اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/14 الساعة 16:52 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/25 هـ

انضم إلينا
"دولة إيران العميقة".. صراع الأجنحة والتحكم بالقرار السياسي

"دولة إيران العميقة".. صراع الأجنحة والتحكم بالقرار السياسي

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

مع التغيرات السياسيّة التي طرأت على إيران مؤخرا ظهرت مقالات تقول إنّ التيار الأصوليّ في إيران سينتصر على التيار الإصلاحي. حجّة هذه المقالات كانت أنّ بنية وتركيبة الدولة هناك مبنيّة بالأساس على هذا التيار الأصوليّ. فماذا تقول هذه المقالة؟ إنّها تدحض ذلك بالقول إنّ للإصلاحيين يد الفوز في المستقبل، وهذه المقالة هي رد على مقالة "المرشد الأعلى القادم لإيران"، والتي ترجمناها سابقا على صفحات "ميدان".

  

نص المقالة

في مادّتهما "القائد الأعلى القادم لإيران" ((مايو/أيار)-(يونيو/حزيران) 2017) يحاجج كلّ من سنام فاكيل وحسين رسام بإقناع بأنّ وفاة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي ستشكل نقطة تحول في الجمهوريّة الإسلاميّة. وهما على حق في أنّ خامنئي يريد بشدّة انتقالا سلسا، ويصرّ على أنّ شخصا ما على مقربة منه، أيديولوجيا وشخصيا، يمسك بدفّة الأمور بمجرد وفاته.

 

غير أنّ فاكيل ورسام يخطئان عندما يدّعيان أن "الدولة العميقة" -التي تُعرَّف بأنها "أمن معقد، واستخبارات، وبنية اقتصاديّة متكونة من التابعين المخلصين له بشدّة"- سـ"تحمي الجمهوريّة الإسلاميّة بعد فترة طويلة من رحيله". المشكلة في هذه الحجة هي أنّ الدولة العميقة بالكاد يمكن أن تكون منيعة، وأولئك الذين هم في النظام يرغبون في الإصلاح، بمن فيهم الرئيس حسن روحاني ودائرته، ليسوا عاطلين. ففي الواقع، يَعتبر الإصلاحيّون موت خامنئي فرصة ذهبيّة لتوجيه النظام في اتجاه جديد، ويبدو أنهم مستعدّون للمعركة.

 

تاريخ من الخلاف
 الحرس الثوريّ ليس سوى ذراع من ثلاث أذرع للجمهوريّة الإسلاميّة، بعد مكتب المرشد الأعلى والرئاسة (رويترز)


على الرغم من أن فاكيل ورسّام ملتبسان بشأن ذلك أحيانا فإنّ الدولة الإيرانيّة العميقة يمكن تلخيصها باسم واحد: فيلق الحرس الثوريّ الإسلاميّ. وباعتباره قويا ومتوسّع الأطراف مثلما هو الحرس الثوريّ -الذي لا يتألف من مجمع عسكريّ-صناعيّ فحسب، وإنما أيضا من منافذ إعلاميّة وثلاث وكالات استخباراتيّة منفصلة- فإنّه يدرك حدود سلطته بحكم طبيعته.

 

وهذا يرجع إلى أنّ الحرس الثوريّ ليس سوى ذراع من ثلاث أذرع للجمهوريّة الإسلاميّة، بعد مكتب المرشد الأعلى والرئاسة. وعلى الرغم من أنّ المرشد الأعلى والحرس الثوريّ يسيطران على الكثير من السياسات الداخليّة والخارجية للبلاد، للمؤسسات الثلاث، فإنّ الحرس الثوريّ ليس لديه سوى أدنى ادّعاء بالقيام بوظيفة سياسيّة. ففي إرادته، طلب سلفُ خامنئي، أي روح الله الخميني، من الجيش البقاء بعيدا عن السياسة الحزبيّة، محذّرا من أنّ "الثورةَ تنتمي للأمّة كافّة". وحتى خامنئي، الذي احتضن الحرس الثوريّ بشكل أوثق، شدّد على الرسالة نفسها. ففي بيان صدر في (أكتوبر/تشرين الأول) 2016، على سبيل المثال، منع القوات العسكريّة والأمنيّة والاستخباراتيّة من التدخّل في الانتخابات. والحال أنّه في داخل المتاهة التي هي الجمهوريّة الإسلاميّة فإنّه لا توجد مجموعة واحدة لديها احتكار صريح للسلطة.

 

والواقع أنّ للحرس الثوريّ منذ فترة طويلة علاقة خلافيّة مع مراكز السلطة الأخرى، وقاوم باستمرار محاولات هذه المراكز لتهميشه. فقد اشتبك أولا مع الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني في أواخر الثمانينيّات عندما سعى دون جدوى إلى إدماج الحرس الثوريّ الإسلاميّ في القوات المسلّحة النظاميّة. واليوم، تجد المجموعة نفسها في صراع من أجل الحفاظ على مكانتها. ولكن هذه المرّة فإنّ روحاني هو منافسه الذي برز، منذ وفاة رفسنجاني في (يناير/كانون الثاني) عام 2017 كزعيم لشبكة سياسّية غير رسمية كانت دائما جزءا من الجمهوريّة الإسلاميّة بعد أن انفصلت عن الحرس الثوريّ، ويُشار إليهم في طهران عادة باسم "التكنوقراط".

  
 
جزئيّا، ترجع الشكوك المتبادلة بين الحرس الثوريّ والتكنوقراط إلى خلفياتهم ورؤاهم للعالم المختلفة، حيث تتألّف قيادة الحرس الثوريّ من الرجال الذين كانوا في أوائل العشرينيّات من عمرهم عندما انضموا إلى حركة الخميني من أجل يوطوبيا إسلامويّة وارتدوا زيّ الحرس الثوري الموحَّد، وهم ينحدرون في الغالب من خلفيات حَضريّة أو ريفيّة فقيرة، وبرزوا خلال الحرب بين إيران والعراق عندما تمكّنوا من المساعدة في صدّ الجيش العراقيّ في وقت كانت فيه إيران ما بعد الثوريّة في حال ضعف. وكان التكنوقراط أيضا ثوارا إسلاميين شبابا، سوى أنّهم كانوا يسيطرون على الوزارات المدنيّة بدلا من أن يلبسوا زي الجيش الثوريّ. وعوضا عن الخروج من الفقر، فقد انحدروا من منازل الطبقة الوسطى، وقد تلقّى الكثير منهم تعليمه في الغرب.

 

وقد تم تشكيل كلتا المجموعتين خلال الفوضى التي أعقبت مباشرة ثورة عام 1979، ولكن كل منهما أخذ درسا مختلفا عن تلك الفترة. ففي الوزارات بطهران تعلّم التكنوقراط بشكل مباشر كيفَ أنّ قطع التعصُّب الثوريّ للتجارة مع العالم الخارجّي مثلا يمكن أن يؤدي إلى العزلة الدوليّة ويضرّ الاقتصاد. وفي الآن نفسه وجدَ الحرس الثوريّ أنّ التعصب نفسه لا غنى عنه لتعبئة قاعدة صغيرة ومحدّدة للنهوض بمصالحها، أولا في ساحة المعركة ضدّ صدام حسين، ومن ثمّ ضد المعارضين على الجبهة الداخليّة. واليوم، يُبدي التكنوقراط والجنرالات في الحرس الثوريّ وجهاتَ نظر مختلفة جدا بشأن شمائل الإصلاح، إذ يريد التكنوقراطيون أن يحضروا إيران إلى الاقتصاد العالميّ، بينما يخشى الحرّاس من أنّ وصول رؤوس الأموال والتكنولوجيات الغربية سيعرّض مصالحها الاقتصاديّة للخطر.

 

وباعتبارهم المستفيدين الرئيسين من النظام، سواء من حيث السّلطة أو المال، فإنّ لدى جنرالات الحرس الثوريّ كلّ الأسباب في العالم لمعارضة الإصلاح. وبالتالي، وبعد انتخاب روحاني في عام 2013، سارع الحرس الثوريّ  إلى التعبئة ضدّ أجندته. وعندما نجحَ جواد ظريف، وزير خارجيّة روحاني، في تأمين صفقة دوليّة بشأن البرنامج النوويّ الإيرانيّ في عام ٢٠١٥، فقد صوّرته وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الحرس الثوريّ بأنّه ليس ثوريّا حقيقيا، مشيرة إلى أنّ ظريفا كان قد درسَ شهادة الدكتوراه في جامعة دنفر عندما كان القادة الحاليّون للحرس الثوريّ في الخنادق يقاتلون صدّام حسين. كما إنّهم شهَّروا أيضا ببيجان زانجنه، وزير النفط، على محاولة جلب الاستثمارات الغربيّة إلى قطاع النفط والغاز في إيران، ولم يفوتوا أيّة فرصة لتصويره كخائن.

 

روحاني لديه شيء أيضا ليس لدى الحرس الثوريّ والمرشد الأعلى: ألا وهو الشرعيّة بين الجمهور. ففي نهاية الأمر فإنّ الرئيس مسؤول أمام صندوق الاقتراع  (الأوروبية)


بيد أنّ جهود الحرس الثوريّ للدفاع عن مصالحه لا ترقى إلى الرفض الكامل لجميع مواقف روحاني، إذ إنّ الجنرالات يدركون أنهم يعتمدون على التكنوقراطيين للحفاظ على آليات الإدارة الحاكمة. فبعد أن أصبح روحاني رئيسا تورّط الحرس الثوريّ في جولة أخرى من التنازلات المتبادلة الخَطِرة، وازدادت ميزانيته الرسميّة، وكذلك تدخله في العراق وسوريّة، ولكن حاول الرئيسُ، في الوقت نفسه، أن يقنعَ الجنرالات بتخفيف أثَرِهم السياسيّ والاقتصاديّ المحليّ الداخليّ. فمثلا، استخدم الاتفاق النووي للتفاوض مع الحرس الثوريّ: حيث يحصل جنرالاته، في مقابل البقاء بعيدا عن السياسة، على حصّة من الفرص الاقتصاديّة التي تنجم عن الصفقة. ولا تزال اللعبةُ السياسيّة مستمرة، غير أنّ روحاني يدفع، بصورة لا يمكن إنكارُها، من جديد ضدّ تغلغل الحرس الثوريّ في مؤسسات الدولة.

 

وعلى الرغم من سوء الإرادة فإنّ جميع الفصائل داخل النظام تنخرط في ضبط النفس، مع التسليم بأنّ انهيار النظام السياسيّ يمكن أن يؤدي إلى نهاية الجمهوريّة الإسلاميّة تماما. وقد تجبرُ الرغبةُ في رؤية النظام باقيا الحرسَ الثوريّ على التوصل إلى حلّ وسط بشأن اختياره للقائد الأعلى. وفي الوقت نفسه فإنّ فاكيل ورسّام يرفضان إلى حدّ كبير سلطة روحاني والسفينة المعتدلة الإصلاحيّة التي يقودها هو الآن، إذ إنّ التكنوقراطيين لن يجلسوا مكتوفي الأيدي عندما يحاول الحرس الثوريّ الاستيلاء على المزيد من السلطة. وبعد السعي إلى اختيار الحرس الثوريّ الإيراني، دون جدوى، قدّمَ روحاني تقييما صريحا للمجموعة. فقال في خطاب ألقاه في عام 2014: "إذا وضعتم أجهزة الاستخبارات والبنادق والمال والاستثمار والإعلام في يد كيان واحد فإنّ سلمان نفسه قد يكون معطوبا"، في إشارة إلى أول صحابيّ فارسيّ للنبيّ محمد. وأضافَ روحانيّ مشيرا إلى الابتزاز الاقتصاديّ للحرس الثوريّ: "ما كان يحدث تحت الطاولة يجري الآن على الطاولة". أثارت تعليقات روحاني غضب زعماء الحرس الثوريّ، فردّ محمد علي الجعفريّ، قائد المجموعة، بالإشارة إلى أنّ الرئيس لديه أجندة خفيّة تهدف إلى الارتكاس عن الطابع الثوريّ للنظام.

 

كما إنّ روحاني لديه شيء أيضا ليس لدى الحرس الثوريّ والمرشد الأعلى: ألا وهو الشرعيّة بين الجمهور. ففي نهاية الأمر فإنّ الرئيس مسؤول أمام صندوق الاقتراع. وخلافا للحرس الثوريّ الإيرانيّ الذي يركز على الأمن يمكن لروحاني وتكنوقراطييه أن يتحدّثوا عن العديد من المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تؤثر على الحياة اليوميّة في إيران، من البطالة إلى التدهور البيئيّ إلى القوانين الاجتماعيّة الصارمة. فالشرعيّة الشعبيّة، حتى في النظم الأوتوقراطيّة، مهمّة، وفي إيران فإنّ التكنوقراطيين على مقربة من عكس تطلّعات الإيرانيين العاديين.

 

مأزق خامنئي
دخل خامنئي، للعب دورِه، في قِران مع الحرس الثوريّ. ففي التسعينيّات، عندما جرّب التكنوقراطيّون الإصلاحات الاقتصاديّة، كان خامنئي والحرس الثوريّ الإسلاميّ مشغولين بتعزيز سلطتهم. (رويترز)

 
والحال أنّه لا يكون تحليل لصراع إيران على السلطة كاملا دون أخذ خامنئي بعين الاعتبار. يقوم كلّ من فاكيل ورسّام بعمل ممتاز يحدد توطيد المرشد الأعلى للسلطة منذ تولى منصبه في عام 1989. وكما أشارا فقد قام خامنئي بمأسسة مكتب المرشد الأعلى بطرق لم يفعلها سلفُه أبدا، ووسَّع من حجم موظفيه بشكل كبير. غير أنّ خامنئي جعل هذه التغييرات ضرورة لا خيارا. كان في حاجة إلى مؤسسة كفء للتعويض عمّا افتقره هو: أي المنزلة المطلقة للخميني. فلم يحتج الخمينيّ سوى ميكروفون لتعبئة مؤيديه، بيد أنّ خامئني لم يمتلك أبدا هذا الترف.

 

في الواقع، يبالغ فاكيل ورسام في قدرة خامنئي على الإمساك بدفّة الأمور. ومن الجدير بالذكر مثلا أنّ التغييرات الدستوريّة التي أدت إلى إنشاء مجلس تشخيص مصلحة النظام -الذي كان من المفترض أن يكون الحكم النهائيّ في النظام والذي تمّ اختيار أعضائه من قبل المرشد الأعلى- تقرّرَ قبل أن يصبح خامنئي المرشد الأعلى. والواقع أنّ فكرة إنشاء مثل هذا المجلس كانت طافية على السَّطح منذ أوائل الثمانينيّات، وأصبح خامنئي المستفيد الرئيس من التغييرات الدستورية عام 1989، لكنه لم يكن محرّضا عليها.

 ودخل خامنئي، للعب دورِه، في قِران مع الحرس الثوريّ. ففي التسعينيّات، عندما جرّب التكنوقراطيّون الإصلاحات الاقتصاديّة، كان خامنئي والحرس الثوريّ الإسلاميّ مشغولين بتعزيز سلطتهم. وفي نهاية العقد، كما شرح فاكيل ورسّام، هددت مجموعة من قادة الحرس الثوريّ علنا بإبعاد الرئيس محمد خاتمي بسبب عدم قيامه بما يكفي للقضاء على المتظاهرين الطلّاب. ولكن خلافا لتصوّر الكاتبيْن، بدلا من إظهار قوّة الحرس الثوريّ فإنّ التهديد يعكس علاقته المتبادلة مع خامنئي. كان خامنئي يحتاج إلى قوّة الحرس الثوريّ للتعامل مع المتظاهرين، واحتاجَ الجنرالات إلى غطائه الديني للعمل.

 

كما أظهرَ خامنئي والحرس الثوريّ أنفسهم بأنهم قادرون على سوء التقدير السياسيّ. ولننظر في تحالفهم قصير الأمد مع الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، فما إن صار محبوبا لخامنئي والحرس الثوريّ قرّر السياسي اليمينيّ المتطرف في نهاية المطاف أن يمضي بطريقته الخاصة، مما شكّل تحديا بصورة متزايدة لرجال الدّين. هذا أثبت أن هذه هي نهايته. وفي (أبريل/نيسان) 2017 سمح مجلس صيانة الدستور، الذي يفحص المرشحين لمنصب منتخَب، بأنّ أحمدي نجاد يعلم أنّه لم يعد مؤهلا للترشح للرئاسة. وردًّا على ذلك، كان كل ما يمكن أن يفعله أحمدي نجاد هو مهاجمة خامنئي وحلفائه في الحرس الثوريّ بلغة مشفَّرة. وفي النهاية، دعموا رجلا أثبت أنّه أكثر ولاء لمناصريه الشعبيين منهم.

  

 تجمع بعض رؤساء إيران وهم (من اليسار) حسن روحاني أحمد نجاد محمد خاتمي هاشمي رفسنجاني  (الأوروبية)

 
ماذا يعني كلُّ ذلك لعملية اختيار المرشد الأعلى الإيرانيّ القادم؟ نظرا لتاريخ النظام في نضالات السلطة الداخليّة فربما يدرك خامنئي أنّ الحرس الثوري ّ لا يمكنه أن يحقق خلافة سَلِسة من تلقاء نفسه، فذلك سيتطلب حلا وسطا أوسع داخل النظام. يمكن تهميش أحمدي نجاد وأركانه دون الإخلال بعمل الدولة، ولكنّ التكنوقراطيين حول روحاني، الذين يديرون الحكومة في واقع الحال، هم عِماد النظام الرئيس. وبوصفه أحد الثوار الأصليين منذ عام 1979 الذين أطاحوا بقوات الشاه المسلحة القويّة فإنّ خامنئي يعرف أن البنادق وحدها لا يمكنها أن تُبقي النظام في السلطة.

 

وفي الوقت نفسه فإنّ النظام أكثر انقساما اليوم ممّا كان عليه في عام 1989، وهي المرة الأخيرة التي كان عليه أن يختار المرشد الأعلى. والحال أنّه لا توجد شخصيات كبيرة يمكن أن تشرف على العمليّة التي قام بها رفسنجاني. بمعنى آخر، فإنّ احتمالية حدوث إكراه على الانفتاح خلال المرحلة الانتقالية حقيقيّة، ونتائج العملية لا تكاد تكون مسبقة. أمّا بالنسبة إلى مجلس الخبراء، وهو الهيئة التي تنتخب المرشد الأعلى، فمن المرجّح أن تُصادق على أيّ حل توفيقيّ بين نخب النظام أكثر من التأثير الفعليّ على القرار نفسه.

 

بلى، إنّ الحرس الثوريّ هو وسيط سلطة أكبر بكثير اليوم، ونعم، ينظرُ الحرسُ إلى روحاني وفريقِه كمنافسين لديهم رقعة ناعمة للغرب. لكنّه ليس قاتلا جدا بحيث يُفترض أنّه يمكن أن ينتقي خليفة خامنئي دون المخاطرة باضطراب عميق داخل النظام. فقبل كلّ شيء، ما لا يمكن للحرس ولخامنئي أن يحددوه هو المدى الذي سينصب فيه الفصيل التكنوقراطيّ المعركة. ومع ذلك، ما يعرفونه على وجه التحديد هو ما لا يريدونه: عملية انتقال مضطربة تدفع الجمهور إلى الشوارع. وفي نهاية المطاف، ينبغي لهذا الخوف أن يُثني أيّ فصيل واحد عن فرض خياره على الآخرين.

 

ردّ فاكيل ورسام


 
مُحقٌّ أليكس فاتانكا في تأكيده أنّ "السفينة المعتدلة الإصلاحيّة" التي يقودها الرئيس حسن روحاني لا ينبغي الاستهانة بها في المعركة المقبلة لاستبدال خامنئي. وفي محاولة لتحويل الجمهوريّة الإسلاميّة من الداخل فإن "المُراجعين"، على حد تعبير المتشددين، يشّكلون بالفعل تحديا لاستقرار النظام. فهذا الفصيلُ يحتفظ بالشرعيّة الشعبيّة النسبيّة، كما يقترح فاتانكا، ويمثل تهديدا كبيرا للدّولة الإيرانيّة العميقة. ولكن هذا هو بالتحديد السبب في أن الدوّلة العميقة سعت بنشاط إلى فحص قوة روحاني وفريقه التكنوقراطيّ قبل وفاة خامنئي.

 

بالتأكيد، فإنّ الدولة العميقة لا يمكن قهرها، ولها سجلّ حافل من الأخطاء، كما يدّعي فاتانكا محقّا. وتُعزى هذه الأخطاء إلى السيرورة الارتكاسيّة والتطوريّة التي أُنشئت من خلالها الدولة العميقة، فلم تكن مؤامرة منظمة بدأت في تاريخ ووقت معيّنين. وقبل كل شيء، تسعى الدولة العميقة إلى الحفاظ على الطبيعة الثوريّة للجمهوريّة الإسلاميّة، وهكذا تنامى تنظيمُها وقدرتُها ردًّا على ما تعتبره هي تهديدات داخليّة.

 

يخطئ فاتانكا عندما يدّعي أنّ الدولة العميقة تقتصر على الحرس الثوريّ الإسلاميّ. وكما كتبنا في مقالنا فإنّ الدولة العميقة هي "أمن معقّد، واستخبارات، وبنيّة فوقيّة اقتصاديّة". وعلى الرغم من أنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ هو ركيزة مهمة فإنّ الدولة العميقة تحتوي على مجموعة كبيرة من المؤسسات الأساسية الأخرى، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات والأمن، والقضاء، والبيروقراطيّة الدينيّة، والمؤسسات الخيريّة، والكيانات المختلفة، وحتى مكتب المرشد الأعلى.

 

فتحت إشراف خامنئي أصبحت هذه المؤسسات أكثر قوّة من الهيئات المنتخبة للرئاسة والسلطة التشريعيّة. ولا ننسى أنّ مكتب خامنئي يوافق على وزراء الخارجيّة والاستخبارات والداخليّة والدفاع قبل أن يقوم البرلمان بذلك، (بل إنه يدقّق في سفراء إيران في أفغانستان والعراق وسوريّة). كما لا ننسى أنّ جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوريّ الإيرانيّ لديه القدرة على اعتقال المواطنين ومزدوجي الجنسيّة واحتجازهم دون إشراف تنفيذيّ.

 

علي خامنئي هو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الحالي، انتخب بعد وفاة الخميني (رويترز)

 
وعلاوة على ذلك، لدى الدولة العميقة احتكار ليس على السلطة فحسب، ولكن أيضا على الثروة. وغالبية الاقتصاد الإيرانيّ تسيطر عليه الدولة بشكل فعال، وهي حصّة لا تقتصر على المشاريع المملوكة للدولة رسميّا، فإنها تشمل أيضا كيانات شبه خاصّة مرتبطة بالدولة العميقة. وطبقا للذراع البحثيّ للبرلمان الإيرانيّ فإن الخصخصة أدّت إلى نقل ما يقرب من 90% من الأصول التي تسيطر عليها الحكومة إلى الشركات والمشاريع المرتبطة بالدّولة العميقة. وكما كتبنا، فإنّ واحدة من تلك هي الشركة القابضة "سيتاد" التي تتباهى بما يقدر بنحو 95 مليار دولار في الأصول. ولكي نفهم قوة الشركة علينا أن نفكّر فيما حدث بعد أن طرحَ حشد روحاني نظاما جديدا لعقود النفط المصمّمة لجذب الاستثمارات الأجنبيّة: فلم يكن إلّا بعد أن كانت شركة "سيتاد" نفسها قادرة على توقيع مثل هذا العقد الذي رفض المتشدّدون معارضتهم لهذا البرنامج.

 

تُبقي الإيراداتُ من كيانات كهذه على عمل الدّولة العميقة، وستبقيها قيد العمل بعد وفاة خامنئي. وذلك لأنّ هذه الكيانات سمحت للدولة العميقة بتطوير نظام رعاية يؤمن ولاء الملايين من الإيرانيين. ومع تصاعد معركة الخلافة [بعد خامنئي]، فلن تثبث هذه الشبكة سوى أنّها أكثر أهميّة، لأنّ الدولة العميقة ستعتمد على هذه المكوّنات لدعم تحرّكاتها السياسيّة.

 

ومن المهمّ أيضا تصحيح خطأ قراءة فاتانكا لخوف الدولة العميقة من الاستثمار الأجنبيّ، فعلى الرغم من الحديث عن الاكتفاء الذاتيّ فإن الدولة العميقة لا تعارض التفاعل الاقتصادي مع العالم الأوسع. وفي الواقع، إنّ العديد من الكيانات الخاصّة وشبه الخاصّة المرتبطة بالمرشد الأعلى، من أجل تمويل الدولة العميقة، مثل المؤسّسة الخيريّة "أستان القدس"، تقوم بانتظام بأعمال تجاريّة مع الشركات الأجنبية. وتوفر مشاريعها التجاريّة مصدرا حاسما للإيرادات والعمالة. الفرق بين هذه الروابط الاقتصادية وما يريده المراجعون هو أن تسعى الدولة العميقة إلى إنشاء ملفّ متنوّع من الاستثمارات، من المملكة المتحدة وروسيا والصين وما وراءها، بدلا من الاعتماد فقط على رأس المال الغربيّ والخبرة الغربيّة. ويبرر المتشددون نسختهم من الاستثمار الأجنبيّ بحجة أنّه من خلال التنويع فحسب يمكن لإيران أن تحمي نفسها من العقوبات الغربية المستقبليّة ومن التدخل الغربيّ في قضايا حقوق المرأة والمجتمع المدنيّ.

 

وفي نهاية المطاف، فإنّ ما تخشاه الدولة العميقة غالبا هو انهيار الجمهوريّة الإسلاميّة على غرار النموذج السوفياتيّ. فأثناء احتجاجات عام 2009 أبدت الدّولة العميقة استعدادها لاستخدام العنف للحيال دون وقوع تلك النتيجة. واليوم، كما أشارت الدولة العميقة إلى روحاني والجمهور، فإنها تحاول السيطرة على خلافة المرشد الأعلى التالي للقيام بالشيء نفسه. 

_______________________________________________
 
مترجم عن: (إم سي تي)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك