اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/25 الساعة 17:42 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/7 هـ

انضم إلينا
لعبة الديناصور الأخيرة.. هل تشهد زيمبابوي ربيعا أفريقيا؟

لعبة الديناصور الأخيرة.. هل تشهد زيمبابوي ربيعا أفريقيا؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

بجسد ضخم مترهل لدرجة جعلته مضطرا لاصطحاب مرافق كي يساعده فقط على ارتداء حذائه، استحق جوشوا نكومو عن جدارة وصف(1) المناضل الذي خذله جسده. ومع عمر ناهز آنذاك السبعين عاما، لم يكن نكومو يتوقع مرة أخرى اضطراره لخوض رحلة طويلة شاقة، حتى بمعايير شبابه الحافل كمناضل أفريقي ذي بأس، متخفيا وعابرا حدود بلاده زيمبابوي للجارة بتسوانا، قبل أن يستقر به الحال في منفاه القصير الأجل في لندن مطلع الثمانينيات من القرن الماضي.

 

لم تكن رحلة نكومو شاقة فحسب، بل كانت أيضا مهينة للغاية بالنسبة لرجل قضى حياته مناضلا من أجل بلاده، خاصة أن الدعاية الحكومية أشاعت(2) -إمعانا في إذلاله- أنه اضطر للهرب متنكرا في ثياب امرأة. وبدا أن موقع نكومو المهمش، كوزير بلا حقيبة في حكومة يقودها رفيقه السابق روبرت موغابي، لم يكن كافيا بالنسبة للأخير، ديناصور القارة الذي وجد متعة خاصة في الإجهاز على رفيقه القديم نكومو ببطء، مرة تلو المرة.

 

لدى موغابي ونكومو تاريخ طويل من عدم الوفاق يعود لقرابة عقدين قبل الاستقلال، فبعد أن أسس نكومو حركة الكفاح المسلح المسماة باتحاد شعب زيمبابوي الأفريقي (زابو) وقادها بنفسه، قاد موغابي انشقاقا عرقيا داخلها، معتمدا على انتمائه لقومية الشونا التي تشكل الأغلبية العرقية في البلاد، من أجل تأسيس الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي (زانو)، ليخوض رفيقا الأمس معركة التحرير مستقلين عن بعضهما البعض، مع فوارق غير هينة في الرؤى، تبدأ من مكانة العرق ولا تنتهي عند مجالات وحدود استخدام العنف.

 

 "روبرت موغابي" (يمين)  ثاني رئيس لزيمبابوي (1987 - 2017)،  "جوشوا نكومو" نائب الرتيس موغابي (1987 - 1999)  (غيتي)


ومع قدوم موعد إجراء أول انتخابات برلمانية بعد الاستقلال عام 1980، كان نجم نكومو وجاذبيته آخذين في الأفول، بذات القدر الذي كانت صحته فيه آخذة في التردي، حيث لم يحصد حزبه سوى عشرين مقعدا برلمانيا، مقابل 57 مقعدا لحزب موغابي، و20 احتفظت بها الأقلية البيضاء. وفي ظل ذلك الوضع، كان نكومو مضطرا لقبول موقع على الهامش في حكومة يقودها غريمه القديم.

 

غير أن ذلك الإذلال الرمزي لم يكن كافيا في نظر موغابي، كما تعلم نكومو بالتجربة المؤلمة لاحقا، فلم يمض أكثر من عامين من عمر أول حكومة زيمبابوية للسود حتى وجد(3) المناضل السابق نفسه متهما بـ"الانقلاب على حكومته بالتواطؤ مع قوى خارجية"، ليخرج موغابي للعلن منددا برفيقه القديم وحزبه، ومتهما إياهم بأنهم بمثابة "أفعى كوبرا تعيث في البلاد، وأن السبيل الوحيد للتعامل معها هو قطع رأسها"، كما قال. وسرعان ما كان اللواء المدرع الخامس في الجيش الزيمبابوي والمدجج بأسلحة كورية شمالية؛ يشن حملة عنيفة ضد مقاطعة ماتبيليلاند موطن أقلية النديبيلي العرقية التي ينتمي إليها نكومو، في عملية عرفت آنذاك باسم غوكوراوندي، مخلفة أكثر من 20 ألف قتيل من عرقية النديبيلي، في حملة صممت بالأساس من أجل تدمير حزب "زابو" وقاعدته العرقية، وتنصيب موغابي المنتمي لقومية الشونا رئيسا لجمهورية الحزب الأوحد.

 

بعد مذابح غوكوراوندي، وتحديدا في عام 1987، وجد نكومو نفسه مجبرا من جديد على الخضوع لضغوط موغابي للتفاوض على ضم حزبه "زابو" إلى حزب "زانو" الحاكم، لتشكيل ما صار يعرف باسم "زانو-نف"، أو حزب "الاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي - الجبهة الوطنية"، في اندماج صوري وحد الحزبين تحت قيادة موغابي، ليتولى الأخير رئاسة زيمبابوي، في حين حصل نكومو بموجبه على منصب نائب رئيس الجمهورية (الشرفي)، وهو موقع شغله حتى وفاته عام 1999.

  

نكومو وموغابي بعد توقيع اتفاق عام 1987 (مواقع التواصل)

 
تمثل حكاية صعود روبرت موغابي صورة مثالية لرحلة سياسية طويلة ملتوية، بنيت بشكل رئيسي على متوالية لا تنقطع من الدسائس والمؤامرات. وعندما سئل نكومو في وقت متأخر من حياته عن سبب قبوله بالعودة وشغل ذلك الموقع المنزوي من جديد خلف موغابي، فإنه أخبر المؤرخ إلياكيم سيباندا أنه فعل ذلك من أجل وقف قتل أبناء عرقية النديبيلي، والسياسيين والمنظمين من أبناء حزبه، وهم من بدأت قوات الأمن في زيمبابوي باستهدافهم منذ صعود موغابي، في لحظة وصل فيها نكومو على ما يبدو لقناعة أنه ما من سبيل لإيقاف غريمه السابق المتعطش للسلطة، خاصة بعد أن شاهده بنفسه وهو يطيح بالرئيس الأول لجمهورية زيمبابوي بعد الاستقلال كنعان بانانا، ليستحوذ على منصبه عام 1987، قبل أن يعود(4) موغابي لمواصلة الانتقام منه مطلع التسعينيات، عبر وضعه في السجن إثر اتهامه بـ"الشذوذ الجنسي"، لتجد زوجة كنعان نفسها مضطرة للتوجه للندن طالبة اللجوء السياسي، حيث عاشت سنوات طويلة في شقة منزوية بإحدى ضواحي العاصمة البريطانية، معتمدة على إعالة بمبلغ لم يتجاوز  10 جنيهات إسترلينية أسبوعيا.

 

بالإضافة لذلك التعطش اللامتناهي للسلطة، والشغف غير المحدود بالتعلم الذي دفعه لتحصيل ثماني شهادات جامعية كاملة، عرف عن موغابي منذ صغره أيضا أنه كان لاعبا متحمسا للتنس، ولكنه يأبى دوما الاعتراف بهزيمته لدرجة إلقاء مضربه منفعلا كل مرة إذا تعرض للهزيمة. ويبدو أن السياسة بالنسبة لموغابي ظلت أشبه ما تكون بمباراة تنس طويلة، تعلم خلالها -كأي لاعب محترف- أنه في اللحظة التي تختار فيها إنهاء تلك الدورة الرتيبة من التبادلات وتوجيه ضربة حاسمة، فسوف يضع المرء نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون الضربة حاسمة ودقيقة بما يكفي لكسب النقطة، وإما أن تطيش بما يعني خسارتها، وأن مليمترات قليلة في مكان الضربة أو جزءا من الثانية في زمن الحركة، قد تكون هي كل ما يتطلبه الفارق بين الفوز والهزيمة.

 

أثبت موغابي "السياسي" مرة تلو المرة أنه أكثر براعة من موغابي لاعب التنس كما شهد الجميع، فعلى مدار 37 عاما في مضمار السلطة، سدد السياسي العجوز لخصومه المحليين متتالية من الضربات القوية والمتقنة جعلت منه اللاعب الأوحد داخل زيمبابوي. مباراة طويلة استمرت قرابة أربعة عقود، لم يجد فيها موغابي نفسه مضطرا لإلقاء مضربه في أي مناسبة، لدرجة دفعته -وربما دفعت خصومه أيضا- للاعتقاد بأن الفوز هو قدره المحتوم، حتى لحظة الانهيار.

 

أسطورة ميداس العكسية

 

على الرغم من معاناتها من إرث استعماري طويل، ظلت زيمبابوي إحدى أكثر الدول ازدهارا في جنوب أفريقيا، فبالإضافة لامتلاكها لشلالات فيكتوريا، إحدى عجائب الدنيا السبع الطبيعية، ونهر زامبيزي الذي يخترق البلاد مغذيا حياة برية ثرية وتربة خصبة حية، كانت زيمبابوي بلدا قد تم تحديثه بشكل لم يتوفر لمعظم بلدان أفريقيا في ذلك الحين، مع شبكة طرق برية معبدة، وأربعة مطارات، والكثير من منشآت البنية التحتية.

 

تحول موغابي لأسطورة زيمبابوية خاصة، ولكنه على النقيض من ميداس -الملك الأسطوري الشهير في الميثولوجيا الإغريقية الذي كان يحول كل شيء تلمسه يداه لذهب- كان موغابي يحول كل شيء تلمسه يداه لتراب ودمار حقيقي. فعلى مدار عمره الطويل في السلطة، نجح موغابي في تحويل زيمبابوي من جوهرة أفريقيا إلى بلد يقف فعليا على حافة مجاعة شاملة، مع أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ونموذج يحتذى به في التردي السياسي، رغم أن صعوده للسلطة قبل أربعة عقود جاء مصحوبا بقدر كبير من الآمال، وهو المناضل الثائر عاشق بلاده وقتها، النهم بالعلم والحاصل على شهادات جامعية في التاريخ والقانون والاقتصاد، والسياسي الذي أظهر براغماتية مثيرة للإعجاب منذ خطابه الأول عشية الاستقلال، فقد حرص فيه على تأكيد أن الشر هو الشر سواء مارسه الأبيض ضد الأسود أو الأسود ضد الأبيض.

 

سرعان ما خذل موغابي الجميع بعد أن أمضى أول عقدين من حكمه في سلسلة من مؤامرات القصر عمد خلالها للتخلص من رفاقه السابقين، وترسيخ سلطته كحاكم أوحد، بيد أنه افتتح عهدا من حكم مثير للجدل بشكل خاص عام 2000، حين قرر(5) فجأة تطبيق خطة "الإصلاح الزراعي السريع"، بعد خسارته المهينة في استفتاء دستوري، رغم أنه كان يسيطر فعليا على وسائل الإعلام والمدارس والشرطة والجيش.
  

أنصار "حركة التغيير الديمقراطي" يتظاهروب ضد "موغابي" بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية  (رويترز)

 
كان رفض الناخبين لدستور وضعه موغابي لزيادة سلطته صفعة شعبية زيمبابوية ضخمة على وجه النظام، خاصة أنه رفض جاء متزامنا مع ظهور أول حركة معارضة حقيقية لحكم موغابي تحت اسم "حركة التغيير الديمقراطي"، وهي ائتلاف من الجماعات المدنية والنقابات العمالية والإصلاحيين الدستوريين وأحزاب المعارضة المهمشة حتى ذلك التوقيت. غير أن موغابي اختار الرد على رسالة شعبه الرافضة بطريقته الخاصة، عبر إلقاء اللوم على ملاك المزارع البيض وعمالهم في إعاقة نمو حركة التغيير ورفض الاستفتاء، رغم أنهم مثلوا وقتها نسبة تقل كثيرا عن خُمس الناخبين على أقصى التقديرات.

 

قرر موغابي آنذاك أن يبدأ اللعب ببطاقتي العرق والأرض من أجل تفكيك ما وصفها بأنها "روديسيا استعمارية صغيرة" تسيطر على الأراضي، محتجا بأنه إذا كان المستوطنون البيض قد استولوا على الأرض دون دفع ثمنها، فإنه يحق له استردادها من غير دفع ثمنها أيضا، متجاهلا أنه من بين أربعة آلاف مزارع تجاري كبير امتلكوا وقتها حوالي 70% من الأراضي الزراعية الزيمبابوية، فإن ثلثي هؤلاء المزارعين على الأقل اشتروا مزارعهم بعد الاستقلال بموجب سندات صادرة من حكومة موغابي نفسه، حين كان رئيسا للوزراء.

 

لم تكن أي من هذه الحقائق لتغير عزم موغابي، مقررا وحكومته تحريك موجة عنيفة من انتزاع الأراضي من ملاكها البيض عبر البلاد سميت بـ"تشيمورينغا الثالثة"، وهو اسم يحمل إشارة(6) واضحة لثورتي تحرير خاضهما الأفارقة في زيمبابوي ضد المستعمرين عرفتا باسم "تشيمورينغا" الأولى والثانية. ومن بين الأربعة آلاف مزارع الذين كانوا يحتكرون الأراضي في البلاد، تم إجبار 3500 على الأقل منهم على التنازل عن أراضيهم، غير أن الكارثة الحقيقية كانت عدم توزيع تلك الأراضي المصادرة على عمال المزارع السود كما وعدت الحكومة، بل قسمت كإقطاعيات كبرى بين المسؤولين في الحزب الحاكم وأصدقاء موغابي وقدامى المحاربين. فعلى سبيل المثال، حصل وزير الشؤون الداخلية في ذلك التوقيت على خمس مزارع، وحصل وزير الإعلام على ثلاث، وكان نصيب زوجة موغابي غريس وعشرات من أعضاء الحزب المؤثرين وأقاربهم قطعتين لكل منهم، فيما لم يكن أي من هذه النخب يمتلك الخبرة أو القدرة أو حتى الرغبة في تشغيل هذه المزارع.

  

 
تسببت(7) هذه السياسة في نهاية المطاف بتشريد أكثر من 130 ألفا من المزارعين والفلاحين، وأسفرت عن تدهور مذهل وسريع للقطاع الزراعي الزيمبابوي. ففي حين كانت زراعة الذرة تنتج أكثر من 1.5 مليون طن سنويا قبل عام 2000، صارت تنتج أقل من نصف مليون طن سنويا في عام 2002 وما بعده. أما إنتاج القمح الذي بلغ 309 آلاف طن سنويا عام 2000 أيضًا، انخفض إلى 27 ألف طن في عام 2003. وحتى زراعة التبغ التي كانت مسؤولة عن جلب نحو ثلث عائدات البلاد من النقد، فإن حصيلتها انخفضت إلى الربع فقط في غصون ثلاثة أعوام من بدء موجة تشيمورينغا الثالثة المثيرة للجدل.

 

كان موغابي يراهن فيما يبدو على تعزيز شعبيته المتدهورة من خلال صب غضبه المُهندَس على أقلية عرقية بعد تغذية استياء محلي ضدها، مستفيدا من تجربته السابقة في تعزيز سلطته السياسية عبر شن حملة الإبادة الجماعية ضد أقلية النديبيلي العرقية، غير أنه أغفل أن المزارعين البيض ليسوا هم المستعمرين، وتجاهل أنهم كانوا يلعبون دورا حيويا في تشكيل اقتصاد البلاد خاصة في القطاع الزراعي الشديد الأهمية، لذا فإن مساعيه لتعزيز شعبيته سرعان ما انفجرت في وجهه خلال فترة وجيزة، متسببة في أضرار اقتصادية عميقة أًصابت زيمبابوي، في وقت تسبب فيه تورطه المتزامن في حرب الكونغو بين عامي 1998 و2002 بتعميق أزمة البلاد الاقتصادية، حيث وجد النظام نفسه في مواجهة فاتورة ضخمة من الالتزامات تجاه قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب، بعدما خابت مساعي النظام في الحصول على نصيبه من كعكة ثروات الكونغو الطبيعية.

 

كانت الأزمة الاقتصادية التي خلفتها سياسات موغابي متجذرة وعميقة، لدرجة أن اكتشاف مخزون ضخم من الماس في البلاد في حقول مارانغ لم يفلح(8) في تخفيف الأضرار الاقتصادية، مع حضور لمسة موغابي السحرية محولة الماس نفسه إلى تراب. ورغم أن النظام لم يكن يمتلك أي خطط أو خبرات للاستفادة من المعدن النفيس، فإنه تمسك بامتلاك الدولة لحصة لا تقل عن 50% من أي من الشركات العاملة في استخراجه وتصديره، وهو تمسك تبين أنه لم يكن مدفوعا برغبة في الحفاظ على حقوق الشعب في ثرواته، بقدر ما كان لمصلحة النخب الفاسدة.

 

 
فقد حُولت(9) صناعة الماس الزيمبابوية لإقطاعات خاصة استخدمها موغابي في تسديد فواتير ولاء الأجهزة الأمنية له، سواء المخابرات أو الحزب أو الجيش، وهي أجهزة تم الكشف عن تحكمها في ثلاث من أكبر الشركات العاملة في الماس وهي "كوسينا وأنجين وجينان"، على الترتيب. وهي شركات وفرت للأجهزة الثلاثة مصادر خاصة للتمويل خارج الموازنة العامة، فضلًا عن ارتباط بعض هذه الشركات بأشخاص مقربين من موغابي شخصيا، مثل شركة "مبادا" التي تمتلك أكبر امتياز في مناجم مارانغ، والمملوكة بشكل جزئي لروبرت مهلنغا، وهو شريك وثيق لموغابي نفسه.

 

كانت سياسات موغابي المثيرة للجدل كفيلة وحدها بتحويل دولة -كانت يوما ما أحد أكثر الاقتصادات ازدهارا في أفريقيا- إلى بلد منهار على جميع الأصعدة. وفي مواجهة الأزمة المالية المتنامية، بدأ المصرف المركزي في البلاد بطباعة الأموال بشكل أسرع من أجل سداد الديون ودفع مستحقات قدامى المحاربين، والتعويض عن ارتفاع الأسعار الناجم عن فشل القطاع الزراعي، وهي سياسة تسببت بتحقيق البلاد معدلات تضخم فلكية بلغت 231 مليونا% عام 2008، مما اضطر الحكومة لطبع عملات(10) بأرقام فلكية بلغت مئة تريليون دولار زيمبابوي، لعملة لا تعادل قيمتها أكثر من نصف دولار. ولم ينته التضخم الشديد إلا عندما ألغي الدولار الزيمبابوي تماما لصالح نظام متعدد العملات كان فيه الدولار الأميركي هو المهيمن، وهو قرار اتخذته حكومة ائتلافية حكمت البلاد بموجب ترتيب تقاسم السلطة بعد انتخابات مثيرة للجدل عام 2008، حيث وجد موغابي نفسه مضطرا لتقاسم بعض السلطة مع المعارضة. بيد أنه، ومع عودة السيطرة الكاملة للحزب الحاكم عقب انتخابات عام 2013، عاد موغابي لتطبيق سياساته الاقتصادية المدمرة بشكل كامل.

 

تسببت زيادة معدلات التضخم والنقص الشديد في العملات الأجنبية في ظهور مشهد الطوابير الشهير إعلاميا أمام البنوك الزيمبابوية لسحب العملات الأجنبية، وهو ما استجابت له الحكومة بتحديد حد أقصى للسحب النقدي بلغ مئة دولار فقط، قبل أن تقوم بإصدار(11) سندات دولارية (bond notes) لامتصاص إقبال المودعين على سحب العملة. ورغم أن الزيمبابويين لم يشعروا بكثير من الثقة في هذه السندات الحكومية، إلا أنهم كانوا مضطرين لقبولها بسبب النقص الشديد في الأموال الحقيقية، في حين كانوا يسارعون إلى التخلص منها عبر استبدالها بمواد سلعية معمرة، أو بأموال حقيقية أقل من قيمتها من خلال تجار السوق السوداء.

  

روبرت موغابي: لن أستسلم فزيمبابوي ملكي 


تسببت الأوضاع الاقتصادية المضطربة في تفاقم الاستياء الشعبي ضد موغابي ونظامه، بالغا ذروته في 19 (أبريل/نيسان الماضي)، تزامنا مع الذكرى السادسة والثلاثين لاستقلال البلاد، حيث خرجت المظاهرات المعارضة للشوارع عقب نشر قسّ زيمبابوي يدعى إيفان ماواريري تسجيلًا مرئيًا على يوتيوب يصف فيه حالة البلاد المزرية، ودعا فيه أبناء البلاد للتظاهر ضد موغابي. بعدها أعلن (12) زعيم حركة التغيير الديمقراطي المعارضة مورغان تسفانغيراي نيته تشكيل ائتلاف كبير لعدد من أحزاب المعارضة لتحدى موغابى في انتخابات عام 2018.
 
فقد تحالف زعيم حركة التغيير مجددًا مع مساعده السابق ويلشمان نكوبى، وإحدى الشخصيات المقربة منه في الماضي وهو تينداى بيتى، ومع عدة أحزاب أخرى منها حزب "شعب زيمبابوي أولاً" بقيادة نائبة موغابي السابقة جويس ماجورو، وحزبان سياسيان صغيران أحدهما بزعامة أجريبا موتامبارا، وهو جنرال سابق بالجيش وحليف سابق لموغابي أيضًا، والآخر يقوده جاكوب نغارفيومي. غير أن موغابي أعلن في أكثر من مناسبة نيته البقاء في السلطة حتى وفاته، ولم يكن ذلك الإعلان مستغربا على كل حال، خاصة أنه صدر من رجل لم يجد غضاضة في أن يقف يوما على منصة مخاطبا شعبه بقوله "زيميابوي بأكملها ملكي وحدي".

 

جذور الثورة

يمتلك مورغان بدوره تاريخًا طويلًا يمتد لعقدين من الصراع ضد موغابي، خاض خلالها انتخابات ضده في ثلاث مناسبات، أبرزها عام 2008، حين كان قاب قوسين أو أدنى من حسم مقعد الرئاسة، بعدما حقق تفوقا كبيرا على موغابي خلال الجولة الأولى من الانتخابات، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية القوية في البلاد مطلقة العنان(13) لموجة شديدة من العنف ضد المعارضة لضمان فوز موغابي، ومتسببة في مقتل ما لا يقل عن مئتي زيمبابوي، وفقد المئات، واضطرار عشرات الآلاف من الأشخاص لمغادرة منازلهم، وهو ما دفع مورغان للانسحاب من الانتخابات وطلب اللجوء من السفارة الهولندية.

 

"مورغان تسفانغيراي" زعيم حركة التغيير الديقراطي بزيمبابوي (رويترز)

 

في الأسابيع اللاحقة، وبفعل ضغوط دولية مورست عليه، اضطر موغابي لتعيين مورغان على رأس حكومة ائتلافية من أجل تجاوز أزمة الشرعية، بعد أن دفع العنف النظامي منافسه شبه الفائز للانسحاب، وحسنت حكومة مورغان من الوضع الاقتصادي لزيمبابوي على مدار أربع سنوات قضتها في السلطة، قبل أن يعاود موغابي سيرته الأولى خلال انتخابات عام 2013، حين قام باستغلال هيمنة حزبه على البرلمان لمنع تغيير حزمة من قوانين أمنية ومالية تمنع التداول الشفاف للسلطة، وعلى رأسها قانون النظام العام والأمن الذي يمكِّن الشرطة من منع التجمعات السياسية، وقانون الحصول على المعلومات وحماية الخصوصية الذي يحد من عمل الصحفيين، كما لعبت البيرقراطية الحكومية دورها في منع تنفيذ القواعد الدستورية الخاصة بترشيح جداول الناخبين وتسجيل الناخبين الجدد، خاصة من جحافل الزيمبابويين الذين اضطرهم حكم موغابي للفرار للمنفى ومعظمهم من أنصار المعارضة.

 

بخلاف ذلك، عاود النظام توظيف نفس التكتيكات العنيفة المستخدمة في الجولة الثانية من انتخابات عام 2008، بهدف تطبيق سياسة "حظر التصويت"، وهي سياسة هدفت لتقليل الإقبال على التصويت في المراكز الحضرية الموالية للمعارضة، من خلال افتعال أعمال عنف واسعة، على النقيض من تسهيل عملية التصويت في المناطق الموالية للحزب الحاكم. واعتمد في تكتيكاته العنيفة على جهود مليشيات شبابية خاصة موالية لموغابي داخل الحزب تعرف باسم خدمات الشباب(14)، أو المفجرون الخضر (green bombers) كما صار يطلق عليها فيما بعد نسبة لزيهم الأخضر.

 
ظهر الُخضر لأول مرة تزامنا مع خطة إصلاح موغابي الزراعية مطلع الألفية، حيث لعبوا دورا بارزا في عملية انتزاع الأراضي من المزارعين البيض. وعلى مدار أكثر من عقد، تخرج من برامج(15) خدمات الشباب أكثر من 80 ألفًا من المحاربين الخضر، قبل أن يضطر موغابي لتقليص الدعم المادي للبرنامج عام 2009 بفعل الأزمة المالية مع تولي الحكومة الائتلافية للسلطة. وتم شراء ولاء عشرات الآلاف من هذه الجحافل من خلال تسكينهم في وظائف وهمية مدفوعة الأجر في الهيئات شبه الحكومية، لدرجة أن مراجعة(16) مستقلة لوزارة الخدمة العامة كشفت عن تسكين أكثر من ثمانية آلاف شخص في وظائف وهمية بالوزارة خلال يوم واحد.

   

"خدمات الشباب" أو "المفجرون الخضر" هي  مليشيات شبابية خاصة موالية لموغابي  (رويترز)

 
وظف النظام الحاكم ثروات البلاد في تشكيل منظومة رعاية اجتماعية قوية استفادت منها حصرا المؤسسات والفئات التي اعتمد عليها النظام في ضمان بقائه، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية بتنويعاتها المختلفة، ورابطة قدامى المحاربين، إضافة للمسلحين الخضر. ووظف الحزب الحاكم هذه المنظومة في تغذية نمط فريد من علاقات مدنية عسكرية استأثرت به زيمبابوي وحدها دون سائر جيرانها من الأنظمة الثورية الأفريقية مثل الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى، وهو نمط ميز زيمبابوي كإحدى الدول الأفريقية المتمتعة بحصانة نادرة ضد انقلابات عسكرية شكلت سياسة القارة السمراء تقريبا.

 

تشكلت الروابط(17) بين القادة المدنيين والعسكريين في الحزب الحاكم بشكل رئيسي إبان نضالهم المشترك كجزء من الاتحاد الوطني الأفريقي لمؤسسه نكومو، ضد الدولة الاستيطانية الروديسية البيضاء قبل أكثر من عقد من توليه السلطة كأول حزب حاكم في البلاد. وعززت حرب التحرير ضد روديسا البيضاء فيما يبدو أيضا من التماسك الأيدولوجي للمجموعات الزيمبابوية عبر مزيج عادي من قيم الماركسية اللينينية والروحانية المسيحية، وهو مزيج ساعد في تعزيز الانضباط، وفي نفس الوقت أسهم في زيادة جاذبية حركات التحرر الوطني بين الفلاحين. وذهبت حركة التحرر الوطني في زيمبابوي خصيصا لأبعد مدى من حيث البعد الأيدولوجي، حيث قامت بإرفاق مفوضين سياسيين مع كل وحدة عصابات مقاتلة، وأصبحت هذه الأسس الأيدولوجية فيما بعد مصدرا للتضامن والهوية المشتركة بين المسؤولين المدنيين والعسكريين بعد الاستقلال.

  
وفي مواجهة الضغوط المتزايدة من قبل حكومة روديسا بقيادة رئيس الوزراء إيان سميث آنذاك، قام جيش التحرير الوطني باتخاذ عدة إجراءات لتعزيز الانضباط العسكري، شملت تصعيد الأعضاء من ذوي الخبرة العسكرية في المجالس الإستراتيجية للحركة، وإزالة وتهميش العديد من السياسيين من غير الموثوق بهم. عزز ذلك من ثقة العسكريين في النخب السياسية كأمناء على حماية مصالح الجناح العسكري، خاصة وأن هذا الجناح لم يتمكن في أي وقت من الأوقات من تطوير مصادر دخل كافية خاصة به، وظل معتمدا على جهود السياسيين المدنيين من أجل جلب الأسلحة والتمويل. ولاحقا بعد الاستقلال، عزز المدنيون سيطرتهم على الجيش من خلال نظام الرعاية الاجتماعية القوي الذي قدمته الدولة للعسكريين، إضافة لقيامها بمنح ضباط الجيش المتقاعدين مناصب في شركات تدعمها الدولة من أجل تعزيز ولائهم للنظام.

  

كانت دولة زيمبابوي تعرف باسم روديسيا الجنوبية حين كانت تحت الحكم البريطاني (الجزيرة)


يمكننا أن نوجز الأمر بالقول إن حرب التحرير في زيمبابوي أسهمت في تحويل مليشيات عصابية لجيش وطني غير عادي بين أقرانه، وعززت من انضباطه وتماسكه وولائه لقادته المدنيين، وهو ما جعل الحزب الحاكم، وموغابي كرأس للسلطة، قادرين على منع أي تحديات لحكمهم على مدار أربعة عقود. وبالإضافة لذلك، فإن هذه الحرب ساعدت في إضفاء الشرعية على نظام يهيمن على السلطة فيه المناضلون القدامى ممن شاركوا في حرب التحرير، لدرجة أن الجيش أعلن صراحة إبان انتخابات عام 2000 أنه لن يعترف بحكم أي سلطة لا يقودها أحد المشاركين في حرب التحرير، وبذلك، بني النظام السياسي في البلاد شرعيته على رمزية قيادته للحرب، مستندا لمنظومة أمنية موالية يقودها ضباطه المخلصون.

 

دليل تمساح هراري



استنادا لتلك الشرعية التحررية، يتمتع موغابي بمكانة رمزية كبيرة داخل دوائر الحكم في البلاد، وهي مكانة لم تجعله يشعر يوما بالتهديد من داخل نظامه، لدرجة أن الرئيس التسعيني (93 عاما) كان قادرا على قضاء إجازة شهر كامل خارج البلاد إبان عطلة أعياد الميلاد الأخيرة دون أن يخشى من أي اضطرابات. لذا فإن موغابي حين اتخذ قراره الأخير المثير للجدل بإقالة نائبه القوي إيمرسون منانغاغوا في السادس من (نوفمبر/تشرين الثاني) الحالي، كان يعتقد أنه يقوم بتسديد إحدى ضرباته الموجهة بإحكام للتخلص من منافسيه، كما اعتاد دائما طوال حياته السياسية المكدسة بألاعيب السلطة، إلا أنه كان مخطئا، وبشدة.

 

يحب(18) موغابي أن يشبه نفسه بـ"المسيح" متفاخرا في هذا التشبيه بتاريخ طويل من النجاح في الإطاحة بخصومه، والأهم النجاة من المكائد السياسية الحقيقية منها والمتوهمة. لم يكن منانغاغوا أول ضحايا رئاسة موغابي، حيث سبق للرئيس الهرِم الإطاحة بنائبته السابقة جويس موغورو عام 2014 بعد أن اتهمها بالخيانة والفساد، حيث ادعى أنها تزعمت مؤامرة للإطاحة به من السلطة، وهي تقريبا نفس الاتهامات الموجهة لمنانغاغوا قبل أن يطيح به من منصبيه في الحكومة والحزب، ليفر هاربا إلى خارج البلاد.

 

إمرسون  منانغاغوا (رويترز)


غير أن منانغاغوا لا يعد شخصية سهلة بحال، وهو مختلف عن معظم خصوم موغابي في حياته من وجهة نظر الكثيرين، لدرجة أنه يلقب(19) في الأوساط الزيمبابوية بـ"التمساح"، دلالة على نفوذه الواسع في الحزب الحاكم وفي الدولة، وعلى وجه الأخص في أجهزتها الأمنية والعسكرية. وقد كان تعيين منانغاغوا في منصب نائب الرئيس في عام 2014 بمثابة صمام أمان للحزب الحاكم، ضمن به الأخير سيطرة نسبية على مجريات الملف المؤرق المتمثل في خلافة الرئيس العجوز الذي تخطى عمره وقتها تسعين عاما.
  
بيد أنه ورغم نفوذ منانغاغوا الكبير في البلاد ومدى خطورة الإطاحة به حينها، كان رد فعل الجيش في زيمبابوي على عزله مفاجئا للجميع، وفي مقدمتهم موغابي نفسه، حيث خرج وزير الدفاع كونستانتينو تشيوينجا بتصريح غير معتاد يحذر فيه من عواقب عزله. كان ذلك تخطيا غير معتاد للحد الفاصل بين قيادة الجيش والقادة المدنيين، غير أنه لم يكن التجاوز الأكبر أو الأخير، ففي غضون عدة أيام كانت الدبابات وناقلات الجند تتحرك في طريقها نحو العاصمة هراري، قبل أن تسيطر على البرلمان وعلى محطة البث الرئيسة في البلاد، حيث بث الجيش بيانا متلفزا أعلن(20) فيه عن تحرك عسكري يستهدف "المجرمين" في الدائرة المقربة من الرئيس، من اتهمهم البيان بارتكاب "جرائم تسببت بمعاناة اجتماعية واقتصادية للبلاد"، ووعد الجيش بالعودة للثكنات بمجرد أن تعود الأمور لحالتها الطبيعية.

  

لم يوضح بيان الجيش على الإطلاق ماهية المقصود بالضبط بـ "الحالة الطبيعية" التي كان التدخل يستهدف إعادة الأوضاع إليها، لكن الإشارة إلى "المجرمين في دائرة مقربة من الرئيس" كان تلميحا واضحا يصل لمستوى "التصريح"، وكان موجها بشكل خاص لزوجة الرئيس الواسعة النفوذ غريس موغابي. فعلى مدار الأعوام الأخيرة، مارست(21) السيدة غريس -المشتهرة أيضا بين الزيمبابويين بلقب "السيدة غوتشي"- نمط إنفاق مبالغ فيه، مع ولع شديد بالتسوق واقتناء الماركات الفارهة، بداية من نظارات غوتشي مرورا بسيارات رولز رويس، وليس انتهاء بإقدامها على شراء خاتم من الألماس مقابل مبلغ يتجاوز مليون دولار أميركي. 

  

موغابي وزوجته غريس وغريس (رويترز)

 
كان القادة العسكريون يرصدون عن كثب الصعود السياسي المتسارع لزوجة رئيسهم، وهو صعود لم يكونوا راضين عنه في أفضل الأحوال. كشرت غريس بوضوح عن أنيابها لأول مرة عام 2014، حين تسببت بالإطاحة بنائبة الرئيس "موغورو" بالتهم السالف ذكرها. وعلى مدار الأعوام الثلاثة التالية عمدت غريس لبناء لوبي خاص بها داخل الجزء الحاكم، بوصفها قائدة للجناح النسائي في الحزب، مع اهتمام خاص بالتأثير على الشباب.

 
كانت تحركات غريس تهدف بالأساس لتشكيل كتلة مضادة، عرفت لاحقا باسم جي40 (40G)، قادرة على العمل كثقل موازن في مقابل ما يعرف باسم فريق "التمساح" الموالي لنائب الرئيس الجديد آنذاك إيمرسون منانغاغوا. ومع مطلع العام الحالي دعت السيدة موغابى علنا زوجها لإقالة نائبه للمرة الثانية، وهو رجل وصفته هي نفسها في وقت سابق بأنه "مخلص ومنضبط"، وجاءت هذه الدعوة بعد أن اتهمت مؤيديه بالتخطيط لانقلاب. وفى الأسبوع الأول من (نوفمبر/تشرين الأول) أقدم موغابي على إقالة منانغاغوا، تزامنا مع تدشينه لحملة تطهير طالت أبرز حلفائه في الحزب والحكومة، وفي مقدمتهم وزير المالية باتريك تشيناماسا.

 

كان موغابي يراهن فيما يبدو على أن نفوذه في الحزب والأجهزة الأمنية وقوته الرمزية سيكونان كافيين لمنع أي رد فعل عنيف على تحركه. ولكنه سرعان ما أدرك أن حزبه، شأنه شأن سائر الأحزاب المنبثقة من رحم عصر التحرير في أفريقيا، لا تشجع كثيرا فكرة استيلاء الهياكل الأسرية على النفوذ داخل المؤسسات الحاكمة. كان صعود غريس وحده كافيا لإثارة القدر الكافي من الشقوق داخل الحزب الحاكم، حتى لو لم يمس هذا الصعود مصالح شخص واسع النفوذ مثل منانغاغوا يمثل الشريحة الأكثر قوة داخل الحزب.

  


على الجانب الآخر، كانت الأجهزة الأمنية تراهن على أن أي تحرك يستهدف غريس سوف يلقي قبولا داخل الحزب، حتى لو كان ذلك على حساب الرئيس العجوز موغابي نفسه. في ضوء ذلك لم يكن مستغربا أن يتحول موقف الحزب سريعا ضد موغابي وزوجه، بمن في ذلك بعض الموالين لغريس ممن سارعوا لاتهام(22) وزير الدفاع الجنرال كونستانتينو تشوينغا بالخيانة عقب تهديداته بتدخل عسكري بعد الإطاحة بالتمساح. غير أن الساعات التالية للتدخل العسكري كانت كافية لتغيير كل شيء، حيث وجد الرئيس وزوجته نفسيهما مطرودين من مناصبهما الحزبية، مع مهلة لموغابي للاستقالة قبل أن تنال منه دعوات المحاسبة البرلمانية.

 

ورغم اهتزاز الأرض من تحت قدميه، ظل الرئيس المتقدم في العمر يعيش حالة من الإنكار رافضا أن يعترف بهزيمته ولو من خلال إلقاء المضرب على طريقته القديمة، في حين تكشف للجميع، فجأة على ما يبدو، أن أيا من الأحبال التي مارس عليها اللاعب العجوز رقصا سياسيا لقرابة أربعين عاما لم تعد في موقعها. كان انقلاب الحزب الحاكم على رئيسه فيما يبدو هو أحد أعراض الضغوط على أجيال كانت تضغط على النظام السياسي في زيمبابوي لسنوات. وكان مدبرو الانقلاب من قدامى المحاربين في جيش التحرير ممن رأوا تهديدا قادما لمكانتهم السياسية، لذا قرروا فجأة عبور الحاجز الدقيق بين السياسيين من أجل تأمين مكانتهم المهددة داخل النظام.

  

لم تتسبب الأزمة المالية الطويلة الأجل في إضعاف المكانة الشعبية للحكومة فحسب، ولكنها سببت بوادر اختلال في موازين القوى بين النخب المدنية والعسكرية، حين وجدت الحكومة في هراري نفسها لأول مرة غير قادرة على دفع رواتب العسكريين في وقتها، لدرجة دفعت(23) أعضاء رابطة المحاربين القدامى الوطنية المؤيدة لموغابي ونظامه للتنديد علنا ​​بالرئيس خلال احتجاجات (أبريل/نيسان الماضي)، مرسلين ضوءا أحمر شديد الخطورة إزاء بوادر فقدان السيطرة داخل أروقة النظام. من جهة أخرى، أدرك(24) معظم العسكريين القدامى الشاغلين للمناصب العليا في الجيش والحزب اليوم أنهم سيتركون مواقعهم تباعا خلال العقد القادم. وبينما يتنحى هؤلاء القادة المخضرمون عن مواقعهم، ستتولى مجموعة جديدة من الضباط قيادة قوات الأمن في البلاد، وهم على عكس أسلافهم، ربما على استعداد لقبول قادة مدنيين لم يلعبوا أي دور في حرب التحرير.

  

إميرسون منانغاغوا رئيسا لزمبابوي  24 (نوفمبر/تشرين الأول) 2017  (رويترز)

  
وبالنسبة لأولئك القادة المخضرمين، فإن الخبرة المباشرة في حرب التحرير شرط لا غنى عنه لأي رئيس، وهي ضامن أوحد للحفاظ على مكانة الأجهزة الأمنية في النظام السياسي، والحفاظ بالتالي على نصيبها الأكبر من الكعكة. كان احتمال صعود رئيس جديد دون روابط عميقة مع الجيش يعني أن حصة قادة الجيش من موارد المحسوبية سوف يعاد التفاوض بشأنها، وإذا كان هذا الرئيس هو غريس موغابي، فإن ذلك يعني ببساطة أن المحسوبية الحزبية سوف يتم تقويضها بشكل سريع وعنيف لصالح محسوبية أخرى عائلية.

  

لم يكن بالإمكان أن تستمر حالة إنكار موغابي للأبد، وكان من الطبيعي أن تنهار مقاومته عند نقطة ما، ليغادر اللاعب العجوز الملعب أخيرا بترحيب شعبي واسع. غير أن الحقيقة الأكثر إثارة للانتباه حتى هذه اللحظة هي أن مصير موغابي تم التعامل معه منذ اللحظة الأولى كمسألة خاصة يتم تداولها بين قادة الجيش وقادة الحزب، مع قدر من المغازلة السياسية للجماهير الناقمة على حكم موغابي، والتي بقيت في حقيقة الأمر خارج المشهد، مع غياب أي إشارة إلى نظام انتقالي تعددي أو حتى حديث عن ضمانات لانتخابات جديدة نزيهة.

 
فضل الجنرالات إبعاد موغابي لصالح جنرال آخر لديه ذات أوراق الاعتماد القديمة المتمثلة في المشاركة بحرب التحرير، ويمكنه استئناف دور موغابي كضامن للعلاقة التاريخية بين القوات المسلحة والحزب الحاكم، وكان هذا الرجل هو منانغاغوا نفسه بالطبع، من تمت تسميته مؤخرا كرئيس للحزب بعد إقصاء موغابي، وأمس الجمعة أدى منانغاغوا اليمين رئيسا جديدا لزيمبابوي، بعد أن عاد من محل هربه الاضطراري في جنوب أفريقيا بعد عزله، وأقسم في خطاب تقليدي على عصر ديمقراطي جديد، وهو شيء لا يبدو حادثًا بالمعطيات المتوفرة. وفي وقت تكتب فيه زيمبابوي صفحتها الأولى في كتب الانقلابات العسكرية -وإن كانت بنكهة دستورية- يتدفق الزيمبابويون للشوارع محتفلين برحيل "الطاغية"، رحيل وصفه أحد النشطاء الزيمبابويين بأنه شيء "لم يتصور أن يحدث ويراه في حياته"، وهو تدفق ليس لأن ديمقراطية أو تعددية تظهر في الأفق، ولكن لأن وقوع التغيير المحتوم عبر انقلاب عسكري يبدو في أدنى الأحوال أفضل(25) من حدوثه عبر انقلاب في غرف النوم الرئاسية.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار