اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/7 الساعة 16:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/18 هـ

انضم إلينا
"دبلوماسية النفوذ".. طهران ومسقط والعزف على أوتار القوة الناعمة

"دبلوماسية النفوذ".. طهران ومسقط والعزف على أوتار القوة الناعمة

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
 
مقدمة المترجم

يستقصي التقرير التالي نموذجين من نماذج القوة الناعمة المؤثرة في العالم العربيّ: نموذج إيران، ونموذج سلطنة عمان. يعرّف الباحث أولًا القوة الناعمة، ثمّ يعرج على استخدام القوة الناعمة على يد كلتا الدولتين. ويخلصُ إلى نتيجة أنّ القوة الناعمة الإيرانيّة يمكن أن تتحوّل إلى قوة صلبة بسبب سياسات إيران المعتمدة على العرق والأقليّات الشيعيّة في المنطقة، بينما يقدّم نموذج عُمان نموذجًا سلميًّا يمكن للصراعات فيه أن تُحلّ بقوة الحجاج والحوار، لا بالسلاح من وجهة نظر الباحث.
 

نص التقرير

لا تزال منطقة الشرق الأوسط ذات أهميّة جيوستراتيجيّة كبرى. وجدت القوى العالمية في التطورات الأخيرة فرصةً لرسم طريقها إلى المنطقة؛ بحيث ترسل القوات والتعزيزات، وتعيد بناء التحالفات، وتستعيد العلاقات القديمة. وفي خضم هذه البيئة الفوضويةّ، اختار عددٌ من القوى الإقليمية تبني نهجٍ مختلفٍ: ألا وهو نهجُ القوة الناعمة. فمن الواضح أنّ مثل هذه القوى وجدت في القوة الناعمة أداةً فعالة يمكن أن تحقق ما فشلت الدبابات والطائرات في فعله. والحال أنّه في هذه المقالة، يتمّ تقييم وتحليل اثنين من نماذج القوة الناعمة في الشرق الأوسط: ألا وهما إيران وسلطنة عُمان.

 

ما هي القوة الناعمة؟

يحيل مصطلح القوة الناعمة إلى القدرة على تغيير ما يعتقده الآخرون ويقومون به من خلال الجذب والإقناع، عوضًا عن الإكراه والقوة. ويبقى العلماء منقسمين غير متفقين على تعريف دقيق للقوة الناعمة التي لا تزال فضفاضة وغامضة. كان جوزيف ناي أول من قام بصكّ مصطلح القوة الناعمة، وتعريفه للقوة الناعمة هو "جلْب الآخرين لإرادة النتائج التي تريدها أنتَ"، فالقوة الناعمة، يقول ناي، "تُشرِك الناس، بدلًا من إرغامهم".
 

 

 
يجدُ ناي (2004، 5) أنّ جوهر القوة الناعمة يتمثّل في تشكيل تفضيلات الآخرين. لكنّ الموارد (إما الثقافة أو القوانين أو المؤسسات) ذات أهمية كبيرة في تحديد فعاليّة القوة الناعمة. وتنبع الموارد التي تُنتج القوة الناعمة بشكل أساسيّ من القيم الفاعل (أكانَ منظمة أو دولة)، معبّرًا عنها في ثقافتها (التي يمكن أن تنتقل من خلال وسائل مختلفة، بما في ذلك التجارة والسياحة والاتصالات الشخصيّة والزيارات والتبادلات).
 
يسعى ناي طوال كتابه إلى إظهار مختلف وسائل القوة الناعمة، بما في ذلك الديبلوماسيّة العامّة والخطب، والعلامة التجاريّة للدولة والدراما والبرامج التلفزيونيّة والأفلام والتعليم (الجامعات والكتب والمنح الدراسيّة) والمراكز العلميّة والثقافة والأفكار (العولمة والديمقراطيّة) والرياضة، والألعاب الأولمبية، والغذاء، والموسيقى، والهجرة، وجوائز نوبل، والإنترنت، وألعاب الفيديو، والمنظمات غير الحكومية، والعلامات التجارية (السيارات والإلكترونيّات)، وبعثات حفظ السلام، وتقديم المساعدة إلى البلدان الفقيرة والنامية (ناي، 2004، 8-13). ومع ذلك، يبقى تأثير القوة الناعمة هشًّا ويخضع للحيرة والارتباك. إذ إنّ الزعزعة والفوضى والحروب من بين مختلف الظروف التي تقوّض آثار القوة الناعمة.

 

إيران والقوّة الناعمة


 
وُسِمَتْ إيران دائمًا بأنها قوّة صلبة، لا سيّما بالنسبة إلى سجل الحروب (مع العراق بعد الثورة مباشرة)، وإلى التحالفات مع الأنظمة والمجموعات المعترف على نطاق واسع بأنها عنيفة أو تدعم الإرهاب، ولخطابها الشرس ضدّ الغرب أو إسرائيل. ومع ذلك، سواء أكنت محبًّا لذلك أم لا، فإن إيران تتحرك ببطء، ولكن بثبات، نحو وضعٍ ودورٍ استثنائيين في الشرق الأوسط. نجحت إيران في إدخال نمط فريد من نوعه، حيث برعت في تحويل القوّة الصلبة والسياسات الجامدة إلى أدوات فاعلة وقويّة للقوّة الناعمة التي تخدم صورتها وسمعتها. فعلى مدى العقد الماضي، استخدمت القوة الناعمة، والقوة الصلبة أحيانًا، وكلتاهما، في ما وصفه ناي وغيره من الباحثين بـ"القوة الذكية" (smart power) (كاماك، 2008).

 

ويجدُ علي باكير أنّ قوة إيران النّاعمة إنّما ترتكز على ثلاث ركائز رئيسة. أولًا وقبل كل شيء التاريخ والثقافة، والمستندة على حضارة عمرها ثلاثة آلاف سنة كان لها تأثير على المناطق المجاورة. وفي السياق نفسه، تعتبر السياحة والأحداث الثقافيّة مصادر مهمّة أخرى، إذ إنّ إيران تُصنَّف على أنّها واحدة من أفضل 10 أماكن من حيث التاريخ والمواقع الأثريّة. ويمكن النّظر إلى اللغة الفارسيّة باعتبارها مصدرًا رئيسًا للجذب لأنّها دخلت في توليف مع العديد من اللغات الأخرى، بما في ذلك اللغات التركيّة والهنديّة والأرديّة والأرمينيّة والجورجيّة والسواحيليّة وغيرها. كما يلعبُ 5 ملايين من الإيرانيين في الشتات دورًا مهمًّا أيضًا في نشر الثقافة الفارسيّة من خلال المطاعم والسلع والأغاني الإيرانيّة، وغيرها من الجوانب الاجتماعيّة.

 

أمّا الركيزة الثانية، فتتمثّل في القيم السياسيّة. حيث قدّمت إيران نموذجًا سياسيًّا استثنائيًّا نابعًا من نظامها السياسي المهجّن الذي يقرّ مفهوم "الديمقراطيّة الدينيّة". ولمّا كان نموذجًا فريدًا من نوعه ومصدرًا للقوّة الناعمة الإيرانيّة، فإنّه يشكّل بديلًا عن الأنظمة التقليديّة، ويُعتبَر نموذجًا جذّابًا للمسلمين المتدينين. وتتمثّل الركيزة الثالثة في السياسة الخارجيّة التي تُعَدّ أكبر مصدر للقوّة الناعمة. إذ يشيرُ الدستورُ الإيرانيّ بصورة جليّةٍ إلى دور السياسة الخارجيّة، والتي تقوم على القيم "الإسلاميّة" والالتزام الأخويّ لجميع المسلمين والحماية الكاملة للمظلومين في جميع أرجاء العالم. وتُعتبَر هذه الأفكار، جنبًا إلى جنب مع الافتراضات الإيرانيّة بشأن المبادئ الثوريّة والدينيّة، قواعدَ القوة الناعمة لإيران (باكير 2013).

 

أعطى الاتفاق النووي لقوة إيران النّاعمة شحنةً أخرى، لا سيّما وأنّها تمكنت من تجنب الحرب ورفع العقوبات والتهرّب من أي مساومة بشأن قضايا أخرى 

غيتي
 

في ضوء هذه الحقائق آنفة الذّكر، تبنّت إيران، حتى الآن، مجموعةً توسعيّة من الأدوات لتعزيز قدرتها الناعمة وبناء التحالفات والشراكات في جميع أنحاء العالميْن الإسلاميّ والعربيّ. وأصبح التشيُّع (Shiism) سياسةً واضحةً، واستهدفت إيران الشيعةَ في العديد من الدول في كافّة أنحاء العالم من خلال الحملات الإعلاميّة، وإنشاء مراكز ثقافيّة ودينيّة، ودعم الأقليّات الشيعيّة ماليًّا، ومؤخرًا تقديم المساعدة السياسيّة والعسكريّة للجماعات الشيعيّة بهدف تعزيز دورها (مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان).

 

وباستغلال الهلع الإقليميّ واسع الانتشار للسياسات الأميركيّة، غدا الخطاب المعادي للولايات المتحدة جزءًا من خطابات المسؤولين الإيرانيين. واعتُبِرَ ذلك أداةً حيويّة تصبغ الدولةَ بصبغتها ويكون من شأنها أن تعزّز وضع إيران كزعيمٍ إقليميّ في مواجهة "الهيمنة" الأجنبية. وعلى إثر ذلك، تمكّنت إيران من تشكيل شبكة من الحلفاء الإقليميين تحت مسمّى "محور المقاومة". وعلى غرار القادة الآخرين في الشرق الأوسط، استخدمت إيران شعارات مؤيّدة للفلسطينيين لاكتساب شعبيّة بين الجماهير العربيّة.
 
وسعت إيران أيضًا إلى توسيع نفوذها من خلال التجارة والاستثمار. فمثلًا، تتعاون إيران مع تركيا وماليزيا لتصميم وتصنيع السيارات للأسواق الإسلاميّة وبرزت شركة خودرو المملوكة للدّولة كأكبر شركة لصناعة السيارات في المنطقة، حيث قامت بتصدير أكثر من مليون سيارة وشاحنة وحافلة إلى أكثر من ثلاثين دولة في عام 2007 (كورينم ومالكا 2008). وأخيرًا، أعطى الاتفاق النووي لقوة إيران النّاعمة شحنةً أخرى، لا سيّما وأنّها تمكنت من تجنب الحرب ورفع العقوبات والتهرّب من أي مساومة بشأن قضايا أخرى (مثل حماس، وحزب الله، والنظام السوريّ).

  

عُمان والقوّة النّاعمة
السلطان "قابوس" سلطان عمان (الأوروبية)


يظهر أنّ عُمان، في خضمّ التطوّرات الإقليميّة الحَرجة، واحةً سلميّة لا تزال تسمو فوق المعركة. يأتي هذا الواقع كنتيجة لمجموعة مترسّخة من الصفات والمعتقدات والقيم لدى عمان، والتي تعطي الأولويّة للسّلام. فبالنسبة إلى السّلطنة، تعني القوّةُ الناعمةُ السلامَ. وتقوم قوّة عمان الناعمة على تأسيسين أساسيين: صنع السلام، والصّفة المميزة للدولة. وكلتاهما متشابكتان بشكل طبيعيّ، وبرعت عُمان بما يكفي في تحقيق نتائج جديرة بالذكر بفضل استقرارها. بعبارة أخرى، يشكّل الاستقرار عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة، وهذا يشمل الاستقرار الداخليّ والخارجيّ (الإقليميّ بالأساس) (تشوي 2012).

 

محليًّا، تُعتبَر عُمان دولةً سلميّة ومستقرّة داخليًّا. فبمساعدة إيران (تحت حكم الشّاه) وباكستان وبريطانيا، حافظت سلطنة عمان على وحدتها، وتمكّنت من سحق التمرّد الماركسيّ المدعوم من الخارج في السبعينيّات في محافظة ظفار الواقعة في أقصى الغرب (كافيرو 2016). وقد أظهر السّلطان قابوس القدرةَ الفريدة على استيعاب هذا الضّيم وإرسال رسالةً مفادها أنّ الحكومة ستسمح للمحافظة بثقافة وهويّة مميزتين، فضلًا عن إدخال برامج إنمائيّة ضخمة وتعزيز نمو اقتصاديّ قويّ. وعلى إثر ذلك، استجابت ظفار بشكل جيّد لسياسة السلطان (ويلدون 2014).

 

وبالمثل، وكجزءٍ من الهبّة الثوريّة، اندلعت سلسلة من المظاهرات في عُمان، على الرغم من أن هذه الاحتجاجات كانت سلميّة وأظهرت احترامَ السلطان. في المقابل، قبلَ السلطان قابوس بالمطالب، واتخذ عددًا من الخطوات لاحتواء الاضطرابات، بما في ذلك إعادة تشكيل مجلس الوزراء الحاكِم، ووعدَ بمنح المجلس التشريعيّ صلاحيات أكبر. وتعهد السلطان أيضًا بإنشاء خمسين ألف وظيفة حكوميّة، وتقديم مساعدة شهرية قدرها تسعين وثلاثمئة دولارًا للعاطلين عن العمل (ورال 2012، 106-115).

  

 
وكعاقبةٍ لذلك، كان الاستقرار المحليّ قِوامًا مهمًّا لعمان، ولعب دورًا حاسمًا في اجتذاب الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة. وفي الوقت الذي يتجنب فيه الآخرون مشاريع إقليمية أخرى، تبدو عمان أكثر جاذبيّة وواعديّةً. ولا يقتصر ذلك على المكاسب الاقتصاديّة، فالاستقرار المحلي ومشاريع التنمية والحوكمة الرشيدة ساعدت على رفع مكانة عمان، ومن ثمّ يفسر ذلك هدف تميّز الدّولة. فمنذ تولي السلطان السلطة في عام 1970، تمّ تثوير البلاد وتحويلها بشكل لافتٍ من خلال استثمارات كبيرة في مختلف المجالات.

 

لقد تمّ ضخ عائدات النفط في القطاعيْن العامّ والخاص، الأمر الذي سمح للشركات بتوفير نموّ ثابت وزيادة عدد الوظائف. وبُنيت شبكة ضخمة من الطّرق والمدارس والمستشفيات، وعلى إثرها قامت منظمة الصحّة العالمية بتصنيف نظام الرعاية الصحيّة في سلطنة عمان باعتباره المرتبة الثامنة في العالم عام 2000 (ويلدون 2014). وفي تقرير صدرَ في نوفمبر 2010، صّنف برنامج الأمم المتحدّة الإنمائيّ (UNDP) عمان في المرتبة الأولى من بين 135 بلدًا في العالم من حيث إنجازات التنمية البشريّة للفترة ما بين 1970-2010 (تشوي 2012).

 

واقعةً في مفترق من الثقافات، أتاحت الهويّة العمانية متعدّدة الثقافات للبلاد فرصة تعزيز نفسها على هذا النحو. وأصبح شعار مسقط الشهير "بلد يعيش فيه أشخاص من خلفيّات عرقيّة مختلفة في وئام ومنفتح أمام شعوب أخرى بغض النظر عن الدّين والعادات والتقاليد". لم تقتصر ميزة الدّولة على الاعتراف الدوليّ، بل شملت أيضًا بناء وتعزيز الفخر الوطنيّ. وحاولت السلطنة تجديد الشعور بالفخر بين المواطنين العُمانيين من خلال التأكيد على تاريخ عمان العريق وتقاليدها (تشوي 2012).

 

ولعلّ نشاط عُمان في مجال الوساطة والسلام الدوليّ دالٌّ على قدرات القوة الناعمة لمسقط، ويلقي الضوءَ على الجانب الثاني من إستراتيجيّتها نحو الاستقرار الإقليمي والخارجيّ. تؤمنُ عُمان أنّ أي نزاع بين الدّول ينبغي حلّه عن طريق الحوار. فقد قالَ إبراهيم الحمدانيّ، مستشار وزارة الإعلام العمانيّة:

  

لعبت عُمان دورًا قيّمًا في تضييق الخلافات بين مختلف أطراف النّزاعات. وعندما عارضت دول الخليج الأخرى الاتفاقَ الأميركيّ الإيرانيّ، لم تدعمه عُمان فحسب، بل استضافت أيضًا المحادثات السريّة

رويترز
  

كانت عمان دائمًا جنديّ سلام، ومناصرةً قويّة للصداقة والوئام الدوليّ منذ النهضة المباركة، وقد حافظت دائما على مُثُل الابتعاد عن أيّ نزاعات على الإطلاق. والحال أنّ هذا الموقف المحايد إنّما يعطي عُمان ميزة فريدة من كونها وسيطًا في القضايا الدوليّة.

 

في هذا الصدد، لعبت عُمان دورًا قيّمًا في تضييق الخلافات بين مختلف أطراف النّزاعات. وعندما عارضت دول الخليج الأخرى الاتفاقَ الأميركيّ الإيرانيّ، لم تدعمه عُمان فحسب، بل استضافت أيضًا المحادثات السريّة بين الحكومتين [الإيرانيّة والأميركيّة -م]. كما لعبت دورًا هامًّا في تحرير ثلاثة من المتنزهين الأميركيين الذين اعتقلتهم إيران بتهمة التجسّس في عام 2011 (غوبتا 2015). ساعد هذا الدورُ السلطانَ قابوس في الحفاظ على ثقة وأمان كلٍّ من الأميركيين والإيرانيين. حقًّا، على المرء أن يعترف بعدئذٍ بأنّ إبرام الاتفاق النوويّ إنّما كشفَ عن دور عماني غير متوقع.

 

ليست هذه السياسات بجديدة وما عقد المحادثات السريّة بين المُتنازعيْن خلال الحرب العراقيّة-الإيرانية في مسقط إلّا مثال آخر على ذلك. وفي اليمن، حيث يسيطر الحوثيّون على العاصمة، تبقى عُمان الدولة الخليجيّة الوحيدة التي لا تزال سفارتها في صنعاء قائمة تعملُ. ولم تشارك عمان في "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية، وهي الحملة العسكريّة ضد الموالين للحوثيين وصالح، بل وأبقت قنواتٍ مفتوحةً معهم. أيضًا، لعبت عُمان دورًا محوريًا في تسليم جثة الطيّار المغربيّ الذي تحطمت طائرته في الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيّون. إذًا، ليس من المستغرب أن تكون مسقط الوجهة المنطقيّة لأيّة مفاوضات محتملة بين الأطراف المتحارِبة.

 

وزير الخارجية العمانيّ "يوسف بن علوي" يلتقي بالأسد في دمشق (كافيرو 2016). (الجزيرة)

 
والحال أنّ الأمر غير مقتصرٍ على الحرب اليمنيّة، فقد عززت عُمان حيادها أيضًا لإقامة علاقات جديرة بالثقة مع جميع الأطراف في الأزمّة السوريّة، مما مكن السلطنة من أن تكون وسيطًا مقبولا، وهو أمر لا يمكن لأيّ دولة عربية أو خليجيّة أن تفعله. وعندما قاطعت كلّ الدول العربيّة والخليجية تقريبًا وهاجمت بشّار الأسد، حافظت عمان على علاقتها مع النظام السوري. ففي (أغسطس/آب) 2015، التقى وزير الخارجية السوريّ نظيره في مسقط، وفي أكتوبر العام نفسه التقى وزير الخارجية العمانيّ يوسف بن علوي بالأسد في دمشق (كافيرو 2016). وفي العام ذاته أيضًا، قامت السلطنة بوساطة في الجزائر من أجل المساعدة في احتواء أزمة طائفيّة غير متوقّعة بين الأمازيغ الإباضيين وبعض المشاركين العرب في مدرسة المالكي (انظر افتتاحيّة نون بوست 2015).

 

خاتمة

إنّ تحليلًا مقارنيًّا للنماذج المذكورة آنفًا يُعتبر ضروريًّا لتسليط الضوء على شكلٍ آخر من أشكال التنافس في الشرق الأوسط: ألا وهو القوّة الناعمة. يعتمد توظيف كلّ نموذج على أدوات معينة، ويحمل أهدافًا مختلفة. فمن ناحية، يعتمد نموذج القوّة الناعمة لإيران أساسًا على القِيم العرقيّة والثوريّة، ويعكس الأهداف التوسعيّة لإيران. أمّا من ناحية أخرى، فتستخدم عُمان أدوات بسيطة من القوّة الناعمة وإستراتيجيّةً بهدف الحفاظ على وضعها كممثل محايد، متخلّصةً من آثار الاستقطاب الإقليميّ الرائج. وحتى الآن، نجحَ نهج عمان الهادئ، وأثمر حصادًا قيّمًا. ونجحَ نموذج القوة الناعمة الإيرانيّة أيضًا في جذب المتعاطفين والمؤيدين والحلفاء. غير أنّ نموذج إيران يعتمد على القيم التي، في اشتباكها مع المُثل الأخرى، يمكن أن تكون مصدرًا للصراع، وبالتالي يمكن بسهولةٍ ويسرٍ أن تتحوّل إلى قوةٍ صلبة. باختصارٍ، بإمكان المرء الحجاج بأن قوة إيران الناعمة يمكن أن تكون مصدرًا آخر لعدم الاستقرار الإقليميّ، في حين تسعى القوّة الناعمة لعمان إلى الاستقرار والحلّ السلميّ للصراعات.

_________________________________________________
إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار