اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/19 الساعة 17:16 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/1 هـ

انضم إلينا
"سعودي أوجيه".. جذور العلاقة بين الحريري والبلاط الملكي بالسعودية

"سعودي أوجيه".. جذور العلاقة بين الحريري والبلاط الملكي بالسعودية

  • ض
  • ض

لم يتعلم سعد الدرس جيدا على ما يبدو، أو لم يغتنم فرصة تتكرر الآن للمرة الثانية، وأخبره كفيله السعودي في مرتها الأولى أنه صاحب الكلمة العليا، فرصة أطلّت مع بدايات عام 2011 الذي حمل، إلى جانب شرارة الربيع العربي، تشكّل كرة ثلج صغيرة بدأت في بيروت، وانتهت في الرياض، حيث تُقضى شؤون لبنان أغلب الأمر، أو شؤون الطائفة السنية فيها على وجه التحديد، وفيما تظهر نتائجها تباعا هذه الأيام فإن رحلتنا الأولى تعود بنا إلى جلسة كان "سعد الحريري" أحد الحاضرين فيها، وإلى جواره "لجمي محمد علي"، كبير محققي المحكمة الدولية في قضية اغتيال والد الأول "رفيق الحريري(1)".

 

بدت زلة لسان الحريري الابن "لا تُغتفر"، ففي سياق حديثه عن صداقات الأب وعداواته على حد سواء، على أمل وضع قائمة بالمتهمين في اغتياله، كان تشبيه سعد لرئيس المخابرات العسكرية السورية وأحد أذرع النظام الباطشة "آصف شوكت"، بمساعد وزير الداخلية السعودي وقتها "بدرجة وزير" الأمير محمد بن نايف(2)، أو "الرجل القوي" كما كان يُوصف في الرياض، مالكا الثناء والمجد داخل المملكة وخارجها عن جهوده على رأس البرنامج السعودي لمكافحة الإرهاب، وبدا تشبيه الحريري لحال الرجلين بـ "التعطش إلى الدماء" غير مقبول في الرياض تحديدا، وإذ أشعل(3) ذكر ابن نايف في جملة واحدة مع شوكت غضب المملكة على سعد، دفع الأخير الثمن غاليا وقتها.
 

فصلت أسابيع قليلة بين تسريبات(4) قناة الجديد اللبنانية في (يناير/كانون الثاني) لعام 2011، لأحاديث الحريري-لجمي كجزء من التحقيق في اغتيال رفيق الحريري، وبين اقتحام(5) الأمن السعودي لمقار عملاق البناء والعقارات "سعودي أوجيه". وعلى خلفية اتهامات بالفساد والرشوة، أسقطت المملكة حينها الشركة المملوكة لسعد وأخيه أيمن في قضايا لا حصر لها، ومن حينها، بدا أن مشكلات الشركة السعودية التي أسسها(6) رفيق الحريري منذ 1978 لن تتوقف إلا باختفائها، وهو ما حدث بالفعل حتى أشهر قليلة ماضية حين أعلنت(7) الشركة إفلاسها.

  

 
انتهى الأمر بالحريري الابن في مأزق لا يُحسد عليه، وبالرغم من أن هذا العام كان يحمل في جعبته الكثير لسعد الحريري خاصة، ولبنان عامة، فإن الرياض لم تتوان بعده عن وضع الحريري في مرمى نيرانها مرة بعد أخرى، وكانت أيام قليلة ماضية على ما يبدو هي نهايتها، حين أجبرت الرياض -في سابقة جديدة من نوعها سياسيا- الحريري على تقديم استقالته عن منصبه في رئاسة وزراء لبنان، ووضعت معها لبنان كاملة في مأزق غير محسوبة عواقبه، لكن الأسئلة والإجابات التي لا تنفك تُطرح منذ إعلان استقالة الحريري في الرابع من (نوفمبر/تشرين الثاني) الحالي، وحتى الآن، تصب جميعها في أن الهدف الأساس من الفوضى السياسية المتوقع حدوثها في لبنان جراء هكذا قرار هو عاصمة ولي أمر حزب الله في لبنان، أو عدو الرياض الأزلي: طهران.

 

نسج الرياض المنفض

لم تكن "سعودي أوجيه" مدخل رفيق الحريري إلى عالم أصحاب المليارات فقط، بل إنها فتحت له أبواب النفوذ السياسي في كل من الرياض وبيروت على مصراعيها، فالشركة التي تأسست نتيجة صفقة اندماج ضم فيها الحريري الأب شركة "أوجيه" الفرنسية إلى شركة العقارات السعودية الخاصة به، لتكون سعودي أوجيه، يمكن القول إنها شاركت في بناء أساسات المملكة كاملة في شكلها الحديث. فكانت السعودية عميل الشركة الأول دائما، شاملة إياها وصاحبها بفيض عطاياها الحكومية المعتادة، فيضٌ ضمّ فيما ضمّ تعاقدات حكومية لبناء المدارس والجامعات والمباني الرسمية، وصولا إلى قصور حُكام المملكة، ما مهّد الطريق أمام الحريري، غير مدرك بعد أن دوره سيحين لرد ديونه للرياض، وسيكون هذا في دولته الأم: لبنان.

 

شهدت الرياض في ذلك الوقت من أواخر الثمانينيات، إلى جانب صعود نجم الحريري فيها، توقيع "اتفاق الطائف"، وهو اتفاق وضع حدًّا(8) للحرب الأهلية اللبنانية "1975-1990"، وعادت معه الحياة إلى طبيعتها في دولة أنهكتها الحرب منذ زمن. لكن الاتفاق الذي شهد ارتحال عاصفة الحرب عن لبنان، شهد تاليا صعود نجم جديد في ساحتها السياسية، اسمٌ تحمل له السعودية عداء خاصا كونه وكيلا عن عدوّها الأهم في المنطقة: طهران. ولم يكن هذا الاسم سوى "حزب الله".

 

لا يدري أحد حتى الآن حقيقة أو مدى تورط حزب الله في اغتيال رفيق الحريري، لكن ثقة ابنه سعد في تورط سوريا ويدها، كما يد طهران في لبنان "حزب الله"، في الأمر تبدو غير قابلة للنقاش بالنسبة له

رويترز
 

لا يخفى على أحد ما جرى تاليا، شهد مطلع التسعينيات بالفعل عودة الحريري إلى لبنان، وبشبكة(9) واسعة من الاستثمارات في الخدمات الاجتماعية والبنى التحتية، ضمن برنامج يهدف إلى إعادة إعمار جار الرياض الشمالي، ووجد الملياردير السعودي-اللبناني طريقه إلى قلوب وعقول اللبنانيين، ما جعل استمراره في منصبه كرئيس لوزراء لبنان، ولفترتين متعاقبتين منذ 1992 وحتى 2004، أمرا محتّما. لكن هذا كان يضمن، من بين العديد من الأشياء، تحكّم الرياض بشكل أو بآخر في شؤون الدولة اللبنانية، وبصيغة أخرى، وضع حدّ لتمدد النفوذ الإيراني في لبنان، ما يضمن بقاء الرياض صاحبة الكلمة العليا في هذا الشأن.

 

يمكن أن تضمن مئات المليارات التي ضختها(10) السعودية لسنوات طويلة في الاقتصاد اللبناني انزواء القيادة السياسية تحت لوائها، وخاصة مع وجود لاعبها الأهم هناك "الحريري" على رأس إحدى السلطات التنفيذية، لتُبقي حائط صدّ منيعا قائما أمام قدرة حزب الله على النفاذ إلى سياسات الدولة. لكن الجميع، سوى الرياض على ما يبدو في ذلك الوقت، عرف أن طهران لا تمارس لعبتها السياسية بمثل هذا المنطق، وأنه في وقت ظنّت فيه السعودية ضمان بقاء لبنان في صفّها، كان حزب الله، بدعم إيراني لا يتوقف، يُعد عدته ليوم مشهود، وهو يوم الرابع عشر من (فبراير/شباط) 2005، وبعبارة أخرى: يوم اغتيال رفيق الحريري.

 

لا يدري أحد حتى الآن حقيقة أو مدى تورط حزب الله في اغتيال الحريري، لكن ثقة ابنه سعد في تورط سوريا ويدها، كما يد طهران في لبنان "حزب الله"، في الأمر تبدو غير قابلة للنقاش بالنسبة له، أما تحقيقات المحكمة الدولية التي وضعت خمسة(11) من عناصر حزب الله على رأس قائمة المتهمين في الاغتيال، فقد هدم أركانها الحزب بلعبة سياسية تحمل من ذكاء قادته ما تحمل، كما سنرى فيما بعد، وفيما نحن الآن في 2005، فإن معضلة السعودية القائمة باغتيال رجلها الأهم في بيروت كانت مُعجزة لدرجة دفعت الرياض دفعا نحو توريط الابن "سعد" في لعبة سياسية ليس له فيها ناقة أو بعير، فالابن الذي افتقر(12) إلى حنكة والده السياسية شيئا ما على ما بدا، وجد نفسه عام 2005 مدفوعا بيد الرياض -أغلب الظن- عضوا في البرلمان اللبناني، وكانت شعبية والده والغضب لاغتياله قد ضمنا للابن مقعده دون عناء.
 

 
أما حزب الله على الجانب الآخر فقد وجد نفسه أمام غضبة شعبية تبنّى التيار السني اللبناني شُعلتها، خاصة مع تمسك الحريري الابن بأن الحزب هو المتهم الأول في القضية، وكون الصراع الطائفي-السياسي القائم بالأساس كفيلا بتأييده، ما جعل موقف حزب الله معقدا سياسيا وشعبيا في الداخل. وفي سعيه للخروج من هذه المعضلة وجدت الحرب طريقها إليه، أو بمعنى أدق وجد الحزب طريقه للخروج من الأزمة، وتثبيت دعائم شرعيته في لبنان بطريقة لم يكن أحد ليحلم بها يوما.

 

ابن الرياض المُدلل.. وطهران أحيانا

وضعت(13) حرب الجنوب اللبناني مع إسرائيل عام 2006 حزب الله فوق رؤوس وأكتاف الناس في الشرق الأوسط كاملا، فالكيان الذي أعجز دولا ثلاث في إحدى حروبه التي لا تنتهي، وصاحب أقوى جيش شرق أوسطي، هُزم أو تم تحييده على أقل تقدير على أيدي جماعة مسلحة خفيفة العتاد -مقارنة بالدولة المُحارِبة- قليلة العدد، وبالرغم من أن حزب الله هو من بدأ الحرب بعد اختطافه جنديين إسرائيليين، ما دفع إسرائيل، التي ترغب هي الأخرى باختفاء حزب الله من على وجه الأرض، إلى اجتياح الجنوب في حرب كان الجميع يظن أنه يعرف الفائز فيها، وبينما قلب حزب الله قوانين الحرب لصالحه، فإنه قد مُنح بطاقة ذهبية لاجتياح قلوب الناس وعقولهم. ولم تكن لبنان، صاحبة الحرب، ببعيدة عن هذا الأثر، فالتنظيم الذي كاد أن يسقط، بضغط شعبي، على إثر اغتيال الحريري، نال شرعيته شعبيا وسياسيا بالفوز على العدو التقليدي للعرب، حتى مع التصريحات الإسرائيلية المعلنة للعكس دوما، ولم يكن بيد الرياض حينها أو غيرها من عواصم العالم فعل أي شيء لإزاحته عن الطريق.

 

منحت الحرب إذن حزب الله بطاقة للاستمرار، أما الحريري فقد وجد نفسه عام 2009 أمام معضلة عليه فيها أن يتعاون(14) مع "قاتل والده"، كما يراه، للمرور بسلام خلال الأزمة التي نشأت عن انتصاره، كون الحريري على رأس "تيار المستقبل" وقوى 14 آذار بأغلبية مقاعد البرلمان اللبناني، وبالتالي تشكيل الحكومة اللبنانية التي يفرض الدستور أن تحوي وزراء من قوى 8 آذار، وعلى رأسها حزب الله. وقد كان. لكن ما بدأ كأزمة خاصة بالحريري عام 2009، تطور ليُصبح أزمة الرياض خلال العام التالي، فقد بدا وكأن الأزمة الاقتصادية(15) التي عصفت بالعالم، وبالبلدان المصدرة للنفط خاصة عام 2008، ومنها السعودية، بدا وكأنها جعلت السعودية تنسى حليفها في لبنان تماما.

 

صورة تجمع سعد الحريري ومحمود نجاد خلال الزيارات المتبادلة بينهم 2010  (رويترز)

 
يمكن فهم التحول في توجهات الحريري السياسية عام 2009، كما سنتطرق إلى تفاصيلها، بمعرفة أن الأزمة المالية العاصفة باقتصاد المملكة خلال تلك الفترة نتيجة انخفاض أسعار النفط، مصدر الإمداد الأول للاقتصاد السعودي، قد وضعت أيضا مصدر ثروة الحريري "سعودي أوجيه" في خطر، ولم يكن سببه الوحيد هو توقف العقود الخاصة بعملاق المقاولات مع مملكة بدأت خطة تخفيض نفقاتها مواكبة لظروف الأزمة، لكن أيضا لأن الحكومة السعودية توقفت عن سداد المستحقات المالية للشركة، والتي بلغت قيمتها على الرياض حوالي ثمانية مليارات دولار.

 

وضعت تلك الأزمة حجر العثرة الأول في علاقة الحريري بالسعودية، وما لبث الحريري أن أضاف إلى مشكلته تلك واحدة أخرى، واضعا بها علاقاته بالسعودية كاملة في مأزق، وكان هذا لزيارة(16) قام بها أواخر 2010 إلى طهران، بدعوة من الرئيس الإيراني حينها محمود أحمدي نجاد، مَن مهّد للأمر بزيارته(17) التاريخية للبنان قبلها بشهر تقريبا، موقّعا فيها عددا من الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية، كما يُزعم، مع الحكومة اللبنانية.

 

يمكن القول إن الزيارات المتبادلة بين بيروت وطهران قد أصابت الرياض بالهوس على أقل تقدير، فها هي ترى عقودا من محاولات إقصاء طهران عن السيطرة على الشؤون اللبنانية تذهب أدراج الرياح، وبفعل اليد التي صنعتها لهذا الشأن، الحريري. كان لا بد من تلقينه درسا ما إذن كما رأى البلاط الملكي، وكانت حلقته الأضعف(18) هي "سعودي أوجيه"، التي تئنّ بالفعل تحت وطأة أزمة مالية كانت المملكة نفسها إحدى أسبابها، وبدأت الحكومة السعودية بسحب البساط من تحت عملاق العقارات اللبناني، وتقويض مشاريعه ونقلها إلى شركات أخرى، مع استمرار إيقاف صرف مستحقات الشركة التي لم تجد حلا لأزمتها إلا اللجوء إلى البنوك السعودية بقرض قُدّرت قيمته بحوالي ملياري دولار مُنحت إياه الشركة عام 2011، العام الذي مثّل بداية النهاية لأوجيه، كما صاحبها.

 

لم يدرك الحريري أن التنقل بين رضا طرفين متنازعين كالسعودية وإيران لن يحمل له إلا الهلاك، ففي وقت كان فيه ما كان من أمر محمد بن نايف مع سعودي أوجيه، ومن أمر الشركة نفسها مع المملكة، فإن الحريري كان يواجه أزمة صنعها بنفسه داخل لبنان، ومع حزب الله هذه المرة، وأصبحت معها حكومته كاملة في مهب الريح عام 2011، ذلك أن بقاء اتهام الحريري للحزب باغتيال والده ظل على حاله، وبالرغم مما سبق من محاولات تطبيع بين سعد-حزب الله، أو بين الطائفة السنية كاملة والطائفة الشيعية، فإن إعلان الحزب بمناسبة أو غيرها براءته من تهمة مقتل الحريري الأب لم يقابل إلا بإصرار الحريري الابن على رأيه، لذا لم يجد حزب الله بُدًّا من هدم أركان ملاذ الحريري الآمن في لبنان: رئاسة الوزراء، بانسحاب(19) وزراء قوى 8 آذار ومن قبلها وزراء حزب الله من الحكومة التي أُعلنت(20) مستقيلة دستوريا في (يناير/كانون الثاني) 2011، ليُصبح سعد الحريري حينها في مهب الريح.

 

الربيع العربي خريف للبنان


 
وضعت شرارة الثورات العربية في 2011 أُسسا جديدة للعبة السياسية في المنطقة، وإن بدا أن لبنان تحديدا لا يواجه إلا
تبعاتها(21)، دون أن يكون له من الأمر شيء، فالحرب المتصاعدة في سوريا يوما بعد يوم كانت تدفع أزمة تلو الأخرى إلى الجار اللبناني، بداية من حوالي مليوني لاجئ سوري دخلوا الأراضي اللبنانية منذ اشتعال الحرب، ونهاية بتهديد "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش" على الحدود اللبنانية مع سوريا. لكن حتى هذه الأزمات بدت غيضا من فيض الأزمات الداخلية، والتي كادت، أو تكاد، أن ترسم الخطوات الأولى لحرب أهلية لبنانية جديدة.

 

في الداخل، ومنذ خروج الحريري من حكومة لبنان عام 2011 وحتى 2013، شهد هذان العامان توطيد حزب الله لأركان وجوده بطريقة يسهل معها القول إنه صاحب الكلمة اللبنانية الأولى والأخيرة، فإضافة إلى ترسانة أسلحة يُرجّح أن إيران زوّدت(22) بها التنظيم، وأصبح معها فعليا أقوى(23) من الجيش اللبناني، مَن تعتبره(24) بعض الاتجاهات في الولايات المتحدة أحد أفضل جيوش المنطقة، فإن ملامح ما يمكن أن نُطلق عليه "التوازن السياسي اللبناني" تقتضي وجود زعيم للطائفة السُنية في مقابل استحواذ "حسن نصر الله" على ذلك المركز في الجانب الشيعي، ومعه فإن تعاون كلا الزعيمين مع الطائفة المسيحية يُنتج التوازن المطلوب. لكن غياب الحريري الابن، وغياب قائد قوي للطائفة السنية منذ مقتل والده بالأساس، جعل استحواذ نصر الله ومعه حزب الله على شؤون الدولة أمرا غير قابل لأن يواجهه أي زعيم طائفي آخر، ومع بدء التعاون العسكري بين الجيش اللبناني وحزب الله منذ 2013 تحديدا، فإنه حتى عودة الحريري لقيادة الطائفة السنية بعد ذلك بعام أصبحت مجرد عنصر يحركه(25) حزب الله لمصلحته الخاصة.

 

أدركت الرياض، متأخرا كعادة مدرستها السياسية بطيئة الاستيعاب، موقعها من هذه المعادلة الصعبة، أما الحريري الذي نال قرضا سعوديا آخر عام 2013 لمحاولة إصلاح أمور شركته المتهالكة، والذي أهملته الرياض بانشغالها بالحرب ضد طهران في سوريا، لم يجد بُدًّا من إيجاد حليف آخر يمكن إلى جواره أن يُنقذ ما يمكن إنقاذه من شؤونه الاقتصادية والسياسية، ولم يكن أمامه في ذلك التوقيت سوى عدوه القديم، حزب الله. أما ما زاد الأمور تعقيدا بالنسبة له، وجعله يلجأ بأي سبيل إلى توطين أركان هذا التحالف البعيد كل البعد عن أي مما تريده الرياض يوما، فهو وصول الأمير محمد بن نايف عام 2015 إلى منصب ولي عهد السعودية، ومع توقعات سابقة بوصوله إلى مُلك السعودية، كان الحريري قد أدرك حجم الأزمة الواقع فيها، وكان عليه التصرف تجاه الأمر، وهو ما فعله دون حساب للعواقب، وهو ما يدفع ثمنه الآن على ما يبدو.

 

 ميشال عون (يسار) وسعد الحريري (يمين)  (رويترز)

 
على عكس التوقعات، ظهر "محمد بن سلمان" على رأس نظام جديد في الرياض، كان هذا في وقت اتجه فيه الحريري ناحية طهران، وبينما كانت شركته في السعودية تتجه إلى إعلان إفلاسها بعد فشل "المفاوضات الشرسة" التي خاضتها مع الحكومة في محاولة للحصول على مستحقاتها القديمة، أعلن الحريري على غير المتوقع ترشيحه(26) لاسم "ميشال عون"، مرشح حزب الله، لمنصب الرئيس اللبناني، بينما أعلن(27) الأخير بعد فوزه بمقعد كان ينتظر الوصول إليه منذ سنوات ترشيحه اسم الحريري لرئاسة الوزراء. وبتشكيل حكومة "وفاق وطني" تضم تحت جناحها حزب الله، وتمنحه الشرعية الكافية واللازمة للتحكم بأواصر الدولة اللبنانية، فإنه يمكن القول إن طهران فازت بضربة شبه قاضية على الرياض في لبنان، كما فعلت تقريبا في سوريا.

 

يمكن تخيّل الغضب الذي أشعله خبر حكومة الوفاق الوطني اللبنانية في المملكة، لكنّ خبرا آخر كان محور(28) الأزمة الأخيرة وربما السبب الأكبر في إجبار السعودية للحريري على الاستقالة، وكان الخبر هو زيارة قام بها مستشار المرشد الإيراني "علي أكبر ولايتي" للبنان، ومباحثاته مع الحريري فيما يخص الشأن اللبناني، والوقوف بوجه خطر تنظيم الدولة القادم من سوريا من ناحية، وبوجه الخطر الإسرائيلي من ناحية أخرى، وهي أمور أعلنتها تصريحات رسمية معتادة، أما أكثر ما أثار الغضب حول المباحثات اللبنانية-الإيرانية كان إعلان(29) ولايتي أن "إيران تحمي استقرار لبنان"، ما يعني في شكل من أشكاله دخول لبنان تحت جناح الرعاية والسيطرة الإيرانية، وانتصارها من جديد على خصمها السعودي.

 

لم يتوقع أحد الطريقة التي قد تتصرف بها القيادة السعودية الجديدة و"الانتحارية" في الرياض حيال هذه الأزمة، كما يصفها بلال صعب في مقاله بالفورين أفيرز، فقد ظهر جليا أنه لم يكن لديها أية أزمة في احتجاز رأس دولة أخرى، في شبه سابقة تاريخية، وإجباره على الاستقالة، فقط لخلق أزمة في هذه الدولة، لمنع دولة أخرى "إيران" من نيل مُبتغاها هناك، حتى لو ارتد ذلك التصرف الانتحاري فيما بعد إلى صدر البلاط الملكي السعودي، وأصبحت البندقية اللبنانية نحو رأس ابن سلمان نفسه بدلا من الحريري.

 


تنقسم الآراء فيما يتعلق بالأزمة الحالية في لبنان، فبينما يرى البعض أن الهدف الرئيس للسعودية هو "خلق فراغ سياسي" لا يمكن شغله بسهولة في خضم انقسامات طويلة بين الطوائف اللبنانية وبعضها البعض، ويجعل الوصول إلى اسم يجتمع عليه الجميع أمرا أشبه بالمستحيل في ظل انعدام التوافق، يرى آخرون أن السعودية، إذ هي تخلق أزمة تدفع بها حزب الله نحو التصرف بما قد يُخرجه عن حدود المقبول دوليا، وبما يدفع دولة أخرى أشد وطئا، هي إسرائيل، إلى بدء حرب جديدة معه قد تُطيح نهائيا بالتنظيم الذي طالما مثّل أزمة للرياض. لكنّ أيًّا من هذه التنبؤات لا يمكن افتراض صحتها، كما لا يمكن توقّع حدوثها دون أزمة إنسانية كبيرة تعصف، إلى جانب اللبنانيين أنفسهم، باللاجئين السوريين الهاربين من خضم الحرب في دولتهم، وإذ ينتظر الجميع ما تسفر عنه الأيام المقبلة فإن أمرا واحدا قد أجمع عليه الغالبية العظمى، وهو أن الشعب اللبناني الذي لا ناقة له ولا بعير في هذه الحرب القائمة سياسيا أو عسكريا ربما هو الوحيد الذي سيدفع الثمن كاملا عنها، وعلى الهامش سعد الحريري أيضا، وربما محمد بن سلمان نفسه.

المصادر

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار