اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/12 الساعة 11:29 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/16 هـ

انضم إلينا
"المُخبر والجنرال".. الجيش والاستخبارات ولعبة السيطرة على البيت الأبيض

"المُخبر والجنرال".. الجيش والاستخبارات ولعبة السيطرة على البيت الأبيض

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
كانت الصدفة وحدها هي التي قادت ضابط البحرية الشاب في مساء ذلك اليوم إلى قاعة الانتظار الواقعة خارج غرفة العمليات في البيت الأبيض. كان الشاب مكلفًا بحمل بعض الأوراق الهامة لوزارة الدفاع، وفي انتظار مقابلة شخص من البيت الأبيض للتوقيع عليها. وأثناء جلوسه في قاعة الانتظار، دارت بينه وبين مجاوره الأكبر عمرًا محادثة قصيرة، بدا آنذاك أن دافعها لم يكن أكثر من كسر بعض الملل المصاحب لدقائق الانتظار الطويلة.

 

تحدث الملازم الشاب عن إتمامه لدراسته الجامعية في جامعة جورج واشنطن، وللمفارقة، فإنها كانت نفس الجامعة التي حضر فيها مرافقه الأكبر سنًا دروس الحقوق الليلية، قبل أن يعمل في مكتب التحقيقات الفيدرالي "FBI" تحت إمرة مدير المكتب آنذاك، ومؤسسه الفعلي، الأخطبوط "إدغار هوفر"، الرجل واسع النفوذ في دوائر السياسة الأميركية وقتها. وقد شجع رجل "الأف.بي.آي" الأربعيني مرافقه الشاب على مواصلة حياته في العمل الذي يحبه، ويجد فيه شغفه.
 

بوب وودورد.. صحفي التحقيقات الذي يلقب بـ"كاشف أسرار البيت الأبيض"

الجزيرة.نت
 

لم تكن تلك سوى نصيحة أبوية عابرة من بيروقراطي خبير لشاب لا يزال يستقبل حياته، أجبرتهما الظروف على الانخراط في ثرثرة عابرة، وبالتأكيد فإنه لا أحد يعلم إذا ما كانت تلك المحادثة القصيرة، وحدها أم لسبب آخر، هي التي دفعت شاب البحرية بعد ذلك ببضعة أشهر إلى ترك عمله القديم، والتقدم بطلب للعمل كمراسل لدى صحيفة واشنطن بوست، قبل أن يجدد اتصاله مع صديقه القديم العابر، كناصح مهني، وربما أيضا كمصدر محتمل للمعلومات لوظيفته الجديدة.

 

سرعان ما وثق رجل التحقيقات في المراسل الشاب، وتطورت علاقتهما سريعًا، وكانت تلك العلاقة علامة فارقة ليس في تاريخ كل منهما فحسب، ولكن في تاريخ الولايات المتحدة بأكملها. لم يكن ضابط البحرية السابق سوى "بوب وودورد"، الذي صار فيما بعد أشهر صحفيي عصره بلا منازع، بعد أن عمل مع زميله "كارل برنستين"، على التحقيق الصحفي ذائع الصيت حول فضيحة "ووترغيت"1، الفضيحة المتسببة في حدث فريد من نوعه في السياسة الأميركية وهو استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه قبل نهاية ولايته. أما رجل "الأف.بي.آي"، فلم يكن سوى "مارك فيليت"، أحد قادة الصف الأول في الجهاز آنذاك، والمصدر الرئيس لـ "وودورد" في التحقيق نفسه، والذي ظل لسنوات يعرف فقط باسمه المستعار «الصوت العميق Deep Throat».

 

ووترغيت أشهر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة، أدت إلى استقالة الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون من منصبه ليصبح الرئيس الوحيد المستقيل في تاريخ البلاد، وتصبح هي رمزا للفضائح السياسية في أميركا والعالم (الجزيرة.نت)


أثارت قضية "ووترغيت" بتفاصيلها بالطبع الكثير من الاهتمام والجدل المتجدد على مدار عقود، ولكن أحدًا لم يتهم مكتب التحقيقات الفيدرالي، أو حتى أي من الوكالات الأخرى الأعضاء في مجتمع الاستخبارات الأميركي المتشعب والأقوى عالميًا، والذي يتكون اليوم من 17 وكالة استخباراتية، بقيادة مؤامرة للإطاحة بـ "نيكسون"، ربما لأن دونالد ترمب، الرئيس الأميركي الحالي، لم يكن حاضرًا بحدته الهجومية في المشهد السياسي في ذلك التوقيت. وغالبًا ما كان يتم التعامل مع مثل هذه التسريبات على أنها نوع من الشذوذ المتفهم عن البيروقراطية الإدارية، يهدف إلى حماية النظام الديمقراطي عبر كشف أوجه قصوره، أو تسليط الضوء على محاولات الاستغلال غير الشرعية للسلطة، فضلًا عن أن يتم التعامل معها على أنها محاولة للانقلاب على النظام أو الإطاحة به، ولكن مع وجود ترمب، تتخذ الأمور في غالب الأحايين مسارات غير متوقعة.


لم يكد ترمب يتم أسابيع قليلة من حكمه قبل أن يتورط في تراشق علني مع مجتمع الاستخبارات الأميركي، تراشق وضع حكومته في مرمى جدل كبير، بعد أن تم تسريب تقارير حول قيام "مايك فلين"، مستشار ترمب المستقيل لشؤون الأمن القومي، بمناقشة موضوع العقوبات الأميركية مع السفير الروسي في واشنطن قبل تولي ترمب مهام الرئاسة.2 في حقيقة الأمر، فإن الجدل بين ترمب ومجتمع الاستخبارات الأميركي، وعلى وجه التحديد وكالة المخابرات المركزية "CIA"، بدأ قبل أن يتولى الرئيس الجديد مهام منصبه رسميًا، حين تم تسريب تقييم سري للوكالة يؤكد قيام روسيا بمحاولة التدخل في نتائج الانتخابات الأميركية لصالح ترمب.3

بالنسبة إلى ترمب ومستشاريه، فإن مثل هذه التسريبات لا تشير فقط إلى وجود خلل بيروقراطي، ولكنها تؤكد وجود "دولة عميقة"4 تقف اليوم ضد الرئيس الجديد وتمثل "تهديدًا حقيقيًا لرئاسته"، كما يرى "ستيف بانون" كبير الاستراتيجيين في الإدارة الجديدة.5 بل إن ترمب نفسه ذهب لمدى غير مسبوق باتهام سلفه، باراك أوباما، بأنه هو من "يدير خطوط هذه الدولة العميقة"، وأنه - أي أوباما- قام بالتنصت على هواتف مكتبه في برج ترمب خلال الأشهر الأخيرة من حملته الرئاسية، داعيًا إلى إجراء تحقيق في الكونغرس حول الأمر، وهو ما حدث بالفعل في جلسة مفتوحة للجنة الاستخبارات في 20 (مارس/آذار) الفائت لعامنا الحالي، بحضور مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق "جيمس كومي"، الذي أكد أن أيًا من مكتبه أو وزارة العدل لم يجدا أي مزاعم حول ادعاءات الرئيس الجديد.

 


لسبب أو لآخر، يريد ترمب من مؤيديه اليوم أن يؤمنوا بوجود قوى خفية تتحكم في السياسة الأميركية خلف المنظومة الدستورية، وهي تتمثل في بعض أفرع البيروقراطية الأميركية وخاصة في جناحها المعلوماتي الممثل في مجتمع الاستخبارات. وبشكل عام لم تكن هذه الفكرة، وإن كانت بصورة أقل حدة، غائبة عن التداول في الأوساط الأميركية في فترات الأزمات السياسية، وهي تعرف اليوم في أكاديميات السياسة الأميركية باعتبارها أحد نظريات المؤامرة الرائجة.

وربما يكون ترمب هو الرئيس الأول الذي يقدم على تبني مثل هذا الطرح، بهذا القدر من الصراحة، ليشعل صراعًا داخل إدارته الوليدة بينما لم يتم بضعة أسابيع في منصبه، لكن الصراع داخل البيروقراطية الأميركية له تاريخ طويل، ربما تدعم بعض فصوله تلك النظرية التي تروج لها اليوم الإدارة الأميركية الجديدة، أكثر مما تدعمه بعض تسريبات الأجهزة الأمنية إلى الصحافة، والتي تثير اليوم ترمب ورموز إدارته بشكل مبالغ فيه. ولعل أبرز من يخبرنا عن هذه الصراعات هو "جون كينيدي"، الرئيس الخامس والثلاثين للولايات المتحدة، الذي تولى السلطة في ذروة الصراع بين بلاده وبين الاتحاد السوفيتي.

 

الشاب والجنرالات
"أول أمر سوف أخبر به خَلَفي أنَّ عليه أن يُبقِيَ عينَهُ على الجنرالات. يجب عليه أن يتجنب الشعور أنه وبسبب كونهم رجالًا عسكريين؛ فإن آراءهم في الشؤون العسكرية لا تقبل المناقشة"

(جون كينيدي في لقاء مع مستشاريه في البيت الأبيض بعد نهاية أزمة الصواريخ الكوبية)


يعرف عهد الرئيس الأميركي "دوايت آيزنهاور"، الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة، على أنه العصر الذهبي «للأنشطة القذرة» لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، التي قامت في عهده بتدبير عشرات المحاولات، الناجحة والفاشلة، للإطاحة بالحكام غير المرضي عنهم في واشنطن، بداية من محمد مصدق في إيران، إلى فيدل كاسترو في كوبا، مرورًا بغواتيمالا وجمهوريات الموز في أميركا الوسطى والجنوبية. وربما لا يكون ذلك مستغربًا بالنظر إلى عمل "آيزنهاور" في مصاف قيادات الجيش العليا خلال الحرب العالمية الثانية، ومسؤوليته عن العديد من العمليات «المشبوهة» خلال تلك الفترة.6

ولكن المفارقة أن "آيزنهاور" نفسه وقف في خطابه الأخير، قبل أن يترك السلطة، محذرًا الأميركيين من مغبّة زيادة نفوذ المجمع العسكري الصناعي في السياسة الأميركية. وكان من المستغرب أن يصدر مثل هذا التصريح من شخص أفنى جلّ عمره، سواءً في الخدمة العسكرية أو كرئيس، في زيادة السلطات الممنوحة للعسكريين لتشكيل السياسة الخارجية للبلاد.7
 

دوايت آيزنهاور، الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة، توفي في الثامن والعشرين من مارس لعام 1969

الجزيرة.نت


وبينما كان "جون كينيدي" يخطو خطواته الأولى إلى البيت الأبيض خلفًا لأيزنهاور، كان العالم في أشد لحظاته قربًا إلى نشوب حرب نووية شاملة، بينما لم يكن "كينيدي" يثق كثيرًا في عسكريي بلاده المولعين بالحرب. وفي المقابل فإن كبار الجنرالات وقتها، وفي مقدمتهم رئيس الأركان "ليان ليمنيتزر"، و"أرليه بورك" قائد القوات البحرية، و"كورتيس ليماي" قائد القوات الجوية، لم يثقوا كثيرًا في قدرة الرئيس البالغ من العمر 43 عامًا على مجاراة التحديات العسكرية الضخمة أسوة بسلفه واسع الخبرة في الشؤون العسكرية.

 

شعر كينيدي بقدر كبير من المفاجأة حول حجم السلطة التي يملكها القادة العسكريون لشن حرب نووية، وفي حوار مع مستشاره للأمن القومي "ماك جورج باندي"، أخبر "باندي" الرئيس أن أي قائد عسكري في البلاد يواجه عملًا عسكريًا روسيًا كبيرًا يمكنه أن يبدأ المحرقة النووية بإشارة منه.8 في الواقع، كانت خطة قصف موسكو بالقنابل النووية جاهزة بالفعل في أروقة البنتاغون، وتضمنت إسقاط 170 قنبلة هيدروجينية على موسكو وحدها، فضلًا عن الصين وأوروبا الشرقية. ولمواجهة رغبة الجيش في استخدام الأسلحة النووية ضد الشيوعيين، دفع "كينيدي" البنتاغون لاستبدال استراتيجية أيزنهاور المسماة بـ "الانتقام الضخم"، باستراتيجية "الاستجابة المرنة"، والتي وضعها المستشار العسكري للبيت الأبيض الجنرال "ماكسويل تايلور" في عام 1959.

 

ولكن الجنرالات واصلوا مقاومتهم في مواجهة ما وصفوه بأنه "تردد كينيدي في استخدام الميزة النووية للأمة"، وكانت كوبا هي ساحة النزال الفعلية بين كينيدي وجنرالاته، قبل أن تكون ساحة للصراع بين الولايات المتحدة وموسكو وهافانا. قبيل وصول كينيدي إلى السلطة، كان البنتاغون والسي آي إيه يضعان اللمسات الأخيرة لغزو كوبا بدعم من واشنطن، يقوم به 1500 شخص من المنفيين الكوبيين للإطاحة بكاسترو، وبينما عارض كينيدي الخطة، لأنها كانت تتعارض مع سياسته الرامية إلى كسب الجماهير في أميركا اللاتينية من خلال المزايا الاقتصادية. لم يكن معارضًا للإطاحة بكاسترو بالتأكيد، ولكنه لم يكن يريد أن تتورط الولايات المتحدة بشكل مباشر في الأمر، لذا فإنه أصر أن يتم الغزو دون غطاء أميركي وهو ما تم قبوله في البداية، قبل أن يضطر كينيدي لقبول تدخل محدود مع الإرهاصات الأولى لفشل العملية التي منيت في النهاية، رغم كل شيء، بفشل ذريع.

 

كانت نتائج العملية مأساوية على واشنطن: قتل أكثر من مائة وتم القبض على 1200 شخص من قوة قوامها 1400 شخص تقريبًا، وتم أسر أربعة طيارين أميركيين شاركوا في القتال، وتم إجبارهم على إخفاء هويتهم والقول بأنهم من المرتزقة، وتم الكشف عن هذه الحقيقة عام 2011 فقط بموجب قانون حرية المعلومات. ولكن ما أهم كينيدي فعلًا هو معرفته فيما بعد أن الاستخبارات الأميركية أخفت عن علمه تقريرًا استخباراتيًا يرجح فشل العملية ما لم تتدخل الولايات المتحدة بالدعم المباشر.9

 

جون كينيدي، الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة، اغتيل في الثاني والعشرين من نوفمبر لعام 1963 (مواقع التواصل)


لم يمض عام على عملية «خليج الخنازير» الفاشلة، قبل أن تصبح كوبا من جديد محطة للصراع بين كينيدي وجنرالاته. شرعت كوبا بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي في بناء قواعد سرية لعدد من الصواريخ النووية متوسطة المدى، والتي يمكن أن تضرب الولايات المتحدة. ومن جديد عادت أحلام الحرب النووية تداعب الجنرالات، ولكن كينيدي كان مصرًا على الاكتفاء بالحصار العسكري، وسلوك السبل الدبلوماسية محتجًا أن السوفييت سوف يردون أي هجوم على كوبا بهجوم مماثل على برلين. وجاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين كينيدي والرئيس السوفيتي نيكيتا خروتشوف، بإنهاء وتفكيك الصواريخ الكوبية، ليعطي كينيدي انتصارًا صريحا في معركته ضد الجنرالات، سرعان ما استغله ليصب جام غضبه المكتوم على رأس مسؤولي "سي آي إيه" الذين اتهمهم بالمسؤولية عن فشل عملية «خليج الخنازير»، والأهم فشل التنبؤ بقيام السوفييت بزرع صواريخهم في كوبا.

 

وفي سابقة تاريخية قام كينيدي بإقالة ثلاثة من كبار مسؤولي جهاز الاستخبارات، وعلى رأسهم "ألن دالاس" مدير الجهاز، ونقل عنه آنذاك قوله الشهير "سأمزق سي آي إيه لألف قطعة ثم أبعثرهم في الهواء"، وربما يكون هذا التداعي الدرامي هو أكبر حجج القائلين بأن كينيدي قد دفع حياته ثمنًا للصراع مع مجتمع الجنرالات والاستخبارات في بلاده. وبدا أن خلف كينيدي، ليندون جونسون، لم يكن على استعداد لمواصلة الصراع ضد البيروقراطية الأمنية، وسرعان ما منح المخابرات التصريح الذي طلبته للقيام بالعملية "فينيكس" ضد الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام، وهي الحرب التي منيت فيها المخابرات المركزية بفشل ذريع آخر.

 

أخطبوط المباحث الفيدرالية
لم تكن حالة كينيدي فريدة من نوعها في الصراع التاريخي بين البيروقراطيين والسياسيين في الولايات المتحدة، رغم كونها الحالة الأبرز والأكثر وضوحًا، والأكثر قدرة على استدعاء السياقات التآمرية. ولكن أخطبوط المباحث الفيدرالية "إدغار هوفر" يعد أقرب النماذج في التاريخ الأميركي لما يمكن أن يطلق عليها «دولة عميقة» بالمفهوم الشائع.10

 

تولى هوفر منصبه لقرابة 40 عامًا نجح خلالها في استغلال قدرته على جمع المعلومات الاستخباراتية لتحويل نفسه إلى قوة سياسية، قوة غالبًا ما كانت تمارس سلطتها ضد المعارضين السياسيين الشرعيين مثل الشيوعيين والناشطين في مجال الحقوق المدنية، وعلى رأس هؤلاء "مارتن لوثر كينغ"، الذي تلقى تهديدات من مكتب التحقيقات الفيدرالي بالكشف عن خياناته الزوجية ما لم يتخل عن نضاله المدني في حقوق السود.
 

إدغار هوفر، مؤسس مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف.بي.آي" وأول رئيس له

مواقع التواصل
 

أدار هوفر برنامج تجسس مشبوه يدعى "سوينتيلبرو" (COINTELPRO)، والذي كان يعد أول برنامج تجسس داخلي بهذا الحجم في تاريخ الدولة الأميركية. وبلغ نفوذ هوفر ذروته في عهد الرئيس ليندون جونسون، لذا فإن نيكسون، خلف جونسون، كان عازمًا على الإطاحة به قبل أن يضطر إلى التراجع، وهو التراجع الذي كشف عن سره بعد استقالة نيكسون، الذي كان يخشى أن يقوم هوفر بإسقاط المعبد عليه وتسريب معلومات حول جهوده السرية في التجسس على خصومه السياسيين.

 

على كل حال، أثار النفوذ الكبير الذي حظي به مجتمع الاستخبارات، داخليًا في التجسس على المعارضين والسياسيين والنشطاء المدنيين، وخارجيًا في قيادة العمليات «القذرة» ضد الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى مطلع السبعينيات، الكثير من القلق داخل الولايات المتحدة، مما دفع الرئيس "جيرالد فورد" إلى تشكيل لجنة برئاسة سيناتور ولاية إيداهو، "فرانك تشارش"، من أجل التحقيق في أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي ودائرة الإيرادات الداخلية، وكانت النتائج التي توصلت إليها لجنة تشارش مثيرة لرعب الأميركيين قبل كل شيء.11

 

بخلاف برنامج "سوينتيلبرو" المدار من قبل المباحث الفيدرالية، كانت وكالة الأمن القومي (NSA) تدير بدورها برنامجها الخاص للمراقبة الذي يدعي "شامروك"12، والذي جمعت الوكالة بموجبه معلومات عن 75 ألف مواطن أميركي حينها، ووظفت خلاله شركات التلغراف الثلاث الكبرى في البلاد، فضلًا عن أن الاستخبارات الأميركية كانت هي الأخرى تدير برنامجها الخاص للمراقبة غير القانونية المعروف باسم "العملية تشاوس". ومع نهاية السبعينيات، أصدر الكونغرس قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، الذي منع وكالات الاستخبارات من التجسس على أي شخص في الولايات المتحدة، ما لم يكن لديهم سبب محتمل للاعتقاد بأن الشخص يعمل لصالح قوة أجنبية. وقبلها بعامين تم تأسيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ للإشراف على عمل مجتمع الاستخبارات كاملًا.

 

الإخوة الأعداء
"داخل كل ديمقراطية هناك بيروقراطية كامنة لديها القدرة على تحدي عمل الإدارة المنتخبة بحكم الاستمرارية والخبرة"

(المنظِّر السياسي فهيم حسين)

 

يشير إرث هوفر، وتلك الحقبة بأكملها، إلى حقيقة أساسية: كلما كان هناك مجتمع أمني أو استخباراتي قوي، فهناك احتمال حقيقي لإساءة استخدام السلطة. لذا ظل الصراع محتدمًا داخل المجتمع الأميركي لتحجيم نفوذ مجتمع الاستخبارات. كانت آخر هذه الخطوات في عام 2004 حين تم استحداث منصب مدير الاستخبارات الوطنية، وهو شخص يتبع الرئيس الأميركي مباشرة ومهمته هي الإشراف على عمل 17 وكالة استخباراتية أميركية.



في عام 2009، كان أدميرال البحرية الأميركية المتقاعد "دينيس بلير" هو من يشغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية، ومع السلطة المفترضة لبلير على جميع وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة، إلا أنه وجد نفسه عاجزًا عن تعيين كبير الجواسيس الأميركيين في أي دولة حول العالم13، وهي المهمة التي يستأثر بها مدير درة تاج مجتمع الاستخبارات الأميركي: وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، إلا أن بلير قرر آنذاك أن يشعل معركة مبكرة لإبراز سلطته، لم يكن يعرف حينها أنها ستكلفه منصبه في نهاية المطاف.

 

قام مدير الاستخبارات الوطنية الجديد بإرسال أمر مكتوب يخوله شخصيًا مسؤولية تعيين كبير الجواسيس، وهو ما لم يعجب مدير سي آي إيه آنذاك، "ليون بانيتا"، الذي أرسل برقية لجميع مكاتبه يطالبهم فيها بتجاهل أوامر دينيس بلير. لم تكن تلك هي المعركة الوحيدة التي خسرها بلير أمام سي آي إيه، فالوكالة الكبرى تمسكت برفضها إخضاع جميع برامجها للمناقشة من قبل مدير الاستخبارات الوطنية، وتمسكت بخطها المباشر التقليدي مع الرئيس، وهو ما حصلت عليه بالفعل.

ليس ذلك فحسب، فمع مقدم عام 2013 طلبت الوكالة تمويلًا بمقدار 14.7 مليار دولار، بعد أن كان تمويلها في عام 1994 لا يتجاوز الـ 4.8 مليارات دولار، مع مطالبات أخرى بتوسيع صلاحياتها في شن حروبها السرية، وتوسيع أسطول الطائرات بدون طيار الخاص بها، وهي المطالب التي حصلت عليها كاملة، مع إقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما في نهاية المطاف بأن "وكالة المخابرات تحصل على ما تريد"، ما دفع بلير في إلى التنحي عن منصبه بعدما عرف أن المعركة خاسرة.

 

تهيمن سي آي إيه اليوم بشكل كبير على سائر وكالات مجتمع الاستخبارات، وعلى وجه التحديد منافسيهم التاريخيين في مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف.بي.آي". ولكن الأمور لم تكن كذلك في منتصف القرن الماضي، حين عهد الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" إلى رئيس المخابرات في زمن الحرب، الجنرال "ويليام دونوفان"، بوضع النواة الأولى لوكالة الاستخبارات الخارجية، وهو ما رآه إدغار هوفر آنذاك تهديدًا لسلطته، سرعان ما حشد كامل نفوذه لمواجهته، وأشاع هوفر حينها في معلومات سربها إلى صحيفة واشنطن بوست أن "دونوفان" يخطط لإنشاء وكالة تجسس فائقة تهيمن على مكتب التحقيقات الفيدرالي.
 

  مدير الاستخبارات القومية الأميركية السابق دينيس بلير (رويترز)


يبدو إذن أن العلاقة بين أكبر رأسين في مجتمع الاستخبارات ولدت متوترة بالأساس، وقد ألقى هذا التوتر بظلاله في أكثر مناسبة لعل أبرزها التحقيق في مقتل جون كينيدي. فعندما أصدرت لجنة وارن، المكلفة بالتحقيق، استنتاجاتها بشأن جريمة القتل فإنها استبعدت وجود دلائل على دور شيوعي، بسبب صراع بين الوكالات على الأخذ بشهادة العميل السوفيتي، يوري نوسنكو، الذي أصر على أن موسكو ليس لديها دور في الجريمة. وبينما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يعتقد أن نوسنكو كان يقول الحقيقة؛ فإن وكالة المخابرات كانت متأكدة أنه يكذب لحماية موسكو.14

لم يكن هذا هو الفصل الوحيد للصراع بين الوكالتين، فنجد أن مكتب التحقيقات لعب الدور الأبرز في الكشف عن إحدى فضائح وكالة المخابرات المركزية، وهي قضية تصدير الأسلحة الأميركية إلى إيران في عهد "رونالد ريغان"، والمعروفة باسم "إيران كونترا"، بعد قيامه بتفتيش مكتب نائب مدير عمليات سي آي إيه، حيث عثر على معظم الوثائق وهو ما أدى إلى توتر العلاقات بين إدارة ريغان ومدير مخابراته "وليام كيسي" من ناحية، وبين مكتب التحقيقات الفيدرالي من ناحية أخرى.

 

دولة عميقة؟
على الرغم من التاريخ المعقد للمنافسة بين مختلف أقطاب البيروقراطية الأميركية، وبين هذه الأقطاب وبين السياسيين المنتخبين وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي نفسه، فإن مفهوم الدولة العميقة، الذي يعني وجود نظام كامل خارج الإطار الدستوري يسعى إلى تقويض الحكومة المنتخبة لم يكن أبدًا قضية مطروحة لوصف دهاليز السياسة الأميركية. في واقع الأمر، فإن المسؤولين الأميركيين يعون جيدًا ماذا تكون الدولة العميقة بحق، منذ قامت المخابرات الأميركية بتدشين "عملية غلاديو" في محاولة لبناء مجموعات شبه عسكرية في جميع أنحاء أوروبا، يمكن أن تكون بمثابة قوة مقاومة في حال الغزو السوفيتي، لنجد أنها وفي تركيا على وجه التحديد، خرجت "غلاديو" عن السيطرة، وانتهى الأمر بإنشاء شبكة مسلحة، كانت أشبه بشبكة أمنية داخل الدولة الأمنية.

 

تسببت نتائج العملية "غلاديو" في تغيير بنية المؤسسات الأمنية التركية، الذي دخلت العديد من قياداتها في روابط مع شبكات الجريمة المنظمة من أجل الإيرادات، وكذلك صنعت روابط مع جماعة قومية متطرفة. وتوسعت الشبكة التي بدأت كجيوب صغيرة شبه عسكرية، في أوائل التسعينيات، لتصبح شبكة فاسدة هائلة تشمل السياسيين وعصابات الجريمة المنظمة ومسؤولي الاستخبارات والجيش، وحتى بعض الحلفاء في النظام القضائي.

ومارست الشبكة حق النقض غير المرئي في السياسة التركية، وكان المسؤولون الذين يعارضونها يخاطرون بوظائفهم وربما بحياتهم. وكان وجود هذه الدولة العميقة موضع جدل كبير في تركيا نفسها حتى عام 1996، حين وقعت حادثة الاصطدام الشهيرة لسيارة مرسيدس بنز كانت تقل مجموعة غريبة تضم نائب رئيس شرطة اسطنبول، وعضو في البرلمان، ورجل عصابات، وهي الحادثة المشتهرة باسم فضيحة "سوسورلوك"، والتي سلَّطت الضوء على هذه الروابط المشبوهة داخل الدولة العميقة.
 


تعد تركيا المثل السياسي الحي اليوم لوصف الدولة العميقة، حيث شهدت البلاد على مدار تاريخها السياسي القصير أربعة انقلابات عسكرية ضد حكومات منتخبة15، وهو اللقب الذي لم تنازعها فيه سوى مصر ما بعد الربيع العربي. ولكن الأمر في الولايات المتحدة نفسها يبدو مختلفًا كثيرا عن هذه الصورة، فما يحدث في الولايات المتحدة هو شكل من أشكال الانفصال بين ما يمكن أن نطلق عليه الدولة السياسية، والممثلة في الرئيس والكونغرس ومجلس الوزراء، والدولة الإدارية الممثلة في البيروقراطية والأجهزة الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، وهي آلية وضعت بالأساس للحد من سلطات السياسيين على إحداث تغييرات راديكالية في البنية الأساسية للدولة الأميركية.

أي أن الدولة العميقة الأميركية هي في أدنى أحوالها شكل من أشكال المقاومة السلبية الذي تبديه البيروقراطية الأميركية لإدخال تغييرات راديكالية في طريقة في عملها، وربما تكون هذه المقاومة مرتفعة نسبيًا مع ترمب خاصة في المعاقل التقليدية لليسار مثل وزارة الخارجية، وفي أقصى أحوالها هي صراع بين مراكز القوى المختلفة داخل النظام الأميركي لمنع تغول بعض هذه المراكز على بعضها الآخر، أو في محاولة لتشبث بعض هذه المراكز بمكتسباتها التي حققتها على امتداد تاريخها السياسي.16


على مدار التاريخ كانت التسريبات دوما سلاحًا شائعًا في صراعات البيروقراطية الأميركية، ولكنها لم تكن يوما دليلًا على وجود دولة عميقة بالمفهوم التقليدي، ترغب في استبدال النخبة السياسية القائمة بطريقة غير دستورية أو ترغب في إفشال مسيرة الرئيس وحكومته. في الحقيقة فإن دونالد ترمب لم يكن مجرد ضحية للبيروقراطية الأميركية، أو لتلك الدولة العميقة التي يصورها، كما يصور، ولكنه استفاد منها أيضًا بل إنه ربما يدين لها بوجوده في منصبه.

 

جيمس كومي، الرئيس السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي "أف.بي.آي"

رويترز
 

كان جيمس كومي، الرئيس (السابق) لمكتب التحقيقات الفيدرالي، هو رجل الشاشة في الأسبوع الأخير قبيل إجراء اقتراع الرئاسة الأميركية الأخير، فبعد أكثر من خمسة أشهر من إعلانه في (يوليو/تموز) الماضي أن مكتب التحقيقات لم ير أي دليل على إدانة المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون في قضية استخدامها وفريقها خوادم خاصة في إرسال بعض رسائل البريد الإلكتروني المهنية بدلا من استخدام خوادم الوزارة17، عاد كومي ليعلن من جديد في 28 (أكتوبر/تشرين الأول) من العام الماضي؛ أي قبل 11 يوما فقط من الاقتراع، أنه بصدد إعادة فتح التحقيق في رسائل جديدة تخص القضية، قبل أن يعود ليعلن مرة أخرى بعد يومين أنه لم يجد شيئا يمكن أن يدين كلينتون.18 خسرت هيلاري انتخابات 8 (نوفمبر/تشرين الثاني) في مفاجأة غير متوقعة، وحمَّلت حملتها مكتب التحقيقات الفيدرالي مسؤولية خسارتها، بسبب تدخله «المشبوه» قبل الانتخابات بأيام.19

 

أما المفاجأة الحقيقية فهي ما أعلنه مكتب التحقيقات الفيدرالي الشهر الماضي من أن المكتب يجري تحقيقات منذ يوليو الماضي (قبل الانتخابات بـ5 أشهر) حول تدخل روسيا لدعم ترمب إلا أنه لم يقم، لسبب لا يزال مجهولا، بالإعلان عن هذه التحقيقات أسوة بما فعله مع كلينتون.20 بينما يخبرنا التأمل في وقائع التاريخ السياسي للولايات المتحدة بملاحظة لا تخلو من طرافة: حين تكون روسيا حاضرة في المشهد الأميركي فإن موقف الرئيس من روسيا هو من يحدد طبيعة علاقته مع مجتمع الاستخبارات وخاصة الوكالتين الأمنيتين الكبيرتين (سي.آي.أيه وأف.بي.آي).

 

ولا تزال (سي.آي.أيه) معقل الصقور المعادين للكرملين الذين لم يكونوا أبدا راضين عن سياسات ترمب بالتقارب مع روسيا وربما كانوا يفضلون فوز كلينتون، على العكس من المكتب الفيدرالي الذي يرى دوما أن المبالغة في تضخيم الخطر الخارجي يعني بالضرورة مزيدا من النفوذ لخصومه في (السي.آي.أيه). أما ترمب، فإنه يعرف، في قرارة نفسه، على الأقل أنه يدين بالكثير لجحافل القوميين البيض في الشرطة الأميركية، التي تعد أبرز المؤسسات التي دفعت صعود ترمب، بإجماع واضح، على ما يبدو.21

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار