اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/9 الساعة 19:05 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/15 هـ

انضم إلينا
100 عام من العزلة.. أنقرة وبوابة الدوحة

100 عام من العزلة.. أنقرة وبوابة الدوحة

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض
في (مارس/آذار) من العام 2015، مرَّر البرلمان التُركي اتفاق(1) تعاون عسكري بين بلاده ودولة قطر يقضي بإمكانية تواجد قوات إحداهما على أراضي الأخرى، ثم تلا ذلك في (أكتوبر/تشرين الأول) من نفس العام اتفاق لتأسيس قاعدة عسكرية تُركية دائمة في قطر، تتسع لثلاثة آلاف جندي تُركي، ومن ثم بدء إيفاد بضعة مئات من الجنود الأتراك لإحدى القواعد القطرية لحين الانتهاء من القاعدة الجديدة.

 

حمل وقوع هذه الاتفاقيات خلال العام 2015 الكثير من الرمزيات التاريخية، إذ أن بضعة أشهر فقط كانت تفصل تركيا عن الذكرى المئوية لانسحاب آخر قواتها العُثمانية من قطر، والخليج بأسره، والذي تم في (أغسطس/آب) عام 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى، وهو انسحاب اكتمل من المنطقة العربية كلُها تقريبًا بحلول نهاية الحرب، ووقوع أجزاء كبيرة من تُركيا نفسها لاحتلال مباشر كتب نهاية الدولة العثمانية.

 

تاريخ معقد جمع آل ثاني أمراء قطر مع الدولة العُثمانية والتي ساعدت قطر على إقامة كيان مستقل في كنف الجزيرة العربية، إلا أن العلاقة بين آل ثاني والعثمانيين لم تكُن دومًا على ما يُرام، فقد وقف(2) الطرفان وجهًا لوجه عام 1893، حين رفض الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني قبول إصلاحات إسطنبول الإدارية، ومن ثم أرسلت عاصمة الخلافة قواتها لإجباره على ذلك قبل أن تلقى هزيمتها هناك.

 

وافق آل ثاني على استمرار وجود القوات العُثمانية في قطر، على أن تصبح قطر مُقاطعة ذاتية الحُكم داخل الدولة العُثمانية، ومن ثم ظلت قوات العثمانيين وأعلامهم في المُقاطعة الجديدة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، لتمنحها أسباب تبلور كيانها الخاص. لعل التاريخ يحمل بعض الأسباب للعلاقة الوطيدة حاليًا بين البلدين كما قد يبدو للوهلة الأولى، لكن إطالة النظر تكشف عن جذور خاصة وعميقة للشراكة الحالية والتي بدأت فقط قبل 15 عامًا، ولا علاقة لها بالضرورة بتاريخهما القديم.

 

البوابة الخليجية

سابقاً؛ اختُزلت مهام تركيا خارجيًا في تحقيق الاندماج الكامل مع المعسكر الغربي، وفي شعار مؤسس الجمهورية أتاتورك "سلام في الوطن، سلام في العالم"، كتجلي لسياسة الانعزالية المضادة للإرث العثماني

رويترز
  
على مدار أعوامها المائة الماضية، اعتمدت الجمهورية التُركية سياسة الانفصال التام عن الشرق الأدنى، والتوجّس المستمر من القوى الصاعدة في الشرق بشكل عام وبالأخص روسيا، في مقابل الاصطفاف بشكل كامل مع الإستراتيجية الغربية، والتي منحت الأتراك مظلة أمنية صلبة بوجه تهديدات السوفييت تارة، وتهديدات النظم القومية العربية سابقًا، القريبة من أهداف روسيا تارة أخرى.
 
لم تمتلك تركيا أية إستراتيجية خاصة بها للتعامل مع دول الشرق الأوسط، بل ويمكن القول بأنها لم تمتلك إستراتيجية لطبيعة دورها في العالم منذ انهيار الدولة العثمانية على الإطلاق، إذ اختُزلت مهام الجمهورية خارجيًا في تحقيق الاندماج الكامل مع المعسكر الغربي، وفي شعار مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك "سلام في الوطن، سلام في العالم"، كتجلي لسياسة الانعزالية المضادة للإرث العثماني.

 

خلال تلك العقود الطويلة، اقتصرت سياسات تركيا في المنطقة على العلاقات القوية مع حلفاء الغرب، لا سيّما إيران البهلوية كشريك في احتواء خطر السوفييت، وإسرائيل كحليف بوجه سوريا ذات العلاقات المتوترة مع أنقرة، بسبب علاقاتها مع السوفييت ومزاعم ملكيتها لولاية هطاي بجنوب تركيا ثم دعمها لحزب العمّال الكردستاني، وهي علاقات وصلت(3) لذروتها عام 1993 حين وقعت تركيا مع إسرائيل اتفاقًا يتيح للأخيرة جمع المعلومات الاستخباراتية عن سوريا وإيران من خلال تركيا، مقابل مساهمتها في تدريب القوات التُركية على أساليب "مكافحة الإرهاب".

 

لم تدُم تلك الأوضاع "الآمنة" طويلًا، وبدأت تتعقّد الحسابات التُركية في مطلع السبعينيات حين سيطرت تركيا على شمال قبرص الناطق بالتُركية، وتوترت(4) علاقاتها مع الولايات المتحدة بسبب خلافاتهما حيال الملف القبرصي، مما دفع بالكثيرين في تُركيا للتساؤل عن مدى التناغم بين تعريفات أنقرة آنذاك لأمنها القومي من ناحية، وسياسات حليفها الأميركي من ناحية أخرى.

 

تعقّدت الأمور أكثر عام 1979 حين قامت الثورة الإيرانية وأطاحت بنظام الشاه، ثم ازدادت تعقيدًا مجددًا بعد حرب الخليج الأولى، حين ظهر تباين آخر بين الموقفين التُركي والأميركي بدعم واشنطن لتبلور منطقة حكم ذاتي كُردية في شمال العراق على عكس مطالب تُركيا حينئذ، وهو نفس الملف الذي أدى لتباين المواقف بين واشنطن وأنقرة إبّان غزو العراق عام 2003، غير أن تركيا على عكس حرب الخليج الأولى لم تكن وحدها بوجه واشنطن هذه المرة.
 

 
قبل ثلاثة أشهر من دخول الرئيس الأميركي باراك أوباما للبيت الأبيض، وقبل أن تُحدث سياساته الجديدة كل الضجة التي أحدثتها في الشرق الأوسط، وتجلب التوترات مع حلفاء واشنطن التقليديين مثل الخليج وتركيا وإسرائيل، وتقترب من عدوّها اللدود في إيران، كان صنّاع القرار في كُل من تركيا والخليج قد بدأوا في وضع أياديهم على قلوبهم بالفعل مخافة انفراط المنظومة القديمة لمنطقة الشرق الأوسط، والتي تأسس عليها أمن كل منهما طيلة أكثر من نصف قرن.

 

لقد كانت توجهات إدارة جورج بوش الابن كاشفة عن تحوّل الخطوط العامة للسياسة الأميركية في القرن الجديد، قبل أن يظهر أوباما على المسرح الأميركي من الأصل، لا سيّما مع قراره بغزو العراق، والذي بذلت(5) الدبلوماسية التُركية ونظيرتها الخليجية جهودًا حثيثة لإثنائه عن القيام به، والتوصّل لحل سياسي مع نظام صدام حسين، لكنها فشلت في النهاية، لتؤدي على مدار خمس سنوات لانهيار النظام العراقي وتوسّع للنفوذ الإيراني جنوبًا بشكّل أرّق كافة العواصم الخليجية، تمامًا كما أرّقت الظاهرة الكردية في الشمال العاصمة التُركية.

 

لم يكن غريبًا اجتماع (سبتمبر/أيلول) عام 2008 بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي، حيث وقع الطرفان مذكرة(6) تفاهم تاريخية أشارت فيها دول الخليج لتُركيا باعتبارها الشريك الإستراتيجي الأول لها خارج منطقة الخليج، وفتحت الباب أمام مفاوضات تدشين اتفاقية تجارة حرّة، وتعزيز التعاون العسكري والأمني، كما أشارت المذكرة لملفات خاصة بكل طرف لأول مرة، مثل حل نزاع الجزر الثلاث بين إيران والإمارات بشكل سلمي، وحل مُعضلة قبرص وفق الأُطُر الدولية، في سابقة على الناحيتين؛ اتجاه تركيا لاتخاذ موقف دبلوماسي لحل نزاع في الخليج، واتجاه الخليج لتبني موقف بخصوص ملف مركزي بالنسبة لترُكيا.

 

غير أن الطرفين لم يتحركا سريعًا لتنفيذ كل ما ورد بالمذكرة على أهميتها، إذ شهدت علاقاتهما صعودًا وهبوطًا في بسبب الثورات العربية عام 2011، كان أبرزها التباين الكبير بين السعودية وتركيا حيال مسألة الموقف من الحركات الإسلامية الصاعدة في العالم العربي، فقد أيدتها الأخيرة بقوة، في حين عارضها الخليج بشكل واضح. كان الاستثناء الوحيد هو دولة قطر، إذ احتفظت الإمارة الصغيرة بمواقفها المؤيدة للإسلاميين، ومن ثم أخذت علاقاتها مع تركيا تزداد عمقًا، حتى باتت قطر بشكل فعلي الشريك الإستراتيجي الأساسي لتُركيا في سياساتها الجديدة تجاه الخليج والشرق الأوسط، قبل أن تتجه السعودية لتفعيل الشراكة الخليجية التركية مجددًا في العامين الأخيرين.

 

"تأثير الدوحة": كيف تبدأ من فوق الصفر بقليل؟
أمير قطر مستقبلا أردوغان أثناء زيارته الدوحة في (سبتمبر/أيلول) 2014 (الأناضول)
  
جرت العادة في تركيا أن يستهل الرئيس الواصل لتوّه للسُلطة مهامه بزيارة رسمية إلى دولة شمال قبرص الناطقة بالتُركية، ثم التحرُّك إلى أذربيجان الأقرب عرقيًا ولغويًا -وسياسيًا أيضًا- لتُركيا، في تجلٍ واضح لمركزية التعريفات القومية للدولة وسياساتها في تركيا. إبان
(7) وصوله لكُرسي الرئيس عام 2014، أضاف أردوغان خلال شهرين فقط زيارة ثالثة إلى العاصمة القطرية، وهي زيارة يُرجّح أنها أضيفت على أجندة الرئيس لتبقى -على الأقل ما دام أردوغان موجودًا في السُلطة- في إشارة لمركزية قطر المتزايدة لتركيا، على عكس الحال خلال الحقبة "الانعزالية".

 

لطالما كانت إسرائيل الشريك النموذجي لتركيا في المنطقة لعقود طويلة، فهي الديمقراطية الوحيدة، كما هو شائع، إلى جانب تُركيا، والاقتصاد الأكثر ارتباطًا بأوروبا والغرب مثل تركيا، والأكثر تحديثًا كذلك، علاوة على تفوّق إسرائيل العسكري وارتباطاته الغربية أيضًا، والذي يتيح لهما معًا هيمنة كبيرة في شرق المتوسط، وتحقيق أهداف مشتركة عدة في المشرق، أبرزها حتى نهاية القرن هو احتواء محور "سوريا-إيران" الضار للطرفين، وخوض الحروب غير المتوازية قبل أن يعرفها الأميركيون من الأصل، والفلسطينيون من جانب إسرائيل، وحزب العمال الكردستاني من جانب تركيا.

 

إلا أن الرؤية التي حملها حزب العدالة والتنمية للسُلطة منذ العام 2002 قلّصت من مميزات الشراكة مع إسرائيل، فباستثناء التعاون العسكري والاستخباراتي القديم والمستمر بين الطرفين، لم تعد إسرائيل شريكًا نموذجيًا في أنقرة، ورُغم محاولة الكثيرين رد ذلك التحوّل للجذور الإسلامية لحزب العدالة، إلا أن السببين الرئيسيَّين كانا رغبة تركيا في استعادة دورها بالعالم العربي، وهي مسألة تتناقض مع اختيار إسرائيل كشريك إستراتيجي بالمعنى الشامل، وثانيهما هو التباينات الآخذة في التزايد بينها وبين عواصم غربية عدة، ومن ثم تضاؤل أهمية توطيد الصلات بشركاء الغرب في المنطقة كما اعتادت واكتفت السياسة التركية في القرن الماضي.

 

لا تنتمي إسرائيل للعالم العربي(8)، وبالتالي لا تمتلك أوراق التأثير الثقافي التي يسع أي دولة عربية نظريًا أن تمتلكها، بالإضافة للكراهية المعروفة تجاهها في المحيط العربي، إضافة لانقطاعها شبه التام عن محيطها اقتصاديًا، فهي أكثر ارتباطًا ثقافيًا واقتصاديًا بالغرب، ولا تملك شراكات تجارية مع بلدان عربية سوى في مجالات محدودة ومع دول بعينها، ومن ثم لا تصبح بأي حال دولة "مفتاحية" في المنطقة، وبل وليست مفتاحية سوى في علاقاتها التقليدية بالغرب الذي لا تحتاج فيه تركيا لشريك من الأساس، بالنظر لانتمائها للاتحاد الجمركي الأوروبي وحلف الناتو.
 

   أمير قطر والرئيس التركي أثناء وضعهما حجر الأساس لمشروع القرية التركية بالدوحة - سبتمبر 2014

 
كان قدوم الأتراك متأخرًا نوعًا ما، فقد سبقهم النظام الإيراني بحوالي عقدين في تدشين روابطه وصلاته السياسية والثقافية ليستفيد منها لاحقًا، كما سبقتهم المنظومة السياسية والاقتصادية في الخليج بعلاقاتها ومصالحها في دول عربية عدة بدءًا من صعودها الاقتصادي القوي خلال الثمانينيات، مقابل تراجع الدور المصري آنذاك، ومن ثم دخلت تركيا في مطلع الألفية إلى تعقيدات النظام الإقليمي العربي دون أن تدري عنه الكثير، أو تملك المقومات الكافية للتأثير فيه، وهو تأثير ظل مقتصرًا على اتفاقيات تجارية قليلة وأثرٍ ثقافي هامشي بغزو الفن التركي للشاشات العربية.

 

هُم أتراك في نهاية المطاف، ومن ثم بحاجة إلى مفاتيح للتأثير عربيًا، تمامًا كما تمتلك إيران مفاتيح مثل حزب الله وغيره من حلفائها الشيعة، بيد أن مفاتيحاً كتلك كانت صعبة على تركيا نظرًا للحاجة إلى إعادة توجيه شاملة لمؤسساتها السيادية من نقيض -الانعزالية والقومية الضيّقة- إلى نقيض -العودة لدورها القديم أو ما سُميَّ بالعُثمانية الجديدة-، وصعوبة إزاحة المنظومة القديمة المهيمنة -ولا تزال جزئيًا- على مؤسسات الدولة التُركية، وهي مؤسسات لم تُزلِها ثورة سريعًا مثل إيران، بل اضطر أن يشتبك معها حزب العدالة في معركة نفس طويل لم تنتهِ بعد.

 

كان من شبه المستحيل أن تلتحق تركيا بركب الصراع الإقليمي بالمنطقة وحدها وتحصل على نصيبها من الكعكة، فلم يساعدها في ذلك وصولها المتأخر، ولا وضعها الداخلي والمؤسسي وصِلاتها المعقدة المستمرة بالغرب، ومن ثم كان صعبًا الانطلاق من الصفر كما فعل الإيرانيون قبل عقدين، وكانت الحاجة إلى شركاء يمنحون أنقرة القفزة المطلوبة للبدء من فوق الصفر بقليل إن جاز التعبير.

 

على الرُغم من صغرها الجغرافي، شكَّلت قطر حلًا نموذجيًا لتلك المُعضلة، فهي دولة عربية أولًا، ومؤثرة ثانيًا بحكم ثرائها، والذي أتاح لها بلورة شبكة إعلامية وثقافية من الأكثر تأثيرًا في محيطها العربي، كما تملك علاقات عديدة مع أطراف فاعلين بالمنطقة لأسبابها الخاصة، أبرزها الحركات الإسلامية النافذة اجتماعيًا، وهي حركات تحفَّظ الغرب عليها طويلًا، ومن ثم ظلت مُتاحة -وتوّاقة في آن- لإيجاد دولة راعية تُعطيها دفعة سياسية في بلدانها، على غرار ما فعل الإسلاميون الشيعة مع إيران في لبنان والعراق.
 

أردوغان أثناء افتتاحه المبنى الجديد للسفارة التركية في الدوحة - ديسمبر 2013

رويترز
 

سنوات قليلة فقط مما يُمكن تسميته بالشراكة الإستراتيجية بين أنقرة والدوحة، تُبرز كيف ملأ كلٌ منهما فراغًا ملحًا لدى الآخر، فقد منحت السيولة المالية الكبيرة لدولة قطر قدرة على دعم الأطراف المحسوبة على تركيا، ليس فقط في المنطقة، بل وخارجها كما تكشف لنا تحركات الدوحة السياسية والاقتصادية في منطقة البلقان المركزية لتُركيا، إذ قامت الدوحة بجهود(9) وزيارات دبلوماسية عديدة مع دول مثل مقدونيا وسلوفينيا والبوسنة، وضخّت استثمارات ضخمة تصُّب لتعزيز النفوذ التركي هناك، وهو نموذج من المنتظر تكراره في مناطق أخرى مهمة لتركيا مثل آسيا الوسطى وأفريقيا(10) اللتين تنشط فيهما تركيا سياسيًا واقتصاديًا كذلك.

 

إضافة لتعزيز صورة تركيا عبر منابر قطر الإعلامية والثقافية، وهو أمر لا تزال تركيا عاجزة عن القيام به منفردة بالنظر للتأثير الضئيل لمنابرها العربية، وأبرزها قناة "تي آر تي" العربية ضئيلة المتابعة مقارنة بالقنوات القطرية، بل وتعزيز نفوذ حزب العدالة والتنمية بشكل غير مباشر في الإعلام التُركي عبر منح الشبكات الإعلامية القطرية دورًا في سوق الإعلام يكسر احتكار اللاعبين الكبار القدامى فيه، كما تكشف صفقة(11) استحواذ شبكة قنوات "بي إن" القطرية على شبكة "ديجي تورك" الأكبر في البث الرقمي بتركيا.

 

بالأمس احتاجت تركيا ظهيرًا لها في الشرق الأوسط، يعزز أمنها وفق رؤيتها الانعزالية والمحدودة آنذاك، ويشاركها روابطها الغربية وهواجسها من النظم العربية خصوصًا والشرقية عمومًا، الأمر الذي وجدته في دولة إسرائيل، أما اليوم وبينما تراجعت عن سياسة "إدارة ظهرها" للمشرق، وبدأت بالبحث عن شريك يملك شبكة نفوذ سياسية وإعلامية وإمكانيات مالية كبرى، فإن بوابة الدوحة، التي خرجت منها للمفارقة قبل حوالي مائة عام، هي التي قررت العودة منها إلى المنطقة. ويبقى السؤال من ناحية الدوحة هو ما تستفيده هي من تُركيا لتقدم لها غطاءً ناعمًا وماليًا بهذا الحجم؟

 

قطر: مُعضلة الخروج من عُنق زجاجة الخليج
في ليلة الأربعاء، الثلاثين من (سبتمبر/أيلول) عام 1992، تحرّكت(12) مجموعة من سكان المنطقة القريبة من الحدود السعودية القطرية، عابرة الحدود من السعودية إلى قطر، غير مكترثة بالحدود الحديثة المرسومة على الخرائط. بيد أن مسؤولين قطريين آنذاك قالوا بأنهم أنزلوا العلم القطري فور دخولهم الأراضي القطرية، وهاجموا نقطة حدودية، وقتلوا اثنين من القوات القطرية.

 

ردت قطر بالانسحاب من التدريبات العسكرية الجارية بين دول مجلس التعاون الخليجي، لكن التوترات الحدودية لم تتوقف بينها وبين السعودية، فتكررت خمس مرات أخرى عام 1994، لا سيّما وقد بدأت محاولات قطر البحث عن صداقات خارج نطاق مجلس التعاون الخليجي بفتح الأبواب لعلاقات خارجية أكثر تنوعا.
 

أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أثناء ترؤسه اجتماعا للحكومة القطرية - أكتوبر 1996 

رويترز
   

كان هدف السياسة القطرية دومًا هو حرية الحركة الدبلوماسية قدر الإمكان، ومن ثم كانت الاستفادة باستمرار من تعدد اللاعبين بالمنطقة للحفاظ على الفرق بين انتماء قطر إستراتيجيًا لكُتلة الخليج، وارتهان قرارها وسيادتها لأطراف نافذة في الإقليم؛ الأمر الذي حاولت الدوحة باستمرار الفكاك منه بتنويع شراكاتها.

 

علاوة على ذلك، كانت قطر ولا تزال عملاقًا(13) في عالم الغاز الطبيعي بالأساس إلى جانب تصديرها المتواضع للنفط مقارنةً بالسعودية والكويت والإمارات، ومن ثم كانت حاجتها لحرية الحركة أكبر لتتمكن من تنسيق سياساتها الخاصة في سوق الغاز وعدم الخضوع لأولويات بقية دول الخليج وسياساتها النفطية.

 

لم يكن غريبًا إذن اهتمام قطر بكل اللاعبين الفاعلين في المنطقة خارج نطاق مجلس التعاون الخليجي، خاصة بعد استلام الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لزمام القيادة السياسية، وحاجته لترسيخ سلطته أمام الرفض الذي ووجه به من بعض دول الخليج في البداية، وتحفظها على آرائه المعروفة عن انتهاج قطر لسياسة خارجية أكثر استقلالاً.

 

كانت مسألة منطقية ونابعة من الظروف الإقليمية الحالية أن تتعامد إذن الإستراتيجيتان التركية والقطرية، وأن تزداد حدة ذلك التعامد بينهما بعد اشتداد موقف الرياض بوجه إيران، والتغيّرات الكبيرة داخل البيت الأبيض والبنتاغون في السنوات الأخيرة

في هذا السياق بلورت قطر شراكتها(14) الخاصة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وبدأت بتدشين إستراتيجية للاستفادة من عوائد الغاز في الاستثمار بالسوق العالمي، ولعب دور إعلامي وثقافي واسع يعزز من ثقلها الذاتي في الخليج، والاهتمام بملف الحركات المعارضة والإسلامية منها بالتحديد، لا سيّما في مصر حيث مالت الدوحة دومًا لإمكانية ابتعاد القاهرة عن الرياض قدر الإمكان لما يشكله من فتح مساحات أوسع لها، ولذلك كان موقفها المؤيد للثورة في مصر ثم لدخول الإسلاميين السُلطة بعد 2011، على عكس بقية دول الخليج.

 

بينما أخذ الدور الأميركي الثقيل في التراجع تدريجيًا، وعاد النظام المصري لموقعه السابق إثر انقلاب (يوليو/تموز) 2013، وتزايدت صعوبة التقارب القطري مع إيران بسبب موقفها ودورها في الأزمة السورية، والضغوط الأكبر التي مارستها السعودية مع دول الخليج للاصطفاف بوجه إيران داخل الخليج والعالم العربي كله، تضاءلت المساحة المفتوحة أمام قطر للحركة سياسيًا في المنطقة، ومن ثم برزت الحاجة المُلحة لشريك إستراتيجي يعيد جزءًا من تلك المساحة.

 

شكّلت تركيا شريكًا نموذجيًا، فهي ثقيلة عسكريًا، وتتمتع بمزايا عضوية حلف الناتو، وهي دولة سُنية يحاول الخليج نفسه أصلًا التقارب معها، ومن ثم لن يتسبب التقارب معها في التوتر بين الدوحة والرياض، كما أنها دولة تهتم بشكل خاص بملف الغاز ومشاريع مروره من آسيا لأوروبا، علاوة على قُربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية وتقدمها الاقتصادي، إضافة لعلاقاتها الجيدة مع إيران في نفس الوقت، والترحيب العربي الذي تلقاه ولو جزئيًا.

 

كانت مسألة منطقية ونابعة من الظروف الإقليمية الحالية أن تتعامد إذن الإستراتيجيتان التركية والقطرية، وأن تزداد حدة ذلك التعامد بينهما بعد اشتداد موقف الرياض بوجه إيران، والتغيّرات الكبيرة داخل البيت الأبيض والبنتاغون في السنوات الأخيرة، لا سيّما وأن الاقتصاد والجيش التركيين -وارتباطاتهما الغربية- باتا نظيرين جيِّديْن لما طمحت الدوحة للحصول عليه دون أن تدفع ثمنا لقاء تحالفات ذات تكلفة باهظة، وهو ما لا يتماشى بصورة أساسية مع إستراتيجية قطر في أن تصبح لاعبا ثقافيا وإعلاميا بصورة مركزية في العالم العربي.

 

أنقرة والدوحة: ما هو أبعد من تميم وأردوغان

   
يجلس الأمير القطري ذو السبعة وثلاثين عامًا ليقود سيارته بنفسه على غير عادة الأمراء والملوك، ويجلس إلى جانبه الرئيس التُركي ذو الأعوام الثلاثة والستين ملوحًا للكاميرات، في لفتة قرر الشيخ تميم بن حمد أن يقوم بها بتوصيل نظيره التُركي رجب طيب أردوغان بسيارته وبنفسه إلى المطار بعد زيارة الأخير الرسمية إلى الدوحة، وهي لفتة يعرف الجميع بالطبع أنها لا تُقدَّم إلا لحليف مقرّب وعزيز على الدوحة.

 

تبدو الشراكة بين الدوحة وأنقرة معلّقة باتجاهاتهما الشخصية، خاصة في حالة الرئيس التُركي، فهُم الداعم الأكبر للثورات العربية التي يقف في القلب منها الإسلاميون، ومن ثم تجمعهما "أجندة" مشتركة على ما يبدو، بيد أن الواقع يشي بما هو أعمق من ذلك، وأن دعم كليهما للثورات ليس سوى قشرة اتجاهات إستراتيجية طويلة الأمد وضعتهما في نفس المربّع بسوريا ومصر، وفي نفس الحاجة لبعضهما البعض في المنطقة، تمامًا كما وضعتهما جنبًا إلى جنب في نفس السيارة بالدوحة.

 

قد تتغير المعطيات حين يزداد تجذُّر المنظومة الجديدة في تركيا، خاصة في مؤسساتها الدبلوماسية والاستخباراتية والعسكرية، وتصبح أنقرة بمرور السنوات أكثر انسجامًا مع عودتها للمنطقة العربية، وأكثر امتلاكًا لأدوات التأثير المباشر خاصتها في العالم العربي، وأكثر وضوحًا في تعريفها لإستراتيجية شاملة لدورها في العالم، تمامًا كما فعلت إيران بعد عقود من ثورتها، وهو أمر سيجعلها أكثر قابلية للابتعاد عن قطر نظريًا، في حين سيبقى القيام بذلك عمليًا معلقًا بجدوى التراجع عنها، وهو أمر غير مرجح في ظل حكومة العدالة والتنمية -بأردوغان أو بدونه- بالنظر للاهتمام الذي توليه للخليج، وما ستظل تمنحه قطر بقاعدتها العسكرية مع أنقرة للتواجد التركي المباشر هناك.

 

حتى ذلك الحين، يستمر "التعامد الإستراتيجي" بين العاصمتين، وهو تعامد جديد ووليد مرحلة ما بعد 2002 -في تركيا والمنطقة على السواء- بشكل عام، ومرحلة ما بعد 2011 بشكل خاص، بعيدًا عن تعقيدات التاريخ غير المفيدة ربما في تفسير ما يجري بينهما، وفي إشارة على أن التاريخ لا يلقي بظلاله دومًا بصورة حتمية، وأن دوره أحيانًا لا يعدو إكساب بعض المواقف رمزية بسيطة، تمامًا كما فعل مع عودة جنود أتراك لقطر لأول مرة عام 2015 بعد مئوية انسحاب أجدادهم من هناك، دون أن يُلقي على الأرض بالضرورة بظلال الحرب بين آل ثاني وآل عثمان قبل حوالي قرن ورُبع القرن.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك