اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/13 الساعة 14:02 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/23 هـ

انضم إلينا
عودة التنين.. لماذا أصبح تدخل الصين بالشرق الأوسط حتميا؟

عودة التنين.. لماذا أصبح تدخل الصين بالشرق الأوسط حتميا؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
لطالما تجنَّبت الصين التدخل في الشرق الأوسط، حتى إنها تجنبت المشاركة في التحالف الدولي المضاد لتنظيم الدولة، ولذلك أسباب يتناولها التقرير. لكن اليوم، بعد قرون من الغياب، تقتضي مصالح الصين نهجا مختلفا، خاصة مع مشاريع إعادة الإعمار العملاقة التي ستتولاها، وطريق الحرير الجديد. لكن نهجا كهذا سيأتي بمخاطر وتكلفة كبيرة. يتعرض التقرير للسياسة الإقليمية الصينية، ومستقبلها المتوقع، وأبرز المخاطر المتوقعة.

نص التقرير

عند النظر إلى النزاعات والأزمات المتعددة التي تزلزل الشرق الأوسط اليوم، فلا يبدو للصين من دور رئيس فيها. فسواء تأملنا الحرب ضد تنظيم الدولة، أو النزاع في ليبيا، أو الحصار المفروض على قطر، أو الحرب في اليمن، لا يظهر أن للصين مصلحة بارزة في أي من هذه القضايا.

لكن التصورات قد تكون خداعة. هذا أكيد! لقد ضخت الصين بالفعل استثمارات اقتصادية ضخمة في كثير من دول المنطقة، وأصبحت بالفعل الشريك التجاري الأهم لعدة دول، متجاوزة الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة. وبطبيعة الحال، ستؤدي المراحل القادمة من طريق الحرير الجديد إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية الصينية بالمنطقة. لكن مع المصالح الاقتصادية تأتي المصالح السياسية والأمنية. ليصبح السؤال الآن عن مدى استعداد الصين وقدرتها على زيادة تدخلها السياسي فيما ثبت مرارا وتكرارا كونه عش دبابير حقيقي.

لا يعد التدخل الصيني بالمنطقة مسألة اختيارية، بل مسألة ضرورية نوعا ما. ففي النهاية، تنبع نحو نصف واردات النفط الصينية من الشرق الأوسط، تأتي أغلبها من دول الخليج. أضف إلى ذلك رغبة الصين القوية في توطيد -إن لم تكن توسعة- علاقاتها التجارية بالمنطقة.

 الصين شريك سوريا التجاري الأهم بنسبة تتعدى 50% من إجمالي حجم التجارة الدولية السورية (رويترز)


حاليا، تظل الصين فاعلا ثانويا -نسبيا- في شمال أفريقيا، حيث اقتصر التبادل التجاري الصيني المصري على 12.9 مليار دولار فقط عام 2015. فيما تزال العلاقات التجارية على طول الساحل الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط خاضعة لهيمنة دول الاتحاد الأوروبي. لكن الحضور الاقتصادي للصين بدا أكثر وضوحا في شرق المتوسط. هناك، تبرز تركيا باعتبارها الشريك التجاري الأهم (21.6 مليار دولار، عام 2015). ولعل الأكثر إثارة للاهتمام هو كون الصين الشريك التجاري الأهم لسوريا، بنسبة تتعدى 50% من إجمالي حجم التجارة الدولية السورية (عام 2015)، وبفارق كبير عن أقرب منافسيها. السبب الرئيسي في ذلك، رغم انخفاض إجمالي التبادل التجاري بين بكين ودمشق منذ 2011، هو ارتفاع حصتها نتيجة للانخفاض الهائل في التبادل التجاري مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. كما شهد عام 2015 ارتفاعا في حجم التجارة الثنائية بين الصين وإسرائيل إلى 11.4 مليار دولار.

يتركز الحضور الاقتصادي الأكبر للصين في منطقة الخليج. ولعل استحواذ المملكة العربية السعودية على النصيب الأكبر من إجمالي التجارة أمرا لا يثير الدهشة (52 مليار دولار، عام 2015). إنها التجارة الثنائية الأكبر التي تتمتع بها بكين في الشرق الأوسط بأكمله. وفي المرتبة الثانية تأتي الإمارات العربية المتحدة (48 مليار دولار)، تليها إيران (34 مليار دولار). وفي هذا الجزء من الإقليم تحديدا، تشارك الصين أيضا في بعض مبادرات البنية التحتية واسعة النطاق، مثل المحطات النووية التي تساعد في تشييدها بإيران ونظام قطارات الأنفاق الجديد بالرياض.

لكن توسعة العلاقات الاقتصادية سيكون لها آثار سياسية لا محالة. لأن حاجة الصين إلى تأمين خطوط تواصل بحرية هامة ستزداد، وستضطر في أغلب الوقت إلى التعامل مع حكومات، لا القطاع الخاص، خلال مواصلتها العمل على مشاريع البنية التحتية.

أخيرا وليس آخرا، فإن تجارة السلاح تبدوا جزءا من التجارة المتبادلة. وبخصوص هذا الشأن، تشتهر الصين ببيع أسلحة بمئات الملايين من الدولارات إلى سوريا، واليمن، والعراق، وإيران. إلا أن نصيب الصين من تجارة السلاح مع الشرق الأوسط ما يزال صغيرا نسبيا. على سبيل المثال، في الفترة ما بين 2012 و2016، جاءت حصة الصين من واردات السلاح السعودية 0.12%، و0.1% من واردات مصر والإمارات، وأقل من 0.4% من واردات العراق، و0.7% من واردات تركيا، و12.3% من واردات إيران. مع ذلك، يبشر الاتفاق التجاري المبرم مع السعودية في العام الماضي -المتضمن شراء طائرات مُسَيَّرة (Drones)- بزيادة حجم الصادرات الصينية إلى المنطقة في الأعوام القادمة.

الحضور الاقتصادي الأكبر للصين يتركز في منطقة الخليج وخصوصاً في المملكة العربية السعودية (رويترز)


في جميع الحالات، لا يتصور نجاح الصين في البقاء بمعزل عن النزاع السياسي فيما يخص علاقاتها بدول الشرق الأوسط. من الواضح أنها تأمل في الاعتماد على سمعتها الخالية من أي شوائب إمبريالية. بالفعل، تحدثت الصين عن "استعادة" طريق الحرير القديم، وتؤكد بذلك غيابها عن المنطقة طوال قرون. علاوة على ذلك، في "وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية" المنشورة عام 2016، وهي أقرب شيء إلى إستراتيجية واضحة تجاه الشرق الأوسط، تعلن الصين عن "عدم التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية للدول"، باعتباره حجر زاوية سياستها الإقليمية. لا شك أن نشر القوات العسكرية -كوسيلة للتدخل- يختلف تماما عن توطيد العلاقات الإستراتيجية، لكن الأخيرة، سواء اقتصادية أو سياسية أو أمنية، ترقى لأن تكون نوعا من التدخل قد تعارضه الدول الأخرى. وبالتالي، هذا قرار لا يخضع لسلطة الصين.

مع ذلك، يبدو أن الصين قد تبنت نهجا حذرا، بهدف إبقاء جميع القوى الفاعلة الرئيسية في خانة الأصدقاء، أو على الأقل تجنب اكتساب عداوة دائمة. لا شك أن الدور الصيني الهادئ في الاتفاق النووي الإيراني مثال على ذلك، لكن لبكين صولات عظيمة في الدبلوماسية الإقليمية أيضا، أبرزها اقتراح خطتين، تتكون كل واحدة من أربع نقاط، لحل كل من النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني والنزاع السوري. عندما زار الرئيس الصيني شي جين بينغ المملكة العربية السعودية وإيران خلال رحلة واحدة إلى المنطقة في (يناير/كانون الثاني) عام 2016، امتنع بإصرار عن الوقوف في صف دولة ضد الأخرى كنتيجة لإعدام نمر النمر. كما أجرت الصين -مؤخرا- مناورات بحرية مشتركة مع إيران، وخاضت تدريبات مشتركة على مكافحة الإرهاب مع السعودية، مما يظهر رغبتها في الحفاظ على توازن دقيق.

ينطوي هذا النهج على مخاطرات عدة. منها أن زيادة التورط الصيني بالمنطقة، من الناحية الأمنية، سيؤثر حتما على المصالح الأميركية والمصالح الروسية أيضا. نبه عدد من المحللين إلى أن الصين لا تفكر في إزاحة الولايات المتحدة والجلوس على عرشها باعتبارها الجهة الخارجية الفاعلة أمنيا الرئيسية، لأن ذلك -بالأساس- يجنبها الاستثمار في مثل هذه الجهود، ولأن بعض القوى الإقليمية لن تسر باحتلال الصين محل الولايات المتحدة، أيا كانت المخاوف المتعلقة بدونالد ترامب. بالتالي، قد تزداد روسيا انزعاجا مع احتمالية مواجهة تدخلاتها في المنطقة -عبر سوريا- لخطر فيضان الاستثمارات الصينية، خاصة إذا بدأت الصين في تنفيذ مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق لإعادة إعمار عراق وسوريا ما بعد تنظيم الدولة، وربطهما بطريق الحرير الجديد.

من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لإيران عام 2016 (مواقع التواصل)


كان خلق "نطاقات النفوذ" من الحلول التقليدية لتجنب الصدام بين القوى العظمى، وهو ما يذكرنا بالمعاهدة الإنجليزية-الروسية التي أنهت "اللعبة الكبرى" أو باتفاقية سايكس-بيكو. لكن قصر الصين لعلاقاتها على بعض البلاد دونا عن غيرها لا يلائم طبيعة طريق الحرير الجديد، ولن يكون -على الأغلب- خيارًا إستراتيجيًا مطروحًا في حالة دول الخليج وغيرها ممن يريدون الاحتفاظ بجميع الخيارات المتاحة. لذا فالتوصل إلى طريقة للتعايش مع الولايات المتحدة وروسيا في المجال الأمني هو أفضل ما يمكن للصين تحقيقه الآن.

إذا اضطرت الصين إلى الوقوف بجانب فريق معين، فسيسفر ذلك عن مخاطرة أخرى. يمكن رؤيتها علي أوضح صورة في حالة السعودية وإيران، خاصة إذا شعرت الرياض أن بإمكانها الاستعانة بواشنطن، أو وقع الأمر نفسه مع طهران وموسكو. والرهان على الفرس الخاسر أسهل كثيرا مما يبدو لنا. ويزداد الأمر حساسية لقدرة الدول على تبديل الجبهات، مما يعرضك لاكتساب خصوم جدد ما بين اليوم والآخر. تقدم الأزمة القطرية مثالا على ذلك، لكن تقلبات العلاقات بين السعودية والعراق، وتركيا وإسرائيل، وتركيا وإيران، تكشف لنا أيضا صعوبة الرهان على علاقات صداقة طويلة الأمد في المنطقة.

تكمن مخاطرة أخرى في إصرار الصين على تعزيز استقرار المنطقة، وهو ما يعني في الواقع استقرار أنظمة المنطقة. في أعقاب الثورات العربية، قد يترتب على الارتباط الوثيق بالأنظمة القمعية عواقب طويلة الأمد. فالدعم البريطاني والأميركي لشاه إيران، والدعم الأميركي لحسني مبارك، هي مجرد أمثلة دفعت فيها القوى الخارجية ثمن خسارة التأثير وكذلك المصداقية في تعاملها مع دول الشرق الأوسط. قالت كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، إن الولايات المتحدة قد "سعت إلى تحقيق الاستقرار على حساب الديموقراطية (...) ولم تحقق أيا منهما".

يمكن للصين مواجهة ردة فعل عنيفة مشابهة، على المدى البعيد، إذا سعت إلى تحقيق الاستقرار، مع إهمال قوى الدفع الديمقراطية. في بعض البلاد الأفريقية، اضطرت الصين بالفعل إلى تغيير أسلوبها في أعقاب مقاومة شعبية لنهجها الاستثماري القاسي. إذا استمرت أسعار النفط المنخفضة، واستمرت حاجة بلدان الخليج وغيرها إلى التغيير، فيمكن للانتقاد الشعبي للسلطات الجاثمة أن ينعكس بالسلب على الصين أيضا.

الصين ترغب في تعزيز وجودها العسكري بالشرق الأوسط من أجل تأمين ممر يحفظ مصالحها الاقتصادية (رويترز)


أخيرا، سيتوجب على الصين توخي الحذر، عند تعلق الأمر بالتعامل مع المتطرفين. يقال إن أكثر من 100 أويغوري قد انضموا إلى صفوف تنظيم الدولة على مدار الأعوام القليلة الماضية، وتقتضي مصلحة الصين عدم إثارة غضب سكان شينجيانغ المسلمين. على الجانب الآخر، يمكن لدعم الفلسطينيين، على سبيل المثال، إرسال إشارات إيجابية إلى سكان شينجيانغ. بشكل عام، لن ترغب الصين في دعم أي حركات انفصالية، لكن المصالح الاقتصادية، مثل مصالح سينوبك (شركة الصين للبتروكيماويات) في إقليم كردستان، قد تدفعها في اتجاه مختلف. كما يمكن للدعم الصريح لإيران، على حساب المسلمين السنة، أن يكون له وقع سيء في شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة السنية.

ستأمل الصين أن تكون استثماراتها الاقتصادية الضخمة في طريق الحرير الجديد كافية لتجنيبها خيار الوجود العسكري الضخم في المنطقة. لا يهم الصين الفصل في النزاعات المحلية عبر استخدام القوة، ولا ترغب في اكتساب لقب القوة الإمبريالية الخارجية الأخيرة التي فرضت إرادتها على المنطقة. كان التدخل العسكري الصيني في المنطقة متواضعا حتى الآن، هذا أكيد. وإنشاء قاعدة بحرية في جيبوتي هو أبرز أشكال الوجود الإقليمي للصين. كما أن لها قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في لبنان، وبعض المستشارين العسكريين في سوريا، لكنها لا تسهم في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة. بناء على هذا، تبدو الصين سعيدة -على المدى القصير- بمواصلة نشاطها التجاري تحت مظلة الأمن الإقليمي الأميركي.

لكن من غير المحتمل أن يستمر هذا الوضع في المستقبل. فأولا، لا يمكن الاعتماد على رغبة الولايات المتحدة في توفير الأمن للبنية التحتية الصينية لطريق الحرير الجديد. ثانيا، إن زيادة الحضور العسكري، وإن لم يكن من أجل حماية خطوط تواصل بحرية -بما في ذلك البعيدة عن اليابسة- لهو جزء لا يتجزأ من ضروريات التحول إلى دولة قوية واسعة النفوذ. وأخيرا، من المرجح أن ترغب الصين في تعزيز وجودها العسكري بالشرق الأوسط من أجل تأمين ممر يحفظ مصالحها الاقتصادية عبر الساحل الممتد على طول الطريق إلى أفريقيا.

لا شك أن زيادة الوجود العسكري الصيني بالمنطقة سيخلق تحديات ومخاطر جديدة. كيف تسترضي الهند؟ وكيف تنسق -إن أمكن ذلك- مع الولايات المتحدة؟ ثم هناك المخاطر المتعلقة بكونها قوة ملحدة رسميا تضع قوات عسكرية في أراضٍ مسلمة. من الواضح أن الانخراط في الشرق الأوسط بنية يفترض أنها صافية، وسعي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية لجميع الأطراف، دون تدخل سياسي وأمني، هو ببساطة أمر لا يمكن تحقيقه. يوجب ذلك على الصين التصالح مع تعقيدات الشرق الأوسط، وتطوير إستراتيجية أكثر شمولية ووضوحا للتعامل مع المنطقة ككل، بما في ذلك اتخاذ بعض الخيارات السياسية الصعبة. فإذا لم تكن بكين مستعدة لاتخاذ مثل هذه الخيارات، فسيفعلها آخرون.
==========================

مترجمٌ عن: (ذا ديبلوميت)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك