اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/28 الساعة 16:21 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/2 هـ

انضم إلينا
المسألة العربية.. لماذا يفشل الانتقال الديمقراطي

المسألة العربية.. لماذا يفشل الانتقال الديمقراطي

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

في مطلع تسعينيات القرن الماضي انهار الاتحاد السوفييتي دفعةً واحدة، وأعلنت الدول التي كانت منضوية تحت هذا الاتحاد استقلالها عنه بصورة منفردة؛ الأمر الذي مثّل نهايةً لحقبة الحرب الباردة والنظام الدولي ثنائي القطب، وبداية لعصر جديد في العلاقات الدولية وهو عصر النظام أحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

 

منذ ذلك الحين، ظهرت الأدبيات التي أخذت تبشر بسيادة نموذج الديمقراطية الليبرالية؛ بوصفه نهاية التطور التاريخي للنظم السياسية، ونموذجا كونياً ينبغي تعميمه ونشره؛ كما ذهب إلى ذلك الأكاديمي الأمريكي فرانسيس فوكو ياما. [1]


وقد جاءت من هنا أسطورة الرسالة الحضارية الملقاة على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية، والمتمثلة في حمل شعوب المعمورة باتجاه الانتقال نحو الديمقراطية، وبالفعل شهدت عدد من دول "العالم الثالث" انفراجة نحو التحول الديمقراطي؛ بعد أن كانت أحجار شطرنج في رقعة الحرب الباردة، وأخذت النظم العسكرية فيها-والتي كانت قد تشكلت إبان حقبة الحرب الباردة- بالتراجع والانهيار.

 

لكن العالم العربي لم يعرف هذه الانفراجة التي شهدتها عدد من دول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وتركيا وغيرها، ونتيجة لذلك ظهر مابات يعرف في الأدبيات الاستشراقية "بالاستثناء العربي" من الديمقراطية، وقد أرجعت هذه الأدبيات أسباب هذا الاستثناء إلى عوامل ثقافوية تتعلق بما تزعم أنه خلل بنيوي أصيل في طبيعة الدين الإسلامي والثقافة العربية الاستبدادية[2]، وهو ما قاد المحافظين الجدد -بالإضافة إلى عوامل أخرى ليس المجال لذكرها هنا- إلى غزو العراق عام 2003 بدعوى تصدير الديمقراطية على أظهر البارجات العسكرية إلى العالم العربي!

صورة أرشيفية لعرض عسكري في العراق (غيتي )


وبالنظر إلى تبعاته، فقد كان غزو العراق حدثاً فارقاً في التاريخ العربي المعاصر؛ حيث يشير المؤرخ الفلسطيني د. بشير نافع في مقالة له بعنوان "لقد كانت حرباً شخصية بالفعل"، إلى أن هذا الغزو قد أدى إلى تحلل الدولة الوطنية العربية وبروز أنماط من الهويات الفرعية (الطائفية والقبلية) بصورة اقتتال أهلي دموي، ذهب ضحيته مايزيد عن المليون عراقي؛ منذراً باستفحـال المسألة الطائفية والعنف الأهلي في باقي الدول العربية التي لم يكن حالها ببعيد عن حال الدولة والمجتمع العراقي.

 

في هذا السياق جاء إسهام المفكر العربي د. عزمي بشارة المعنون بـ"المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي" في العام 2007، وهو إسهام يبحث فيه بشارة أسباب تعثر الديمقراطية في العالم العربي، مناقشاً إياها تحت عنوان أوسع وهو "المسألة العربية".

 

يمتاز هذا المشروع الفكري الواقع في عشرة فصول، وبما يقترب من الثلاثمائة وعشرين صفحة، يمتاز بتوسعه في تناول الاستثنائية العربية بخصوص الديمقراطية، وبدخوله في حواريات ونقاشات مع أهم المشاريع الفكرية التي أسهمت في راهننا العربي، من مشروع محمد عابد الجابري، إلى عبد الله العروي، وجورج طرابيشي وغيرهم، جاعلةً منه عملاً استثنائياً؛ استطاع أن يضع الكثير من الإضاءات حول الإشكاليات العربية الراهنة.

 

ويكتسب طرح د. عزمي بشارة أهمية مضاعفة في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة العربية؛ حيث أكدت الأحداث خلال السنوات الست الماضية التي رافقت الربيع العربي؛ صحة ماذهب إليه بشارة في تحليله للخصوصية العربية، والتي تتمثل "في عدم حل المسألة القومية العربية بتشعباتها المختلفة، وبقائها  مفتوحة كقضية حق تقرير مصير، ما أنتج تداعيات على مستوى شرعية الدولة، وانتشار سياسات الهوية المفرطة سواء الطائفية أو القبلية"[3]، هذا هو الإطار أو المنظور الذي يدعونا بشارة للنظر إلى الواقع العربي من خلاله، وفهم تعقيدات المشهد العربي بناءً عليه.

 

ما هي المسألة العربية؟
لا يتناول د. عزمي بشارة المسألة العربية من زاوية التأريخ لحالة الانقسام والتشرذم العربي التي أدت إلى تشكل ما يسميه بـالمسألة العربية، وإنما ينطلق من زاوية تشخيص علاقة هذه المسألة العربية بإعاقة الانتقال الديمقراطي عربياً، وهو إن لم يكن قد أرّخ للمسألة العربية في هذا الكتاب، إلا أنه قد أشار إلى بعض الجوانب التي أدت إلى تشكلها في معرض حديثه عنها.

يجادل عزمي بشارة بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار أمة ناجزة لها مرجعية ثقافية وأخلاقية محددة وواضحة

غيتي


يشدد بشارة على أن الاستثنائية بشأن الديمقراطية -على افتراض وجودها- هي استثنائية عربية وليست إسلامية، فأي فحص إمبريقي لواقع الدول الإسلامية والدول العربية سيفيد بأن إشكال الديمقراطية هو إشكال عربي على وجه التحديد*، وهو إشكال لا يرتبط بالثقافة العربية كما زعم عدد من المستشرقين، وإنما يتعلق بالظروف السياسية التي أدت إلى تشكل واقع الدولة العربية المعاصرة.

 

يجادل بشارة بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار أمة ناجزة لها مرجعية ثقافية وأخلاقية محددة وواضحة، وعندما لم يكن بمقدور القومية العربية التحقق على صورة كيان سياسي ممثل للأمة العربية (نموذج الدولة-الأمة)، وذلك بفعل الاستعمار وتقطيعه لأوصال المنطقة العربية، ولما فشلت الدولة القطرية في بناء أمة مواطنة؛ فإن هذه العوامل هي عينها ما تمثل أسباب تعثر الديمقراطية في العالم العربي.

 

تتمثل الاستثنائية العربية -إذن- في أن "أكبر قومية معاصرة لم تحظ بحق تقرير المصير، عبر التحوّل إلى أمة ذات سيادة، ولم تحظ بفرصة الصراع بعد ذلك للتحَول إلى أمة من المواطنين". ومن هنا فإن "المسألة العربية تعني فيما تعنيه أن العناصر نفسها التي تمنع تحقق الأمة داخل الدولة القطرية وخارجها، هي ذاتها العناصر التي تعيق التحول الديمقراطي، ولذا، فإن الأجندة الديمقراطية العربية لا تزال غير ممكنة"[4].

 

وبهذا يكون شرط تحقق التحول الديمقراطي عربياً هو ذاته شرط حل المسألة العربية أولاً، والمتمثلة في عدم تكوّن الأمة في السياق العربي الحديث، فالديمقراطية وفقا ًلأكثر تعريفاتها بداهةً هي حكم الأغلبية، والأغلبية هنا ليست أغلبية سياسية عددية، إنما هي قبل ذلك كله أغلبية تقوم على الاتفاق الضمني والبديهي على جملة من القيم والمسلمات الأخلاقية والثقافية؛ ما يورث لدى هذه الأكثرية شعورا بنفسها كأمة متجانسة ومتمايزة عن غيرها من الأمم [5].

 

ليس بالإمكان حصر الأسباب التي أدت إلى عدم تحقق مفهوم الأمة سياسياً في العالم العربي-وما نعنيه بالأمة بمفهومها السياسي هي تلك التي يتأسس عليها النظام الدستوري والقانوني للدولة ويترتب على وجودها حقوق المواطنة والحياة السياسية- إلا أنه يمكن أن نضع عاملين رئيسين أعاقا تشكل الأمة السياسية عربياً هما: الجغرافيا الاستعمارية التي أعاقت تشكل الدولة العربية القومية أولاً، ومن ثم الكيان الصهيوني الذي تم زرعه في قلب المنطقة والذي أنتج ديناميات أعاقت -أو أجلت الحديث عن- أي إصلاح سياسي معتبر داخل الدولة القُطرية.

 

الجغرافيا الاستعمارية وإجهاض حلم الدولة-الأمة
فرنسا الحرب العالمية الأولى (رويترز)

بحسب المؤرخ د. بشير نافع، فإن كل حديث عن جذور التأزم العربي (المسألة العربية بلغة عزمي بشارة) يقود إلى الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى، والتي شهدت تشكل الشرق الأوسط الحديث بجغرافيته السياسية التي نعرفها حالياً؛ حيث يمكن اعتبار الحرب الكبرى -كما تسمى- منعطفاً رئيساً في التاريخ العربي، فعلى الرغم من أن التاريخ هو في النهاية نهر متصل الجريان؛ إلا أن النظام الذي تمخض عن هذه الحرب كان مختلفاً تماماً عما عرفته المنطقة قبل هذه الحرب
[6].

 

أدت هذه الحرب إلى وقوع المجال العربي تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاستعمار كان قد طال بلداناً عربية قبل اندلاع الحرب الأولى كتونس ومصر والجزائر وغيرها، لكن تشكل النظام الإقليمي في المنطقة وتوطيد الجغرافيا السياسية لم يتم إلا بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى. [7]

 

من نافلة القول إن هذا التقسيم الاستعماري للرقعة الجغرافية العربية كان قد مثل إجهاضاً لتحقيق حلم الدولة-الأمة عربياً، والتي نادى بها عدد من النخب والمثقفين العرب منذ أواخر الحقبة العثمانية، وهو ما أدى إلى "نفور النخبة العربية القومية من مفهوم الدولة؛ لا لكونها قد فُرضت من الخارج وحسب؛ بل لأن دولة الاستقلال التي ورثت دولة الاستعمار جاءت متنافرة مع مفهوم الأمة القومية"[8].  ما أنتج مفارقة أفضت -كما يشير المفكر عبد الله العروي - إلى "نزع الشرعية عن الدولة القطرية، وانفصال السلطة عن الشرع، والقوة عن النفوذ الأدبي"[9].

 

وفي هذا الصدد يشير المفكر الموريتاني السيد ولد أباه إلى أن جذور تأزم الواقع السياسي العربي تمثلت في عاملين هما: "ضعف شرعية الدولة الوطنية الناتجة عن طابعها السلطوي الاستبدادي الذي جعلها في مواجهة مع المجتمع، وهشاشة رصيدها التاريخي باعتبارها كياناً مصطنعاً من تخطيط وتنفيذ الاستعمار الأوروبي"[10].

إن الدولة الوطنية العربية لم تنجح في الوجود والاستمرار إلا لقيام حلف هيمنة بين قوى ثلاث رئيسة: المؤسسة العسكرية، والبيروقراطية الإدارية، والزعامات الأهلية

رويترز


إلا أن السيد ولد أباه يستطرد بأن الدولة العربية لم تكن بِدعاً من بين الدول في طريقة تشكلها هذه، فقد عرفت أغلب الدول الحديثة ذات المسار؛ حيث إنها "لم تستند لإرث تاريخي في البناء المركزي وأسستها أنظمة سلطوية مستبدة إلى حد أن الفيلسوف الألماني هيغل اعتبر أن الدولة تحتاج في تأسيسها إلى "الآباء القساة"، على أن تكون لحظة الحرية السياسية لاحقة على التأسيس"[11]، وهو المشهد الذي تحقق عملياً في مجمل الدول الأوروبية حتى العريقة منها.

 

هنا يضيف ولد أباه عاملاً آخر تمثل في تركيبة السلطة لدول ما بعد الاستعمار، والتي تأسست على ما يسميه الفيلسوف الإيطالي غرامشي بـ"حلف الهيمنة"، والذي يشير إلى "حصيلة حلف بين قوى اجتماعية فاعلة، لا يأخذ شكلاً مؤسسياً تعددياً؛ وإنما يتم التعبير عنه وفق صيغ أحادية مركزية".

 

يشير ولد أباه إلى أن الدولة الوطنية العربية "لم تنجح في الوجود والاستمرار إلا لقيام حلف هيمنة بين قوى ثلاث رئيسة: المؤسسة العسكرية التي أهلتها ظروف معروفة لتصدر البناء المركزي، والبيروقراطية الإدارية المسئولة عن تسيير الشأن العمومي، والزعامات الأهلية التي اضطلعت بدور الوساطة الضروري مع القاعدة السكانية العريضة"[12].

 

لم يكن ليكتب لحلف الهيمنة هذا أن يستمر لأكثر من نصف قرن لولا وجود الكيان الصهيوني، الذي منح هذه الأنظمة غطاءً ومبرراً لوجودها واستمراريتها؛ حيث أسست شرعيتها على خطاب الممانعة ومواجهة العدو ووعود التحرر، فقامت بمراكمة كافة تقنيات السلطة والهيمنة والإكراه لهذه الذريعة، وأجلت الحديث عن أي إصلاح سياسي معتبر تحت حجة "ألا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

 

الكيان الصهيوني والتأسيس لحالة الطوارئ
صورة أرشيفية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون (غيتي )

كان لتأسيس الكيان الصهيوني -منتصف القرن الماضي في قلب العالم العربي- تبعاته الخطيرة على المنطقة بشكل عام؛ حيث يشير المفكر عزمي بشارة إلى أن وجود الكيان الصهيوني قد فاقم المسألة العربية من عدة وجوه: فمن جهة تعمل إسرائيل بوصفها كياناً استعمارياً على توطيد حالة الانقسام والتشرذم العربي لضمان تفوق الردع الإسرائيلي، وهنا يشير بشارة إلى أنه "يتم العمل في أروقة الأكاديميات الإسرائيلية ومراكز صنع القرار التي تحظى باحترام دولي، على بناء قومية درزية، وأخرى مارونية فينيقية، ويجري كتابة تاريخ الأقليات الدينية كافة في المنطقة كأنها قوميات
"[13].

 

ومن جهة أخرى فإن تأسيس دولة إسرائيل جعل المنطقة في حالة استباحة تامة؛ حيث لم تعد شؤون المنطقة وقضاياها مسائل محلية داخلية؛ وإنما باتت جميع قضاياها من صغيرها إلى كبيرها أجندات على جداول أعمال المؤتمرات الدولية، وذلك نظراً للتعهد والرعاية الدولية التي تحظى بها دولة إسرائيل، وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى "أن سياسة الهيمنة والتدخل هذه تقوم بإعادة إنتاج ومفاقمة المسألة العربية يومياً"[14].
 

لكن الأثر الأخطر الذي أحدثه وجود العدو الإسرائيلي في المنطقة -بهذه الصورة الفجة- تمثل في توفير الذريعة للأنظمة السلطوية العربية؛ لبناء حكم قمعي بالغ المركزية، والتأسيس لحالة طوارئ طويلة الأمد استمرت في سوريا تحت حكم البعث لأكثر من نصف قرن منذ العام 1963. [15]

 

أدت حالة الطوارئ طويلة الأمد -هذه- إلى إجهاض أي تجربة إصلاح سياسي معتبرة داخل الدولة القُطرية العربية، ومواجهة هذه المطالب الإصلاحية بالقدح والطعن وتهم العمالة لصالح العدو الإسرائيلي؛ بينما أخذت الأنظمة تبني حلف الهيمنة الخاص بها من قوى طائفية وقبلية "كبنية مستترة في النظام السياسي"[16].

 لعبت الأنظمة على وتر الحساسية الشعبية تجاه العدو الإسرائيلي والإملاءات الأجنبية في تكريس هيمنتها واحتكارها للسلطة

غيتي


وقد كان خطاب الممانعة ومواجهة العدو الأساس الذي بنت عليه هذه الأنظمة شرعيتها، فمن خلال هذه الشعارات البراقة استطاعت هذه الأنظمة "استثارة التعاطف الشعبي الداخلي واستدرار الدعم الجماهيري وتأييده في مواجهة العدو"، وهكذا لعبت هذه الأنظمة على وتر الحساسية الشعبية تجاه العدو الإسرائيلي والإملاءات الأجنبية في تكريس هيمنتها واحتكارها للسلطة [17].

 

وإجمالاً، فقد كانت هذه الظروف التاريخية التي أدت إلى تشكل مايسميه د. عزمي بشارة بالمسألة العربية، والتي تعيق من -وجهة نظره- تحقيق الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، وهو ماسنتناوله بالتفصيل في تقارير لاحقة حول الكيفية التي تعيق بها المسألة العربية الانتقال الديمقراطي عربيا.


------------------------------------------------------------------------------

يشير د. عزمي بشارة إلى أن الكثير من الدول الإسلامية خاضت تجربة الانتقال الديمقراطي دون إشكاليات تذكر، كإندونيسيا والسنغال وتركيا وغيرها.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار