اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/26 الساعة 15:49 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/3 هـ

انضم إلينا
بين حفتر والسرّاج.. من يملأ الفراغ السياسي في ليبيا؟

بين حفتر والسرّاج.. من يملأ الفراغ السياسي في ليبيا؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
منذ سقوط العقيد معمر القذافي في 2011، عانت ليبيا من سنوات من الحُكم غير الفعّال والمختل. توالت سلسلةٌ من الحكومات الضعيفة على طرابلس عَقِبَ الثورة حين تنافست المليشيات القوية للسيطرة على الأرض، وزاد تشرذم البلاد في عام 2014؛ عندما استولى على السلطة سياسيون مدعومون من الإسلاميين والمليشيات المتحالفة معهم بعد انتخابات متنازع عليها في العاصمة الغربية طرابلس، وأجبروا مجلس النواب المنتخب حديثًا على الفرار إلى الشرق، حيث تحالف مع القوات المعادية للإسلاميين الموجودة في شرق البلاد. وعلى الرغم من الاتفاق الذي تقوده الأمم المتحدة والذي نتج عنه حكومة الوفاق الوطني (GNA) في عام 2016؛ واصلت الفصائل المتنافسة في جميع أنحاء البلاد قتال بعضها بعضًا. وَمِن غير المستغرب أنَّ تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الجهادية المتنامية الأخرى استفادوا من عدم الاستقرار السياسي في البلاد، مما أسهم بكفاءة في تحويل ليبيا إلى ملاذ آمن وأرض خصبة للمتطرفين.

 

بالطبع يوجد مجالات شهدت فيها البلاد مؤخرًا بعض التقدم، فقد كان هناك زيادة في إنتاج النفط، وانخفاض في مكاسب بعض الجماعات المتشددة، وإجماع متزايد على الحاجة إلى مراجعة الاتفاق السياسي الليبي الذي ترعاه الأمم المتحدة. ولكن يجب على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بذل المزيد من الجهد للاستفادة من أسلوب العصا والجزرة لجلب الأطراف الليبية المتحاربة ومؤيديها الإقليميين إلى طاولة المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي دائم. قد يكون الهدف الغربي الأساسي في ليبيا هو مكافحة الإرهاب، ولكن نجاحه مرهون في نهاية المطاف باستقرار البلد.

 

خطر عدم الاستقرار

مستفيدًا من المناطق الموالية تاريخيًا للقذافي والتي هُمِّشت بعد الثورة؛ استطاع تنظيم الدولة الحصول على موطئ قدم في مدينة سرت في أوائل عام 2015. وعلى الرغم من نجاح المليشيات المحلية -الموالية لحكومة الوفاق الوطني والمدعومة أميركيًا- في تطهير سرت من تنظيم الدولة في (كانون الأول/ديسمبر) 2016؛ أظهر الهجوم الإرهابي الأخير في مانشستر بواسطة انتحاري ذو صلات ليبية أنَّ الصراع السياسي والعسكري المستمر في ليبيا، إلى جانب ضعف الإدارة المستمر، يجعل البلاد عُرضةً لتوسع تنظيم الدولة. وعلى المدى القصير، سوف يستمر المتشددون سرًّا في جذب الدعم داخل ليبيا، في حين سيشنّون هجماتٍ في الغرب.

 

شن الجيش الوطني الليبي معركة ضد الجماعات الإسلامية في بنغازي، وحاصر جماعات أخرى مماثلة في درنة، واستولى مؤخرًا على أراضي كبيرة في وسط البلاد بالقرب من حقول النفط الليبية (رويترز)


كما حذَّر توماس والدوزر قائد أفريكوم من أن "عدم الاستقرار في ليبيا وشمال أفريقيا قد يكون الخطر الأكبر الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في القارة على المدى القريب". وفي مواجهة هذا التهديد، ستكون رؤية عدم الاستقرار في ليبيا من خلال عدسة مكافحة الإرهاب فقط أمرًا يخلو من الحكمة. مثل هذه النظرة تحجب السبب الجذري الحقيقي للمشاكل في ليبيا: فراغ الحكم، والذي تفاقم في السنوات الأخيرة.
 

أدى التفكُّك السياسي في البلاد إلى تفاقم انعدام القانون على أرض الواقع. ففي غرب ليبيا، تحفظُ المليشيات المختلفة الأمن في عدة بلديات، كما أن حروب العشائر تعتبر أمرًا شائعًا لأنها تتنافس للهيمنة على شبكات تهريب البشر والوقود المُربِحة. بينما تُسيطرُ حكومة الوفاق الوطني بالكاد على العاصمة طرابلس، وذلك من خلال المليشيات التي تتبعها اسميًا فقط. على الرغم من أن حكومة الوفاق الوطني نجحت مؤخرًا في دفع بقايا الحكومة -التي تحتوي على بقايا البرلمان الذي يسيطر عليه الإسلاميون والذي انتُخِب عام 2012- خارج العاصمة، إلا أن الأمر استغرق وقتًا طويلًا، كما إن هذه الفصائل المتنافسة لا تزال تمثل تهديدًا لطرابلس. وفي الوقت عينه، يتوافق المشير خليفة حفتر -ضابط عسكري سابق من عهد القذافي- وجيشه الوطني الليبي -يتكون في معظمه من المليشيات الشرقية المناهضة للإسلاميين- مع مجلس النواب في الجزء الشرقي من البلاد، والذي يرفض بدوره الاعتراف بحكومة التوافق الوطني.

 

وقد شنَّ الجيش الوطني الليبي معركةً ضد الجماعات الإسلامية في بنغازي، وحاصر جماعات أخرى مماثلة في درنة، واستولى مؤخرًا على أراضي كبيرة في وسط البلاد بالقرب من حقول النفط الليبية. ومما يزيد من تعقيد الحالة الدعم المُقدَّم من أطرافٍ خارجية لمختلف المليشيات للحرب بالوكالة. على الرغم من أن اللاعبين الإقليميين الرئيسيين مثل مصر والإمارات العربية المتحدة يدعمون بالقول حكومة الوفاق الوطني، إلا أنهم قدموا دعمًا لوجستيًا وعسكريًا كبيرًا لحفتر وقواته، ما عزز موقفه المفسد للسلام. و يتفاقم هذا الاضطراب بسبب الأزمة الاقتصادية الليبية؛ إذ أدَّى التفاوت الكبير بين أسعار الصرف الرسمية والسوق السوداء ونقص سيولة الدينار الليبي إلى وجود اقتصاد غير مستقر للغاية، والمدعوم بالكاد من إنتاج النفط غير المنتظم.

 

 الرئيس الفرنسي ماكرون يقف بين الجنرال خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق فايز السرّاج (رويترز)

 

وعلى الرغم من هذه الأوضاع المشؤومة والغائمة، شهدت ليبيا العديد من بوادر التطورات الإيجابية في الأشهر الأخيرة. في أوائل شهر (أيار/مايو) 2017، تمكن داعمو حفتر في القاهرة وأبوظبي من الجمع بين رجل الشرق القوي وبين ورئيس مجلس الوزراء فايز السرّاج للمرة الأولى منذ أكثر من عام. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق رسمي، فإن الاجتماع الذي أعرب خلاله حفتر عن استعداده للمشاركة في الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في عام 2018، يعكس إجماعًا متزايدًا على أنَّ الصراع في ليبيا يتطلب حلًا سياسيًا وليس عسكريًا. كما أقرَّت بعض القوى الموالية لحكومة الوفاق الوطني في مصراتة -والتي عارضت من قبل بشدة أي مشاركة لحفتر- بأنه سيؤدي حتمًا دورًا ما، وإن لم يكن محددًا، في الحكومة الليبية المستقبلية. وبالإضافة إلى ذلك، وافقت جماعة سرايا الدفاع عن بنغازي، وهي جماعة متشددة عملت مع القوات المدعومة من حكومة الوفاق الوطني لمحاربة حفتر، على حلّ نفسها والانضمام للقوات المسلحة الشرعية في (حزيران/يونيو). وفي الوقت نفسه، عززت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني من سلطتها في طرابلس من خلال طرد القوات المعادية لها.

 
وبالإضافة إلى هذه التحسينات الأمنية والسياسية، شهد إنتاج النفط في البلاد ارتفاعًا مؤخرًا. إذ تمكنت المؤسسة الوطنية للنفط، التي يقودها التكنوقراط مصطفى صنع الله؛ من تجنُّب الانغماس في الخلاف السياسي في البلاد، والتفاوض على تسويات مع الجهات الفاعلة المحلية والدولية لإعادة فتح حقول النفط وتسوية النزاعات التجارية الدولية. وعلى الرغم من التحديات التقنية المستمرة، بلغ إنتاج النفط الليبي مؤخرًا مليون برميل يوميًا، وهو تقدم كبير لمؤسسة النفط الوطنية، ودلالة على أن إنتاج النفط في البلاد يمكن أن يعود إلى مستويات ما قبل الثورة.

 

الحاجة إلى دعم غربي

الفرصة المتاحة للغرب للاستفادة من هذه التطورات الإيجابية تنفد سريعًا. فالخلافات الخارجية، مثل الخلاف الدبلوماسي المستمر في الخليج العربي بين قطر والمجموعة التي تقودها السعودية؛ يمكن أن تحدَّ من التقدم نحو المفاوضات. إذ تؤيد قطر والمجموعة التي تقودها السعودية وكلاء متعارضين في ليبيا. وعقب قرار المجموعة بقطع العلاقات مع قطر، تَبِعَهُم على الفور مجلس النواب الشرقي الذي يتهم الدوحة بتمويل الإسلاميين المتطرفين في ليبيا. وقد يشجع داعمو حفتر والحكومة الشرقية؛ وهما الإمارات العربية المتحدة ومصر؛ على مواجهة المصالح القَطَرية المتصورة في ليبيا من خلال زيادة الدعم لحفتر. وأشار الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر إلى أنه قد يكون مضطرًا للانسحاب من المصالحة نظرًا لموقفه المُجابِه لقطر، والتي اتهمتها المجموعة السعودية بمساعدة الإرهابيين في ليبيا. وفي هذا الصدد، قد تميل قوات حفتر إلى مهاجمة غرب ليبيا في محاولة لإضعاف حكومة الوفاق الوطني، كما أن الردَّ العسكري من كُلٍّ من الجماعات المتشددة المُناهِضَة لحفتر والمليشيات الموالية لحكومة الوفاق الوطني يمكن أن يُشعِلَ حربًا أهلية واسعة النطاق.

 

 الرئيس الفرنسي ماكرون مع حفتر والسرّاج والمبعوث الأممي الجديد غسان سلامة (على اليسار) (رويترز)

 
أما بالنسبة للنفط، فإن زيادة الإيرادات الناتجة من ارتفاع الإنتاج يمكن أن تكون نعمة عظيمة للبلد ويمكن أيضًا أن تؤدي إلى مزيد من المنافسة وعدم الاستقرار. وحتى لو تمكَّنت ليبيا من مواصلة مستواها الحالي من الإنتاج -وهو احتمال غير مؤكد في أفضل الأحوال- فإنَّ البلد سيواجه تحديات اقتصادية خطيرة، بما في ذلك نضوب الاحتياطيات الأجنبية، والافتقار إلى الهياكل الاقتصادية والمالية الأساسية، بالإضافة للسوق السوداء الكبيرة. وأظهر انقطاع التيار الكهربائي الكبير هذا الشهر العواقب الخطيرة للبنية التحتية الضعيفة في ليبيا.

 

لقد حان الوقت للغرب كي يتخذ دورًا قياديًا في دفع المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة بشأن ليبيا إلى الأمام بدلًا من التعامل بشكل مجزأ مع التهديدات الأمنية مثل الإرهاب والتطرف والتهريب والهجرة. ولا يمكن الإبقاء على "وضع عدم الاستقرار الثابت" الحالي في ليبيا، ولا سيما في ضوء التوترات الإقليمية المتزايدة. وينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيون الاستفادة من تعيين المبعوث الخاص للأمم المتحدة غسَّان سلامة مؤخرًا لإضفاء الإحساس بالإلحاح على المفاوضات المتوقفة. يجب أن يكون هناك حَلٌّ سياسيٌّ لتحقيق الاستقرار في البلاد، والتي إذا تُركت كما هي الآن ستؤدي إلى استمرار تمدد تنظيم الدولة، وبالتالي، المزيد من الهجمات الإرهابية في الغرب.

 

تعكس ميزانية ترمب المقترحة لعام 2018 لوزارة الخارجية الأميركية إعطاء الأولوية للأمن على الدبلوماسية. هذا نهج خاطئ؛ لأن تركيز ترمب المحدود على هزيمة تنظيم الدولة لن يكون فعَّالًا في معالجة عدم الاستقرار الكامن الذي يغذّي الجماعات الإرهابية في ليبيا وفي أماكن أخرى. يجب أن تفهم إدارة ترمب أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه من خلال عمليات مكافحة الإرهاب والقوة العسكرية وحدها. وإذا لم يتم الوصول إلى حل في ليبيا، فهذا الأمر يعني أن البلاد ستبقى بؤرة للمتطرفين المناهضين للغرب، ومصدرًا إقليميًا لعدم الاستقرار، ودولة فاشلة.

 

===================================================

  

الموضوع من الفورين أفيرز مترجم عن: هذا الرابط

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك