اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/23 الساعة 15:39 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/27 هـ

انضم إلينا
صيدنايا.. سجن الأسد الذي يختفي بداخله معارضوه للأبد

صيدنايا.. سجن الأسد الذي يختفي بداخله معارضوه للأبد

عبيدة عامر

محرر سياسية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

"يمثل صيدنايا نهاية الحياة، ونهاية الإنسانية"

(أبو محمد، حارس سابق في سجن صيدنايا، متحدثًا عن السجن الجحيمي الذي اعتقل وقتل به نظام بشار الأسد آلاف المعارضين بعد اندلاع الثورة عام ٢٠١١)

 

في منتصف عام ٢٠١٢، مع انفجار الأحداث في سوريا، اندفع الشباب الثائرون الذين ملأ بهم النظام سجن حمص المركزي مع معتقلي الجنايات الذين كانوا موجودين مسبقًا، كأحد أول التمردات التي حدثت بعد الثورة، تمرد بدا وكأنه نسخة طبق الأصل من تمرد صيدنايا الذي وقع عام ٢٠٠٨ على ثلاثة مراحل، وقتل به ١٢٥ سجينا تقريبًا؛ إلا أن الاختلاف هذه المرة كان في اتجاه التمرد، فلم يتجه المعتقلون للخارج بل باتجاه المبنى الذي كان به السجناء الذين نقلوا من صيدنايا بعد أن فرغ تمامًا في مايو/أيار ٢٠١١.

 

حينها -بحسب رواية معتقل سابق في سجن صيدنايا- تم نقله إلى سجن حمص المركزي تمهيدًا للإفراج عنه. كسّر السجناء الجدران واحدا تلو الآخر، وحطموا الأبواب حتى وصلوا للقادمين من صيدنايا، ليقولوا لهم: "هاكم ألف سجين تحت يدكم، فخذوا بأيديهم".

 

لا تختلف هذه الحادثة كثيرًا عما كان يحدث في الساحة السورية كلها في تلك الفترة، فسجناء صيدنايا الذين أفرج عنهم في العفو الرئاسي كانوا محل ثقة وأنظار أهلهم في كل مكان خرجوا إليه، خصوصًا في قراهم وبلداتهم الصغيرة، للرمزية العالية المتمتعين بها كآخر المناضلين وأكثرهم التصاقًا بالذاكرة الجمعية القريبة، مقارنة بجماعة الإخوان المسلمين مثلًا التي أضحت أبعد نسبيًا، وكونهم محل ترميز أيضًا للتهم التي كان غالبهم معتقلًا لأجلها، وهي "السلفية الجهادية" والقتال في العراق، ليتصدر خريجو "المعمل" كما يسميه النظام، أو "الأكاديمية" كما يسميها بعضهم، المشهد السوري الثائر ويحولوه لمشهد مسلح، تحول يتحمله النظام بعد أن كان مشهدًا سلميًا، وليضفوا عليه بعدًا أيديولوجيًا بعد أن كان مشهدًا ثائرًا، في "اختبار" جديد يكاد أن يطابق الاختبار الذي مروا به في "ربيعهم" الخاص داخل السجن.

مدينة صيدنايا، سوريا (رويترز)


مع تغير الظروف، كان معتقل «صيدنايا» سيء السمعة يتغير أيضًا، المعتقل الشهير بشكله الشبيه بعلامة المرسيدس ألمانية الصنع، وبأجنحته الثلاثة (أ، ب، ج)، كل منها بطابقين وعشرة مهاجع، متحولًا من كونه معتقلًا مع كل ما تحمله الكلمة من معنى إلى "مسلخ" حقيقي، فالمبنى الأحمر المحتوي على قرابة الألف ونصف سجين قبيل الثورة بتهم مختلفة أصبح يضم عشرات الآلاف المتعرضين للـ"الإبادة"، والمبنى الأبيض المحتوي على بعض المعتقلين الجنائيين أصبح غرفة شهيرة للإعدام، قتل فيها في خمسة أعوام بين ديسمبر/كانون الثاني ٢٠١١ وديسمبر/كانون الثاني ٢٠١٦ ما بين ٥٠٠٠ و١٣٠٠٠ معتقل، وهو رقم قدرته منظمة العفو الدولية نفسها، واصفة المعتقل بتقرير آخر بأنه "أسوأ مكان في العالم"، مكان بلغ من السوء ما أخرج لغة المنظمة الرصينة دوما عن وقارها.

 

خرج من "أكاديمية" صيدنايا عدد كبير من رؤوس الطيف "الجهادي" السوري المسلح، أو ما أطلق عليه جيل "أسوأ مكان في العالم"، على اختلاف هذا الطيف والفروق الشاسعة فيه، فمن تنظيم الدولة نجد "عمر العبسي" المكنى بـ"أبي الأثير"، والشهير بشخصيته الهادئة، قبل أن يساهم مقتل ابن عمته على يد عناصر الأمن في مشفى تشرين العسكري بعد التمرد في تحوله للتنظيم، ومن جبهة فتح الشام (هيئة تحرير الشام لاحقًا) نجد شرعيها العام عبد الله طعون، وشرعيها الآخر الموصوف بالـ"أكثر اعتدالًا" د. مظهر الويس، ثم حركة أحرار الشام، التي تقف الآن كثقل "ثوري موازن لثقل هيئة تحرير الشام "الأكثر جهادية".


فنجد أن جيليها الأول والثاني ينتسب في معظمه إلى جيل صيدنايا، بدءا من مؤسسها الروحي أبو العباس التوت المعروف بـ"أبو العباس الشامي"، وشرعيها العام السابق أبو محمد الصادق، وأمير الحركة بعد اغتيال قادتها أبو جابر الشيخ، والأخيرين انتقلا إلى هيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى قادتها المؤسسين الذين تم اغتيالهم في انفجار غامض، وأبرزهم مؤسسها أبو عبد الله الحموي، وشرعيها العام الراحل أبو عبد الملك، وانتهاء بأمير "صقور الشام" الأكثر محلية والأقل أدلجة أبو عيسى الشيخ، وأسماء أكثر تستعصي المساحة على حملها، تبين مدى تأثير معتقل "الجحيم" على الثورة السورية وفصائلها.

 

بداية الجحيم

عملت مخابرات النظام السوري على صناعة "حالة جهادية" عبر التجنيد وتسهيل الدعوات للجهاد في العراق

رويترز
لا تبدأ قصة معتقل صيدنايا قريبًا منه أو حتى داخل سوريا نفسها؛ بل تصل إلى نيويورك وبيروت وبغداد، فنتيجة للأحداث الدولية المتسارعة التي وقعت ما بين عامي ٢٠٠١ و٢٠٠٥، بدءا بتفجير برجي التجارة العالمي ثم غزو العراق، ثم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، الذي اتهم النظام السوري باغتياله؛ أصبح النظام السوري واقعًا تحت ضغوط كبيرة كان يمكنها أن تنهي وجوده، خصوصًا لتصنيفه ضمن "محور الشر" الأميركي الشهير، الذي يضم الأنظمة المعادية لواشنطن في المنطقة، والمتهمة بـ"دعم الإرهاب والتنظيمات المتطرفة".

 

تعامل النظام مع هذه الضغوط سياسيًا بالإنكار وبأنه ذاته تعرض لـ"هجمات إرهابية من المتطرفين الإسلاميين" في الثمانينيات، بينما عملت مخابراته على صناعة "حالة جهادية"، عبر التجنيد وتسهيل الدعوات للجهاد في العراق، حالة تصدرها الداعية الحلبي الشهير محمد قول أغاسي المكنى بـأبي القعقاع، الذي حشد آلاف الشباب تم تدريبهم سريعًا في مخيمات تحت سيطرة المخابرات السورية، ثم أرسلوا للقتال في العراق، بينما أعادت اعتقالهم عند عودتهم، أو قبلها في بعض الأحيان، لتستفيد من ذلك داخليًا بالتخلص من أصحاب النزعة الجهادية والمستعدين لحمل السلاح، وخارجيًا بالترويج للنظام بأنه "يكافح الإرهاب". وفي بعض الحالات كان الاعتقال يتم أولًا بتهمة "حيازة سيديهات" أو "اعتناق أفكار متطرفة" أو غيرها من التهم، ثم يُعرض على السجناء التدريب والإرسال لبلدان أخرى مثل العراق ولبنان، كحالة شاكر العبسي وفتح الشام في 2007، ثم يعاد اعتقالهم عند العودة، بحسب ما كشفت وثيقة لـ"ويكيليكس"

 

يحكي لنا عدة سجناء سابقين في صيدنايا أن أعدادهم لم تكن تتجاوز المئتي معتقل، معظمهم تم نقله من سجن تدمر الصحراوي الشهير، بتهم "الانتساب للإخوان المسلمين أو حزب التحرير أو السلفية أو التنظيمات الديمقراطية العلمانية"، بالإضافة لبعض حالات التجسس، لتصل أعدادهم بعد عام ٢٠٠٤ إلى ١٤٦٠ معتقلًا تقريبًا، معظمهم من المشاركين بالقتال في العراق أو أصحاب خلفيات "سلفية جهادية"، وإن كانت معظمها خلفيات "بسيطة، دوافعها الحمية والدفاع عن الدين والعرض"، أكثر من كونها "اقتناعًا بأيديولوجيا متكاملة"، بحسب ما قصه علينا هؤلاء المعتقلين.

 

في عام ٢٠٠٥، وبعد حادثة تعرف لدى معتقلي صيدنايا باسم حادثة "البورية"، قتل بها أحد المعتقلين على يد أحد "السلفيين الجهاديين"، تم عزل مدير المعتقل حينها لؤي يوسف، أحد ضباط النظام رفيعي المستوى، وتعيين مدير جديد يوصف بأنه شديد الطائفية، هو علي خير، متبعًا سياسة روسية كما قص علينا معتقل صيدنايا السابق أبو حازم، سياسة قضت بتحويل السجن إلى "معمل متكامل" لصناعة التطرف، بدأت بانتزاع الامتيازات المتاحة من تلفاز وراديو وكتب، وصولًا إلى "تعذيب شديد" اشتهر به النظام من قصص معتقل تدمر سيئ السمعة، بالإضافة للفروع الأمنية الكثيرة.


في المعتاد، فإن المعتقلات تلتزم بنظام صارم يقضي بفصل المعتقلين عن بعضهم البعض خشية التخطيط لتمرد أو أي شيء يقوض هيكلة المعتقل، إلا أن "معمل صيدنايا" البارع خالف القاعدة تمامًا، وقضت سياسة علي خير المستحدثة بفتح الزنازين على بعضها البعض، وإتاحة المجال للنقاشات والمناظرات والاحتكاكات الدينية والفكرية، بين المعتقلين مختلفي التهم والأفكار والمنشأ، فشهد صيدنايا إعادة تعريف لكل الأحكام الدينية والسياسية داخله، ومن ثم إعادة تأهيل لكافة العقول، سياسة استفاد منها النظام السوري باختراق هذه الأجواء عبر عملائه، وصناعة المزيد من التطرف.

 

ولأن السجن هو البيئة الأنسب والأمثل لهذه «الصناعة»، بحسب عدة دراسات مختلفة شديدة الأهمية، كدراسة مركز راند الشهير المعنونة بـ"التطرف أو إعادة التأهيل"، ودراسة المركز العالمي لدراسة التطرف المعنونة بـ"السجناء والإرهاب"، فقد لعب النظام على هذا الوتر كما أسلفنا، وأراد خلق هذا التطرف في "الأكاديمية"، بحسب ما كتبه المعتقل السابق دياب سرية رئيس تحرير صحيفة "تمدن" المعارضة، والذي كان معتقلُا لمعارضته الديمقراطية العلمانية، وتحول بعد إعادة الفرز إلى مهجع للسلفيين الجهاديين، وعندما طلب من علي خير نقله رد عليه قائلًا: "خليك هون أحسن، غيّرهم خليهم يصيروا مثلك، أو صير مثلهم".

 

أخذت هذه العملية مساحتها في النقاش والكتابة، فتضخمت بشكل أو بآخر لتبدو الحالة كأنها تتم بتدبير حتمي لا فرار منه، إلا أنها "أبسط وأقل" من ذلك، فلم تتجاوز نسبة الذين تحولوا فكريًا أكثر من ١٠%، كما لم تكن نسبة "المؤدلجين"، سواء من السلفية الجهادية أو التكفيريين، مقابل "العاديين" الذين اعتقلوا لحماسهم أو لبساطتهم أو لحميتهم، أكثر من جهادي واحد لكل خمسة عاديين، حسبما حكى لنا المعتقلان السابقان أبو حازم وأبو عبد الرحمن.

 

ثلاثية التمرد


في ٢٧ مارس/آذار ٢٠٠٨، وعلى إثر حادثة سُبت فيها الذات الإلهية مع تشديد التعذيب، اندلع
 التمرد الأول، واستطاع فيه السجناء كسر الأبواب والسيطرة على صيدنايا كاملًا، مما دفع النظام لإرسال أحد أهم رجاله، آصف شوكت، رئيس المخابرات العسكرية وعراب فكرة "الأكاديمية"، ومعه نائبه سعيد سمور للتفاوض، تفاوض انتهى بتلبية المطالب وتحسين الظروف والأوضاع، ثم توج بفتح الزيارات مطلع يونيو/حزيران ٢٠٠٦، ضمن صراع داخل السجن نفسه ما بين الحرس القديم الذي يتصدره شوكت، والحرس الجديد برئاسة رئيس النظام السوري حافظ الأسد، والذي يريد كل منهما التخلص من الآخر في قضية الحريري، بحسب ما كتب مظهر الويس، أحد شرعيي جبهة فتح الشام ومعتقل صيدنايا السابق، مفصلًا كيف رفع علي خير يده عن السجن منتظرًا "الفوضى الخلاقة"، أو ما أسماه دياب سرية بـ"فخ الحرية".

وتصدر الجهاديين للمشهد الذي بدأ ثوريًا عفويًا، ونظرتهم إلى خارج السجن والتخطيط للهروب و"إكمال الجهاد"، وسط ارتفاع لنبرة "التكفير" على قلة الأعداد، نبرة استغلها علي خير، ليبدأ مرحلة جديدة من القمع ومحاولات الاقتحام، مرحلة بدأت في الخامس من يوليو/تموز 2006 نفسه، موعد بدء التمرد الثاني الذي وصفه "الويس" بالثورة المسلحة، وسماه المعتقلون بمعركة الشهداء، ثورة انتهت بأسر حوالي ١٣٠٠ عسكري وضابط من الذين حاولوا اقتحام السجن من قبل المعتقلين، ومقتل عشرين معتقلًا تقريبًا، بعد أن أرسل النظام قوات مكافحة الإرهاب وحاصر المعتقل بالدبابات، وأمطره بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع.

 

بأول مفاوضات حقيقية بين نظام الرئيس بشار الأسد ومعارضيه، وافق النظام على التفاوض مع المعتقلين، وبدأت التسوية بإخراج الجرحى من الجانبين، حيث تم أخذ ٢٥ مصابًا من المعتقلين إلى مشفى تشرين العسكري، الذي تؤخذ إليه جثث القتلى  في صيدنايا بعد الثورة، عاد منهم ١٩ متعرضين لتعذيب شديد، بينما تشكلت لجنة من سبعة معتقلين أهمهم حسن صوفان، المفرج عنه بصفقة تبادل بين النظام وأحرار الشام الشهر الماضي، وأبو العباس التوت، الأب الروحي لحركة أحرار الشام، مقابل لجنة النظام رفيعة المستوى والمتضمنة لآصف شوكت بنفسه، تفاوض كان على ملفين معقدين هما: الجرحى، الذين زارهم حسن صوفان ليطمئن عليهم فصدمته أوضاعهم بعد التعذيب، وملف الضباط الأسرى المتبقين بعد تسليم حوالي ١٢٤٥ جندي على دفعات كل منها عشرة أيام، تفاوض انتهى مبدئيًا بتسليم سطح المعتقل والطابق الأرضي للنظام، وإبقاء المهاجع مفتوحة، واستلام العميد طلعت محفوظ لإدارة السجن.

بعد موافقة النظام السوري على التفاوض مع المعتقلين،  تم أخذ ٢٥ مصابًا من المعتقلين إلى مشفى تشرين العسكري الذي تؤخذ إليه جثث القتلى في صيدنايا بعد الثورة، عاد منهم ١٩ متعرضين لتعذيب شديد

رويترز


بدا وكأن طلعت محفوظ تعلم من درس سابقيه، فبدأ مباشرة بتصفيح أبواب السجن وأرضياته لمنع اختراقها، واستبدل كل ما هو معدني من أدوات السجناء للبلاستيك كي لا يستخدموها بأي شكل، بينما استمرت المفاوضات بين اللجنة والإدارة على تسليم السجناء مقابل فتح الزيارات، ولم يكتب لها النجاح، فبدأ النظام مرحلة حشد جديدة ترافقت مع قطع الكهرباء ومنع الطعام والتشديد بشكل أكبر، مرسلًا بتلميحات مستمرة إلى أن الحل سيكون عسكريًا، مرحلة ترافقت مع انشقاقات داخل صفوف لجنة المعتقلين المفاوضة بحسب الأيديولوجيات والمناهج، حول السقف الأدنى الذي يجب تحقيقه من هذه المفاوضات، وعقدت مناظرات شرعية بين التيارات المتباينة، وأجريت انتخابات وتصويت حول أمير السجن انتهت باندلاع التمرد الثالث، في ٦ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٠٨.


تمرد بدأ به القصف بالأسلحة الثقيلة على السجن، والقنص المكثف للمعتقلين، ومحاولات اقتحام كثيرة أدت إلى مزيد من شق الصفوف بين "التصعيديين" وسواهم، مما استدعى إقامة انتخابات جديدة، قد تكون الديمقراطية والنزيهة الأولى والوحيدة بعد استلام بشار الأسد للحكم، انتهت باستمرار المفاوضات وصولُا إلى الاتفاق على إخراج المعتقلين إلى سجون أخرى، مفاوضات انتهت بنهاية العام بنقل السجناء إلى الفروع الأخرى، وأبرزها سجن "عدرا"، الذي نقل معظمهم إليه، وبقاء من لم يوافق وكان عددهم ٣٥، قتلوا جميعًا بعد اقتحام السجن في ١٣ يناير/كانون الثاني ٢٠٠٩، ليصل عدد القتلى من السجناء خلال الثلاثة تمردات إلى ١٢٥ معتقلًا، تم توثيق أسماء ٤٥ منهم.

 

بعد ذلك بستة أشهر، وفي يونيو/حزيران ٢٠٠٩، أعيد السجناء إلى سجن صيدنايا بعد تصفيحه، وبقي معظمهم هناك حتى مايو/أيار ٢٠١١، وأفرج عن معظمهم في يونيو/حزيران ٢٠١١.

  

"المسلخ"
"هذا النظام سمم حياة السوريين لجيلين، وستبقى مسممة حتى يستأصل تمامًا ولا يبقى له أثر"
(ياسين الحاج صالح، معارض سوري ومعتقل سابق لأعوام طويلة في السجون السورية)


قواعد سجن صيدنايا:



حفلة الاستقبال:




الدولاب:




الشبح:



بساط الريح:




الاكتظاظ:



المعاملة المهينة والتحرش الجنسي:



بعد اندلاع الثورة، تحول سجن صيدنايا من «أكاديمية» إلى «مسلخ»، فتم نقل معظم السجناء المدنيين الذين اعتقلهم النظام بعد الثورة إليه، بعد إتمام إفراغه بحلول مايو/أيار ٢٠١١، وبدأ إعدام سجنائه في سبتمبر/أيلول ٢٠١١ حتى هذه اللحظة، عدا الذين يموتون جراء التعذيب الشديد، صورة مصغرة لما يجري خارج أسوار صيدنايا من شمال سوريا إلى جنوبها، من "قتل عشوائي وتعذيب وقصف لا يتوقف" من قبل النظام، وإن تمتع من في الخارج بإمكانية المقاومة واحتمالات النجاة على قلتها، عكس من هم داخل "المسلخ".

 

يبدأ استقبال السجناء في "المسلخ"، المحتوي على عدد معتقلين غير مقدر بدقة إلا أنه لا يقل عن 10 إلى 20 ألف معتقل، بما يسمى بـ "حفلة الاستقبال"، حفلة يتم بها ضرب المعتقل ضربًا مبرحًا وإهانته على يد ضباط الأمن قبل أن ينقل إلى السجن الانفرادي مباشرة لبضعة أيام، يتم خلالها إخافته وتحطيمه نفسيًا، ثم تبدأ جولات الاستجواب المختلفة لنزع اعترافات يحاكم عليها لاحقًا، ثم يتعرض المعتقل لصنوف مختلفة من الضرب والتعذيب والإساءة الجنسية، بشكل ممنهج ومنظم، وبشكل يبدو كأنه "يحطم إنسانيتك"، بحسب ما وصفته منظمة العفو الدولية في  تقرير لها
 
في أحد النماذج التي وصفها السجين السابق عمر قائلا: "لا أدري ما هو المصطلح المناسب الذي يصلح لوصف ما شاهدته هناك، اعتاد الحراس أن يأمروا الجميع بخلع ملابسهم والتوجه إلى دورة المياه واحدًا تلو الآخر، ثم ينتقوا أحد الشباب من ذوي البنية الجسمانية الصغيرة، أو من هم أحدث سنًا من غيرهم، أو من لديهم بشرة فاتحة، ويطلبوا منه أثناء توجهنا إلى دورة المياه أن يقف ووجهه نحو الباب، وأن يغمض عينيه، ومن ثم يأمروا أحد السجناء الأكبر سنا أن يقوم باغتصابه".

 



"سوريا الصغرى"
في المشهد الأخير الذي وصلت إليه الساحة السورية يبدو "صيدنايا" متصدرًا للمشهد، فداخل "المسلخ" بتعبير منظمة العفو الدولية الفريد هو "أسوأ مكان على سطح الأرض"، أما خارج صيدنايا من جانب الثورة "الجهادي"؛ يقود أكبر فصيلين مسلحين اليوم خريجان من "الأكاديمية" هما: أبو جابر الشيخ أمير هيئة تحرير الشام، وأبو عمار العمر أمير حركة أحرار الشام الإسلامية، بجانب عشرات من جيل صيدنايا القتلى، أبرزهم القادة المؤسسين لأحرار الشام الذين قتلوا في التاسع من سبتمبر/أيلول لعام ٢٠١٤، أو اندمجوا ضمن الفصيلين أعلاه، أو ما زالوا ضمن فصائل أصغر لم تندمج، بعد أن أفرج النظام عنهم في منتصف عام ٢٠١١ بعد اندلاع الثورة.

إن السمة البارزة الآن في الصراع الأكبر والأصعب الذي يقوده "إبليس"، بحسب ما يطلق أبو حازم على بشار الأسد، هي تحقيق مزيد من المكاسب للعدو الأول المشترك: رئيس النظام السوري بشار الأسد

الجزيرة


بين الداخل والخارج، بين "الأكاديمية" و"المسلخ"، استطاع جيل صيدنايا الذي خرج إلى الساحة مباشرة، الخاوية من الخبرات والقدرات سياسية أو أمنية أو عسكرية، بعد أن جففها النظام على مدى ثلاثين عامًا منذ مجزرة حماة وصولًا إلى الثورة، بحسب ما حكى لنا المعتقل السابق أبو عبد الرحمن، أن يمتد على مدى سوريا بالكامل، جيل كان نسبيًا الأكثر خبرة وكفاءة، والأقدر على الامتداد الشبكي الأفقي بطول سوريا وعرضها، والامتداد الهرمي العمودي الرمزي بينه وبين "ثائري المعارضة" الذين منحوه ثقتهم، في اختبار جديد شبيه باختبارات التمردات القديمة، التي يبدو أنه أعاد نفس ما جرى بها ولكن بشكل أكبر، سواء من نقل التمرد الأول العفوي إلى "الأدلجة والتسليح" في التمرد الثاني، أو من تحويل المواجهة من حقوقية وسياسية إلى "أيديولوجية منهجية"، إضافة للخلافات الداخلية فيما بين المعارضة بكافة طوائفها، والتي تبدو جلية واضحة في المشهد اليوم.

 

وإن كان جيل صيدنايا نجح حينها بشكل ما بـ"الاختبار" الداخلي بالانتخاب والمناظرات، رغم كل ما شاب التجربة، وبالخارجي مع النظام بالمفاوضات وتحقيق المطالب واللعب على الخلافات بين الأطياف المختلفة والأكبر، فإن السمة البارزة الآن في الصراع الأكبر والأصعب الذي يقوده "إبليس"، بحسب ما يطلق أبو حازم على بشار الأسد، هي تحقيق مزيد من المكاسب للعدو الأول المشترك: رئيس النظام السوري بشار الأسد، بينما يستمر "المسلخ" في مسيرته بلا توقف أو نهاية كما يبدو.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار