اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/12 الساعة 18:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/23 هـ

انضم إلينا
"حظر المسلمين".. العنصرية البيضاء في السياسة الأميركية

"حظر المسلمين".. العنصرية البيضاء في السياسة الأميركية

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

ما هي الآليات التي عمل بها الخطاب اليمينيّ الأبيض، الصريح منه في عنصريّته والسريّ، ليعمّ السياسة الأميركيّة الآن وقبل ذلك؟ هذه مادة بحثيّة رصينة في توضيح جذور نشوء النزعة القوميّة البيضاء العنصريّة.

 

نص المقال

لاحظت إلينور لانجر قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة لعام 2016 أنّه "عندما روّجَ ترمب لـ "جداره الجميل"، فإنّه كان يستمتع بشعلةٍ أوقدها القوميّون البِيض مثل ديفيد دوك وتوم ميتزجر في "دوريّاتهم" بمعبر سان يسيدرو-تيخوانا الحدوديّ في السبعينيّات". ورأى لانجر، وهو مؤلّف لأحد أفضل الكتب عن نشوء النازيّة الجديدة في الولايات المتحدة، في إستراتيجيّة حملة ترمب أماراتٍ على كيفيّة استمرار القوميّة العنصريّة في تشكيل السياسة والمجتمع الأميركيّين، إذ إنّ أوامر ترمب التنفيذية بـ"حماية الأمّة من الإرهابيين الأجانب" (المعروفة شعبيّاً باسم "حظر المسلمين") توجّه نداءً سياسيّاً مماثلاً للتحيّزات العرقيّة والدينيّة لممارسة السلطة القوميّة الإقصائيّة.

 

وليس ثمّة شكّ في أنّ العنصريّة المُمأسسَة تاريخيّاً في الرقّ، وفي الاستعمار الدمويّ للأميركيين الأصليين، وفي قوانين جيم كرو، والمواطنة الإقصائيّة وقوانين الهجرة- كان لها تأثير دائم على البنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الأميركيّة. بل يمكن القول إنّها كانت جزءًا لا يتجزأ من التطوّر التاريخي لهذه البنى. وعلى مدى العقود القليلة الماضية، أصبح المجتمع الأميركيّ أكثر تنوعا وعالميّةً ممّا كان عليه في تاريخه. وقد انقلبت العديد من القوانين العنصريّة وسياسات الهجرة والمؤسسات، حيث أضحى السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة معولما بصورة متزايدة. ويعرّف ماتياس غارديل، الذي يكتب عن العنصرية الدينيّة، العنصريةَ بأنّها الاعتقاد بأنّ العرق يحدّد من هو الشّعب.
 
وفي عمله التاريخيّ عن الحركات العنصريّة (الدينيّة)، يلفت غارديل الانتباه إلى كيف أنّ العنصريّة الصريحة التي لم تكن جديرة بالذّكر في الماضي الأميركيّ "تمّ التخلي عنها"، واختُزلت إلى أيديولوجيا المعارضة، حيث "أحدثَ المجتمع العموميّ تحوّلاً حاسماً نحو أميركا متعدّدة الثقافات". لقد اندثرت العنصريّة الصريحة. فأناسٌ مثل ديفيد دوك وتوم ميتزجر، الذين كانوا مؤثّرين وخطيرين في السبعينيّات من رموز الحركات المتشبّثة بالعنصريّة الصريحة في الماضي، أصبحوا في هامش الهامش. وحتى في الوقت الذي يسعى فيه الأميركيون إلى الاعتراف بإرث العنصريّة، فإن الخطاب العموميّ بشأن العنصريّة اليوم يُقارب العنصريّة باعتبارها عيباً أخلاقيّاً أو كهذيانات لأفراد عنصريين بدلا من كونها علاقة سلطة تشكّل الثقافة والمجتمع اقتصاديّاً وسياسيّاً.

  

"ديفيد دوك" أحد قادة كوكلوكس كلان السابقين، تعتبر كوكلوكس كلان أحد أكبر الجماعات العنصرية في الولايات المتحدة. (رويترز)


ولمّا أضحت الولايات المتحدة أكثر تنوعا وعالميّة في توجهها، فإنّ العديد من الأميركيين الذين استفادوا من القوانين والسياسات العنصرية السابقة، وعُرِّضوا -اليوم- للتقلّبات الاقتصاديّة للعولمة، لم يشهدوا تغيُّرًا في وضعهم الاجتماعيّ وظروفهم فحسب، بل شهدوا أيضاً خسارة من السلطة الاقتصاديّة والسياسيّة. ومع تقلص العنصرية المُمأسَسة، شعروا أنهم خلعوا من مكانهم. وليس هناك علاقة مباشرة أو سببيّة بين هذه الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة وبين الأيديولوجيات العنصريّة، ولكن سعت الحركات العنصريّة، منذ السبعينيات، بنشاط لربطهما بعضهما البعض من خلال عزو الغضب والاستياء والشعور بالعجز الذي يستشعره الأميركيون البيض "المخلوعين"  لقوى مجردة، مثل حركة الحقوق المدنيّة والتعدديّة الثقافيّة والهجرة والعولمة. لقد قاموا بتجسيد هذه القوى كقوى لليهود أو للسود أو للمثليين الجنسيين أو للنسويّات أو لليبراليين أو للمكسيكيين أو غيرهم من المهاجرين، أو للمسلمين بازيدادٍ منذ أحداث "11 سبتمبر". وهذا على وجه التحديد ما تكوّن منه النّشاط الأبيض القائم على التفوقيّة منذ السبعينيّات: "تعليم" البيض ما يخصّ أسباب غضبهم وحرمانهم من الحقوق.

 

وقد اندثرَ هذا النشاط العنصريّ عبر إخفاء بروباجندته على أنّها "معلومات" و"تعليم" هادف إلى مقاومة "البرامج" القائمة على التعدديّة الثقافيّة التي ترعاها الدولة. وأسفرت هذه الجهود عن ما يمكن أن يطلق عليه على النحو الملائم بـ"القوميّة البيضاء". إذ تعبّر القومية البيضاء عن شعور سياسيّ وخسارة اقتصاديّة بين أولئك الذين كانوا مستفيدين من المؤسسات العنصريّة لوضع أيديولوجيا قوميّة قائمة على العرق الذي يعارض واقع الأمّة، بكل تنوّعها وتعقيدها. إن معارضتها الأيديولوجيّة للواقع  تتطلب أمْثَلةً للماضي الذي تهدف إلى إرجاع المجتمع إليه: "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى عظيمة!".
  
إنّ القومية البيضاء ليست بالتأكيد أقلّ عنصرية من العنصرية في الماضي، ولكنها ليست مركّزة على "الآخر" (سواء أكانوا ملوّنين، أو من اليهود، أو المسلمين)، إنّها، بالأحرى، تصرف الانتباه إلى ما يعنيه أن تكون أبيض. في العنصريّة الصريحة للماضي الأميركيّ، كان البياض محايداً، وهو المعيار الوحيد الذي أصبح مرئياً فقط على النقيض من اللون. وبالنسبة للقوميين البيض، يكشف الماضي عن مجموعة كاملة من المعاني المرتبطة بالجلد الأبيض. وكما حاججَ المنظّر السياسي إتيان باليبار: "إذ تحدّثنا نظريّاً، فإنّ العنصرية هي تأريخٌ يجعل التاريخ نتيجة سرٍّ مخفيّ كشفَ للناس عن طبيعتهم وولادتهم".
  

 
فمن خلال إخضاع طبيعة المرء وهويّته للأيديولوجيا العنصريّة، فإنّ القومية البيضاء تجعل الهوية العرقيّة جوهريّة لأي سيرورة لتحقيق الذات ولتمكينها. فأنْ تكون من أصحاب البشرة البيضاء، يعني أن تكون قوياً؛ فأيّ معارضة لهذا الإسقاط الذاتيّ هو تهديد شخصيّ  يُشعَر بحساسيةٍ، إذ إنّ الشعور بأنّ التهديد والخوف الذي يولّده لا يحتاج إلى إثبات من خلال التحليل الموضوعيّ أو تجارب الآخرين. وتبدو أيّة سرديّات عن الماضي أو الحاضر غير متفقة مع هذه القراءة الأيديولوجيّة القائمة على العرق للعالم وكأنّها "أخبارٌ مزيّفة"، أو خروقات لمؤسسة لا يجب المساس بها، أو كمكائد من العدوّ.

 

ولأنّ القوميّة البيضاء في الولايات المتحدة تعارض التركيبة الديموغرافيّة الفعلية للأمة، فقد اضطرت إلى تطوير تفسيرين خاصّ بها للعالم ولوسائط الإعلام التي يمكنها من خلالها نشرهما. وتشمل هذان التفسيران: إنكار المحرقة، ونظريات المؤامرة حول المؤامرات اليهوديّة للسيطرة على العالم، وإسناد الحضارة والتقدم للمسيحيين البيض، والقصص والإحصاءات العلميّة الزائفة للجرائم التي ارتكبها السود والمهاجرون. وقد كان الإنترنت هبة مطلقة من السماء للقوميين البيض الحريصين على تثقيف الآخرين بشأن ما يعنيه حقّاً أن تكون أميركيّاً وتشجيع البيض للمطالبة بالسلطة التي هي حق لهم بالولادة. وقد تكون العنصرية الصريحة "مزعجة" وتحصل سرّاً، ولكن هذا الجهد الجديد لنشر المفاهيم القوميّة البيضاء للهوية بعيدة كانت جداً على نطاق واسع وإلى أبعد حدّ. ومع ذلك، فإنّ معظم الأميركيين لا يدركون تماماً قوتهم في السياسة الأميركيّة المعاصرة حتى في انتخاب دونالد ترمب.

 

قبل دخوله في السباق الرئاسي عام 2016، كان ترمب منغمسا حتى أخمس قدميه بالفعل في عالم البارانويا القوميّة البيضاء ونظريات المؤامرة كما يتضح من الدور الرائد الذي لعبه في "حركة بيرثر" التي سعت إلى نزع الشرعيّة عن الرئيس أوباما. وقد أصبح موقف ترمب إزاء الخطابات القوميّة البيضاء أكثر وضوحا عندما أعلن ترشحه بإثارته مجازات الخسارة والفشل الحضاريّ الموجود عادةً في البروباجندا القوميّة البيضاء. وقد وصف الولايات المتحدة بأنّها دولة "فى مأزق خطير"، وبأنها لم تعد تمتلك "الانتصارات" التي اعتادت على التمتّع بها. وتابع ذلك من خلال الإشارة إلى كيفيّة قيام الصينيين واليابانيين والمكسيكيين والشرق أوسطيين يهزمون أميركا ويستفيدون مِـ"نّا"، كما قال في خطابه:

  

 
"لقد أصبحت الولايات المتحدة أرضا للتخلص من مشاكل الجميع. إنّها حقيقة.. وعندما ترسل المكسيك شعبها، فإنها لا ترسل أفضل ما لديها.. إنهم يرسلون الأشخاص الذين لديهم الكثير من المشاكل، ويجلبون هذه المشاكل إلينا. إنّهم يجلبون المخدرات. ويأتون بالجريمة. إنّهم المغتصبون. وبعضهم، كما أظنّ، هم أشخاص طيّبون. لكنّي أتحدث إلى حرس الحدود، ويقولون لنا ما نصل إليه. وهذا وحده ما يعطينا تفسيراً. فهم لا يرسلون لنا الأشخاص المناسبين. وذلك يأتي ليس من المكسيك فحسب. إنّه يقدم من جميع أنحاء الجنوب ومن أميركا اللاتينيّة، وربما يأتي -على الأرجح- من الشرق الأوسط. لكننا لا نعرف. لأنّه ليس لدينا أي حماية، وليس لدينا أية كفاءة. نحن لا نعرف ما يحدث. وتوقفت، توقفت بسرعة.
 
إنّ الإرهاب الإسلاميّ يأكل أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط. لقد أصبحوا أغنياء.. حتى الآن تنظيم الدولة لديه النفط، وماذا ليس بحوزتهم، وإيران لديها أيضاً.. وليس لدينا شيء..  في الربع الأخير، أُعلِنَ فقط عن الناتج المحلي الإجماليّ -كان علامة على القوة، أليس كذلك؟ ولكن ليس بالنسبة لنا. لقد كان أقل من الصفر. مَن سمع بهذا؟ لم تكن أبداً تحت الصفر،  معدل المشاركة العماليّ رهيب. وتتراوح نسبة البطالة الحقيقية لدينا بين 18 و20%. لا تصدقوا أنّها 5.6%. لا تصدقوا ذلك. وهناك الكثير من الناس لا يمكنهم الحصول على وظائف. وهم لا يمكنهم الحصول على وظائف بسبب عدم وجود وظائف، لأنّ الصين لديها وظائفنا والمكسيك لديها وظائفنا. ولديهم جميعاً وظائف".

 

وكما أشار مدققو الحقائق على الفور، انتهك ترمب جميع الحقائق في هذا الخطاب، ولكن لإيضاح أنَّ أكاذيبه افتقدت الرسالة التي أراد إرسالها. لقد كان جمهوره المستهدف منشغلًا بحقيقة ما قاله بدرجة أقل من إقراره بصحة بديهياتهم إزاء العالم، التي شُحِذت على مدى العقدين الماضيين من خلال الجهود القومية البيضاء لــ "توعية" الجمهور الأبيض بشأن "حرمانهم" من حقوقهم في أميركا متعددة الثقافات. كما أظهر ترمب لأتباعه من غير المتعلِّمين، والريفيين، والطبقة العاملة البيضاء أنَّه على الرغم من أنَّه نشأ كرجل ثري في نيويورك، فقد رأى العالم، على الأقل جزئياً، مثلما رأوه. وأعرب عن تعاطفه الصريح مع القوميين البيض عندما نشر تغريدات بإحصائيات زائفة عن عدد البيض الذين قتلهم السود في أميركا، وذلك بعد يوم واحد من تعرُّض ناشط أسود لهجوم جسدي في إحدى حملاته الانتخابيِّة.
  
 
ووفقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، قتل السود 15% من البيض في عام 2014، لكنَّ ترمب غرَّد برسم بياني لرجل أبيض يرتدي الزيِّ العسكري مع عُصابة رأس على جبهته، واقفًا مع بندقية موجَّهة بجانب عمود لجدول إحصائي مكتوب عليه عبارة كاذبة "إحصائيات الجريمة في الولايات المتحدة الأميركية عام 2015" من إعداد "مكتب إحصاءات الجريمة في سان فرانسيسكو" مع عبارة "السود قتلوا 81% من البيض". وعند مواجهته بعدم دقة تغريداته في برنامج "ذي أورايلي فاكتور"، أوضح ترمب أنَّه "أعاد تغريد" هذه الإحصاءات بنفسه دون التحقق منها لأنَّها "خرجت من برنامج إذاعي وغيره من الأماكن.. والمصادر الموثوقة للغاية".
 
وينشر القوميون البيض هذه الإحصاءات بانتظام على المنتديات لإعطاء معتقداتهم العنصرية، على حد تعبير عالم الأنثروبولوجيا الراحل كليفورد جيرتز، "هالة من الواقعية". ومن الأمثلة على هذه المنتديات (reddit.com/r/truenews)، التي تدَّعي تقديم أخبار "خالية من الرأي والتحيُّز". وغالباً ما يتضمن قسم الأخبار على موقع (Voat.co) إحصاءات وحقائق "موضوعية" مماثلة، في حين أنَّ قسم (/pol/-PoliticallyIncorrect) على موقع (4chan.org) هو المنتدى الأكثر شعبية من هذا النوع. إنَّ نشر مثل هذا المحتوى على أمل أن تشير إليه مصادر إخبارية مُعتبَرة هو أمر مركزي لجهود النشطاء القوميين البيض من أجل "تحرير" وسائل الإعلام للجمهور الأبيض مع "معلومات محايدة" بشأن ما يبدو عليه العالم حقا.

 

إنَّ الذين لم يدركوا مغزى خطاب ترمب أو ببساطة تفاجأوا بـ "تغريدته" المُضلِّلة، نظروا إلى عنصريته بالأساس على أنها عيب في شخصيته. وتساءلوا، كيف يمكن لمثل هذا الشخص شغل أعلى منصب في العالم؟ ولم يركِّزوا على كيفية تمثيل القومية البيضاء للعلاقات السياسية في المجتمع الأميركي، على الرغم من أنَّ هذا هو ما كان يتلاعب به ترمب إستراتيجيًا لتطوير حملته الانتخابية. وبالتالي، لم يكن ترمب يعمِّم القومية البيضاء، بل اعترف بتأثيرها لمصلحته الشخصية. لقد كان النفوذ القومي الأبيض حاضرًا بالفعل. والقوميون البيض فضلًا عن العنصريين المتبجّحين  -الذين، على عكس القوميين البيض، يبذلون القليل من الجهد لعرض عنصريتهم على أنها مجرد "معلومات"- اعترفوا بهذا الأمر على الفور واحتفوا بالنفوذ الذي حققوه باطراد على مواقع الإنترنت، تحت أنظار الجمهور.

 

 ذكرت لانجر أن إحدى محاورييها البيض القوميين حددت "ثلاث مراحل في تطور الفكر العنصريّ: العنصريّة التي أتت بشكل طبيعيّ، والتعليم الذي كان عليه أن يكون مصقولاً، والعنف الذي كان خاتمة المطاف"

رويترز
 

وبعد اثنا عشر يومًا من إعلان ترمب ترشيحه، اتفق موقع نازي جديد مع تصريحاته عن المكسيكيين، وأثنوا على ترمب لمواجهته "حقيقة أنَّ الحكومة تكذب علناً بشأن "معدل البطالة". وحثَّ الموقع قرَّاءه "أن يفعلوا كل ما في وسعهم لجعل دونالد ترمب الرئيس الجديد لأميركا"؛ لأنَّه "المرشح الوحيد الذي يتحدث عن كل الأمور المهمّة". وبعد بضعة أسابيع، احتفى موقع إخباري قومي أبيض بترمب بسبب "شعبويته الكاملة في تناول القضايا الجوهريِّة"، وأشار إلى أنَّ "الأميركيين البيض يمكن أن يعبِّروا عن أنفسهم أخيرًا بشأن نوع البلد الذي يريدون العيش فيه".
 
"وإذا فاز ترمب"، كما كتب موقع قومي أبيض آخر "سيعني ذلك أنَّ مركز قانون الفقر الجنوبي، ووسائل الإعلام، والمؤسسة المحافظة التابعة، وجميع الخبراء والمثقفين، والحزب الديمقراطي سيلقون كل ما لديهم في وجهه -وخاصة مسألة العِرق- وينهزمون أمام ثورة شعبية من قِبل أميركا البيضاء. فالقوي لن يبدو قويًا بالنسبة لجميع أولئك المضطهدين، أليس كذلك؟.. لا تقلِّلوا من شأن قوة مؤسسة الرئاسة لشرعنة المهمَّشين والحركات المنحرفة. إذا كان باراك أوباما يستطيع شرعنة زواج المثليين والمتحولين جنسياً، فإنَّ دونالد ترمب بوسعه شرعنة اليمين البديل". واليوم، بعد انتخابه، يشير القوميون البيض في المنتديات الإلكترونية إلى "دونالد" باعتباره "إلهنا الإمبراطور". وبشكل أكثر عمقا، على موقع (Subreddit). لقد بدأت هذه التسمية كمزحة أثناء ترشيح ترمب وأصبحت أقل سخرية بشكل متزايد عندما تكشفت نتائج الانتخابات.

 

في كتابها "مائة من بعض الهتلريين"، ذكرت لانجر أن إحدى محاورييها البيض القوميين حددت "ثلاث مراحل في تطور الفكر العنصريّ: العنصريّة التي أتت بشكل طبيعيّ، والتعليم الذي كان عليه أن يكون مصقولاً، والعنف الذي كان خاتمة المطاف". ولمواكبة أيديولوجياتهم القوميّة في العالم، يلجأ التفوقيّون البيض المتطرفون إلى العنف. ونظرا إلى التدعيم القوميّ لترمب وحقيقة أنّ كثيراً من تكتيكاته السياسيّة هي خارج المسرح القوميّ الأبيض، فليس مفاجئاً أنْ أصبح العديد أكثر يقظةً لوجود جرائم الكراهية والحوادث القائمة على التحيّز في الولايات المتحدة. كانت هناك تقارير إعلامية عديدة عن مثل هذه الحوادث منذ انتخاب ترمب. ومع ذلك، من الصعب أن نعرف على وجه اليقين، إذا كانت هذه الحوادث في تزايد أو إذا أصبح المزيد من الناس على وعي بحدتها، وبالتالي يبلغون عنها في وسائط الإعلام والسلطات ذات الصلة. فمن الواضح أنّ القوميّة البيضاء، وتقديمها الواضح والمتواصل للبياض كحق في السلطة، تخلق علاقات سياسيّة إن لم تكن عنيفة الآن، فإنّها تحمل إمكانية حقيقيّة للعنف.

 

 
وفي السياسات الأميركية المعاصرة، فإن التهديد بالعنف الوطني أكثر وضوحًا في الخطابات العامة والسياسات المتعلقة بالمسلمين. إن الأسس العنصرية للتهديدات العنيفة ضد المسلمين غالبًا ما يتم تقنيعها بأن تكون موجهة نحو "الإرهابيين الإسلاميين الراديكاليين" بدلاً من المسلمين بالعموم. وعلى سبيل المثال، فقد قام ترمب في خطابه الافتتاحي بالتعهد "بتوحيد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي الراديكالي، والذي سنجتثه تمامأً من على وجه الأرض". لكن الكيفية التي سيتم بها تمييز واستهداف "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" بين المسلمين "لاجتثاثه" غير واضحة على الإطلاق. ولا تحتاج لأن تكون واضحة لجمهور ترمب المُستهدَف. وواصل ترمب التأكيد على أنه "على أساس سياستنا فإن الولاء الكامل سيكون للولايات المتحدة." ومن الواضح، أن "اجتثاث الإرهاب الإسلامي الراديكالي" ليس خطابًا لسياسة تستوجب المقاضاة بل تأكيد على ما يسميه باليبار بـ"قومية القوة". وفي إطار وطني أبيض، فإن السؤال ليس فيما إذا كان العنف تجاه المسلمين صائبًا بل فيما إذا كان يدل على سلطة.


وتعد أوامر ترمب التنفيذية بـ "حماية الأمة من الإرهابيين الأجانب" أمثلة على هذا الإظهار للقوى القومية. كان الأمر الأول، الصادر في 27 (يناير/كانون الثاني) عام 2017، يقضي بتعليق التأشيرات والدخول إلى الولايات المتحدة لمواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة -إيران، العراق، ليبيا، الصومال، سوريا، السودان، واليمن- لتسعين يوما لإعطاء وزير الأمن الداخلي، ووزير الدولة، ومدير جهاز المخابرات الوطني الوقت لمراجعة إجراءات الفحص الأمني وتقديم تقرير للرئيس. في الوقت الذي كانت فيه أزمة اللاجئين السوريين في دائرة الإعلام الدولي، كما أمر ترمب أيضًا بتعليق برنامج قبول اللاجئين لمئة وعشرين يومًا من أجل إعطاء المسؤولين المذكورين آنفًا الوقت لمراجعة طلب اللجوء الخاص بوكالتهم وإجراءات الفصل فيها، وأوصى بإجراءات إضافية لضمان ألا يشكل اللاجئون تهديدًا أمنيًّا للولايات المتحدة. كما حدّد اللاجئين الذين تقبلهم الولايات المتحدة بـ 50 ألف سنويًا.
 
وعندما حكمت المحكمة الفيدرالية بأن هذا الأمر التنفيذي غير دستوري لأن في استهدافه مجتمعا دينيا محددا انتهاك لأحكام التأسيس، قام ترمب بإصدار أمرٍ تنفيذي منقح في (مارس/آذار) 2017. وقد أزال القرار الجديد العراق من قائمة الدول المُتضررة بسبب وجود الجيش الأميركي في العراق وجهده المنسَق لمحاربة تنظيم الدولة. وبخلاف ذلك فقد بقي القرار جوهريا كما هو. وببساطة فقد شكل ذلك جهدا لتبرير استهدافه لهذه الدول لأسباب أخرى غير "العداء لأي دين".

 

السؤال اللازم طرحه في ضوء اعتماد ترمب على أسس عنصرية للمطالبة بالسلطة هو: أي نوع من المطالبات في مجتمع ديموقراطي متعدد الثقافات يمكن أن تتصدى للسياسات العنصرية وإمكانات العنف المتضمنة فيها؟  (رويترز)


وقد كان من الممكن تحقيق أهداف سياسة هذه الأوامر -مراجعة إجراءات إصدار التأشيرات وإجراءات قبول اللاجئين- من دون التعليق المثير للجدل الذي أمروا به. وعلى الرغم من إدعاء العكس، فإن الغرض الفعلي لهذه الأوامر لم يكن سن سياسات أفضل من خلال تقييم واقعي للتهديد الذي يشكله الإرهابيون الأجانب على وطن الولايات المتحدة. لكن أهميتها كانت في إظهارها للإرادة والقوة القومية والتي بموجبها يمكن للولايات المتحدة تحت إدارة ترمب أن يكون لها طريقتها مع المسلمين. وقد استشهدت الأوامر بالعبارات المستخدمة من قبل القوميين البيض والإسلاموفبيين للإشارة إلى أن هدفهم الإسلام وأتباعه:

 
من أجل حماية الأميركيين، فإنه يجب على الولايات المتحدة أن تضمن أن أولئك المقبولين في هذا البلد لا يحملون مواقف عدائية تجاهها أو تجاه مبادئها التأسيسية.. بالإضافة لذلك، فإنه ينبغي على الولايات المتحدة ألا تقبل أولئك المنخرطين في أعمال تعصب أو كراهية (بما في ذلك جرائم "الشرف"، أو غيرها من أشكال العنف ضد المرأة، أو اضطهاد أولئك الذين يمارسون ديانات مختلفة عن ديانتهم) أو أولئك الذين قد يضطهدون الأميركيين من أي عرق، أو جندر أو توجه جنسي.

 
وتذكر مرة أخرى "أعمال العنف ضد المرأة القائمة على الجندر وجرائم الشرف" في الأمر التنفيذي المنقح كأسباب لا ينبغي قبول مجموعات معينة من الناس بموجبها في الولايات المتحدة الأميركية. إن كون الأسباب المذكورة للحظر تشير ضمنًا إلى المسلمين حتى في أذهان أكثر مستهلكي الإعلام عاديةً هو إلى حد كبير نتيجة نجاح ناشطي الإسلاموفوبيا بربط الإسلام، أكثر من أي دين آخر، بالعنف تجاه المرأة والتعصب. إن حقيقة كون كل وسائل الإعلام القومية البيضاء مناهضة للنسوية بخبث لا تبدو أنها تنتقص من هذه الرسالة. إذ يرى مناصرو ترمب في هذه الأوامر صرخة حشد للدفاع عن ثقافتهم، والتي ترفع ثقافة "أميركا المسيحية البيضاء" فوق الثقافات الأخرى بوصفها الثقافة الوحيدة ذات القيم "المتحضرة" وقوة الإرادة اللازمة "لجعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
 
وتظهر الأوامر أيضًا من خلال استهدافها لبرنامج الولايات المتحدة للاجئين بأن الاعتبارات التراحموية لن تؤثر على عزيمة إدراة ترمب القومية. إن البنية العرقية والدينية "للأمة" التي يتصورونها لا تناقض مع استعارتهم للعبارات المناهضة للإسلام الموجودة في خطابات الإسلاموفوبيا وخطابات القومية البيضاء فقط بل أيضأً مع الإيعاز في الأوامر التي بموجبها تمنح الولايات المتحدة الأميركية "الأولوية لطلبات اللجوء المقدمة من قبل أفراد على أساس الاضطهاد القائم على أساس ديني، شريطة أن يكون دين الفرد دينا أقليا في بلد الفرد الذي يحمل جنسيته".
 

سياسات ترمب للإحياء، "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى،" غربت هؤلاء الأميركيين الذين احتفوا بالتعددية الثقافية والكوزموبوليتانية الموجودة في الولايات المتحدة اليوم.

رويترز
 

وعندما اعترضت المحاكم على هذا القرار باعتباره حظرًا يستهدف المسلمين وينتهك الشرط التأسيسي، حاججت إدارة ترمب بأن الأمر ينطبق على الأقليات الدينية في كافة الدول، حتى تلك التي يعد المسلمون أقلية فيها، إضافة إلى طوائف الأقليات. ولكن مرة أخرى، فإن القصد من قرار استهداف المسلمين كان يتنافى مع حقيقة أن القرار كان متضمنا في وثيقة تستهدف الإرهابيين الأجانب من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، كما أن رسالته المعلقة بالاستثناء والقوة القومية كانت مدفوعة تجاه الوطن، وذلك ليس من خلال محتوى القرار، ولكن من قبل عزم إدارة ترمب العنيد على أن تصبح سياسة على الرغم من الاحتياجات الجماهيرية والتحديات القانونية لدستورها.

 
عندما نبدأ في النظر إلى العنصرية ليس بوصفها خللا أخلاقيا من جانب الأفراد ولكن بوصفها علاقات سياسية تشكل المجتمع ثقافيا واقتصاديا، فإن السؤال اللازم طرحه في ضوء اعتماد ترمب على أسس عنصرية للمطالبة بالسلطة هو: أي نوع من المطالبات في مجتمع ديموقراطي متعدد الثقافات يمكن أن تتصدى للسياسات العنصرية وإمكانات العنف المتضمنة فيها؟ وللإجابة على هذا السؤال، فإن من المفيد أن نقارن بين شعارات حملة كل من أوباما وترمب. إن سياسات أوباما "للأمل" رأت الولايات المتحدة كمشروع قيد التشكل ودعا جميع الأميركيين بغض النظر عن خلفياتهم المتنوعة للمشاركة في تشكيلها. نهجه غرب العديد من الأميركيين البيض الذين ازدهروا في أميركا السالفة واحتفوا بها بالرغم من فهمها الإقصائي للحقوق المدنية.
 
إن سياسات ترمب للإحياء، "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى،" غربت هؤلاء الأميركيين الذين احتفوا بالتعددية الثقافية والكوزموبوليتانية الموجودة في الولايات المتحدة اليوم. إحداها سياسة للماضي والأخرى للمستقبل، وكما تظهر الحزبية الحالية في الولايات المتحدة، فإنهم لا يتفقون في الرأي. وبالتالي، فإن التحدي قد لا يكون في التغلب على العنصرية في المجتمع ولكن بمواجهة الواقع المرير للتعقيدات الهائلة التي تصاحب التنوع. إن التنوع الديني، والثقافي، والإثني، والعرقي والجندري للولايات المتحدة اليوم هو حقيقة لا يمكن دحضها. ليس ثمة أي أيديولوجيا يمكنها أن تنجح في أن تقلب الواقع. لا يمكن لأي رؤية قومية في الماضي أو الحاضر أن تتغلب على المأزق السياسي الحالي، إذ لا يبدو أن ثمة اتجاه يمكن فيه تخيل "أمة" بلا مجموعات تشعر بأنها ستخسر الحق في هويتها في هذه الرؤية الجديدة للأمة. إن التحدي الديموقراطي للولايات المتحدة في هذا العالم ذي الصبغة العولمية في القرن الواحد والعشرين يتمثل في كيفية السيطرة من خلال حل المشاكل بدلاً من بناء الأمة.

__________________________________________
 
مترجمٌ عن: (إي آي آر)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار