اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/21 الساعة 13:48 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/25 هـ

انضم إلينا
السيسي ليس شريكاً للولايات المتحدة

السيسي ليس شريكاً للولايات المتحدة

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
في التاسع من (أبريل/نيسان)، هاجم انتحاريون كنيستين في مصر، إحداهما في طنطا والأخرى في الإسكندرية، مما تسبب في مقتل نحو 40 شخصاً في قداس يوم أحد الشعانين، أو ما يطلق أهل مصر "أحد السعف". ورغم أن الهجوم كان مروعاً، إلا إنه لا يعتبر مفاجئًا. فتنظيم الدولة الإسلامية -أو ما يعرف بـ "داعش"-، الذي أعلن مسؤوليته عن التفجيرين، قد تعهد في وقت سابق بزيادة هجماته على المسيحيين المصريين. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، ظلت الهجمات على الكنائس المسيحية وعلى قوات الأمن والسياح في ازدياد.

 

جاءت تفجيرات يوم الأحد بعد بضعة أيام من عودة الرئيس المصري، الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي، من زيارته الأولى إلى البيت الأبيض، والتي صاحبتها ضجة احتفالية في وسائل الإعلام المصرية. لقد حاول السيسي تبرير حكمه القمعي من خلال تقديم نفسه كرجل قوي ذي بصيرة، قادر على جلب الاستقرار والازدهار مرة أخرى إلى مصر في أعقاب اضطرابات الربيع العربي. لكن هجمات أحد السعف تكشف خواء هذه الوعود، وتبين كذلك حدود السيسي كحليف للولايات المتحدة.

 

وبصرف النظر عن التساؤل حول مدى أخلاقية مساندة الزعيم الأكثر قمعًا في تاريخ مصر الحديث، لا يعتبر السيسي "البطل المنقذ" كما يحاول أن يصور نفسه. فهو شخصية استقطابية للغاية في مصر، ويعتمد على القمع الشديد والترويج لـ"معجزات اقتصادية" وهمية للبقاء في السلطة. وفي الوقت نفسه، يستخدم السيسي شبح الإرهاب كذريعة لتهميش المعارضين والمنتقدين المحتملين لنظامه العسكري القائم على المحاباة، وعلى الرغم من أن السيسي قد يتعاون مع الغرب للحفاظ على الوضع الراهن في الأجل القصير، إلا أنه ليس شريكًا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق الاستقرار في مصر أو في المنطقة.

 

السيسي ليس عبد الناصر الجديد
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في البيت الأبيض (رويترز)


في مصر، يروج السيسي لنفسه على أنه جمال عبد الناصر الجديد، والقوة السياسية التي يمكنها استعادة العزة الوطنية وتحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي لمصر. في محاولة للترويج لزيارة السيسي الأولى إلى البيت الأبيض، قدمت وسائل الإعلام المصرية الموالية للحكومة صورة زائفة عن احتفاء وسائل الإعلام الغربية بالسيسي. أشادت صحيفة الأهرام المصرية بوصف وسائل الإعلام الأمريكية المزعوم لزيارة السيسي على إنها "لقاء الأشقاء". كما احتفلت صحيفة الشروق الخاصة بـ"حقيقة" أن السيسي حصل على كل شيء كان ينتظره على مدى السنوات الأربع الماضية في ست دقائق فقط في البيت الأبيض: تجديد التزام الولايات المتحدة بالمساعدات العسكرية والاقتصادية، والتصريحات العلنية بالثقة المطلقة في السيسي قائدًا وشريكًا.

 

ولكن في واقع الأمر، انتقدت وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى بقوة دعوة السيسي إلى البيت الأبيض، ذلك لأنها تجاهلت قمعه للمعارضين وتقييد وسائل الإعلام. استمر هذا النقد لمساندة إدارة دونالد ترمب للسيسي في أعقاب تفجيرات أحد السعف. يبقى أن نرى كيف ستستفيد الحكومة المصرية من العلاقات الدافئة مع إدارة ترمب بصورة ملموسة. بعد تفجيرات الأحد، أعلن السيسي تفعيل قانون الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، ومنع وسائل الإعلام من إلقاء اللوم على الحكومة المصرية لعدم بذل المزيد من الجهد لتجنب حدوث هذه الهجمات.

 

يعتبر رد فعل الصحافة المصرية على رحلة السيسي هو الحلقة الأحدث في سلسلة التناقضات، ما بين الدعوة إلى تجديد العلاقات المصرية الأمريكية، وبين تصوير الولايات المتحدة كدولة شريرة حريصة على تقويض سمعة مصر. في الماضي، كان الإعلام المصري يمتلئ بنظريات المؤامرة حول العلاقات الغامضة بين إدارة أوباما وجماعة الإخوان المسلمين، حتى مع سعي الحكومة المصرية لضمان استمرار تدفق المساعدات الأمريكية. أما الآن، يستمر الاحتفال بزيارة السيسي المؤازِرة إلى البيت الأبيض، مع تصوير الحكومة المصرية كطرف مسيطر في علاقتها مع الولايات المتحدة. -حتى أن وسائل الإعلام المصرية وصلت إلى حد الادعاء بأن ترمب فاز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بسبب تأييد السيسي له-.

 

خطاب الحكومة المصرية يكشف ضعفها، وليس قوتها. خاصة في ظل مثل هذه المآسي التي وقعت يوم أحد السعف، لا يمكن الترويج لعبادة شخصية السيسي إلا من خلال الأوهام والأكاذيب التي ترعاها الحكومة، التي تعتمد على القمع الوحشي للأصوات المعارضة من مختلف الأطياف.

 

صورة السيسي في الخارج
قامت الحكومة المصرية بالتعاقد مع جماعات ضغط أمريكية للتسويق لمصر، وتقديم السيسي كزعيم عربي نموذجي للغرب (رويترز)


في الخارج، يقدم السيسي نفسه كزعيم عربي نموذجي صديق للغرب، "مثال الإسلام المعتدل"، الذي يمكنه محاربة التطرف في جميع أنحاء العالم الإسلامي. تحت قيادته، قامت الحكومة المصرية بالتعاقد مع جماعات ضغط أمريكية للتسويق لمصر، والحفاظ على تدفق المساعدات الخارجية بعد الانقلاب العسكري عام 2013. كانت زيارة السيسي إلى البيت الأبيض تتويجًا للجهود الرامية إلى إعادة تركيز العلاقة المصرية الأمريكية على التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وبعيدًا عن الانتقادات بشأن حقوق الإنسان. بعد تفجيرات أحد السعف، أكد البيت الأبيض ثقته في السيسي كزعيم يستطيع التعامل مع الأزمات الأمنية. مثل هذا الإعلان الدولي للثقة مهم للحكومة المصرية، وخاصة أن تفجيرات الكنيسة وقعت قبل بضعة أسابيع من زيارة البابا فرانسيس المقررة إلى مصر.

 

إذا وافقت واشنطن على اعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، فسوف تُطلق يد السيسي في قمع معارضيه إلى أقصى مدى، وربما سيحظى بالمزيد من التعاون من الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد قال العديد من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، بما فيهم منتقدو جماعة الإخوان المسلمين، أنه لن يكون من الحكمة إطلاق هذا الوصف على جماعة الإخوان المسلمين، لأنها تعتبر مظلة فضفاضة تشمل العديد من الجماعات في جميع أنحاء العالم. فقد نبذت جماعة الإخوان المسلمين المصرية العنف منذ عقود، وهي تحظى بدعم من مساحات واسعة من المجتمع المصري، كما إنها وصلت للحكم في 2012. تضخيم الحكومة المصرية الحالية للتهديد الإرهابي ما هو إلا جزء من محاولات السيسي لتصوير نفسه كصاحب رؤية ذي مصداقية دوليًا، وزعيم المسلمين "المعتدلين".

 

تقوم وعود السيسي الأخرى على حلول غير واقعية أو حتى "سحرية" في كثير من الأحيان. فمنذ عام 2013، وعدت الحكومة المصرية بعلاج الإيدز والتهاب الكبد الوبائي سي، وأطلقت مشروعات عملاقة مشكوك فيها اقتصاديًا لتوسيع قناة السويس

ولكن تقديم السيسي لنفسه كنموذج للإسلام المعتدل يخفي الانقسام الحادث حول شخصيته في الداخل. وفقًا لمركز بيو، انقسم المصريين حول السيسي قبل الانتخابات الرئاسية التي أتت به إلى السلطة رسميًا عام 2014. ومنذ ذلك الحين والسيسي يسجن أو يسكت منتقديه، مما يجعله غير مؤهل لتقديم حل سياسي للصراع في مصر، ناهيك عن المنطقة على نطاق أوسع. يستخدم السيسي ما تبقى من وسائل الإعلام المصرية ليقدم نفسه على أنه حصن ضد الفوضى، ويستشهد بما يحدث في ليبيا وسوريا. يدعم السيسي زعماء قمعيين آخرين في المنطقة، يستطيعون السيطرة على القوات العسكرية النظامية، مثل بشار الأسد في سوريا وخليفة حفتر في ليبيا.

 

وعلى الرغم من أن السيسي يقدم نفسه كحارس ضد خطر الإرهاب والفوضى، إلا أن تكتيكاته القمعية تسببت في تفاقم المشكلة. كما يتضح من تفجيرات الكنائس يوم الأحد، لم ينجح السيسي في حل معضلة الأمن الداخلي في مصر. فمنذ البداية، لم يستتب له الأمر سوى من خلال القمع. ووسائل الإعلام المصرية المقيدة بإحكام تستبعد الأصوات المعارضة، وخاصة أولئك الذين لا يتفقون مع ثنائية الحكومة المفضلة: إما التطرف على غرار داعش أو الدكتاتورية العسكرية. في الواقع، محاولة السيسي لوصف خصومه بأنهم إرهابيون أو مثيري قلاقل يسعون لتدمير مصر قد تكون نبوءة تحقق نفسها بنفسها، بما أن المعارضة قد جرمت.

 

وفي الوقت نفسه، وعود السيسي الأخرى تقوم على حلول غير واقعية أو حتى "سحرية" في كثير من الأحيان. فمنذ عام 2013، وعدت الحكومة المصرية بعلاج الإيدز والتهاب الكبد الوبائي سي، وأطلقت مشروعات عملاقة مشكوك فيها اقتصاديًا لتوسيع قناة السويس "ممولة جزئيًا من مشتريات المصريين من شهادات الاستثمار الخاصة"، كما أعلنت عن التخطيط لبناء عاصمة جديدة حديثة جدًا بدلًا من القاهرة التي عفا عليها الزمن. على خلفية إجراءات التقشف الصارمة والمصاعب الاقتصادية، دعا السيسي المواطنين المصريين مرارًا لتحمل العبء كجزء من واجبهم الوطني "إذا تبرع 10 مليون مصري من أصحاب الهواتف المحمولة بجنيه واحد كل صباح من أجل مصر، سيكون لدينا عشرة ملايين كل يوم".

 

مخاطر الشراكة
 
خطاب السيسي في الأمم المتحدة 2016 (رويترز)

 

في الغرب، من المرجح أن تأتي مساندة السيسي بنتائج عكسية على كل من الصعيدين الأمني ​​والاقتصادي. فتأييد السيسي يعني التحيز في الصراع السياسي الداخلي الذي يتطلب تسوية سياسية. سوف يستغل السيسي تعزيز شرعيته الدولية لمواصلة قمع خصومه السياسيين باسم الأمن القومي وترسيخ دور الجيش في الاقتصاد.

 

السيسي شخصية استقطابية للغاية، ومن المستبعد أنه سيستطيع التوصل إلى التسوية السياسية اللازمة للحد من التطرف أو حل المشاكل الاقتصادية عميقة الجذور في مصر، بما في ذلك العمل مع المعارضين السياسيين، والحد من الدولة البوليسية في مصر، والتنازل عن بعض السلطة السياسية والاقتصادية الهائلة للجيش. إن السيسي يدفع بمصر في مسارٍ نحو مجتمع أقل احتواءً بكثير مما كان عليه الحال في عهد مبارك. قد تكون الولايات المتحدة مضطرة للتعامل مع السيسي في الوقت الراهن، وربما تتفق في بعض مصالحها مع حكومته على المدى القصير. ومع ذلك، فإن دعم الحكام المستبدين المعتمدين على المساعدات ليس طريقًا يؤدي إلى الاستقرار أو الرخاء على المدى الطويل.

======================================== 

 المقال من الفورن أفيرز مترجم عن: الرابط التالي

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك