اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/20 الساعة 15:04 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/26 هـ

انضم إلينا
هل حقا تونس غير مهمة إقليميا؟

هل حقا تونس غير مهمة إقليميا؟

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

يذيع بين الخبراء والمحللين في شأن الشرق الأوسط، أن نجاح الربيع العربي في رقعته الوليدة تونس، يرجع إلى كون البلد غير ذي أهمية على المقياس الإقليمي، فلا حدود له مع اسرائيل، أو تماس مباشر له مع مصالح الدول الغربية، فإلى أي درجة هي صحيحة هذه الفرضية؟

 

نص التقرير

في ٢٣ (مايو/أيار)، وأثناء أول زيارة لدونالد ترمب في الشرق الأوسط كان هناك تطور آخر أكثر أهمية يجري في تونس والذي تمثل في إعلان رئيس الوزراء التونسي، يوسف شاهد، الحرب على الفساد في بلاده بعد أن آذن كل من الاضطراب الاجتماعي، والجمود السياسي في الشرق الأوسط بربيع عربي جديد. أتى هذا الإعلان عقب جهود حثيثة في القضاء على الفساد المُهدِّد للديمقراطية في البلاد، والتي تمثلت في القبض على ١٢ فرداً، منهم رجال أعمال بارزون وأحد ضباط الجمارك المرتكبين لعدة جرائم، منها: الرِشى، وتهريب البضائع غير القانونية إلى داخل تونس.

 

مع أن تونس أسقطت ديكتاتورها في ٢٠١١ إلى أن تفشي الفساد فيها كان عقبة أمام نجاح ثورتها. والدليل على ذلك أنه بالرغم من تفضيل عدد كبير من الشعب التونسي لشكل النظام الحالي إلا أن ثلثيه يعتقد أن بلاده ما زالت غير ديمقراطية بالكامل حسب استبيان أجرته المؤسسة الجمهورية الدولية في تونس. سبب ذلك أن البلاد ما زالت تواجه مشاكل عدة في مرحلتها الانتقالية التي لم تكتمل بعد.

 

نتائج غير محسوبة

توصل مشرِّعو القانون في تونس إلى مصالحة مع نظام بن علي، وأعطوا الحصانة لبعض أتباعه السابقين الذين سُجنوا في ظل أوضاع الثورة. وبعيد هذا القرار سمحت الحكومة الحالية لأفراد النظام البائد المشاركة في سلطة تونس الناشئة. مع أن هذا القرار كان محفوفاً بالمخاطر إلا أنه أنقذ الدولة من هلاك دموي كان سيلحق بمواطنيها، مثل ما حدث في ليبيا.

 

كاد هذا الحراك المجتمعي أن يبوء بالفشل، إلا أنه في النهاية أفضى إلى وفاق بين الأطراف تخلى فيه حزب النهضة عن تصدر الموقف، وأجمعت الأحزاب على دستور جديد (رويترز)

 

بعد زوال القبضة الأمنية بانتهاء نظام بن علي فُتحت المساجد من جديد وأصبح هناك حرية تامة للتعبير عن الأديان في الشارع. أثناء الخلافات التي جرت بين الحزب الإسلامي المهيمن ومنافسيه في كيفية مواجهة الإرهاب، والموازنة بين الدين والدولة، واختيار نظام الحكم -برلماني أم رئاسي- داخل لجنة التشريع الوطنية، تدخل الشعب التونسي لحل الشجار بينهم. حيث شجع كل من القطاع الخاص، والنقابات العمالية، ونقابة المحامين التونسية، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان الحوار بين ممثلي الأحزاب السياسية في تونس للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف.

 

كاد هذا الحراك المجتمعي أن يبوء بالفشل، إلا أنه في النهاية أفضى إلى وفاق بين الأطراف تخلى فيه حزب النهضة عن تصدر الموقف، وأجمعت الأحزاب على دستور جديد. الأمر الذي سهَّل تكوين حكومة تكنوقراط في (يونيو/حزيران) ٢٠١٤ وانطلاق انتخابات رئاسية لاحقاً في نفس السنة. وبعد أن كان النصر حليف حزب نداء تونس، العلماني، الذي أصبح مرشحه الباجي قائد السبسي رئيسا للبلاد، تقبل حزب النهضة النتائج برحابة صدر للحفاظ على أمن البلاد في ظل هذه الأوضاع الحرجة.

 

بالرغم من كل هذه الجهود المعنية بالحفاظ على المصلحة العامة إلا أن النتائج لم تكن مرضية للغاية. حيث أن إطلاق سراح المعتقلين الذين كانوا في سجون بن علي لم يقتصر المعارضين السياسيين بل استفاد منه سجناء ذوو توجهات جهادية. كان من نتائجه انضمام ٦٠٠٠ إرهابي تونسي لتنظيم الدولة في دول كالعراق، وسوريا، وليبيا. ولعل تخفيف الدولة قبضتها على المؤسسات الدينية بعد سقوط نظام بن علي أسهم في انتشار الفكر الإسلامي المتطرف والالتحاق بالتنظيمات المتشددة.

 

ما زالت الحكومة التونسية تعاني من عدم التوفيق بين الحرية الدينية والحفاظ على أمن دولة حديثة العهد بالديمقراطية؛ حيث لم يمض عليها أكثر من ٦ أعوام. فمنذ ٢٠١١ كان على تونس التعامل مع قضايا عدة، مثل: الهجوم على السفارة الأميركية، عمليتا اغتيال لشخصيات سياسية، اعتداءات على بعض الثكنات العسكرية والمراكز الحدودية من قبل تنظيم القاعدة، هجومان إرهابيان من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، ومحاولات عدة للتمرد.

  

 جهود الأمن التونسي في مكافحة الإرهاب (رويترز)

 

ويقف وراء عدم القدرة على مواجهة مثل هذه المخاطر أن الجهات المعنية بذلك ما زالت قيد الإنشاء ولما يكتمل تأسيسها بعد. ولعل هذا الوضع الأمني المتردي زاد من وضع المعيشة سوءاً في تونس منذ الانطلاقة الأولى للربيع العربي فيها. وأدى إلى توقف الإنتاج المحلي للفوسفات والغاز منذ فترة، وتأجيل الانتخابات المحلية المنصوص عليها من قبل الدستور الجديد لمرات عدة. الأمر الذي جعل رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات في تونس يستقيل من مهامه احتجاجاً على الأوضاع المزرية.

 

إضافة لما سبق؛ فإن إطلاق سراح بعض الشخصيات التابعة لنظام بن علي تسببت بالعديد من التحديات للحكومة أيضاً. فكان على المحكمة التونسية التعامل مع أكثر من ١٥٠٠ قضية أبلغت عن ٥٠٠٠ موظف حكومي عملوا تحت إمرة بن علي وسُمح لهم باستئناف أعمالهم بعد ثورة ٢٠١١. وهو ما يضعهم تحت عقوبة قانون البلاد المتمثلة بسجن هؤلاء المتهمين من ٣-٦سنوات وردِّ الأموال التي نهبوها من الدولة، إضافة إلى رجال أعمال استغلوا نفوذهم في تجاوزات غير قانونية. لكن النيابة العامة لم تكن دوماً قادرة على إثبات التُهَم المنسوبة للمدانين حيث أن كثيراً منهم قاموا بإجراءات غير مشروعة بأمر ممن هم أعلى منهم منصباً. وقد عانى أداء الحكومة من الجمود نتيجة تخوف العناصر البيروقراطية فيها من وقوعهم تحت طائلة التجريم عند اتخاذهم للقرارات الحاسمة بحق المدانين.

 

ما زاد الطين بلة تأثُر الاقتصاد التونسي بسبب ابتعاد المستثمرين عن أسواق البلاد لسوء تنظيمها. مما جعل الحكومة تفكر بخطة اقتصادية جديدة تتضمن قانوناً جديداً يسمح للمتهمين في نظام بن علي بإرجاع ما قاموا بنهبه من أموال تابعة للدولة لكي يحصلوا مقابل ذلك على حصانة تجنبهم الدخول إلى السجون آملة من ذلك عودة الاستثمارات الحكومية للدوران وجذب رجال الأعمال إلى تونس من جديد. لكن بعض التونسيين والأحزاب السياسية رفضت هذه الخطة تماماً مؤكدين على أهمية إرجاع الحقوق لأهلها وتحقيق العدالة المطلقة في البلاد. بسبب التواصل الحكومي الضعيف، وقلة الأدلة ضد المتهمين بالرشوة ازداد الوضع سوءاً. ومما يؤيد ذلك نصيحة منذر بن عايد -أحد رجال الأعمال الناجحين والمعروف بالنزاهة- لعدد من الشخصيات الاقتصادية البارزة في النظام الحالي، التي اعتبر فيها أن هذا الفساد يكمل ما أفسده تنظيم الدولة في اقتصاد تونس مؤكداً أنه يحتاج إلى مليار دولار سنوياً كي يتحسن، الأمر الذي سيوفر فرص العمل للمواطنين مستقبلاً.

 

مثال آخر على النتائج غير محسوبة العواقب في تونس ما بعد الثورة هو التركيز الكبير على تراضي الأطراف فيما بينهم. مع أن متخصصين في الديمقراطية يؤمنون أن إنهاء الطغيان في البلاد سيكون أسهل فيما لو جرت مفاوضات بين قادة النظام السابق والنظام الديمقراطي الحالي إلا أن الإلحاح الدائم على الإجماع قوّض في بعض المرات عمليات القضاء على النزاع في وضع القوانين. فالحوار الوطني لعام ٢٠١٣ كان حلاً لأزمة سياسية مؤقتة، لكنه في نفس الوقت أعفا أفراد المجلس التشريعي التونسي المُنتخب من إعلان نقاشاته أمام الشعب، مما سبب صعود حكومة غير منتخبة إلى الحُكم في (يونيو/حزيران) ٢٠١٤.

 

 الباجي قايد السبسي يقسم اليمين الدستوري رئيسا لتونس في 31 سبتمبر 2014 (رويترز)

 

كما أن التركيز على الإجماع بين الأطراف جعل الحكومة تتردد أو بالأحرى تتهرب من إجراءات ديمقراطية معينة؛ فقد تداول البرلمانيون محاور التشريع التونسي بسرية، مخافة غضب شعبي محتمل وأنشأوا "لجنة الإجماع" التي تكونت من ممثلين لجميع الأحزاب للاتفاق على بعض التعديلات التشريعية دون أي شفافية. يبدو أن خوفهم من خرق القارب كان سبباً في نسيانهم لدفعه إلى الأمام.

 

ليس ثمة نية واضحة في تغيير هذه السياسة حتى الآن. والدليل على ذلك تأكيد السبسي في الذكرى السنوية للثورة التونسية على أهمية الوصول إلى اتفاق بين الأطراف أثناء الفترة الانتقالية في البلاد. والدليل الآخر تأكيد نورالدين عرباوي رئيس مكتب حزب النهضة والذي قضى ١٧ سنة في سجون نظام بن علي أن حزبه سيستمر في دعم الوفاق بين الأطراف في أي انتخابات محلية قادمة. موضحاً في حديث أجريته معه "يتفق كافة التونسيين على أن المرحلة الانتقالية سوف تتطلب بعض الوقت"، وأضاف عرباوي "٦ أعوام قليلة جداً لتحويل النظام من دكتاتوري إلى ديموقراطي، وفي هذه الحالة سيكون اتفاق الأطراف مهماً لمدة تتراوح ما بين ١٠ إلى ١٥ سنة".

 

الخوف من العودة إلى السجون هو أحد الدوافع التي جعلت عرباوي وآخرين من جيله يتشبثون بهذه الخطة، أما العلمانيون فيرون أنها طريقة لكسب القوة السياسية من جديد. لكنها في النهاية جعلت الأحزاب تخرج عن المسار القانوني، الأمر الذي جعل الشعب التونسي أقل ثقة بالديمقراطية الناشئة في بلادهم.      

 

بعد مقابلتي في مقر حزب النهضة، تناولت الغداء مع بعض العاملين في منظمة "بوصلة" الحكومية. دار أغلب كلامنا حول الوفاق الوطني، فرأيت أن البعض استنكر رأي عرباوي في أن يكون هذا الأمر أولوية الحكومة لأكثر من عقد. فإرضاء جميع الأطراف سيقف عقبة أمام الدورة الديمقراطية المطلوبة التي بموجبها تحصل كافة الأحزاب على فرصة الفوز في الانتخابات. وتأكيداً على ذلك علقت أميرة يحياوي، مؤسِّسة البوصلة، على هذا الأمر "نحن بحاجة إلى انتخابات نزيهة تفوز الأحزاب فيها بجدارة". لكن يبدو هناك بصيص أمل بعد أن اعتقل يوسف شاهد رئيس وزراء تونس بعض رجال الأعمال ومسؤولين متهمين بالفساد.  

 

علي العريض رئيس الوزراء التونسي السابق يجتمع بالسفير الأميركي -السابق- في تونس جاكوب واليس (رويترز)

 

عوائد الاستثمار

في ٢٣ (مايو/أيار) الماضي وبسبب تغطية زيارات ترمب الخارجية، تجاهلت الصحف الحديث طلب وزارة الخارجية الأميركية لموازنة ٢٠١٨ والتي تهدف إلى تقليص المساعدات المقدمة لبعض دول الشرق الأوسط ودول شمال أفريقيا التي تحسنت أوضاعها بعض الشيء، وتوجيهها لدول ذات حاجة أكبر، وفي مقدمتها تونس التي سيقل دعمها بنسبة ٦٧٪ -بميزانية قدرها ٥٤ مليون بدلاً من ١٦٥ مليون دولار-.

 

حقيقة انعدام المشاكل الأمنية منذ بداية ٢٠١٦ أقنعت العديد من أفراد الحكومة أن تونس قادرة على إكمال طريق الديمقراطية وحدها لكن الدلائل تقول عكس ذلك تماماً. فقد لعبت أميركا دوراً كبيراً في تحقيق استقرار تونس ضمن فترة انتقالية معقدة جداً. في ٢٠١٣ قام جاكوب واليس (Jacob Walles) السفير الأميركي -السابق- في تونس بالحد من التوتر الجاري بين الأحزاب السياسية.

 

إضافة إلى ذلك فقد دعّم التدريب الأميركي للشرطة التونسية القضاء على الشغب الحاصل في جنوب البلاد عام ٢٠١٥. كما أن برنامج التدريب التجريبي لأعضاء البرلمان التونسي من قبل الولايات المتحدة الأميركية مكنهم من تطوير التشريع في البلاد وساعدهم على تقبل خدمة المصلحة العامة دون انحياز لأي حزب كان.

 

وفضلاً عن ذلك سعت أميركا لتقديم دعم كامل لكل من وزارة العدل، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع التونسية والذي تضمن تمويل مبانيها للتوسعة، الأمر الذي ساعدها في منع الجماعات الراديكالية التونسية من إرسال مقاتلين إلى العراق وسوريا.

 

عكس ما يؤمن به البعض أن صغر حجم تونس لن يجذب انتباه العالم لها، أرى أنها الخيار السليم لجميع صناع السياسة الذين يبحثون عن استثمار آمن يضمن لهم عائداً أكبر. فتونس هي البقعة المضيئة في ظل هذا الاضطراب الذي نشهده في الشرق الأوسط. مما يجعل دعم المجتمع الدولي لها أمراً مهما جداً خاصة أن ما نالته من ديمقراطية لم يكن سهلاً أبداً ويحتاج لجهد كبير من أجل الحفاظ عليه. 

 

=========================================

 

التقرير مترجم عن مجلة الفورين أفيرز، للاطلاع على المقال الأصلي اضغط هنا

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار