اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/10 الساعة 17:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/21 هـ

انضم إلينا
تأجيج التطرف.. ترمب ونشيد العولمة الزائف

تأجيج التطرف.. ترمب ونشيد العولمة الزائف

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
هل العولمة ضدٌّ للقوميّة والوطنيّة والحدود؟ هذا التقرير يجيب عن هذا السؤال البسيط/المعقّد، خاصّة في عصر ترمب الذي يثير هذه القضيّة. والجميل أنّ التقرير يعود لجذور نشوء فكرة العولمة، والسياق الذي تمخّضت عنه.

 

نص التقرير
أعلن المرشّح الجمهوريّ للرئاسة دونالد ترمب، متحدثاً في واشنطن في أبريل/نيسان 2016، بأنّنا "لن نُسْلِم هذا البلَد أو شعبَه لنشيد العولمة الزائف". وهاجمَ مؤيدو ترمب من اليمين المتطرّف، مثل حامل الاسم المستعار "فيرجيل" الذي يكتب على موقع بريتبارت، بالمثل "الرؤية العولميّة القديمة" باعتبارها "إنجيلاً"، وبأنّها "ضربٌ جديدٌ من ضروب الإيمان الدينيّ" لـ"المشاريع الدوليّة الغامضة" التي تسعى إلى إلغاء الحدود الوطنيّة وتقويض الديمقراطيّة. تصوّر هذه الرؤى العولمة باعتبارها بديلاً ليبراليّاً ورأسماليّاً ومعادياً للديمقراطيّة. بيد أن هذا الفهم بعيد عن المعنى التاريخي للمصطلح. وبالفعل، كما أوضّح في كتابي "بزوغ العولمة"، فإنّ فكرة أنّ العولمة تتعارض أساساً مع السيادة الوطنيّة هي سرديّة كاذبة ومضلّلة.

 

ومن أجل أن نفهم معنى العولمة اليوم، فإنّنا بحاجةٍ إلى أن نرجع إلى ظهور هذه الفكرة في أربعينيّات القرن العشرين. فبعد الحرب العالميّة الثانية، اقترح المثقفون الأمريكيون والبريطانيون أنّ صعود العولمة سيحدّد النظام العالميّ بعد الحرب. وكان المفكرين من أمثال ريموند آرون وديفيد ميتراني وأوين لاتيمور ونيكولاس سبيكمان وباربرا ووتون وليونيل كورتيس وكلارنس ستريت وليونيل روبينز وفريدريتش هايك وتشارلز ميريام ومايكل بولاني وريتشارد ماكيون وجاك ماريتين ولويجي ستورزو من بين هؤلاء الذين حدّدوا زيادة الترابط في كافّة أنحاء العالم، بما في ذلك الناحية التكنولوجية والثقافية والاقتصادية. وجسّدت العولمة في فترة ما بعد الحرب التزامهم بإيجاد نظام سياسيّ دوليّ يناسب هذا العالم المترابط حديثاً.

  

لقد أثبت الدمار الذي خلفته الحرب أن الدولة الديمقراطية وحدها يمكن أن تسقط، فسعى النظام العالمي العولمي إلى إنشاء شبكة أمان ديمقراطية لتعزيز المساواة على الصعيد الدولي والعالمي (رويترز)

 

ومع ذلك، فإنّ هذا الترابط البَيْنيّ العالميّ المتنامي لا يعني رفضاً شاملاً لجميع التوحّدات والجماعات السياسيّة الوطنيّة. فما يعنيه، هو تعديل السياسات على كافّة الأصعدة -الأمم، والإمبراطوريات، والاتحادات الفدراليّة، والجماعات غير الحكوميّة، والمنظمات الدولية- لتتناسب وواقع الترابط الجديد.

 

تعني العولمة، بهذا التعريف في فترة ما بعد الحرب، الوعيَ بالآثار السياسيّة الناجمة عن هذه الكرة الأرضيّة المترابطة. إن الاعتراف بـ"وحدة" العالم لا يعني أنّ التجانس السياسيّ أو الثقافيّ أمرٌ لا مفر منه أو مرغوبٌ فيه. فلم تحاجج سوى قلّةٌ قليلة من الداعين للعولمة بإلغاء الدول القائمة أو حظر الأيديولوجيّات الوطنيّة. بل إنّ المفكرين الداعين للعولمة الأكثر تأثيراً قاسوا مدى مرغوبيّة تحقيق التوازن بين الوحدة والتنوّع، وفقاً لفهمهم لأفضل السبل لإقامة نظام عالميّ مستقرّ ومزدهر وقائم على السّلْم. إذن، هناك ثلاث نزعات أرست العولمة قديماً ولا تزال تقوم بذلك حتّى الآن.

 

أولاً، كان الداعون إلى العولمة مهتمين بمستقبل الديمقراطية. حيث كشفت الحرب العالميّة الثانيّة إلى حدّ مثّلت التوتاليتاريّة والسلطويّة تهديداً جوهرياً على الديمقراطيّة باعتبارها مثاليّة، وواقعاً سياسيّاً. ردّاً على ذلك، سعى مؤدلَجو العولمة إلى تحديد المؤسسات الإقليميّة والفيدراليّة والعالميّة التي يمكن أن تسترشد بالمبادئ الديمقراطيّة. وكان هذا توسّعاً حاسماً للمعايير الديمقراطيّة: ففي حين أنّ الديمقراطية المحلية مهمّة، فإنها وحدها لا يمكنها أن تكفلَ الحريّة أو الاستقلال. لقد أثبتَ الدمار الذي خلفته الحرب أنّ الدولة الديمقراطيّة وحدها يمكن أن تسقط. فسعى النظام العالميّ العولميّ إلى إنشاء شبكة أمان ديمقراطيّة لتعزيز المساواة والإدماج السياسيّ والمشاركة على الصعيد الدوليّ والعالميّ.

 

وتمثّل الجانب الثاني من العولمة في منتصف القرن في تنصّلها عن للإمبراطوريّة. فقد اقترحَ المفكرون الداعون إلى العولمة بدائل للنظام الإمبرياليّ الأوروبيّ المتدهور. وسعى البعض، مثل المسؤول البريطاني السابق والمؤلف ليونيل كورتيس، إلى إعادة صياغة الإرث الإمبرياليّ بشروط جديدة وأشار إلى وجوب إعادة تسمية الإمبراطوريّة البريطانيّة باعتبارها كومنولث فدراليّاً عالمياً من شأنه أن يعزز الصالح العام لجميع مواطنيه. وبنى آخرون، مثل الصحافيّ الأمريكيّ كلارنس ستريت، على التجربة الإمبراطوريّة البريطانيّة لتصور اتحاد عالميّ للديمقراطيات ممتدّ على مساحات شاسعة في جميع أنحاء العالم، مسترشداً بالروح الديمقراطيّة الأمريكيّة. وبالمثل، بالنسبة إلى الجيوسياسيّ نيكولاس ج. سبيكمان، فقد دلّت العولمة على الاستراتيجيّة الأمريكيّة لتصبح قوة عالميّة رائدة يمكن أن تحلّ محلّ النظام الإمبرياليّ البريطانيّ مع النظام العالميّ الأمريكيّ الجديد.

   

اقترح دعاة العولمة في فترة ما بعد الحرب تصوراً جديداً للحداثة لا يقتصر على العلم والتكنولوجيا والفكر العقلاني فحسب، بل أيضاً بالإيمان والأسطورة والدين والأخلاقية كعناصر موحدة لإنسانية ديمقراطية

رويترز
   

وغدتِ العولمةَ، المتنصّلة من الإمبراطوريّة كما عُرِفَت تقليديّاً، استراتيجيّة لإعادة تنظيم العالم بعد دمار الحرب في أوروبا الغربيّة. واكتسبت الإمبراطوريات الجديدة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتيّ، أهمية كبيرة: فقد سعت هاتان القوتان إلى أهدافهما من خلال وسائل متنوعة، بحيث تسعى كلّ منهما إلى إقامة وجود عالميّ مهيمِن. ومع ذلك، أدّت فترة ما بعد الحرب إلى إجماع عولميّ واسع الانتشار على أنّ الاستغلال الإمبرياليّ والتمييز، على الأقلّ، يجب ألا يتكرّرا. وقد تمّ كسر الممتلكات الإمبرياليّة المُبنْيَنَة تقليديّاً، وحققت الاستقلال في نهاية المطاف. لقد نظرَ عالم الاجتماع البريطاني باربرا ووتون والاقتصاديّ البريطانيّ ليونيل روبنز إلى العولمة كجزء من المعركة من أجل التحرر الاستعماريّ والتقدم الاجتماعيّ-الاقتصاديّ. ويتصوّر العالم الأمريكي أوين لاتيمور نظاماً عالمياً تقدم فيه الصين والهند نموذجاً للحرية ما بعد كولونياليّ. في هذا الإطار، لم يكن هناك مجال للسيطرة الإمبرياليّة.

  

تتحدى العولمة فكرة أن القرارات السياسية الوطنية أو الإقليمية أو الدولية يمكن فصلها عن الآثار والمسببات العالمية. فوحدها الاستراتيجية السياسية التي تقوم على فهم عالمي للعلاقات هي التي يمكنها تعزيز المصالح الوطنية بصورة فعالة

أمّا النزعةُ الثالثة للنهج العولميّ بعد الحرب فيتمثّل في التصوّر التعدّديّ للنظام العالميّ. وقد حددت النظرة العولميّة للعالم كلًا من الترابط والتنوع كعناصر تأسيسية في حقبة ما بعد الحرب. وبالنسبة إلى هؤلاء المفكّرين، فقد نصَّت التعدديّة السياسيّة والأخلاقيّة القائمة على التزام معياريّ؛ فيجب على العالم العولميّ الجديد أن يدركَ بأنّ الدول، ذات المجموعة المتنوعة من القيم والبنى السياسيّة، يمكن أن تتآلف في مجموعات ومنظمات للتفاعل والنهوض بأهدافها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المشتركة. صحيحٌ أنّ هذا الالتزام كان في بعض الأحيان في حالة لا تسرّ مع التزام الداعين للعولمة بالديمقراطيّة، التي تحولت أحياناً إلى دفاع محافظيّ عن القيم السياسيّة والثقافيّة الغربيّة.

  

لقد كان تحدي دعاة العولمة هو ضرورة توسيع نطاق الديمقراطيّة ليتناسب مع النطاق العالميّ، مع اعترافهم بأنّ صفاتها الرئيسيّة تأتي بأشكال مختلفة. وتحقيقاً لهذه الغاية، سعوا إلى تحديد قاعدة أيديولوجيّة واسعة للنظام العالميّ. فعلى سبيل المثال، اقترح دعاةُ العولمة في فترة ما بعد الحرب تصوراً جديداً للحداثة لا يقتصر على العلم والتكنولوجيا والفكر العقلانيّ فحسب، بل يتعلّق أيضاً بالإيمان والأسطورة والدّين والأخلاقيّة كعناصر موحّدة لإنسانيّة ديمقراطيّة. وفي الأربعينيّات كما هو الحال اليوم، استغلّ المتشكّكون في العولمة تحدي التعدّديّة الذي لم يُحسَم، محاججين أنّها تخاطر إما بالشرعيّة العالميّة المُصادَق عليها بشكل منافق لقيم الفرد أو بالقبول بأيّ قيم من أجل الوحدة العالميّة.

  

يلقي هذا التاريخ الموجز للعولمة في العصر الحديث الضوءَ على التصوّرات الخاطئة الأساسية في عصر ترمب. فقد قال ترمب لصحيفة وول ستريت جورنال في أبريل/نيسان 2017: "أنا قوميّ وعولميّ على حدّ سواء". وحتّى في هذا العرض النادر لدعم "العولمة"، فإنّ ترمب يعرضها باعتبارها واحدة من قوتين متعارضتين: القوميّة مقابل العولمة. والواقع أنّ العولمة سمحت منذ وقت طويل بمكانٍ للقوميّة وللسياديّة الوطنيّة بينما تشير إلى أنّ بعض الاحتياجات والممارسات الإنسانيّة تتجاوز الحدود الوطنيّة. ففي الأربعينيات، حاول أنصار العولمة أن يحدّدوا نظاماً عالميّاً ديمقراطيّاً تعدديّاً كبديل للإمبراطوريّة. واليوم، تطورت شواغل دعاة العولمة، ولكن العولمة لا تزال مرتبطة بالقناعات الأساسية حول أهمية الترابط السياسيّ العالميّ. إنّ العولمة تتحدى فكرة أن القرارات السياسيّة الوطنيّة أو الإقليميّة أو الدولية يمكن فصلها عن الآثار والمسببات العالميّة. فوحدها الاستراتيجيّة السياسيّة التي تقوم على فهم عالميّ للعلاقات السياسيّة هي التي يمكنها تعزيز المصالح الوطنيّة بصورة فعالة.

 

يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فضاءٍ سياسي، حيث لا حدود وطنية يمكن أن تحدّ من تدفق الأفكار والتعليقات وردود الفعل

الأوروبية


وبالطّبع
، لا يمكن لأي رئيس أو إدارة أن تفصل الولايات المتحدة عن بقيّة العالم، حتّى وهي ملتزمة برفض ما يسمى بنشيد العولمة الزائف. تعكس قرارات السياسة الخارجيّة الأمريكيّة الأخيرة -وإن كان بشكل غير متسق- واقع أّنّ الولايات المتحدة جزء لا يتجزأ من النظام العالميّ القائم. ويشير القصف الجويّ لسوريا إلى أن ترمب قد يتصور المصالح الأمريكية من حيث العولمة الاستباقيّة المقاتلة. وعلى الرغم من أن قرار ترمب برفض اتفاق باريس بشأن تغير المناخ يؤكد التزامه بالحدّ من التزامات أمريكا العالميّة، إلا أن مقدار الوقت والطاقة التي اضطرت إدارته إلى تكريسها للقيام بذلك يدلّ أيضاً على عمق هذه العلاقات. إنّ رئيس الولايات المتحدة يعمل في فضاءٍ سياسيّ حيث لا حدود وطنيّة يمكن أن تحدّ من تدفق الأفكار والتعليقات وردود الفعل.

  

دعانا ترمب، من خلال إظهار العولمة باعتبارها تهديداً مزعوماً للسيادة الوطنيّة والازدهار، للتفكير في ذلك كمشروع سياسيّ. ويبدأ هذا التفكير بتحليل تاريخيّ للمعاني والاستخدامات المتنوعة للمفهوم [العولمة]؛ إذ إنّ فكرة العولمة تتجاوز مجرد كونها شعاراً سياسيّاً. إنّها رؤية عالميّة معقدة ومتعددة الأوجه، تمّ تطويرها في أعقاب الدمار واسع النطاق، قد حدّدت السياسة في القرن العشرين على الصعيدين الوطنيّ والدوليّ.

  

إنّ نظرةً فاحصة على صعود العولمة لتكشفُ عن الرؤى المتنافسة التي أدت إلى تطوّر العولمة كمفهوم سياسيّ حديث. وقد عملَ الجدالُ العولميّ في منتصف القرن إلى تحقيق توازن التوترات بين التعدديّة من ناحيةٍ، وتقدير الترابط العالميّ من ناحية أخرى. واليوم، يمكن لفهمٍ أكثر تعقيدا وتطوراً لماضي العولمة أن يلقيَ الضوء على حدودها وفوائدها المحتملة في المناقشات التي لا تزال حاسمة بالنسبة إلى السلام والازدهار.

  
______________________________________
 
التقرير مترجم عن: فورين أفيرز
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار