اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/16 الساعة 16:02 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/26 هـ

انضم إلينا
لعبة التناقضات.. هل ينجح رهان الرياض على مقتدى الصدر؟

لعبة التناقضات.. هل ينجح رهان الرياض على مقتدى الصدر؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لم تكن الحياة الحافلة لرجل الدين الستيني تستحق نهاية أقل درامية بكل تأكيد: مطاردة سيارات بدائية، بنمط تسعيناتي في طريق عودته لمنزله بالنجف، تنتهي باصطدام سيارته الميتسوبيشي الصغيرة بجذع شجرة موقفًا إياها، يترجل أربعة مسلحون من سيارتهم ليطلقوا النار بشكل مكثف على السيارة المتوقفة، ثم ليستقلوا سيارتهم مرة أخرى والرحيل، والمحصلة في النهاية مقتل "محمد محمد صادق الصدر"، رجل الدين الشيعي الأكثر شعبية في العراق آنذاك، بصحبة اثنين من أبنائه هما "مؤمل" و"مصطفى". حادثة اندلعت على إثرها انتفاضة شيعية كبيرة في البصرة قمعها نظام صدام حسين البعثي بلا هوادة.

  

اعتاد العراقيون الشيعة في ذلك الوقت تداول قصة شهيرة(1) لتفسير سر شعبية الصدر. في أحد الأيام كان هناك شيعي فقير يبحث عن رجل دين جدير باتباعه، وقرر أن يذهب لجميع رجال الدين المعروفين ويوجه لهم سؤالًا حول أسعار الطماطم. تلقى معظم رجال الدين سؤال الرجل بمزيج من السخرية والاستنكار مع تعليقات حول "دُنيوية" السؤال، باستثناء "صادق الصدر" وحده معطيًا السائل جوابًا تفصيليًا حول أسعار وأسواق جميع أنواع الطماطم، من ثم غادر العراقي مجلس "الصدر" سعيدًا بعثوره أخيرًا على زعيم ديني محتك بحياة العراقيين اليومية.

 

 
سواء كانت القصة حقيقية أم لا، وبرغم بساطتها الشديدة، فإنها لا تخلو من رمزية تشرح الكثير حول حياة "صادق الصدر" وحول موته أيضًا. في ذلك الأوان تحديدًا، كان العراق بلدًا مثقلًا بالعقوبات بفعل الحصار الناجم عن تداعيات اجتياحه للكويت، وهو حصار أسهم في إعادة تشكيل المجتمع الشيعي العراقي، وأعاد إنتاج مجموعة من الصراعات الداخلية وعلى رأسها صراع على هوية الحوزة الشيعية في النجف. صراع طويل الأمد أخذ طابعًا خاصًا، ليس فقط مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، ولكن قبل ذلك بعقد كامل من الزمان على أقل تقدير، منذ أن وصل الخميني للنجف منفيًا من قبل نظام الشاه، وخاصة بعد أن قام بطرح محاضراته الشهيرة حول نظرية "ولاية الفقيه" مع مطلع السبعينيات. كان "الصدر" رجل دين شيعي مشبعًا بروح قومية عربية، ولم يشعر بكثير من الارتياح لـ «اختطاف» الحوزة العلمية العراقية كما بدا له لتصير تحت سيطرة رجال دين ذوي أصول فارسية.

 

بالمقارنة مع إيران، كان للتشيع أهمية سياسية محدودة لدى العراقيين في ظل هيمنة أيديولوجيات أخرى كالشيوعية والعلمانية، وكذا صعود القومية العربية عمومًا والعراقية خصوصًا، وهو ما ولد الكثير من الصراعات المبكرة بين الخميني وبين آية الله العظمى "عبد القاسم الخوئي"، رجل الدين الشيعي الأبرز في العالم الإسلامي في ذلك التوقيت. إلا أنه وعلى خلاف الخوئي ورجال الحوزة التقليديين، كان اختلاف صادق الصدر عن الإيرانيين عرقيًا أكثر منه مذهبي. أما على المستوى الأيديولوجي فبدا أن الصدر أكثر تأثرًا بالخمينيين من رجال الدين التقليديين في الحوزة المتمسكين بالرؤية النمطية للتدين الشيعي، وهو تدين ينأى عن المشاركة في السياسة في غيبة الأئمة، حيث قام الصدر بطرح مفهوم «الحوزة الناطقة» أو «مرجعية الميدان» كدلالة على المؤسسة الدينية المرتبطة بالمجتمع في مواجهة «الحوزة الصامتة» أو «المعطلة» التي ينحصر دورها في الإطار الديني وحسب.

 
كانت فلسفة الصدر السياسية أشبه ما تكون بنظرية(2) "ولاية فقيه مقيدة" تهدف لبث الحيوية في التدين الشيعي دون أن ترقى لمستوى نظرية «ولاية الفقيه الخمينية»، العابرة للحدود، والتي تضع الولي الفقيه بمنزلة الإمام المعصوم كزعيم للشيعة في العالم الإسلامي. ومن أجل تفعيل رؤيته الجديدة أقدم صادق الصدر في عام 1998 على خطوة ثورية وغير مسبوقة، حين أعلن عن إقامة صلاة الجمعة التي ظلت فريضة معطلة عند الشيعة في غيبة الأئمة، في محاولة لتمييز نفسه عن المرجعيات الدينية التقليدية.

 

عراقيون شيعة يرفعون صورة صادق الصدر (رويترز)

 
رغم الروح الثورية الصابغة للخطاب الصدري والمهيمنة عليه حينها بشكل واضح، تجاهل صدام حسين في بادئ الأمر نشاط الصدر بسبب رفضه الواضح للتدخل الأمريكي في الشأن العراقي، ولميوله القومية المنعكسة على رفضه للنفوذ الفارسي، وهو ما توافق مع رؤية النظام العراقي لفترة من الوقت بعد حرب طويلة ودموية خاضها ضد الإيرانيين، ووقف فيها العديد من الشيعة العراقيين المتدينين إلى جانب طهران، رغم علم صدام بأن الحركة الصدرية، لمؤسسها عَمُّ "صادق الصدر" ورجل الدين الفيلسوف "محمد باقر الصدر" المعروف بلقب الصدر الأول، قامت بالأساس من أجل معارضة الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الوطني، قبل أن يتم إعدام "باقر الصدر" وأخته في أعقاب الثورة الإيرانية.

ولكن هذا التجاهل لم يلبث أن تحول لعداء واضح بعد موقف الصدر المساند لانتفاضة الشيعة مطلع التسعينيات في أعقاب غزو الكويت، وبعد أن بدأ صدام حسين بالالتفات للنفوذ الكبير الذي حققه بين فقراء الشيعة، وخطابه المتصاعد الذي بلغ حد مطالبة صدام حسين بالتوبة علنًا. وفي صلاة الجمعة الأخيرة قبيل وفاته ارتدى صادق الصدر كفنه وهو يخطب في أنصاره، في إشارة بدت أكثر من واضحة لما يستعد له، وبعد ذلك بأيام كان نظام صدام حسين قد أنهى(3) كل شيء بطريقته الخاصة.

 

حليف غير مفضل

«برا برا إيران.. برا برا سليماني.. عاش عاش ابن الصدر»، لا يبدو من المألوف أن يسمع(4) دوي مثل هذا الهتاف اليوم في بغداد، وبخاصة في زمن لا يجد(5) فيه مسؤولون حكوميون عراقيون غضاضة في إشهار ولائهم لطهران، وبالمطالبة بإقامة النصب الشرفية لسليماني نفسه في بلادهم، ولكن الهتاف سُمع على كل حال وتردد صداه في طهران قبل بغداد، وبدا أن رجل الدين الشيعي الشاب نجح في عملية استعراض القوة في مواجهة الحكومة العراقية وداعميها الإيرانيين، ليؤكد الصدر الصغير تميزه على العشرات من السياسيين وقادة الميليشيات، الكثر اليوم في العراق، وبأنه الرجل الأوحد ربما القادر اليوم على دفع العراقيين للخروج إلى الشوارع، بينما لا أحد يعلم هل كان ظهور "مقتدى الصدر"، الابن الرابع لصادق الصدر، على الساحة العراقية بعد ساعات من سقوط بغداد في أيدي الأمريكيين عام 2003، مفاجأة للرئيس المختفي، والمعتقل ثم المقتول لاحقًا، صدام حسين أم لإيران أم لكليهما معًا.

 

رغم أن الصدر يُعرف على أنه زعيم سياسي أكثر من كونه مرشدًا دينيًا، ربما لأن رتبته العلمية لا تؤهله، فإن الزعامة الدينية تقع في قلب طموحاته

رويترز
 

قبل أربعة أعوام، وتحديدًا في لحظة قتل والده وأخوته، لم يكن "مقتدى الصدر" أكثر من شاب في منتصف العقد الثالث من العمر، ولم يعره نظام صدام آنذاك اهتمامًا يُذكر بعدما تخلص من عائلته. إلا أن فقراء الشيعة من أنصار والده، الغاضبين من نظام صدام والناقمين على رجال الدين التقليديين، سارعوا لاحتضان الفتى الشاب، فعمل بسرعة مع أنصاره من أجل ملء فراغ تركه سقوط مؤسسات الدولة من خلال توفير الخدمات العامة عبر الحسينيات والبنايات العامة، مديرًا شبكة هائلة غير رسمية للخدمة المدنية. ولكنه سرعان ما اتخذ خطًا مخالفًا للقوى الشيعية التقليدية، وعلى رأسهم آية الله العظمى "علي السيستاني"، المرجع الديني العراقي الأبرز، ومخالفًا للقوى الشيعية العراقية العائدة من المنفى بعد سقوط صدام، والمسارعة للتعاون مع الأمريكيين من أجل تنصيب حكومة يسيطر عليها الشيعة. اختار الصدر على النقيض وقتها معارضة الاحتلال الأمريكي، متهمًا العقوبات الأمريكية بالمساهمة في تجويع العراقيين، ومنددًا بالقوى الشيعية المنضمة لمجلس الحكم الانتقالي، واصفًا إياهم بـ «مجرد بيادق في يد أمريكا».

 

أعاد الصدريون تشكيل أنفسهم بشكل سريع ومبهر، وبخلاف الخدمات العامة، بدا أن التيار عائد إلى الانخراط بقوة في الشأن العام العراقي. وبدأ الحديث آنذاك عن تحالف بدا غريبًا من نوعه بين الصدر الصغير وإيران، غرابة تجلت على ضوء العداء التاريخي بين الفريقين، حيث ظهر أن المشهد السياسي العراقي خلق حوافز قوية للتعاون بينهما في أعقاب رحيل صدام. وكانت(6) زيارة الصدر الأولى لإيران في يونيو/حزيران من عام 2003 لعقد مناقشات بينه وبين آية الله كاظم الحائري، وهو رجل دين شيعي عراقي يُعرف كأحد أبرز تلاميذ الصدر الأول. وهاجم مقتدى الصدر الحائري بسبب مغادرته للعراق في عهد صدام حسين، ولكنه أبدى في ذات الوقت تأييده لنمط الحكم الديني الإيراني شريطة أن يكون تحت قيادة عراقية عربية.

 

لا يوجد ما يمكن أن يكون أكثر دلالة بشأن طموح مقتدى الصدر والملامح العامة لسلوكه السياسي من جوابه السابق على الحائري والإيرانيين، فرغم أن الصدر يُعرف على أنه زعيم سياسي أكثر من كونه مرشدًا دينيًا، ربما لأن رتبته العلمية لا تؤهله لمنافسة مراجع الشيعة التقليديين وعلى رأسهم السيستاني، فإن الزعامة الدينية تقع في قلب طموحاته، كما أن إصلاح وتفعيل المؤسسة الدينية الشيعية هو أحد أعمدة تصوره السياسي، ولكنه يبقى في ذات الوقت مصبوغًا بالنزعة القومية التي ميزت إرث والده، حيث يحاجج الصدريون، وعلى العكس من معظم القوى التي تدير المشهد السياسي في العراق، أنهم التيار السياسي الأكثر «وطنية»، بحكم كونهم لم يغادروا العراق حتى في زمن صدام حسين، بعكس معظم قيادات الشيعة العراقيين الذين غادروا إلى طهران أو إلى الغرب. ورغم أن هذه النزعة القومية التي حرص الصدريون على تضخيمها لم تكن لتمنعهم من تلقي الدعم الإيراني.

 


وبخلاف تقديم أنفسهم على أنهم القوة الأكثر "عراقية" في مشهد ما بعد الاحتلال، كان الصدريون يقدمون أنفسهم على أنهم القوى الشيعية الرئيسة، وربما الوحيدة، المناهضة للولايات المتحدة، وكانوا بحاجة ماسة للتمويل والتدريب والأسلحة، ومن ثم برزت إيران كمرشح أوحد. على الجانب الآخر، كانت إيران تسعى بقوة لتحصيل أكبر قدر ممكن من النفوذ في العراق عبر التعاون مع جميع القوى، سواء من الشيعة المتعاونين مع الأمريكيين أو المناوئين لهم، أو حتى من المسلحين السنة إذا لزم الأمر. وكان الغرض المباشر لإيران هو تطوير أصول عسكرية يمكن استخدامها للضغط وتوجيه المشهد السياسي العراقي كاملًا.

 
ولطالما كانت القدرة على تصعيد العنف والتخلي عنه دومًا سلاحًا إستراتيجيًا رئيسًا لإيران التي عملت مع التيار الصدري وجناحه العسكري المعروف آنذاك باسم جيش المهدي لتحقيق هذه الغاية. ففي عام 2004، حين وقعت انتفاضات الصدريين ضد الأمريكيين، كان هناك مستشارون إيرانيون بين صفوف جيش المهدي في النجف. وفي الوقت نفسه، ونظرًا لأنها كنّت اهتمامًا بتمكين حكومة شيعية خلال انتخابات عام 2005، فإن إيران صنعت تحالفًا آخر غير مريح بين الصدر وبين القوى السياسية الأخرى الموالية لها في العراق، مثل حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى، لتمكين أول حكومة شيعية عراقية، تحالف(7) حصل بموجبه الصدر على 23 مقعدًا في البرلمان وثلاث وزارات هي الصحة والنقل والإسكان.

 

بيد أن الصدر لم يكن في أي وقت من الأوقات حليف طهران العراقي المفضل. كانت إيران مضطرة لدعم(8) جيش المهدي كأول ميليشيا شيعية نظامية في عراق ما بعد الاحتلال، ولكنها عمدت من اللحظة الأولى لصناعة رجالها الأوفياء على أنقاض حركة الصدر نفسها. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك هو "قيس الخزعلي" قائد ميليشيا "عصائب أهل الحق"، إحدى أبرز الميليشيات الموالية لإيران في العراق اليوم. كان "الخزعلي" تلميذًا سابقًا لصادق الصدر وحليفًا مؤقتًا لابنه لأشهر قليلة، قبل أن يترك الحركة ويتلقى دعمًا مستقلًا من طهران. ولم يكن "الخزعلي" حالة فريدة من نوعها، فالحقيقة أن العديد من الميليشيات الموالية لإيران اليوم يقودها قادة انشقوا عن حركة الصدر بإيعاز من طهران، مثل "أوس الخفاجي" زعيم ميليشيا "أبي الفضل بن العباس"، و"سعد سوار" مؤسسًا لميليشيا "جيش المؤمل"ثم ذاهبًا للقتال في سوريا.

طموح غير محدود

يمكننا أن نجمل الأمر إذن بالقول إن الحركة الصدرية كانت ظاهرة عراقية واضحة، ظهرت مستقلة عن التدخل الإيراني رغم حصولها على المساعدة من قبل طهران في معظم المنعطفات الحرجة في تاريخ الأولى، وكانت واقعة تفجير ضريحي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء عام 2006 أحد هذه المنعطفات.
 

بدأ الصدر حياته السياسية بالمقاومة المسلحة ومقاطعة العملية السياسية الجارية، قبل أن يعود لينخرط فيها ويدخل في تحالف مع حزب الدعوة الحاكم ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي

مواقع التواصل
 

على إثر الواقعة السالف ذكرها اندلعت الحرب الأهلية العراقية، ووجه جيش المهدي قوته العسكرية ضد السنة مرتكبًا أبشع المذابح الموثقة خلال سنوات الحرب. ومع نهاية عام 2007 حين كان الصدر مضطرًا لمغادرة العراق خوفًا من القتل، لم تكن وجهته سوى إيران، حيث تلقى(9) تعليمه الديني واختفى عن الأنظار، قبل أن يعود من جديد في عام 2011 مرتديًا ثوبًا أكثر براغماتية بعد أن خفتت ذاكرة المذابح الدموية التي ارتكبها أنصاره إبان الحرب الأهلية. وقبل عام من عودته للعراق، فاز الصدريون بحوالي 40 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية لعام 2010، وحصلوا على سبع وزارات، ومنصب نائب رئيس مجلس النواب، فضلًا عن إدارة مجموعة من المحافظات في جنوب البلاد. كما قام الصدر بإعادة تشكيل جيش المهدي وحوله رسميًا لمنظمة للخدمات الاجتماعية بهدف تحسين صورته، غير أنه احتفظ أيضًا بقدراته الميلشيوية وقدرته على التأثير في توازن الصراعات المسلحة إن لزم الأمر.

 
يبرز مقتدى الصدر اليوم كزعيم لأكبر تكتل ديمغرافي في العراق، وهو ينظر لهذا بوصفه مصدر شرعيته الرئيسة، رغم أن تياره مشارك اليوم في السلطة التشريعية والتنفيذية. وتبدو مشكلة الصدر الأولى من وجهة(10) نظر الكثيرين هي عدم استقراره على إستراتيجية واضحة منذ عام 2003 لليوم، حيث بدأ حياته السياسية بالمقاومة المسلحة ومقاطعة العملية السياسية الجارية، قبل أن يعود لينخرط فيها ويدخل في تحالف مع حزب الدعوة الحاكم ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، تحالف حكم المالكي بموجبه العراق لفترتين متتاليتين، وتحوله من قائد للميليشيات الشيعية في الحرب الأهلية ضد السنة لمساند لاحتجاجات واعتصامات السنة عامي 2013 و2014 بعد انقلابه هو نفسه على نوري المالكي، فضلًا عن موقفه "المرتبك" من إيران. بيد أن آخرين يرون على النقيض أن الصدر يسلك خطته الأفضل، ففي بلد يمكن تصنيف جميع قواه السياسية كقوى موالية لإحدى القوى الإقليمية، ربما يتحول الموقف المتقلب إلى رأس مال للزعامة الشعبية ورمز للاستقلالية السياسية، وهي صورة يريدها مقتدى الصدر لنفسه ويعتبرها طريقه على ما يبدو للوصول لحلمه في زعامة مطلقة، ليس فقط في شقها السياسي ولكن أيضًا على المستوى الديني.

  

يمكن لتلك الطموحات أن تفسر بأريحية تامة مسارعة الصدر لاستغلال الفراغ المفاجئ في الساحة الدينية بعد انسحاب المرجع الديني آية الله علي السيستاني من الإشراف على العملية السياسية. فمنذ عام 2003 لعب السيستاني دور بيضة القبان في الحياة السياسية العراقية، من التوفيق بين الفرقاء لرعاية التحالفات السياسية وحتى تدشين الجهود العسكرية، ويدرك الجميع اليوم أن ميليشيات الحشد الشعبي تأسست بناء على فتوى صدرت من السيستاني، ورغم أن إيران هي من تسيطر بشكل فعلي على هذه الميليشيات، فقد ظلت لفترة طويلة، وربما لليوم، عاملة تحت غطاء شرعية السيستاني حتى مع التقنين "المريب" لأوضاعها داخل الدولة العراقية.

وسبق للسيتستاني التوسط في مصالحة لإيقاف الهجوم على أنصار مقتدى الصدر في النجف عام 2004 في عهد حكومة إياد علاوي، رغم أن الصدر لم يدخل في أي وقت من الأوقات في مرجعية السيستاني. ولكن رجل الدين الأبرز في العراق قرر فجأة التقليص من وجوده السياسي، والامتناع عن التعليق المكثف على الأحداث، محتجًا أن صوت المرجعية قد «بح» على مدى عدة أشهر في المطالبة بالإصلاح وملاحقة الفاسدين، وكانت تلك فرصة الصدر المثالية لدفع أنصاره للشوارع العراقية.

  

 
على مدار أشهر، وإلى اليوم، تستمر(11) حشود التيار الصدري في التدفق للشوارع تحت شعارات متعددة تدندن حول الإصلاح ومكافحة الفساد وتنصيب حكومة تكنوقراط وتغيير قانون الانتخابات المنتظرة مطلع العام المقبل، رغم أن الصدر، مالكًا اليوم 32 نائبًا في البرلمان العراقي الذي اقتحمه أنصاره مطلع العام الماضي، إضافة لثلاثة وزراء في الحكومة، لم يقدم في أي لحظة على سحب وزرائه أو نوابه، واضعًا نفسه في موقف فريد على الساحة العراقية بقدم في الحكومة وأخرى في المعارضة، ليستمر في تقديم نفسه كرجل الشباك الأول في العراق، وأحد رموزها الأكثر تأثيرًا وتناقضًا أيضًا. غير أن كل هذا الجدل الذي أثاره الصدر تضاءل أمام خطوته الأكثر مفاجأة، حين قام بالاستجابة لدعوة سعودية لزيارة المملكة في 30 يوليو/تموز الماضي، حيث التقى مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جدة.

 

مناورة الرياض.. الوساطة المزيفة

لم تكمن المفاجأة في زيارة سياسي أو حتى رجل دين عراقي للرياض، حتى في ظل التاريخ الإشكالي للعلاقات بين البلدين. فطوال الستينيات وحتى أوائل السبعينيات، كانت الرياض تشتبه(12) في أن بغداد تدعم الحركات السياسية المعادية للمصالح السعودية في جميع دول الشرق الأوسط، ما دفع المملكة للسعي لتقوية علاقاتها مع دول مثل سوريا والولايات المتحدة وحتى إيران الشاه، وهي دول لم يكن أي منها يشعر بالثقة نحو بغداد أيضًا. ولكن العلاقات بين البلدين أخذت في التحول في منتصف السبعينيات، وتسبب قيام "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979 في إثارة مخاوف مشتركة أثارت قدرًا غير مسبوق من التعاون بين بغداد والرياض.

 

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، استثمرت السعودية الكثير من رأسمال الاقتصادي والسياسي في تعزيز علاقتها مع العراق. ومع ذلك، لم تكد الحرب العراقية الإيرانية تنتهي حتى أقدمت العراق على احتلال الكويت، ما تسبب في توتر طويل الأمد في علاقات الأولى مع جميع دول الخليج. ومنذ سقوط حكومة صدام حسين في عام 2003، طورت إيران نفوذها في العراق، الأمر الذي زاد من توتر علاقات الأخيرة مع السعودية. واتهمت المملكة بغداد منذ فترة طويلة بموالاة إيران والتمييز الطائفي ضد السنة، واستمر التوتر سيد الموقف في العلاقات السعودية الإيرانية، باستثناء فترة انفراج نسبي خلال فترة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي المقرب من الرياض، لكن العلاقات بلغت مستوى غير مسبوق من التدهور إبان فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، خاصة مع تكثيفه للسياسات الطائفية خلال فترة حكمه الثانية، حيث تم فض اعتصامات السنة بقسوة ووحشية موثقة، كما قام المالكي بتصعيد خطابه المناهض للسعودية متهمًا إياها بـ «دعم الإرهاب في العراق».

  

 مقتدى الصدر في زيارة للمملكة العربية السعودية  (الجزيرة)


ومع صعود رئيس الوزراء حيدر العبادي للسلطة العراقية عام 2014 بدا أن طريق التطبيع بين البلدين أكثر من صخري، ولكن الأمور أخذت في الانفراج شيئًا فشيئًا مع مشاركة السعودية في الحرب ضد "تنظيم الدولة الإسلامية"، ومع تزايد رغبة العبادي في امتلاك هامش مناورة خارج المدار الإيراني. وفي العام الماضي 2016 أعلنت الرياض عن إعادة افتتاح سفارتها في بغداد، بعد أكثر من ربع قرن من إغلاقها إثر الغزو العراقي للكويت، ولكن السفير السعودي في بغداد "ثامر السبهان" اضطر للانسحاب في نفس العام إثر تصريحات له أغضبت المسؤولين العراقيين حول الحشد الشعبي والعلاقات العراقية الإيرانية.

 

بيد أن تصريحات السبهان لم توقف مسيرة التقارب الغريب بين الرياض وبغداد. ففي فبراير/شباط من العام الحالي 2017 زار وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" بغداد في أول زيارة لوزير خارجية سعودي للعراق منذ 14 عامًا، وفي يونيو/حزيران حل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ضيفًا على الرياض، وفي الشهر التالي يوليو/تموز زار وزير الداخلية العراقي "قاسم الأعرجي"، المعروف بقربه من طهران، السعودية أيضًا، وشهد الشهر نفسه زيارة رئيس أركان الجيش السعودي للعراق.

 
بالمحصلة، تمخضت تلك الزيارات عن اتفاقات لتبادل المعلومات الاستخبارية، وعودة الطائرات السعودية للتحليق في أجواء العراق، وفتح المنافذ البرية التي ظلت مغلقة طوال 27 عامًا. وكان من الواضح أن تيارًا في القيادة العراقية يدفع نحو تبني(13) مواقف أكثر استقلالية عن طهران، وأكثر رغبة في الاستفادة من تدفقات الأموال السعودية في مشروعات إعادة الإعمار، وربما إعادة فتح خطوط أنابيب النفط الضخمة التي تمر عبر المملكة من العراق للبحر الأحمر، والتي تم بناؤها خلال الحرب الإيرانية العراقية، في وقت بدأت تخفت فيه صور قاسم سليماني العراقية مع نهاية معارك الموصل.

 

في مثل تلك الأجواء من الانفتاح غير المسبوق، ربما لا تمثل زيارة سياسي عراقي للرياض أمرًا يدعو للكثير من الاستغراب، لكن حين يتعلق الأمر بمقتدى الصدر على وجه التحديد فإن الأمر لا يبدو كذلك. فلا تزال السعودية حديثة ذكر بالهجمات الخطابية الشرسة للزعيم الشيعي عليها، والتي طالما كانت طريقة مثلى لبث الحماس في أنصاره، بداية من تهديده باجتياح السعودية بعد أن دخل السعوديون للبحرين عام 2011 مع ما أطلق عليه «قمعهم للانتفاضة الشيعية»، وصولًا لاتهامه إياها بـ «الطائفية والتشدد» بعد الحكم بإعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر.

 

أنصار الصدر يتظاهرون ضد السعودية (رويترز)


بدا ما سبق تناقضًا صارخًا مع خطاب الصدر الناعم تجاه الرياض إبان الزيارة وما بعدها، وأوامره لأنصاره بإزالة الملصقات المناهضة للسعودية من الشوارع. وجاءت الزيارة مصحوبة بموجة من التكهنات مع سيناريوهات مختلفة ومتداخلة. ونظرًا لأن الرياض كانت صاحبة الدعوة فإنها حظيت بنصيب الأسد من التكهنات، بداية من الاستفادة من الصدر كوسيط لتخفيف حدة التوترات مع إيران، وصولًا للتكهن برغبتها(14) في الاستفادة من نفوذ الصدر لتهدئة التوترات مع الأقلية الشيعية لديها.

 

غير أن سيناريو الوساطة لا يبدو أنه يصمد طويلًا، فالرياض على الأغلب ليست بحاجة لوساطة عراقية لتخفيف التوترات مع طهران إذا أرادت، وحتى في حال تفكيرها على هذا النحو فإن مقتدى الصدر ليس الشخص الأمثل لذلك على كل حال. ويبدو السيناريو الراجح أن الرياض تلمست طموح الشاب العراقي نحو الزعامة السياسية والدينية، ورغبته في اتخاذ موقف مستقل عن طهران، ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية العراقية، والحديث حول رغبة إيرانية في إعادة نوري المالكي للسلطة، فإن الرياض تبحث عن موطئ قدم لها هناك، وبدا أن الصدر بثيابه المصطنعة العابرة للطائفية يمثل أفضل الرهانات المتاحة، خاصة مع الحديث عن إمكانية قيام تحالف(15) بينه وبين العبادي وبين إياد علاوي، رجل الرياض المفضل، خلال الانتخابات القادمة في مواجهة رجال إيران المقربين.

 

بجانب كل ذلك، ربما تناست الرياض في خضم مغامرتها المحتملة مع الصدر أنه يبقى رجلًا لا يزال يرى الزعامة الدينية قرينة لزعامته السياسية، ما يعني أن مناورته معها ستظل محدودة على الأغلب برغبته في انتزاع أكبر مساحة ممكنة من الفضاء السياسي في مواجهة خصومه من السياسيين الشيعة، وربما تناست أيضًا أن قومية الصدر لن تطغى بشكل ما على مذهبيته بما يجعله يخاطر بخسارة قاعدته الجماهيرية، في مناخ يغلب عليه الاستقطاب الطائفي، والأهم وأنه حتى الميول القومية العراقية لم تكن في وقت من الأوقات عبر تاريخها صديقة للسعودية. ويبقى الأمر على الأغلب مسألة وقت فقط قبل أن تعاود الملصقات المعادية للرياض مكانها، كما اعتاد العراق عبر تاريخه سواء حكمه السنة أو الشيعة. أما بالنسبة لشيعة العراق تحديدًا، وعلى حجم الخلافات الكبير بينهم، فإن جحيم طهران سوف يظل بالنسبة لهم أفضل من جنة الرياض في غالب الأحوال.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار