اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/24 الساعة 15:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/6 هـ

انضم إلينا
وجه أوروبا القبيح.. المهاجرون وقصة سقوط النمسا بيد اليمين

وجه أوروبا القبيح.. المهاجرون وقصة سقوط النمسا بيد اليمين

  • ض
  • ض

لم تكن صور معرض(1) المصور الفوتوغرافي الشهير "أوبري وايد" في القاعة المركزية لمحطة قطارات فيينا الغربية مُخالفة للواقع كما هي الآن، بل كانت، في تلك الفترة من أواخر (سبتمبر/أيلول) لعام 2015، ربما التعبير الأكثر صدقًا عما حدث في النمسا، وتحديدًا على حدودها المشتركة مع كل من الدولتين الأوروبيتين ألمانيا وهنغاريا. في تلك الفترة كانت الدول الثلاث على موعد مع مئات الآلاف من المهاجرين(2) الواطئين لعتبة أوروبا ربما للمرة الأولى في حياتهم، هاربين من الحرب على الجانب الآخر من المتوسط، وساعين للبحث عن ملاذ آمن في "موطن الحريات والديمقراطية الغربي"، أو كما تصوروا حينها على الأقل.

 

يعتبر وايد، كما أصحاب صوره، أن اسم المعرض قادم من الواقع، فـ"ما من غريب في هذا المكان" هو بالفعل ما استشعره أصحاب الصور في وصفهم لها أوائل (يناير/كانون الثاني) للعام الماضي 2016 وفي توقيت إقامة المعرض، إلا أن أيًا من أصحاب هذه الصور ربما لم يكن يدري أن عامًا تقريبًا سيفصلهم عن طفرة عملاقة في علاقة أوروبا عامة والنمسا خاصة بالمهاجرين وطالبي اللجوء، طفرة بدأت ملامحها في النمسا نفسها قبل ذلك التاريخ بسنوات عدة، قبل أن تصل ذروتها هذه المرة في (أكتوبر/تشرين الأول) من العام الحالي 2017 مع ختام الانتخابات النمساوية التشريعية.

 

 صور من موقع (no stranger place) "ما من غريب في هذا المكان" (الموقع الرسمي)

 

تضع صورة معبرة للحدود النمساوية مع ألمانيا تصورًا خاصًا للتغيرات الواقعة ما بين 2015 و2017 في كلا البلدين مع قضية المهاجرين، فقد شهدت هذه الحدود توقف المئات من المهاجرين يوميًا في انتظار عبورهم من هنغاريا، التي رفضت استقبالهم، إلى النمسا ومنها إلى ألمانيا. كان هذا في عام 2015 عندما تحول معبر "فيغشايد"(3) الحدودي بين ألمانيا والنمسا لنقطة محورية ترتكز عندها الشرطة الاتحادية الألمانية لتنظيم عبور المهاجرين عبر البلدين. في تلك الفترة تحول مطعم "أوكلاهوما" الواقع على النقطة الحدودية لمركز لوجيستي تُنظم فيه حركة عبور المهاجرين، وهو المكان ذاته الذي أصبح فارغًا عام 2017، عندما توقفت حركة عبور المهاجرين عبر الدولتين، وكانت الانتخابات التشريعية السابق ذكرها تتحمل المسؤولية كاملة، فقد اكتفت النمسا بوصول عدد من المهاجرين، تخطى في تلك الفترة أكثر من حوالي 1% من نسبة سكانها، وكانت الدولة الأوروبية الصغيرة تخشى، ليس فقط على اقتصادها، ولكن على رفاه حياتها الاجتماعية وعلاقاتها السياسية بأوروبا والعالم، وهي المخاوف الأوروبية المعتادة والمثيرة للجدل.

 

حمل حزب "الشعب" اليميني المحافظ قضية المهاجرين معه لموقع المستشارية في النمسا، موقع تولى مسؤوليته الشاب ذو الواحد والثلاثين ربيعًا؛ "سيباستيان كورتس"(4)، إلا أنه حمل معه أيضًا أحلامًا قديمة متجددة لحزب الحرية اليميني المتطرف، والذي أصبح شريكًا في الحكومة الجديدة لكورتس بعد طول انتظار. فالحزب الذي حمل سابقًا للنمسا أكبر موجة عقوبات أوروبية ومقاطعة دولية بنجاحه في الانتخابات التشريعية لعام 2000، كان ينتظر فرصة أخرى للعودة لموقع القادر على تنفيذ أجندته الخاصة، وهي أجندة تحمل على قمتها فيما تحمل قضية المهاجرين، أو بمعنى أدق، "معاداة" المهاجرين وطالبي اللجوء للنمسا.

 

اختلفت الشخصيات والأزمنة، وبقيت قضية المهاجرين تحديدًا على رأس اهتمامات الأحزاب اليمينية النمساوية، المحافظة منها والمتطرفة، وهي قضية وإن كانت قد اتخذت الآن منحىً يأخذ على عاتقه إما إعادة اللاجئين إلى بلدانهم أو التشديد عليهم في موطنهم الأوروبي الجديد، فلم تكن تلك الأجندة النمساوية بجديدة يومًا عليها، بل تعود لأواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحمل عنونًا عريضًا هو اسم أحد أهم سياسيي أوروبا اليمينيين حينها، وأحد أشهر زعماء اليمين في الثلاثة عقود الماضية عالميًا: يورغ هايدر.

 

بعث العنقاء الأول

لا يتردد هايدر مرتين عندما يتعلق الأمر بعدة قضايا تتعلق بدولته الأم؛ النمسا، كالهجرة مثلًا، أو الانضمام للاتحاد الأوروبي، لكن قضية أخرى شديدة الحساسية كانت محور حياة هايدر كاملة، وقد كلفته غاليًا على مراحل متعاقبة من حياته غير الطويلة نسبيًا؛ وهي النازية، فعندما يصل الأمر للدفاع عن أفعال الفيرماخت، أو الرايخ الثالث الألماني في أوروبا والعالم، يبدو رد فعل هايدر غريزيًا أكثر منه سياسيًا.

 

يعود جزء من الأمر للعائلة التي كانت نازية بامتياز(5)، فالأب قد ترك عمله في الثلاثينيات لينضم لجيش الفوهرر، أما الأم فقد استغلت عملها بالتدريس بجانب انتمائها لـ "الرابطة النازية للفتيات" للدعوة للنازية، وحينما انتهت النازية والحرب، قال هايدر أنه والديه "قد تعلما الدرس"، وقد شُغلا حين إذن بالسعي "لأجل نمسا ديمقراطية ومحررة"، وفي هذه الأخيرة ربما كان لهايدر نفسه الجزء الأكبر في وضع تعريف مختلف لها.

 

السياسي النمساوي زعيم حزب الحرية اليمني المتطرف يورغ هايدر (1950-2008م) (مواقع التواصل)

 

تعتبر أوروبا أن النمسا "الضحية الأولى" لهتلر، إذ أنها أول دولة تحتلها ألمانيا بداية عام 1938، وخلال الحرب العالمية الأولى كانت النمسا إحدى دعائم هتلر كمفرخة للمقاتلين، وفي حين اعتبرت أوروبا أن النمسا كانت مغلوبة على أمرها في هذه المعركة، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للنمساويين أنفسهم، أو بعض منهم على الأقل، فالحقيقة الخاصة وغير المسموح بالحديث عنها على الملأ، كما يقول الصحفي النمساوي "أوسكار برونر"(6)، هي أن النمسا "أحبت تلك الفترة من تاريخها"، لدرجة أُعتبر معها الاحتلال الحقيقي للنمسا هو تلك الفترة التي كانت فيها تحت قيادة الحلفاء، والتي انتهت برحيلهم عام 1955.

  

وضع هايدر أمام عينيه ذلك الرأي الصارخ، وانطلق منه للدفاع عما يؤمن به، وكان جزءً من إيمانه هذا يشمل معارضته انضمام النمسا للاتحاد الأوروبي، وكذا استقبال النمسا للمهاجرين الذين "لا يسهمون إلا في إضعاف اقتصادها" كما رأى، وفي حين لم يستطع هايدر الحيلولة دون حدوث أيًا من الأمرين، فقد اتخذ من كلاهما، بجانب قضايا أخرى، قاعدة لانطلاقة سياسية بدأت أول الأمر بانضمامه لـ"حزب الحرية اليميني المتطرف"، وتتلمذه "سياسيًا" على أيدي عناصر سابقة من الجيش النازي، وكان لهذا أيضًا تأثيره في تعميق انتماء هايدر ودفاعه فيما بعد عن النازية ومحاربيها القدامى. أما وصول هايدر نفسه لزعامة حزب الحرية عام 1986، فقد منح أفكاره وانتمائه مساحة واسعة للانتشار، وإن ظلت هذه المساحة محدودة حينها بقاعدة شعبية بلغت حوالي 4% فقط من نسبة أصوات الحزب في النمسا.

 

كان حزب هايدر منقسمًا على نفسه من الداخل في تلك الفترة من تاريخه، بين جيل قديم من المحاربين الساعين لإثبات أنهم لايزالون قادرين على تسيير الأمور، وجيل شبابي يرغب في إزاحة الحرس اليميني القديم بما يحمله من ثقل الحرب وأعبائها، مقابل إفساح المجال لمزيد من الانفتاح والحرية الاقتصادية والاجتماعية. بين هذا وذاك، لم يتوقف هايدر كثيرًا لتحديد انتمائه، كان ينتمي للقديم بكل ما يحمله من أعباء، إلا أنه كذلك كان يحمل عبئه الخاص بإعادة النمسا لمجدها القديم كما آمن، ولم يكن هذا ليتأتى إلا بغاية يجتمع من حولها هؤلاء جميعًا، وعرف هايدر كيفية اختيار هذه الغاية بدقة بارعة.

 

يحمل هايدر أغلب الأمر جزءً لا يستهان به من العلاقة بما حدث في النمسا منذ ذلك الوقت بين ارتفاع شعبية الأحزاب اليمينية النمساوية تحديدًا وبين قضية المهاجرين في أوروبا عامة، إذ أنه اتخذ من معاداة الهجرة، إضافة لمعاداة الانضمام للاتحاد الأوروبي ثم ربط كلاهما بالإصلاح الاقتصادي في النمسا، وسيلة لرفع نسبة الأصوات المؤيدة للحزب اليميني من 4% إلى 27% أواخر التسعينيات، وهي طفرة منحت حزب الحرية بطاقة مستحقة حينها لتشكيل حكومة ائتلافية كان "حزب الشعب اليميني المحافظ" طرفها الآخر(7).

 

المستشار النمساوي الجديد سيباستيان كورز (31 عام)، زعيم حزب الشعوب النمساوي (الأوروبية)

 

وصل الحزب اليميني بطرفيه للحكومة إذن كما كان يرغب هو وزعيمه، إلا أن كلاهما كانا على موعد بمفاجأة غير متوقعة، إذ أن أوروبا التي كانت حينها لا تزال تتعافى بعد كل هذه العقود من آثار حروب الفوهرر "هتلر" ونزعاته "الاستعمارية"، لم تكن لترضى أن يُصبح أحد أكبر مؤيديه في أوروبا على رأس الحكم في دولة كانت هي الأخرى واحدة من دعامات الرايخ الألماني خلال الحرب، ما جعل رد فعل أوروبا حينها قويًا وفاعلًا، وبوازع من الكيان المحتل(8) الرافض بطبيعة الحال لانتصار أحد مؤيدي النازية في النمسا، ألقت أوروبا بدفعة من تل أبيب بكل ثقل عقوباتها على النمسا، وكان المطلب الوحيد في المقابل هو تنحي هايدر عن منصبه في الحكومة النمساوية، وهو ما كان بالفعل بعد ذلك بعدة شهور.

    

يعتقد هايدر نفسه أن عقوبات أوروبا كانت لوازع من الحزب الديمقراطي المعارض له، وإذ لم يستطع الحزب الديمقراطي الاشتراكي الفوز في الانتخابات، فقد سلك طريقًا آخر هو مناصرة عقوبات أوروبا ضد اليمين، ولم يكن هذا إن تأكد بجديد على الحزب الديمقراطي فيما بعد، إلا أنه وقد مُنح بطاقة استمراره الجديدة لحوالي عقدين من الزمان وحتى عامنا الحالي بما فعلته أوروبا، توجب على اليمين النمساوي إعادة تشكيل نفسه، والخروج بوجه آخر لمؤيديه ومعارضيه أيضًا، وفيما كان هذا الوجه الجديد هو سيباستيان كورتس، الليبرالي المحافظ، فإن القضية التي اتخذ منها كورتس سُلمًا لصعوده إلى رأس الحكومة النمساوية ل 2017 لن تختلف كثيرًا أو قليلًا، وكانت تحمل أيضًا عنوان الهجرة والمهاجرين في مجملها.

 

القبلة لليمين.. كثيرًا

لا تحتاج نظرية إيميلي شولثس(9) الكثير من التدقيق لإثبات مدى صحتها من عدمه عن الانتخابات التشريعية منتصف (أكتوبر/تشرين الأول) الماضي، ففيما ترى محررة "ذي أتلانتك" أن الانتخابات هذه المرة "تدور حول كورتس نفسه أكثر منها حول الأحزاب السياسية المتصارعة على الحكم"، لم تكن التجربة التي خاضها يورغ هايدر من قبل ببعيدة عن إثبات مدى صحة الأمر، إذا بدا أن الأمر حينها أيضًا يدور حول شخصية هايدر نفسه، وقدرته هو على تسويق أفكاره عن الهجرة والاقتصاد وحتى النازية نفسها والتي وجدت لها مؤيدين من جيل الشباب تحديدًا دونًا عن غيرهم، وهو الجيل الذي سعى كورتس خلفه، وكان قادرًا على إحداث التغيير ذاته الذي أحدثه هايدر من قبله.

 

لم تكن البداية التي ظهر معها مستشار النمسا الحالي ووزير خارجيتها السابق: سيباستيان كورتس؛ "الوجه الليبرالي الجميل"(10) لحزب اليمين المحافظ، كما يطلق عليه، قادمة من الفراغ، فحين تولى كورتس رئاسة "حقيبة الاندماج" بوزارة الداخلية النمساوية ما بين عامي 2010-2011، كان تواجده بشكل مستمر ما بين صفوف المهاجرين وطالبي اللجوء بأوروبا داعيًا "لتعرفه لمشكلات هذا المجتمع"، كما تصفه كارلا باغاجاتي، المتحدثة باسم الهيئة الدينية الإسلامية النمساوية. تكمل كارلا بأن الأمر "كان مُشجعًا في البداية"، إلا أنه ما لبث أن تحول للعكس تمامًا بوصوله لمنصب وزير الخارجية النمساوي. فقد شكلت تلك الفترة من عام 2013، وحتى عام 2016 تحديدًا نقطة محورية، ليس فقط في مستقبل النمسا السياسي، ولكن في مستقبل كورتس أيضًا الذي ما لبث أن أخذ على عاتقه مهمة قديمة جديدة ومتداولة بين مسؤولي أحزاب اليمين في النمسا وهي الهجرة.

 

 لوحة إعلان انتخابية لحزب الحرية اليميني كتب عليها "الآن الأمر يعنينا نحن النمساويين" (رويترز)

 

يمكن وصف الطريقة التي تعامل بها كورتس مع قضية المهاجرين في النمسا فقط للمفارقة بأن حزب الحرية اليميني المتطرف قد اتهم وزير الخارجية الأسبق بـ"سرقة"(11) برنامجه الخاص بالقضية، وفي حين كانت البداية بتعهدات غير معلومة المصير بـ"إحداث التغيير السياسي المنتظر"، كان الطريق الذي سلكه كورتس محددًا وفعالًا؛ بداية من العمل على غلق ما اصطلح على تسميته بـ"طريق البلقان"، والذي استغله آلاف المهاجرين من قبل للعبور للنمسا وألمانيا، ومرورًا باتفاقيات النمسا-تركيا(12) فيما يخص إعادة اللاجئين، وليس انتهاءً بالسعي لتوقيع الاتفاقيات مع ليبيا ودول الشمال الأفريقي لإعادة اللاجئين أو إعادة توطينهم في دول أخرى "آمنة" بدلًا من بقائهم في أوروبا.

 

يمكن القول إن كورتس لم يدع فرصة إلا وأثبت فيها أنه قادر على إحداث تغيير جذري في ما عُرف بـ"فوبيا المهاجرين" التي اجتاحت أوروبا بداية من 2015، وكانت النمسا إحدى هذه الدول التي نالت نصيبها بعدد لا بأس به منهم، ما جعل إعادة التفكير في المستقبل الاقتصادي للدولة النمساوية محط قلق كبير هو الآخر، وهو بحد ذاته ما أضاف نكهة أخرى على أفعال كورتس تجاه المهاجرين، إذ بدا وكأن الأزمة برمتها وفي جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على وشك إيجاد حلول فعالة وسريعة في النمسا، وهو أيضًا ما منح كورتس بطاقة الصعود لمنصب المستشار النمساوي من جهة، ومن جهة أخرى جعل من اليسير تقبل أوروبا لصعود اليمين المتطرف إلى جانب كورتس في حكومة الائتلاف الجديدة، إذ أن مساعي الحزبين، وإن اختلفت في مساحات عدة، فإنها قد تشابكت في قضية اللاجئين دونًا عن غيرها، وبما ترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بسنواته العشر السابقة في مقاعد الحكم، وغير المجدية أيضًا في قضايا المهاجرين تحديدًا، خارج المعادلة. 

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار