اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/1 الساعة 17:16 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/3 هـ

انضم إلينا
القوة الناعمة.. التكنولوجيا كقاطرة للتطبيع مع إسرائيل

القوة الناعمة.. التكنولوجيا كقاطرة للتطبيع مع إسرائيل

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
يبدو المصنع الشهير الواقع في ولاية "نيوهامبشير" الأمريكية على موعد مع استقبال ضيوف غير عاديين. في الأحوال العادية، لا تخجل شركة المقاولات الدفاعية الخاصة، "إلبيت للأنظمة" من هويتها العبرية البارزة: الخرائط المختلفة المعلقة على الجدران، والمنشورات ذات الكتابات العبرية، وقوائم الموظفين من ذوي الأسماء الإسرائيلية التي لا تخطئها العين. ولكن الأمر يختلف كثيرًا مع زيارة هؤلاء العملاء على وجه الخصوص، فكل ذلك كان يتم محوه وإزالته فيما يشبه عملية تنظيف متخصصة ومحترفة لمسرح جريمة، وحتى تلك العلامات التي تشير إلى إسرائيل على منتجات الشركة كان يتم محوها تحسبًا لزيارة هؤلاء الضيوف على وجه التحديد.

 

لا يحب العرب من عملاء "إلبيت" وغيرها من الشركات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، التعامل مع مؤسسات تحمل هويات عبرية مكشوفة؛ نظرًا لحساسية مواقفهم الدبلوماسية، مع كونهم غالبا ما يكونون مسئولين رسميين، أو على أقل تقدير على صلة بالدوائر الرسمية لدول لا تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، ومع حجم المبيعات والأرباح الضخمة التي تجنيها هذه الشركات من هؤلاء العملاء؛ فإن عمليات "تنظيف الهوية" تلك تعد ثمنًا مقبولًا يتم دفعه بارتياح كبير.


ولكن مبيعات شركة المقاولات الشهيرة للعملاء العرب كانت موضعًا لتسليط أضواء غير معتادة قبل عامين تقريبًا، مع العثور على جثة أحد أعضاء طاقم الشركة ميتًا في ظروف غامضة؛ حيث كان "كريس كريمر" يقوم بتجربة أنظمة استهداف جديدة لصواريخ (تاو)، من إنتاج شركته، في قلب بلاد العرب، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية، بينما لا تعد أنظمة "إلبيت" نقطة هامشية في سياق ما يمكن أن نسميه "الولع العربي" بالتكنولوجيا الإسرائيلية.

 

كان "شموئيل بار" هو الآخر هدفًا للسعوديين، بعد الصيت الكبير الذي حققته شركته "إنتوفيو" في مجال الخوارزميات المتخصصة في غربلة الرسائل المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لفلترة التهديدات الأمنية، تقنية باعتها شركة شموئيل للعديد من وكالات الاستخبارات في أوروبا والولايات المتحدة، وتجري إدارتها من خلال مركز الاتصال الرئيس للشركة في هيرتسليا. بعد ذيوع صيتها، سرعان ما تلقى "بار" طلبًا شبه رسمي من قيادة على صلة بالحكومة السعودية للحصول على تقنيته المتطورة، لتوظيفها في كشف وتعقب "الجهاديين" مع شرط واحد فقط: أن يتم ذلك عبر شركة وهمية تؤسس خارج المملكة.

 

تسلط هذه الوقائع سينمائية الطابع، ومثيلاتها، الضوء على الحكاية متعددة الأبعاد لصعود التكنولوجيا الإسرائيلية، التي تحولت بمرور الوقت في أعين العرب من فجوة في ميزان القوى بينهم وبين تل أبيب، إلى فرصة ذهبية يتعين الاستفادة منها، وهي القصة التي بدأت فصولها الأولى قبل عدة عقود، وحتى قبل الإعلان الرسمي عن تأسيس ما صار يعرف فيما بعد باسم "دولة إسرائيل". 

 

الوحدة 8200
لم يكن الوضع كما هو الآن قبل ستين عامًا بالنسبة إلى "مجموعة مير" للتكنولوجيا، المجموعة ذات الـ 1200 موظف في أكثر من 40 دولة حول العالم الآن، والناشطة في نطاق كبير من الأنظمة التقنية، بداية من تقنيات معالجة مياه الصرف الصحي والطاقة المتجددة، إلى تطوير الأنظمة اللاسلكية وصناعة تكنولوجيا المعلومات. في عام 1948، حين تم الإعلان عن تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، كانت "مير" لا تزال مجرد ورشة صغيرة لخراطة المعادن لا يُلقى لها بال، إلا أن التحول الكبير الذي شهدته "مير" خلال العقود الماضية يصلح كمؤشر بليغ على منظومة التحولات الكبرى التي أصابت الاقتصاد الإسرائيلي خلال هذه الفترة.


في عام 2009، أصدر الكاتبان "دان سينور" و"سول سينجر" كتابهما الشهير تحت عنوان: "أمة الشركات الناشئة: حكاية معجزة إسرائيل الاقتصادية"، والذي تناولا خلاله قصص صعود قطاع التكنولوجيا والتصنيع في إسرائيل. تمتلك دولة الاحتلال اليوم 93 شركة مدرجة ضمن بورصة نازداك، ثاني أكبر بورصات العالم، وأكثرها في حركة الأسهم، والتي تعد المؤشر الرئيس لقياس حركة الأسهم في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وهو ثالث أكبر عدد للشركات لدولة واحدة بعد الولايات المتحدة والصين، وهو العدد الأكبر لدولة واحدة بالنظر إلى عدد السكان.

 

يرأس "نير لمبرت" مجلس إدارة شركة "مير"، ويمثل "لمبرت" بدوره مفتاحًا لفهم قصة صعود صناعة تكنولوجيا المعلومات في إسرائيل الكاملة، القصة المساهمة اليوم بأكثر من ستة مليارات دولار من الناتج المحلي الإجمالي لتل أبيب. خدم لمبرت لأكثر من 22 عامًا ضمن صفوف الجيش الإسرائيلي، وعلى وجه التحديد في الوحدة 8200، درع إسرائيل التكنولوجي الأمني الأول، والتي تشبه داخل الكيان، وحتى خارجه، بوكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة.

 

تعمل الوحدة 8200 وفق نمط يختلف كثيرًا عن النمط التقليدي المتعارف عليه للعمل في الجيوش: أقل عدد ممكن من القادة ذوي الرتب المتوسطة، وأقل قدر ممكن من الأوامر، وخط إداري مفتوح يسمح لأفراد الوحدة بالتعامل مع القيادات دون التزام السلم الهرمي، وصلاحية مراجعة أوامر القيادات إذا أجمع جنود الوحدة على عدم صلاحيتها، والأهم مجندون يتمتعون بقدرات تحليلية ورياضية وتكنولوجية مختلفة وعالية المستوى، ويعيشون قدرًا من الرفاه لا يتم توفيره عادة لأمثالهم من جنود الجيش. وبخلاف جميع الأعراف والتقاليد العسكرية، يقوم جنود الوحدة المتميزين أنفسهم في نهاية خدمتهم بإجراء المقابلات من أجل اختيار المؤهلين لخلافتهم، وأحيانًا يتم اختيار المميزين للالتحاق بالوحدة من خلال كشافة الجيش الإسرائيلي، التي تقوم بتمشيط المدارس الثانوية في البلاد لتحديد المرشحين اللامعين في سن مبكرة.

 

هناك العديد والمزيد من الحقائق المثيرة حول الوحدة 8200: مثلًا يتم جمع 90 % من المعلومات الاستخباراتية، التي تعمل وفقها جميع الأجهزة الأمنية في إسرائيل، من خلال فرق التجسس الإلكترونية التابعة للوحدة، بينما تتجسس الوحدة على كل شيء تقريبًا، من الفلسطينيين إلى إيران، وحتى الدول الغربية الصديقة لتل أبيب، وكانت الوحدة هي اللاعب الأول في عملية تدمير المنشآت النووية السورية عام 2007 ، كما أن أرجح النظريات تؤكد أن الوحدة كانت مسئولة، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، في تصميم دودة ستكسنت الشهيرة التي دمرت أجهزة الطرد المركزي النووية في إيران، بعد ثلاث سنوات من العام المذكور. ولكن بما أن حديثنا اليوم لا يتعلق بشكل رئيس بعالم الحروب، أو حتى بمجتمعات الاستخبارات، فإن المعلومة الأكثر أهمية ومحورية هي أن قدامى المحاربين في هذه الفرقة قاموا وحدهم بتأسيس أكثر من ألف شركة للتكنولوجيا بعد أن قاموا بترك مواقعهم في جيش الاحتلال، وهي شركات تتراوح قيمتها السوقية بين عشرات الملايين إلى عشرات المليارات من الدولارات.

 

يفصل كتاب أمة الشركاء الناشئة الكثير حول أسباب صعود الشركات الإسرائيلية الصغيرة، وخاصة العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وهو يرى أن صعود القطاع يقوم بشكل رئيس على ركيزتين أساسيتين: أولهما الخبرات التي يكتسبها الشباب من الخدمة في وحدات الجيش السيبرانية، وقلة القيود المفروضة على قدامى المحاربين لتداول أفكار الجيش في صناعاتهم الخاصة، وكأن الهدف غير المعلن هو صناعة مجتمع تكنولوجي صناعي ضخم يبدأ من الجيش، ويهدف إلى إقامة روابط وثيقة بين المجتمع العسكري والوسط التكنولوجي الإسرائيليين. وثانيهما قائمة الأعداء الطويلة والمتوسعة دومًا لإسرائيل، والتي توفر مختبرًا دوريًا شديد الفاعلية لتجريب التقنيات الجديدة.

 


على مدار العقود الماضية، ظلت الدول العربية تنظر إلى الاتساع الهائل في حجم الفجوة التكنولوجية بوصفه خطرًا على موازين الصراع القائمة بينهم وبين إسرائيل؛ إلا أن حملة التحولات في البنية الأمنية الإقليمية خلال الأعوام الستة الأخيرة دفعت الأمور نحو منحى مختلف. فبدلًا من أن تنظر الدول العربية إلى التفوق التكنولوجي لإسرائيل على أنه إخلال بموازين الصراع، تنظر إليه الآن كمفتاح لتلبية احتياجاتها المتزايدة من التكنولوجيا، خاصة في المجالات الأمنية، في حين أن إسرائيل أخذت تنظر إليه على أنه مفتاح لتحقيق هدفها طويل الأمد بتطبيع العلاقات مع جوارها العربي، دون أن تخل بتوازناتها الاستراتيجية والأمنية.

 

ما يريده العرب من إسرائيل
"موقع إسرائيل في المجتمع الدولي يتغير بشكل درامي؛ بسبب حاجة العالم للتكنولوجيا الإسرائيلية وخبرات إسرائيل في مجال مكافحة الإرهاب."

بنيامين نتنياهو متحدثًا أمام المؤتمر الدبلوماسي السنوي لصحيفة جيروزاليم بوست، نوفمبر/تشرين الثاني 2016

 


ما يبدو هو أن نتنياهو يشعر بالكثير من النشوة حين يتحدث عن علاقات بلده المتنامية مع جوارها العربي في الأعوام الأخيرة، ربما بنفس القدر الذي يشعر فيه الكثير من العرب بالغضب والذل عند قيام إسرائيل بتسريب أنباء هذه العلاقات مرة تلو الأخرى، وبخاصة أن معظم الدول العربية لا تقيم أي علاقات رسمية مع إسرائيل. هذه "النشوة" كانت حاضرة بقوة في حديث نتنياهو في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، خلال مؤتمره الصحفي الذي عقده بصحبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين أكد أنه: "للمرة الأولى في حياتي؛ بل ربما للمرة الأولى في تاريخ بلادي، فإن الدول العربية لم تعد تنظر إلى إسرائيل كعدو، ولكنها صارت تنظر إليها على نحو متزايد بوصفها حليفًا".

 

خلال مقابلاته العامة والخاصة، اعتاد نتنياهو أن يجيب بلكنته الساخرة المعتادة حول سؤال ماذا يريد العرب من إسرائيل، قائلًا: "ثلاثة أشياء: التكنولوجيا والتكنولوجيا ثم التكنولوجيا"، ويرى بيبي أن التحول السريع للاقتصاد العالمي نحو اقتصاد يعتمد على تكنولوجيا المعلومات يصب في مصلحة إسرائيل، الكيان الشاغل لموقع مناسب بشدة في مجالات البيانات الكبيرة (Big Data) والاتصالات والذكاء الاصطناعي، وأن هذا وحده كفيل بتغيير كل شيء.

 

لا يعاني نتنياهو فقرًا في عادات التهويل والمبالغة واستخدام الخطابات الرنانة، ولكن في هذا الأمر تحديدًا لا تبدو كلمات رئيس الوزراء الإسرائيلي حاملة لأي شكل من أشكال المبالغة؛ حيث تمثل صادرات التقنية وحدها 12.5% من الناتج الإجمالي لدولة الاحتلال، وعملاء الشركات الإسرائيلية منتشرون في جميع أنحاء الأرض، من شرق آسيا إلى أمريكا الجنوبية وحتى الولايات المتحدة ذاتها، إلا أن دخول العرب على قائمة أبرز عملاء التكنولوجيا الإسرائيلية هو التغيير الحقيقي الذي يعنيه نتنياهو، ولعل أفضل من يخبرنا حول هذا التغيير، هو أحد أبرز رواده وصانعيه، ورجل أعمال إسرائيلي متعدد النشاط، شخص يدعى ماتي كوتشافي.

 

شأنه شأن الكثير من أبناء مجتمع الأعمال الإسرائيلي ينحدر كوتشافي من خلفية عسكرية؛ حيث أدى خدمته العسكرية في أحد وحدات الاستخبارات، ويملك كوتشافي اليوم استثمارات متعددة في مجالات العقارات والإعلام والتقنية، لكن نشاطه الأبرز، والأكثر أهمية على الإطلاق، يأتي في مجال المراقبة الإلكترونية، حيث توظف شركاته العشرات من الضباط والمجندين السابقين، الذين عملوا سابقًا في مختلف وحدات الاستخبارات والشين بيت، لتقديم الخدمات الأمنية الخاصة للعديد من العملاء، إلا أن ماتي يمتلك أحلامًا قديمة تتعلق بالعمل مع العرب على وجه الخصوص، أحلام تجلت حين أعلن في وقت سابق عن رغبته في افتتاح جامعة مرموقة على الحدود الإسرائيلية الأردنية، من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

لم تر جامعة كوتشافي النور في أي وقت؛ ولكن أحلام كوفاتشي في العمل مع العرب ضربت موعدًا مع الواقع عام 2007، وتحديدًا حين قام بتأسيس شركته الأهم (آسيا غلوبال تكنولوجي) أو AGT، في زيورخ بسويسرا، شركة تعمل اليوم في خمس قارات حول العالم، بإجمالي عقود تبلغ قيمتها ثمانية مليارات دولار، ولم تلبث الشركة عامًا واحدًا قبل أن تنجح في الحصول على أحد أكبر عقودها على الإطلاق، بقيمة تعدت الـ800 مليون دولار، ما يوازي ثلاثة مليارات درهم، في دولة الإمارات العربية المتحدة، من أجل توفير نظام للمراقبة للبنى التحتية الأساسية وحقول النفط، من خلال اثنين من الوكلاء المحليين. 

يعرف نظام المراقبة الشامل الذي أسسته شركة AGT في الإمارات باسم "عين الصقر" وهي بنية تحتية ليست معلوماتية فقط، وإنما استخباراتية أيضًا

بيكساباي


قامت الشركة بين عامي 2007 و2015 بتأسيس أحد أنظمة الدفاع الأكثر تكاملًا في العالم، نظام يحوي آلاف الكاميرات وأجهزة الاستشعار الممتدة على طول 620 ميلًا على الحدود الإماراتية، وتصب المعلومات التي يقوم بجمعها في قاعدة بيانات تسمى "ويسدوم"، يشرف عليها كوتشافي وتدار من خلال إحدى أكبر شركاته في قلب إسرائيل وهي شركة (لوجيك إنداستريز)، شركة يرأس مجلس إدارتها عاموس ملكا، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان). ومع نفوذ كوتشافي وشركاته الواسع في إسرائيل، كان قادرًا على توفير خط جوي ساخن سري بين مطار بن غوريون وأبو ظبي، مرورًا بالأردن، من أجل نقل المعدات والخبراء؛ باستخدام شركة طيران خاصة، رغم أن AGT رفضت الإدلاء بتأكيدات حول علاقتها بهذا الخط في التحقيقات التي أجرتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

 

يعرف نظام المراقبة الشامل الذي أسسته شركة AGT في الإمارات باسم (عين الصقر (Falcon Eyeوهي بنية تحتية ليست معلوماتية فقط، وإنما استخباراتية أيضًا، ولا يبدو أن هدفها يقتصر على تأمين المنشآت الحيوية؛ بقدر ما يمتد إلى فرض الرقابة الصارمة والمخيفة أيضًا على جميع أشكال الاتصالات في البلاد، مشروع لا يبدو أن كوفاتشي وشركاته وحدهم يحتكرون العمل فيه، ففي أغسطس /آب من العام الماضي، كشفت تحقيقات معامل سيتزن لاب الأمنية عن فصل جديد في الشراكة الأمنية بين حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل؛ بعد أن التقط هاتف الناشط الإماراتي المعارض (أحمد منصور) رابطًا مثيرًا للشبهة دفعه للاستعانة بخدمات الشركة الأمنية المرموقة، التي أكدت تحقيقاتها في نهاية المطاف أنه تم استهداف هاتفه ببرمجية خبيثة، تهدف إلى تحويله إلى جهاز تتبع ومراقبة؛ لكن المفاجأة الحقيقية التي كشفتها سيتزن لاب أن هذه المحاولة قد تم تطويرها بواسطة شركة تعرف باسم (المكتب الوطني للإحصاء)، وهي شركة استطلاع إسرائيلية سرية لا تمتلك موقعًا إلكترونيًا، إلا أن اثنين من أبرز مؤسسيها وهما (لافي وشاليف هوليو) ينتميان إلى قدامى المحاربين في صفوف الوحدة 8200 نفسها.

 

شمعون: الحج الإسرائيلي للمملكة
لا يبدو أن الأمور تسير بالصدفة، فبينما تمتلك إسرائيل وحدها 27 شركة رسمية مسجلة تمارس أنشطة المراقبة الأمنية، وفق تقرير منظمة الشفافية الدولية، وهو عدد ضخم جدًا من الشركات، خاصة إذا علمنا أن الولايات المتحدة بأكملها على سبيل المثال لا تستضيف سوى 122 شركة، مع الفوارق الهائلة في كل شيء بين البلدين، لم يكن من المستغرب إذن أن تجتذب التقنيات الأمنية الإسرائيلية المزيد من العملاء العرب، خاصة مع تحول البنية الجيوسياسية في المنطقة، وتراجع حالة العداء بين الحكومات العربية وتل أبيب كما ذكرنا.

كانت المملكة العربية السعودية على موعد مع الهجوم الإلكتروني الأكبر، والأكثر تدميرًا في تاريخها، حين نجحت برمجية خبيثة تسمى شمعون في إلحاق الضرر بنحو 30 ألف جهاز كمبيوتر مملوك لشركة النفط السعودية "أرامكو"

غيتي 


في أغسطس /آب من العام 2012، كانت المملكة العربية السعودية على موعد مع الهجوم الإلكتروني الأكبر، والأكثر تدميرًا في تاريخها، حين نجحت برمجية خبيثة تسمى شمعون في إلحاق الضرر بنحو 30 ألف جهاز كمبيوتر مملوك لأرامكو، شركة النفط السعودية والعربية الأكبر، وإحدى أضخم الشركات على مستوى العالم، ما تسبب في إغلاق شبكتها الداخلية الرئيسة لمدة أكثر من أسبوع؛ بينما ادعت مجموعة إلكترونية غامضة مسئوليتها عن الهجوم، وقالت إنه كان يهدف للاستيلاء على وثائق تخص الشركة سيتم نشرها تباعًا؛ إلا أنه لم يتم نشر أي منها، ما عنى أن الهجوم الكبير، كأحد الاحتمالات، لم ينجح في أي من أهدافه الجوهرية الرئيسة.

 

كان ذلك بفضل التدخل السريع لترسانة من الشركات العالمية المستدعاة حينها من قبل السلطات السعودية، وكانت إسرائيل حاضرة بقوة عبر شركاتها المسجلة في الخارج، وربما تكون هذه هي أول بداية معروفة لعمل الشركات الإسرائيلية داخل السعودية، رغم أن تدفق المنتجات الإسرائيلية من المعدات الطبية والأسمدة بدأ قبل هذا التاريخ بأكثر من عشرة أعوام على الأرجح؛ حيث تم الإعلان عن قيام 12 شركة إسرائيلية بتوريد منتجاتها إلى السعودية في عام 2006، ارتفاعًا من أربع شركات كبداية في عام 2004.

 

كانت واقعة أرامكو مجرد بداية للنشاط التكنولوجي الإسرائيلي في السعودية، فأفكار التكنولوجيا الإسرائيلية تخترق اليوم العديد من القطاعات في المملكة، وصولًا إلى المهمة الرئيسة للمملكة واهتمامها الأكبر المتعلق بعملية تأمين الحج، فنجد أن شركة (AGT)، ومجموعة فور دي (4D) وهي مجموعة أخرى مملوكة لعملاق الأعمال الإسرائيلي كوفاتشي، شاركا مع شركة موبايلي السعودية في تطوير نظام تحكم خليوي في الحرم المكي؛ حيث صممت شركة فور دي نظامًا يطلب من كل حاج أن يحمل سوارًا إلكترونيًا، على أن تقوم الحافلات بإعلام جهاز حاسوب مركزي بعدد المسافرين عليها، عن طريق نظام موبايلي، بحيث يصدر النظام ضوءً أحمر من الحافلات التي تقل أشخاصًا دون ترخيص، وهي الفكرة التي نشرت فيما بعد من قبل مهندسين في جامعة الملك فهد في دورية أكاديمية، في حين يعتقد مهندسو شركات كوفاتشي أن فكرتهم قد تم سرقتها، وفقًا لبلومبيرغ.

 

لا تختلف الأمور كثيرًا في مصر والأردن اللتين تتمتعان بعلاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل؛ حيث كانت مصر سابقة نحو الاستفادة بالتكنولوجيا الإسرائيلية، حين قامت بتوظيف شركة ماكس للخدمات الأمنية مع انطلاق الاحتجاجات فيها مطلع العقد الحالي. وتقوم ماكس بتقديم خدمة أمنية مبتكرة، من خلال تزويد المؤسسات الأمنية في الدول الشريكة بخرائط ذكية توضح عمليات تأمين المواقع العسكرية الحساسة، وسفارات الدول الأجنبية وغيرها. وقد استعانت مصر مؤخرًا بخدمات شركة إسرائيلية للأمن تسمى (النورس) من أجل تأمين مجرى قناة السويس، شركة تدار من قبل ضباط إسرائيليين سابقين، ولها خمسة مكاتب حول العالم، وهي من الشركات القليلة المسموح لحراسها بالنزول إلى جزيرة تيران بكامل أسلحتهم. ومن الجدير بالذكر أن الشركة ذاتها تعمل بموجب عقود رسمية في الإمارات العربية المتحدة، في إمارة الفجيرة، وفي خليج العقبة في الأردن وفي سلطنة عمان. ورغم أن التقنيات الأمنية، إن صح التعبير، تعد مفتاح التعاون التكنولوجي بين إسرائيل والدول العربية؛ إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك؛ حيث تسعى الدول العربية مثل الأردن والسعودية للاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية في مجالات أخرى مثل الزراعة والري وتحلية المياه وتوليد الكهرباء.

 

التطبيع الناعم
في إسرائيل، ومع نتنياهو على وجه الخصوص فإن الأمور لا تسير هكذا بالتداعي، وحين يعلن رئيس الوزراء أن التكنولوجيا الإسرائيلية "يمكنها أن تجلب السلام إلى الشرق الأوسط"، فإنه يعي ما يريده بالتحديد، فالعرب يريدون التكنولوجيا، وإسرائيل لا تمانع في منحها لهم كمفتاح وثمن لتطبيع العلاقات، وربما اختراقهم أيضًا، لذا لم يكن من المستغرب أن تقوم مبادرة السلام التي أطلقها رجل الأعمال الإسرائيلي البارز المقيم في لندن، عيدان عوفر، على تأسيس علاقات اقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها بوابة نحو "السلام المأمول".

العرب يريدون التكنولوجيا، وإسرائيل لا تمانع في منحها لهم كمفتاح وثمن لتطبيع العلاقات، وربما اختراقهم أيضًا

غيتي 


يحب نتنياهو إطلاق مبادراته من خلال رجال مثل عوفر، وأيوب قرا، العضو العربي الوحيد في مجلس وزراء نتنياهو، والمخول من طرفه بلقاء الدبلوماسيين ورجال الأعمال العرب، من القاهرة إلى الدار البيضاء وصولًا لنيويورك، وهي مبادرات صارت تلقى آذانا صاغية وشغفًا عربيًا، وقد أبدت أكثر من دولة خليجية رغبتها في الحصول على نظام القبة السماوية الإسرائيلي المضاد للصواريخ، ولمحت إسرائيل أنها "لا تمانع في ذلك".


ومع تراجع مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، ومع تركيز نتنياهو وحلفائه المحتملين من العرب على التهديد القادم من طهران، التي يراها معظم السعوديين على سبيل المثال "عدوهم الأول"، ومع موجة الثورات المضادة التي تجتاح العالم العربي، والتي وضعت إسرائيل في القلب من المنظومة الأمنية العربية؛ فإن العلاقات التي بدأت وفق قاعدة "عدو عدوي صديقي" من المرجح أنها سوف تستمر وتتطور، فيما يمكننا أن نطلق عليه أكبر اختراق أمني إسرائيلي للمنطقة العربية في تاريخ الكيان القصير، الأكبر والأشد أثرًا.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار