اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/25 الساعة 17:25 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/5 هـ

انضم إلينا
سماسرة الحروب..كيف تحولت الحرب اليمنية إلى تجارة مربحة؟

سماسرة الحروب..كيف تحولت الحرب اليمنية إلى تجارة مربحة؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

 يقدم المقال التالي تحليلًا لطبيعة العلاقات التي تحكم الصراع اليمني. لماذا تبدو الحرب في اليمن أشبه بنمط حياة بدأ يألفه الجميع، وكيف تستفيد الأطراف المتناحرة من الحرب، وتتربحُ منها. هو تحليل اجتماعي اقتصادي ميداني، يقدمه بيتر سالزبوري، كبير الباحثين في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث والدراسات".

 

نص المقال

 لطالما تمكن اليمنيون من الاستثمار في الأوضاع الرثّة، ولهذا السبب تحديدا، لم تكن الحرب الدائرة هناك منذ أعوام لتشكل عائقًا أمام قدرتهم على الابتكار. فأكبر خزان للطاقة الخضراء في العالم، بحسب زعم السكان المحليين، يقع في صنعاء. ذلك أن الإنتاج الذي يحتل نصيب الأسد من الطاقة الكهربائية يتم بواسطة الألواح الشمسية. هذا بالإضافة إلى الخطوة التي اتخذها رجال الأعمال اليمنيون، بابتكار نظام حوالات خارجية يمكّن العاملين في الخارج من إرسال الأموال إلى اليمن، مقابل رسوم مالية، عندما كان احتياطي العملة الأجنبية في اليمن على وشك النفاد.

 

كان ذلك حتى اضطر كل من التجار وشركات التحويل المالي للاصطدام بالحواجز القبلية والعصابات المسلحة وتنظيم القاعدة. لكن، لأن مليشيات عديدة تحصل مداخيلها من خلال الإتاوات، ظل الأمن مستتبا في الشوارع كما عهده الناس، طالما أنهم لم يكونوا مقاتلين في الصراع الأوسع.

 

يؤكد عدد من رجال الأعمال الذين أجريت لقاءات معهم، أن قيمة الإتاوة المفروضة على الحواجز ومراكز بريد الواردات التي أسستها "حكومات معادية لليمن" ترفع كلفة البضائع بنسبة 10-15%. تمكن اليمنيون الأثرياء من التعايش مع آثار النفقات المالية. ومن الواضح أن اليمن لا يعدم السيولة المالية تماما، كما أفادت صحيفة الإيكونوميست في وقت سابق، فبينما يتصاعد انتشار وباء الكوليرا في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، يظل فرع صنعاء من سلسلة '"باسكن-روبنز" عامرًا بالمثلجات التي تصل العاصمة بالشاحنات المبردة.

 

قلما يقوم الرجال الذين يحرسون نقاط التفتيش على الطريق، بتفتيش محتويات الشاحنات. وقد يرجع ذلك في بعض الأحيان إلى أوامر مباشرة من قادة المليشيات.  (رويترز)

 
ومع أن توفُّر البضائع والسلع في ظل هذه الظروف يبدو أمرا جيدا؛ إلا أن ثمة جانبًا أشد قتامة لاقتصاد الحرب في اليمن. يفيد رجل أعمال يمني، طلب منا عدم ذكر اسمه، أن في وسعه الحصول على 'أي شيء تقريبا‘ من ميناء جبل علي في دبي إلى صنعاء خلال 48 ساعة، وخلال 72 ساعة إن كان ثمة اشتباك على الطريق.يتم شحن البضائع الأخرى إلى موانئ عُمان، ما بين الإمارات واليمن، أو من الموانئ الجنوبية والغربية اليمنية. ستنال البضائع تفتيشا أقل إن كنت تقوم برشوة الأشخاص الصحيحين.

 

قلما يقوم الرجال الذين يحرسون نقاط التفتيش على الطريق، بتفتيش محتويات الشاحنات. وقد يرجع ذلك في بعض الأحيان إلى أوامر مباشرة من قادة المليشيات. هذه اللامبالاة المدروسة من قبل حارس نقطة التفتيش العادي، كما يجادل باحث يمني، هي جزء من حالةٍ أوسع لم تلق اهتمامًا بحثيا كافيا: "كافة الجماعات المسلحة، الرجال المحمّلون بالذخائر، الساسة في صنعاء والرياض، يتربحون من الحرب". مضيفًا: " الحرب في اليمن تؤرق الدبلوماسيين والحقوقيين الغربيين الذين يشغلهم سؤال إنهائها. لكن الحرب إحدى مصادر التربح، فلماذا ستجازفُ الأطراف المتناحرة بإيقافها الآن؟".

 

سيصدر لي بحث حول الحرب اليمنية، في نهاية هذا العام مع مركز "تشاتام هاوس"، تحت عنوان "لماذا لم تتوقف الحرب؟". يميلُ الدبلوماسيون العاملون في اليمن وفي مناطق صراع أخرى إلى التشديد على أهمية أن تدرك الأطراف المتناحرة في حرب اليمن وفي حروب أهلية أخرى أيضا أن إنهاء الصراع سيعود بالنفع عليها، وأهمية العمل من أجل مستقبل آمن ومستدام. لكنني كلما تحدثت أكثر مع اليمينيين المطلعين على طريقة تفكير الساسة والجماعات المسلحة المتورطين في الصراع، كلما قلّ اقتناعي بتفاؤل الدبلوماسيين. مع ركود جبهات المواجهة في الحرب لعامين، وسيطرة عدة جماعات هامشية سابقا على مساحات من الأراضي بما فيها طرقات تجارية حيوية، يرى العديد من قادة المليشيات المزيد من الأسباب لإدامة الصراع، لا سيما وأن معظم الأطراف لم يكونوا جزءا من عملية سلام تقودها الأمم المتحدة.

 

عبد ربه منصور هادي في السعودية (وكالات)

 
تنفق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا الكثير من وقتها خارج البلاد. بينما يعيش الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي الذي عُزل من منصبه أواخر عام 2015، في الرياض، عاصمة السعودية، عوض أن يكون في عدن، المدينة التي عينها مقرا للحكومة بعد مغادرة صنعاء مطلع 2015. يقال إن العيش في الرياض يناسب إدارة هادي أكثر من البقاء في عدن، حيث الوضع متفجر. رغم ما يشاع حول تربح حلفاء هادي من إتاوات مفروضة على إمدادات الوقود القادمة إلى عدن، إلا أن ما يملكونه أقل من القلق على خسارته. فما عدن إلا إحدى المدن القليلة التي تسيطر عليها جماعة هادي صوريا وحسب. بالإضافة إلى التحالف الوحشي الذي يسيطر على مساحات شاسعة من شمال غرب اليمن، هناك الحوثيون، الذين استولوا على صنعاء في (أيلول/ سبتمبر) 2014 قبل التوسع إلى بقية الأراضي اليمنية، والذين سرعان ما اتضح أنهم يحظون بدعم مجموعات عسكرية تدين بالولاء للرئيس السابق المخلوع، علي عبد الله صالح.

 

بعد مغادرة الرئيس هادي مدينة صنعاء، شكل الحوثيون تحالفا سياسيا متينا مع حزب المؤتمر الشعبي العام. كان هؤلاء شهودًا على التدمير المتسارع للدولة التي ساهموا في بنائها ونهب الثروات التي دعمت اقتصاد البلاد المدمر في الوقت الحالي. كان لديهم توق لإنهاء الحرب، لكن ليس إن عني الأمر أن هادي والسعوديين سوف يحكمون البلاد، ناهيك عن أن يحكمها شركاؤهم الحوثيون، الذين يضمرون لهُم نظرة دونية.

 

أما بالنسبة لقادة المليشيات الحوثية، فقد شكلت الحرب فرصة لبسط الثروة والنفوذ. فقد بدأ العديد منهم الحرب كمسلّحين مُعدَمين في صفوف الحوثيين في صعدة، عاصمة الحوثيين، عام 2000. بعد استيلائهم على صنعاء، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على زعيمهم عبد الملك الحوثي، والقائد العسكري الأعلى أبو علي الحكيم. دون أن يكون لدى أي من الرجلين في ذلك الوقت، كما يقال، حساب مصرفي أو حتى عقد هاتف محمول. "هل تستطيع فرض عقوبات مالية على أشخاص يلجأون إلى الدفع النقدي؟" تندَّر مناصر للحوثيين.

 

عملية السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة، تطالب تحالف الحوثي-صالح بعقد اتفاق مع أتباع الرئيس هادي وتشكيل حكومة "وفاق وطني"

الجزيرة
 

اليوم، رجال من أمثال أبو علي، كانوا يودّعون سنوات المراهقة للتو عندما بدأ التمرد الحوثي، وألفوا حياة الحرب والعوز المالي، يتحكمون بمليشيات قوامها آلاف المقاتلين المنتشرين في أقاليم يحصّلون منها أموالهم. من الصعب التصديق بأن القادة العسكريين الحوثييّن يخسرون شيئا. بالأخص عندما يتعلق الأمر بأبناء الجماعات الشيعية المتزمتة، الذين يرون المعركة أمرا إلهيا.

 

في مكان آخر من اليمن، تجني الحكومة التي تسيطر على جنوب حضرموت الكثير من فرض الضرائب على البضائع الواردة إلى ميناء المكلا مما يمكنها من سداد كلفة إصلاح البنى التحتية والخدمات الطبية الأساسية والكهرباء. بينما تمكن الحاكم في مأرب، وسط اليمن، من تمويل قطاع الخدمات من ريع غاز الأسطوانات الذي يُنتجه حقل نفط تابع للإقليم. وإن كان المال الناتج عن هذه الموارد غير كافٍ للحيلولة دون وقوع المجاعة، إلا أنه يوفر الموارد اللازمة لبقاء القادة السياسيين وزعماء المليشيات في السلطة.

 

هذه مشكلة لأن عملية السلام التي توسطت فيها الأمم المتحدة، تطالب تحالف الحوثي-صالح بعقد اتفاق مع أتباع الرئيس هادي وتشكيل حكومة "وفاق وطني"، وأن يعود تدفق أموال واردات الضرائب ومبيعات النفط والغاز إلى صنعاء، وهو ما سيشكل أزمة للعديد من الجماعات المحلية التي تكنُّ القليل من المودة والثقة لحكومة هادي، أو الحوثيين أو جماعة صالح. ناهيك عن أن يقبلوا بالتخلي عن أسلحتهم.

 

ثمة مشكلة أكبر مع ذلك حتى، فعلى الرغم من الأزمة الإنسانية، إلا أن الترتيبات الحالية تبدو ملائمة لمعظم الأطراف، إلى الحد الذي يبدو معه وأنها تتعاون مع بعضها بعضا. فالوقود الوارد إلى المكلا يتم إيصاله إلى صنعاء. بينما قد تجري صفقات بيع أسلحة بين الأطراف المتناحرة نفسها. على الطريق السريع في مأرب، كان ثمة مواجهة مسلحة، كما هو متوقع في ساحة حرب. لكن على طريق آخر أشد وعورة إلى الجنوب، تقود الشاحنات عبر نقاط تفتيش تابعة للمناوئين والمناصرين الذين لا يفصل بينهم سوى جبل. لقد تطور اقتصاد الحرب، بالنسبة للمسلحين، إلى نظام مستدام طالما أن الحالة القائمة مستدامة. ناهيك عن تحول الحرب اليمنية إلى غطاء لتعاون حميم بين رفاق المستقبل.

 

يصل حوالي 70% من بضائع البلاد عن طريق ميناء الحديدة. تتنبأ وكالات الإغاثة بمجاعة إن ظل الميناء خارج الخدمة لأكثر من أيام

الجزيرة
 

لا يزال القتال المشتعل جاريا في مدينة تعز وإقليم البيدة. لكن دون أن تكون أي من المعركتين معركة حاسمة. ولهذا السبب ترى حكومة هادي والتحالف العسكري الذي تقوده السعودية، الاقتصاد طريقة وحيدة يمكنهم من خلالها كسب النفوذ أمام القوة العسكرية المتنوعة لتحالف صالح والحوثيين. في (أيلول/سبتمبر) 2016، أعرب الرئيس هادي عن رغبته بتغيير مقر المصرف اليمني المركزي من صنعاء إلى عدن، متذرعا باستيلاء المتمردين على واردات الدولار والريال. لكن الحكومات الغربية حذرت من أن تغيير موقع المصرف المركزي، وفقدان الموظفين المدرَّبين، قد يعرقل الاقتصاد ويعمق الأزمة الإنسانية. يتساءل العديد من المراقبين، مع ذلك، إن لم يكن هذا جزءا من الخطة.

 

منذ خواتيم 2016، والتحالف الذي تقوده السعودية ينفذ هجمات عسكرية ضد قوات الحوثي-صالح في ميناء الحديدة على الساحل اليمني الغربي. يقول التحالف إنه يريد الميناء لأن قوات الحوثي-صالح تستفيد منه في استيراد الأسلحة الإيرانية. لكن من الصعب ألا نرى هذه الخطوة كمحاولةٍ لشد الخناق الاقتصادي على المتمردين وإرغامهم على القبول باتفاقية السلام التي تريدها حكومة هادي.

 

يصل حوالي 70% من بضائع البلاد عن طريق ميناء الحديدة. تتنبأ وكالات الإغاثة بمجاعة إن ظل الميناء خارج الخدمة لأكثر من أيام، في الوقت الذي يؤكد فيه الخبراء العسكريون أن تنفيذ هجوم ناجح قد يستمر لأسابيع. تكمن المشكلة في قدرة حلف صالح-الحوثي على النجاة بفضل الشاحنات المحملة بالبضائع مقابل ارتفاع أزمة الطرق لترتفع معها إتاوات نقاط التفتيش وجبايات الجمارك. "سينجو الحوثيون ويجوع اليمنيون"، يقول محلل يمني بنبرة ملؤها الأسى.

_______________________________________________
   
مترجمٌ عن (تشاتام هاوس)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار