة شعارا لها، صورة حملت بعدا إنسانيا، كما كانت معبأة برسائل سياسية(17)، في ظل الأزمات التي اشتدت على القطاع،   وأمام انسداد الأفق السياسي الفلسطيني، وتصاعد الحملات التي تستهدف لتصفية القضية الفلسطينية، سألنا الدكتور موسى حول المتوقع من المسيرة، والأهداف المأمولة، والكيفية التي يمكن للفصائل الفلسطينية أن تستثمر بها هذا الحراك الشعبي وعن توقعاته باستمرار المسيرة.

   

ليجيب الدكتور: "نحن نتوقع تحرك العالم أمام آلة الظلم والعسف الصهيونية لمواجهة الحصار والقتل والدمار، وتذكير العالم بأن هناك قضية لاجئين يحاول البعض طمس معالمها وإلغاء مؤسساتها، وأن هناك أجيالا لن تنسى وطنها وتريد العودة وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، والفصائل المؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية والمخاتير والشخصيات ذات الوزن كلهم جزء من هذا الخيار، وهم المحركون الأساسيون لهذه الجماهير، ويجب أن يكون الحراك شاملا لكل مناطق تجمّع الفلسطينيين، واستمرارها يعني نجاح أهدافها وصولا إلى يوم 15 مايو/أيار يوم النكبة الذي لا بد أن يبقى محفورا في ذاكرة كل الأجيال التي أُخرج آباؤهم من قُراهم ومدنهم إلى المخيمات التي يعيشون فيها اليوم، وبلا شك أن جيش الاحتلال سيصعّد من عدوانه واستهدافه للمدنيين والمواطنين العزل حتى يقطع الطريق عليهم وصولا إلى يوم 15 مايو/أيار، ولكن إصرارنا وفاعلية شبابنا وتقديمنا كل يوم جديدا حتى نرسل للعالم كله أننا نملك الخيارات ونملك الإرادة التي تحقق المعجزات وأن الوطن يستحق منا الكثير.

       

        

وباختصار فإن أهداف المسيرات الشعبية هي:

1- مشكلة اللاجئين الفلسطينين لازالت قائمة ولا يمكن تجاوزهم بفرض حلول عليهم.

2- العقوبات المفروضة بالحصار على قطاع غزة أو العقوبات المضافة قبل عباس دافع مهم للجماهير لكسر الحصار وإنهاء العقوبات.

3- عدم تمرير صفقة القرن والتأكيد أنه لا يمكن فرض صفقات ضد إرادة الشعب الفلسطيني، وحقوقه محفورة في الوجدان، وعلى رأسها حق العودة."

    

ختاما، وفي ظل هذه الاضطرابات التي تعيد تشكيل المشهد، كثيرا ما تُطرح تساؤلات حول الدور الشعبي الفاعل للمساهمة في خدمة القضية الفلسطينية، فما رؤيتك تجاه هذا الأمر؟

"تلعب الشعوب دورا مهما في مساندة القضية الفلسطينية سواء من الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها أو من شعوب الأمة العربية والإسلامية والشعوب الصديقة، وشكّل الزخم الشعبي الداعم للحقوق الفلسطينية كابحا في ميل الدول إلى الكيان الإسرائيلي، ومنذ أن تراجع دورها وهنالك حالة انفتاح غير مسبوقة للتطبيع معه، ونريد تعزيز الدور الشعبي للضغط على الحكومات وتعرية الجرائم الإسرائيلية، ودعم المقاومة الفلسطينية بما استطاعوا من خبرات ومال.

   

نريد الحراك الشعبي مقاطعا للكيان وأدواته ومنتجاته ومشاركاته في أي برامج.

نريد الحراك الشعبي ضد التطبيع الرسمي وشبه الرسمي رافضا لكل أشكال أقلمة الكيان ودمجه في المنطقة.

نريد للحراك الشعبي دورا إيجابيا في دعم المقاومة وإسناد صمود الشعب الفلسطيني.

نريد للحراك الشعبي العربي والإسلامي أن يُشعر الشعب الفلسطيني بأنه ليس وحيدا في المعركة وأنهم معه إلى جانبه كما حصل عندما قرر ترامب أن القدس عاصمة للدولة اليهودية."

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار