اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/4 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/14 هـ

انضم إلينا
أصحاب الأخدود.. الروهينغا تحت رحمة المنظمات الدولية

أصحاب الأخدود.. الروهينغا تحت رحمة المنظمات الدولية

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

لا تحتاج عدالة قضية الروهينغا إلى إعمال نظر كثير، حتى إن هناك من أسماهم بالأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد على وجه الكوكب. لكن الموقف الدولي الرسمي مثير للدهشة والإحباط. فما سر إحجام المؤسسات الدولية عن اعتبار الفظائع الجارية عملية إبادة جماعية رغم موافقتها لمراحل الإبادة الجماعية المنصوص عليها؟ تحل الرواية هذا اللغز، وتنقل شهادات باحثين مرموقين عن الأزمة، وتضعنا أمام الصورة الحقيقية للعالم الذي نعيشه، دون تجميل أو إبهام.

نص التقرير

تشهد ميانمار عمليات إعدام للمراهقين رميا بالرصاص، وإغراق للرضّع في الأنهار، وفرار مئات الآلاف إلى مخيمات لاجئين بائسة في بنغلاديش، بعد إشعال الجنود والمليشيات البوذية النار في قراهم. تنهال القصص المرعبة من أفواه المسلمين الروهينغا الفارين من ولاية راخين الميانمارية، حيث تشن القوات المسلحة حملة وحشية ردا على هجمات للمتشددين في 25 (أغسطس/آب)، أثارت استنكارا واسع النطاق للمعاملة التي يلقاها الروهينغا الذين يعتبرهم الكثيرون الأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد على وجه الكوكب.

 

في الوقت الذي اعتبر فيه مسؤول كبير بالأمم المتحدة ما يلقاه الروهينغا "مثالا نموذجيا" على التطهير العرقي، فقد اتخذ البعض -ومن بينهم وزير خارجية بنغلاديش- خطوة أخرى باتهام حكومة ميانمار بارتكاب ما أسموه بـ "جريمة الجرائم"، ففي العاشر من (سبتمبر/أيلول) قال وزير الخارجية أبو الحسن محمود علي للصحفيين بالعاصمة داكا: "يقول المجتمع الدولي إنها عملية إبادة جماعية، وهو ما نذهب إليه".

 

 
لم يعتبر القانون الدولي أن التطهير العرقي جريمة مستقلة قط، بمعنى غياب أي تعريف دقيق، وهو ما أدى إلى استخدام السياسيين والصحفيين للمصطلح دون أي قيود. أما في الخطاب الشعبي فيُعرّف التطهير العرقي عامة بأنه استخدام للعنف أو الإرهاب لتشتيت مجموعة بهدف جعل منطقة ما متجانسة عرقيا. لكن اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية تُعرّف الإبادة الجماعية قانونيا بأنها: "أفعال ترتكب بقصد تدمير جماعة وطنية أو عرقية أو دينية، بصورة كلية أو جزئية". تشمل هذه الأفعال المدرجة في الاتفاقية قتل أعضاء الجماعة، وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي خطير بأعضاء الجماعة، و"إرغام الجماعة على أحوال معيشية من شأنها تدميرها ماديا، سواء كليا أو جزئيا".

 

تقول أليسيا دي لا كور فينينغ، الباحثة بالمبادرة الدولية لمكافحة جرائم الدولة التي درست معاملة الروهينغا على نطاق واسع، إن هناك إبادة جماعية يجري سنها في ميانمار، وإنه ينبغي النظر إلى الإبادة الجماعية على أنها عملية متعددة المراحل، بدلا من توجيه الاهتمام إلى عمليات القتل الجماعي وحدها.

 

تقول دي لا كور فينينغ: "يكشف بحثنا عن تطور الظروف التاريخية والحالية لاضطهاد أقلية الروهينغا إلى ممارسة للإبادة الجماعية". وتوضح أن الروهينغا يتعرضون للوصم والمضايقات والعزلة والإضعاف الممنهج، وهي أربع من مراحل الإبادة الجماعية الست، وفق نموذج دانييل فيرستين، رئيس الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية. أما المرحلتان المتبقيتان فهما الإفناء والتشريع الرمزي، أي إعادة بناء مجتمع جديد تغيب فيه ضحايا الإبادة الجماعية ماديا ورمزيا.

إن فهم الإبادة الجماعية على أنها عملية تستغرق سنوات، بل عقود، يسمح لنا بتمييز عمليات الإبادة الجماعية أثناء حدوثها، مما يمكننا من التدخل لمنع العنف المتصاعد، بما في ذلك القتل الجماعي الذي هو مجرد جزء من عملية الإبادة الجماعية التي تبدأ بوصم الجماعة المستهدفة وتجريدها من الإنسانية. وسنظل عاجزين عن منع هذا النوع من العنف أثناء حدوثه إلى أن تُفهم الإبادة الجماعية بهذه الطريقة وليس مجرد قتل جماعى، فهذا مجرد عنصر ضمن عملية الإبادة الجماعية".

 

تقول دي لا كور فينينغ: "ما إن نأخذ فى الاعتبار السياسات والممارسات القمعية المنهجية للحكومة الميانمارية فيما يتعلق بملف الروهينغا فإننا نبصر أمامنا نية واضحة للقضاء على هذه الأقلية"

رويترز
 

على الرغم من تعرض الروهينغا للاضطهاد على مدى أجيال، يُرجع الكثيرون الاضطهاد المتصاعد في العقود الأخيرة إلى قانون صدر عام 1982 يرفض الاعتراف بهم كأحد الـ 135 عرقا وطنيا في ميانمار، ولم يشتعل الوضع إلا في السنوات الأخيرة، مع نفي أعضاء بالحكومة وجود أي مجموعة عرقية باسم "الروهينغا"، معتبرينهم مهاجرين "بنغال" غير قانونيين.

 

تضيف دي لا كور فينينغ: "ما إن نأخذ فى الاعتبار السياسات والممارسات القمعية المنهجية للحكومة الميانمارية فيما يتعلق بملف الروهينغا بداية من الثمانينيات فإننا نبصر أمامنا نية واضحة للقضاء على هذه الأقلية". أما عن توماس ماكمانوس، الباحث في جامعة الملكة ماري في لندن، والذي كتب تقريرا للمبادرة الدولية لمكافحة جرائم الدولة بعنوان "العد التنازلي للإبادة: الإبادة الجماعية في ميانمار"، بالاشتراك مع دي لا كور فينينغ والباحث بيني غرين في عام 2015، فيقول إن الجرائم الوحشية الأخيرة تثبت أننا نشهد "آخر مراحل الإبادة الجماعية للروهينغا".

 

يقول ماكمانوس: "لا تظهر المراحل منفصلة ومتتالية دائما بهذه الصورة الواضحة، فكثيرا ما تتكرر وتتداخل، كل ما أردت قوله هو إننا قد بلغنا مرحلة جديدة في (أغسطس/آب) الماضي. وأود التنبيه إلى أن "الإضعاف الممنهج" يجري بشكل جيد، وأننا نحتاج الآن إلى التقصي لمعرفة إن كان "الإفناء" قد بدأ بشكل جدي أم لا".

 

يقول غريغوري ستانتن، رئيس مراقبة الإبادة الجماعية: "ستلعب أونغ سان سو تشي دورا رئيسا في عرقلة أي اعتراف بالإبادة الجماعية للروهينغا

رويترز
 

أما عن الزعيمة الميانمارية أون سان سو تشي التي حظيت بشعبية كبيرة في الغرب خلال سنوات الإقامة الجبرية في ظل حكم المجلس العسكري فقد تعرضت لنقد دولي غير مسبوق بسبب صمتها أمام الفظائع الجماعية المرتكبة فى ولاية راخين، وطالب الكثيرون بسحب جائزة نوبل للسلام منها، معتبرين رفضها إطلاق أي تصريح موافقة ضمنية على ارتكاب أبشع الجرائم.

 

يقول غريغوري ستانتن، رئيس مراقبة الإبادة الجماعية: "ستلعب أونغ سان سو تشي دورًا رئيسًا في عرقلة أي اعتراف بالإبادة الجماعية للروهينغا. لقد عمل الدبلوماسيون سنوات من أجل إطلاق سراحها، وجعلوا منها رمزا ومثلا أعلى حتى حصلت على جائزة نوبل للسلام، وها هم اليوم يصورونها شخصا لا يملك قوة كافية لوقف الإبادة الجماعية. في الواقع، إن قوتها الوحيدة هي قوة أخلاقية، لكنها تأبى حتى استخدام ذلك".

 

ورغم تزايد مطالب الأكاديميين بإعلان الفظائع المرتكبة في راخين عملية إبادة جماعية، يقول فيل روبرتسون، نائب مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش، إنه لا يعتقد بوجود أدلة كافية لإثبات نية الإبادة الجماعية من جانب الجيش، وهو ما يوجبه القانون الدولي. "لا توجد أدلة كافية بعد، لكن هذا لا يمنع حدوث ذلك في المستقبل، إذا أمكن جمع مزيد من الأدلة حول نيّات الحكومة البورمية والقوات المسلحة الميانمارية. هناك معيار قانوني واضح ينبغي الوفاء به في إطار اتفاقية الإبادة الجماعية، نحن بحاجة إلى العمل من أرض الواقع بولاية راخين للتحقيق وإصدار هذا النوع من الأحكام، وكذلك لامتلاك القدرة على كشف بعض الوثائق الحكومية التي توضح خططها".

 

في المقابل، اعتبر روبرتسون التعبئة العسكرية للمليشيات، واستخدام الإذاعة الحكومية وخطب القادة الروانديين عام 1994، من الأدلة على نية الإبادة الجماعية "الواضحة تماما" ضد الأقلية التوتسية، وقال إنه قد شعر بالفعل أن الجهود الرامية إلى استخدام مصطلح الإبادة الجماعية من جانب بعض مجتمعات الروهينغا المنفيين ونشطاء حقوق الإنسان قد تؤثر بالسلب على جهود المؤيدين. "الأمر ليس بهذه البساطة مطلقا، وهناك أدلة قوية أضرت مغالاة مجتمع الروهينغا المنفيين في استخدامها دون أدلة كافية بمصداقيتها أمام الحكومات التي سيكون لها دور فعال إذا ما بدأ السعي لكفالة العدالة الدولية لمسلمي الروهينغا".

 


مع ذلك، اتهمت هيومن رايتس ووتش سلطات ميانمار والمليشيات البوذية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حملة تطهير عرقي ضد الروهينغا عام 2012، واتهم روبرتسون المجتمع الدولي بالافتقار إلى "مصالح قوية" تدفعه إلى مساءلة المتورطين في هذه الفظائع. وتقول كيت كرونين-فورمان، الباحثة الكرواتية في الفظائع الجماعية (Mass Atrocity)، إن هناك أرضية صلبة لاتهام بورما بالإبادة الجماعية، رغم إقرارها بأن شرط إثبات نية الإبادة الجماعية يجعل الأمر أكثر تعقيدا مقارنة بالجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي لا تتطلب إلا وقوع هذه الممارسات على نطاق واسع أو بطريقة منهجية".

 

وأردفت قائلة إن تردد المجتمع الدولي في إطلاق هذه التسمية يرجع إلى الاعتقاد بأن ذلك سيستلزم اتخاذ إجراءات لاحقا، في حين أن اتفاقية الإبادة الجماعية لا تنص على أي التزام بالتدخل لوقف الإبادة الجماعية. لكن كرونين-فورمان تنبه إلى أن إقرار الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بـ "مسؤولية الحماية" (التزام سياسي عالمي اتُفق عليه بمؤتمر القمة العالمي عام 2005) يلزمها بالتدخل لمنع الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العرقي، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.

 

تقول كرونين-فورمان: "في يوم ما قد تصبح سلطة توجيه الاتهام بالإبادة الجماعية إلى القيادات العسكرية أو المدنية البورمية بيد المدعي العام الدولي، لكن الآن لا توجد أهمية حقيقية للنية التي يبطنونها، سواء كانوا يقصدون الإبادة الجماعية أم لا. ما يهمنا الآن هو الذبح والاغتصاب وحرق المنازل الذي يتعرض له الروهينغا بأعداد ضخمة، بينما يجلس العالم متفرجا".

____________________________________________

مترجم عن: (ذا ديبلومات)
مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك