اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/5 الساعة 10:16 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/11 هـ

انضم إلينا
محبة الضرائر.. جذور العداء بين السعودية والإمارات

محبة الضرائر.. جذور العداء بين السعودية والإمارات

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
لا يمكننا أن نجزم هل كان الخامس من (يونيو/حزيران) لعامنا الحالي تاريخًا مقصودًا بذاته، من قبل الثلاثي الخليجي، لإعلان فرض الحصار الدرامي غير المسبوق على "قطر"، أم أنها كانت فحسب إحدى مفارقات التاريخ الساخرة التي كثيرًا ما تذهب طي النسيان. في مثل ذلك التاريخ قبل 18 عامًا، وتحديدًا عام 1999، كان وزير الدفاع السعودي الأمير "سلطان بن عبد العزيز"، الرجل الثاني في المملكة بعد ولي العهد آنذاك الأمير "عبد الله"، يجاهد للسيطرة على انفعالاته الواضحة في إحدى الإطلالات الصحفية نادرة الحدوث لأمير مخضرم، لا يشعر بالألفة في حضرة وسائل الإعلام، شأنه شأن أبناء جيله من الأمراء السعوديين. كان جليًا أن ما يحدث هو أمر خطير وغير مألوف استدعى إثارة كل هذا الغضب من أمير يعرف الجميع أنه ولي العهد المنتظر للبلاد، وحامل أختام قوتها العسكرية، والكثير من مفاتيحها السياسية أيضًا.

 

على عكس ما قد يتبادر للأذهان للوهلة الأولى، فإن المسألة المثارة كانت خليجية بامتياز، وكان تهديد إحدى دول مجلس التعاون بالانسحاب منه تجاوزًا غير مسبوق في الأعراف الخليجية، فضلًا عن إشاعة خلافات البيت الداخلية إلى العلن. ولكن أبوظبي لم تفعل ذلك فحسب، ولكنها قامت، للمرة الأولى ربما، بتقديم شكوى ضد الرياض لدى الولايات المتحدة عبر الحديث إلى "مارتن إنديك"، وكيل وزارة الخارجية الأميركية، معربة عن غضبها من سلوك السعودية، ومتهمة إياها بالتخلي عنها في نزاعها مع إيران حول ثلاث جزر إستراتيجية(1)، سيطرت عليها طهران مطلع السبعينيات، وموضحة أن التخلي جاء كثمن لرغبة القيادة السعودية في الاستجابة لإشارات التقارب القادمة من الضفة الفارسية.

 

بالنسبة للقيادة السعودية، كان السلوك الإماراتي تجاوزًا واضحا للخطوط الحمراء(2)، لذا فإنه كان كافيًا لاستفزاز الأمير "سلطان" لشن هجوم حاد علني على أبوظبي، متهما إياها بإثارة "نزاعات صبيانية"، ومطلقًا عليها وصف دولة "نصف إيرانية"، حيث تقوم بنصف معاملاتها التجارية مع طهران، كما أن "نصف سكانها من الإيرانيين أو ذوي الأصول الإيرانية"، وفقا لما قاله "سلطان" آنذاك.

 

 الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والشيخ زايد آل نهيان 1999 (رويترز)

 

بيد أن الأمير المخضرم لم يعرف أنه كان يلعب النرد مع التاريخ في حديثه الصاخب ذلك اليوم. فبخلاف مصادفة التاريخ المشؤوم، وحتى بغض الطرف عن حجم المفارقة في موضع النزاع نفسه، والذي كان متعلقًا، للغرابة، برغبة السعودية في التقارب مع إيران، ودفاع أكثر أمراء المملكة تشددًا ضد طهران عن هذا التقارب باعتباره يصب في مصلحة دول الخليج، فإن أمير قطر السابق "حمد آل ثاني" المغضوب عليه وعلى بلاده اليوم من قبل فرقاء الأمس بدعوى علاقته بطهران، كان هو من قاد جهود الوساطة والصلح بين الغريمين(3)، أبوظبي والرياض، عبر سلسلة متتالية من الزيارات المكوكية بينهما.

 

لم يكن ذلك التصادم الصارخ أكثر من قمة جبل جليدي لنزاع متجدد، وعميق الجذور، بين المملكة الكبيرة المحافظة وجارتها الصغيرة الأكثر تحررًا. وكانت صافرة التصادم قد أطلقت بالفعل قبله بعدة أشهر من نفس العام المذكور 1999، وتحديدًا في (مارس/آذار)، وفي موطن يعرفه السعوديون والإماراتيون جيدًا: "خور العديد". كانت الرياض تستعد لتدشين حقل "شيبة" النفطي، في محفل كبير توافد إليه وزراء الدول النفطية حول العالم، وقادة شركات النفط ورموز المراكز المالية العالمية، في غياب وجه مألوف للغاية بالنسبة للجميع، لم يكن سوى وزير النفط الإماراتي وقتها "عبيد سيف الناصري".

 

لم يكن "الناصري" هو الوزير الخليجي الأوحد الذي تغيب عن مراسم تدشين الحقل السعودي فحسب، ولكن بلاده ذهبت إلى أبعد من ذلك، بمقاطعة مؤتمر وزراء الخارجية والنفط لدول مجلس التعاون الخليجي، مؤتمر أقيم على خلفية تدشين الحقل الكبير الذي تطالب أبوظبي بحقوقها فيه، معلنة تجدد صراع تاريخي يضرب بجذوره في أعماق الجغرافيا السياسية في المقام الأول. وفي حين لم تصمد مغامرة التقارب الإيراني السعودي طويلًا(4)، مع رحيل "محمد خاتمي"، وقدوم "أحمدي نجاد" إلى قمة سلطة طهران السياسية، فإن نزاع الغريمين الخليجيين لم يتوقف، خاصة بعد رحيل رئيس الإمارات الأول ومؤسسها الشيخ "زايد آل نهيان"، ومرور الحكم إلى أبنائه، الرئيس "خليفة بن زايد"، وولي العهد وحاكم الإمارات الفعلي "محمد بن زايد"، ووزير الخارجية "عبد الله بن زايد" وإخوتهم، والذين بدوا منذ اللحظة الأولى أقل تسامحًا في مواجهة الهيمنة الأبوية التقليدية للرياض على مجلس التعاون الخليجي، وأقل استعدادًا للتنازل عما يرونها "حقوقًا تاريخية" انتزعتها الرياض عنوة في لحظة ضعف تاريخية للإماراتيين. رفض هيمنة رافق السياسات الإماراتية العليا حتى اليوم.

 

التمرد

"الإمارات والسعودية خاضا 57 معركة ضد بعضهما البعض خلال الـ 250 عامًا الماضية. السعوديون ليسوا أصدقائي الأعزاء، لكنني مضطر إلى التعاون معهم"

(ويكيليكس، نقلًا عن "محمد بن زايد" بتاريخ 31 (يوليو/تموز) 2006)

 

في عام 2001، بثت قناة الجزيرة القطرية شهادة تاريخية، أثارت ضجة واسعة، للأمير السعودي المتمرد "طلال بن عبد العزيز" في البرنامج الشهير "شاهد على العصر". تناول خلالها وقائع تاريخية رآها القادة السعوديون إساءة للملك المؤسس والد الأمير "طلال"، على شاكلة تلقيه أموالًا وأسلحة من البريطانيين. تسببت الشهادة في اندلاع أزمة دبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وقطر، سحبت على إثرها الرياض سفيرها من الدوحة لستة سنوات كاملة في عام 2002. على الطرف الآخر، كانت المفاجأة هي أن "محمد بن زايد" ولي عهد أبوظبي لم ير الخلاف السعودي القطري أكثر من "مشكلة عابرة"، نظرًا لاشتراك البلدين في "الجذور الوهابية" من وجهة نظره. وفي حوار له مع الدبلوماسي الأميركي ريتشارد هاس عام 2003 سربته ويكيليكس لاحقًا(5)، رأى "ابن زايد" أن النزاع الأكبر في الخليج يدور بين بلاده والرياض، ويتعلق بالمقام الأول بحقل "شيبة" النفطي.

 

   الأمير طلال بن عبد العزيز في برنامج شاهد على العصر

 

ومع تجاوز النزاع النفطي كعنوان حديث نسبيًا للخلاف، فإن نظرة "ابن زايد" المرتابة تجاه السعودية تضرب بعمقها في بعدي التاريخ والأيديولوجيا، وهي تستند إلى تاريخ من العداوة المذهبية بين القبائل الوهابية في نجد، والتجار المالكيين في الإمارات، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، قبل حتى أن يبدأ الصراع الفعلي بين آل سعود و آل نهيان في عام 1810، عندما سيطر "آل سعود"، الذين كانوا يسيطرون بالفعل على معظم شرق شبه الجزيرة العربية، على واحة "البريمي"، البيت التقليدي لآل نهيان، ولؤلؤة الرعاة والصيادين في هذا التوقيت، وليبسطوا سيطرتهم عليها لقرابة 150 عامًا. ومع هذا التاريخ من التنافس المذهبي والعداء القبلي، كان من الطبيعي أن تفرض النزاعات الحدودية نفسها بعد اكتشاف النفط في شبه الجزيرة العربية عام 1932، وبداية ترسيم الحدود في شرق الجزيرة لاحقًا بعد ثلاثة أعوام.

 

ظل التجاذب بين الطرفين مستمرًا حتى مطلع السبعينيات، يشتعل حينًا ويخفت حينًا، تتخلله المناوشات والمفاوضات وسياسة العُصي والجزر. ففي عام 1952، على سبيل المثال، وبعد 20 عامًا من تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وقبل 20 عامًا أيضًا من قيام الدولة الإماراتية التي كانت قبائلها لا تزال خاضعة للوصاية البريطانية، رفض الشيخ زايد آل نهيان(6)، نجل حاكم أبوظبي في ذلك التوقيت، رشوة بقيمة 42 مليون دولار من السعودية مقابل التخلي عن مطالبات أبوظبي باستعادة واحة "البريمي"، وهي الرشوة التي سجلت في موسوعة غينس آنذاك كأكبر رشوة في التاريخ على الإطلاق.

 

ظلت "معاهدة جدة" قيد السرية حتى عام 1995، وخلال هذه الفترة فشلت عشرات المحاولات من الشيخ زايد للتفاوض مع الملك "خالد"، ومن بعده الملك "فهد"، لاستعادة حقوق أبوظبي في حقل "شيبة"، الذي يقع 20% منه في الأراضي الإماراتية، فضلًا عن استعادة الاتصال البري مع قطر عبر "خور العديد"

على مدار الأعوام التالية، شهدت "البريمي" نزاعات عسكرية متعددة، وتبادل كلي وجزئي للسيطرة بين الطرفين حتى عام 1968 مع رحيل بريطانيا، حيث سارع الملك السعودي "فيصل" لبسط سيطرته على الواحة، في محاولة لفرض الأمر الواقع على الإمارات المتصالحة التي كانت تخوض مفاوضات أولية لتشكيل دولتها الجديدة. ومع إعلان تأسيس دولة الإمارات مطلع السبعينيات، كانت أبوظبي تشعر بالامتعاض بسبب تعمد السعودية تجاهل الحكومة المركزية الناشئة، وإصرارها على التعامل بشكل منفصل مع كل إمارة في محاولة لإضعاف وحدة الاتحاد. ونكاية في "زايد"، قام الملك فيصل بتزويد قوات الأمن الناشئة في إمارة "رأس الخيمة" بالمستشارين والمدربين بعيدًا عن مظلة أبوظبي، كما حافظت الرياض على علاقاتها التجارية مع إمارات الشارقة ورأس الخيمة ودبي، واحتكرت توظيف القضاة في هذه الإمارات، فضلًا عن سياستها المعتادة بإنشاء المراكز السعودية التقليدية للدعوة والإرشاد.

 

أسهمت السياسات السعودية في تقويض الحكومة المركزية الجديدة في أبوظبي، والتي أيقنت أنها بحاجة ماسة إلى الاعتراف السعودي من أجل رفع يد الرياض عن إمارات الاتحاد، وهو ما دفع الشيخ زايد عام 1974إلى توقيع اتفاقية جدة(7)، والتي وافقت السعودية بموجبها على الاعتراف بالاتحاد الإماراتي والتنازل عن سيطرتها على واحة "البريمي"، مقابل اعتراف أبوظبي بأحقية السعودية في منطقة "خور العديد" على الحدود بين أبوظبي وقطر والسعودية، مضحية بذلك بنقطة الاتصال البري الوحيدة بين الإمارات وقطر، ومتنازلة عن حقوقها في استخراج النفط من حقل "شيبة" الضخم، الذي صار 80% منه واقعًا تحت سيطرة السعودية بحكم الترسيم الحدودي الجديد.

 

ظلت "معاهدة جدة" قيد السرية حتى عام 1995، وخلال هذه الفترة فشلت عشرات المحاولات من الشيخ زايد للتفاوض مع الملك "خالد"، ومن بعده الملك "فهد"، لاستعادة حقوق أبوظبي في حقل "شيبة"، الذي يقع 20% منه في الأراضي الإماراتية، فضلًا عن استعادة الاتصال البري مع قطر عبر "خور العديد". ومع وفاة الشيخ زايد في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2004، قامت القيادة الإماراتية الجديدة على نحو متزايد، وبصورة علنية، بالإفصاح عن رغبتها في إعادة النظر في أجزاء من اتفاقية عام 1974، التي يعتقد "محمد بن زايد" أن والده وقع عليها بالإكراه مقابل الاعتراف بالأمة الجديدة، ولم يقم الاتحاد الإماراتي بالتصديق عليها كما ينص دستور البلاد. ورغم أن معاهدة السبعينيات لم تتناول ترسيم مياه "خور العديد"، حيث لا تزال الحدود البحرية بين الإمارات والسعودية غير محددة إلى الآن، إلا أن الرياض قامت في عام 2005 بتعطيل مشروع طرحته القيادة الإماراتية الجديدة لإنشاء جسر يربط أبوظبي بقطر فوق مياه "خور العديد"، ما تسبب في إغضاب الرئيس "خليفة بن زايد" وولي عهده "محمد"، غضب دفع القيادة الإماراتية إلى نقل تراشقها مع السعودية من تلك المحطة إلى طور جديد غير مسبوق.

 

الوشاية

جاء الرد الإماراتي عام 2006 في الكتاب السنوي الذي تصدره الدولة للتعريف بنفسها. وقد شمل كتاب ذلك العام خريطة تصور حدود أبوظبي ممتدة من حدود قطر الجنوبية بما يشمل "خور العديد"، ما مثل رفضًا موثقًا وصريحًا لاتفاق جدة. ولم تكتف الإمارات بذلك فحسب، ولكنها سارعت إلى طباعة الخريطة الجديدة على ظهر بطاقة الهوية الخاصة بالدولة.

 

 

في عام 2009، صعّدت الإمارات من تمردها على القيادة السعودية لمجلس التعاون الخليجي، حين بادرت إلى الانسحاب من الاتحاد النقدي الخليجي، وهي اتفاقية كانت تهدف لإصدار عملة خليجية موحدة، اعتراضًا من أبوظبي على تمسك الرياض باستضافة البنك المركزي الخليجي المقترح(8)، التشبث الذي فسرته أبوظبي بأنه مساعٍ معتادة من الرياض للهيمنة على التكتل الخليجي. كانت تلك الخطوة هي التي فجرت من جديد بركان العداء المكتوم بين الطرفين، حين استجابت السعودية لاحقًا بتعطيل عبور أكثر من ألفي شاحنة إماراتية كانت متجهة إلى السعودية وقطر عبر معبر "الغويفات"(9)، ما تسبب في تلف الكثير من محتوياتها. كما قامت باستثناء الإماراتيين من مبادرة الدخول المتبادل بين دول الخليج باستخدام بطاقات الهوية وليس جوازات السفر، بدعوى أن تصميم الخريطة على ظهر بطاقة الإمارات لا يتطابق مع الحدود المقررة بموجب معاهدة جدة، قبل أن يتطور الخلاف مطلع عام 2010 إلى تصعيد غير مسبوق، حين قامت البحرية الإماراتية بفتح النار على زورق سعودي صغير زعمت أنه اخترق المياه الإماراتية في "خور العديد"(10)، وتم أسر البحارة السعوديين في أبوظبي لعدة أيام قبل أن يتم تسليمهم إلى السفارة السعودية.

 

بيد أن سياسة "اللا تسامح" الإماراتية في التعامل مع السعودية، والتي مثلت قطعية واضحة ومتعمدة مع إرث زايد الأب، لم تكن وليدة محض إستراتيجية جديدة لأبناء زايد الساعين إلى إثبات وجودهم على طريقتهم الخاصة، بقدر ما كانت تعبر عن إرث واضح من عدم الثقة التي تصل إلى حد الاحتقار من قبل أبناء زايد، وعلى وجه الأخص ولي عهد أبوظبي الحالي، تجاه السعوديين. فمنذ صعوده إلى ولاية العهد مع تولي أخيه "خليفة" حكم البلاد عام 2004، لم يفوت محمد بن زايد أي فرصة لإظهار اشمئزازه من النظام السعودي، ومحاولة قلب الطاولة عليه في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، الذين يجد بن زايد أريحية غير معهودة في الحديث حول أفكاره معهم، وفقما ظهر في عشرات البرقيات التي سربتها ويكيلكس، وقمنا بالاطلاع عليها في ميدان بشكل مستقل.

 

 

"مجموعة من الأمراء الهرمين عديمي الكفاءة القادمين من الماضي، وغير القادرين على التغيير، ونظام فاسد يتم التحكم به من قبل رجال الدين، وشعب ينتظر الولايات المتحدة لتغير له حكومته، ومنبع خصب لتصدير الإرهاب والتطرف": تلك هي صورة القيادة والشعب السعودي من وجهة نظر ولي عهد أبوظبي كما أظهرتها برقيات ويكيليكس. فضلًا عن الازدراء الشخصي الذي أظهره "محمد بن زايد" لبعض كبار الأمراء في السعودية، وعلى رأسهم ولي العهد الأسبق الأمير "نايف بن عبد العزيز"، الذي شبهه "ابن زايد" بالقرد في أحد البرقيات.

 

وبخلاف هذه النظرة التي يغلب عليها الازدراء لكل ما هو سعودي، تظهر أحاديث ولي عهد أبوظبي ووزير خارجيته الكثير من القلق الأيديولوجي الخاص حول نفوذ رجال الدين السعوديين، ليس في المملكة العربية السعودية فحسب، ولكن في الإمارات نفسها. واستنادًا إلى هذا القلق، فإن "محمد بن زايد" سارع إلى استثمار فرصة الخلاف الأميركي السعودي، بعد أحداث الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول)، للتعريض بالنظام السعودي لدى واشنطن، بداية من التلويح بخضوع قرارات المسؤولين السعوديين لتأثير رجال الدين "المتطرفين" كما قال، وصولًا إلى الإفصاح عن مخاوفه الشخصية من امتداد هذا التأثير إلى بلاده حتى الجيش الإماراتي نفسه، الذي ظل "ابن زايد" يعتقد أنه ربما يكون أكثر ولاءً لرجال الدين السعوديين من ولائه للقيادة الإماراتية.

 

تظهر أحاديث "ابن زايد" الفياضة إلى المسؤولين الأميركيين أيضًا أنه لا يفرق كثيرًا بين الخطر الأيديولوجي الذي تمثله جماعة "الإخوان المسلمين"، وبين "السلفية الوهابية"، ففي حين أن "جون جينكيز"، السفير البريطاني السابق لدى السعودية والإمارات، يرى أن "محمد بن زايد" هو أكثر من يكره الإخوان المسلمين في العالم، فإن المسؤولين الأميركيين في سفارة أبوظبي كانوا يرون أن السعوديين هم ثاني ألد أعداء "ابن زايد" بعد إيران(11)، أو بتعبير "ابن زايد" نفسه "ليسوا حلفائي ولكني مضطر إلى التعامل معهم".

 

الاختراق

"تبنى بن زايد، أحد أغنى الرجال في دول الخليج، الأمراء بندر ومتعب ورئيس الديوان الملكي خالد التويجري، الذي عمل أيضًا كحاجب، يقرر من يحظى بلقاء الملك ومن يتم رفضه، وأنفق بن زايد عليهم أموالًا ضخمة"

("تسفي برئيل"، محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس)

 

بخلاف نظرة "الاشمئزاز" الإماراتية تجاه القيادة السعودية "الهرمة"، والتي كشفتها أحاديث حكامها العفوية مع المسؤولين الأميركيين، لا يفوت ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، ولا حاكم دبي "محمد بن راشد آل مكتوم"، اليوم أي فرصة من أجل الإشادة بالعاهل السعودي الملك "سلمان عبد العزيز"، البالغ من العمر 81 عامًا، وقيادته. على سبيل المثال، قام "محمد بن راشد" العام الماضي بإطلاق اسم الملك "سلمان" على شارع الصفوح(12)، أحد أبرز شوارع دبي، في لفتة احتفاء واضحة. ولكن هذا الفصل من الغزل السياسي العلني الذي نشاهده اليوم لا يمكن أن يُفسر لماذا كان "ابن راشد" و"ابن زايد" نفسيهما أبرز الغائبين عن جنازة العاهل السعودي الأسبق "عبد الله بن عبد العزيز"، فيما بدا أنه لفتة احتجاجية موجهة ضد الملك الجديد، "سلمان" نفسه.

 

 

لم يكن "محمد بن زايد" يشعر بالكثير من الرضا حول ما جرى في السعودية صبيحة ذلك اليوم، حيث ظهر أن أوامر العاهل السعودي الجديد قد أطاحت بكل ما خطط له حاكم الإمارات الفعلي على مدار أكثر من عامين(13). فأولًا تم طرد رجل "ابن زايد" الأول في السعودية: "خالد التويجري" رئيس الديوان الملكي، مباشرة قبل دفن الملك الرحل، وكانت الضربة الأكبر هي تعيين الأمير "محمد بن نايف"، نجل الأمير "نايف" الذي شبهه بن زايد بالقرد يومًا، وخصم "ابن زايد" الأكبر في المملكة، في منصب ولي ولي العهد السعودي، وتم تهميش الأمراء المقربين من ولي عهد أبوظبي في ذلك التوقيت، وعلى رأسهم الأمير "متعب بن عبد الله"، نجل العاهل السعودي الراحل وقائد الحرس الوطني، والذي كان يُعد لخلافته.

 

وجدت الرياض وأبوظبي نفسيهما في سفينة واحدة من جديد لأول مرة منذ زمن طويل. بيد أن ولي عهد أبوظبي كان أكثر حرصًا على ألا يكون السعوديون ربان تلك السفينة كما كان الأمر في عهد والده (الأوروبية)

 

كانت خطة تصعيد "متعب بن عبد الله" قد تمت هندستها من قبل "خالد التويجري"(14)، رجل البلاط الأول في عهد الملك الراحل، وأحد مهندسي التقارب بين الرياض وأبوظبي على خلفية الربيع العربي. دفعت الانتفاضات العربية غرماء الأمس إلى نسيان خلافاتهما وزيادة التعاون العسكري والأمني بينهما على خلفية التهديدات المشركة لعروشهما، حيث نشرت الإمارات والسعودية قواتهما معًا تحت مظلة درع الجزيرة، 1000 جندي سعودي و500 جندي إماراتي، في البحرين في عام 2011 لتقديم الدعم لأسرة آل خليفة الحاكمة، وتعاونا معًا في ليبيا واليمن. وفي كثير من هذه الحالات، كان هذا التعاون يتجاوز بكثير الاتفاقات البروتوكولية التي يدعو إليها مجلس التعاون الخليجي.
 

في عام 2013، أسس البلدان أكاديمية الخليج للدراسات الإستراتيجية والأمنية، وهو مركز فكري مختص بالشؤون الأمنية تم تكليفه بوضع مبدأ أمن إقليمي، ويقع مقره في أبوظبي. كما ناقش البلدان مشروع تطوير شرطة خليجية مشتركة "إنتربول خليجي"، وكان القرار السعودي بدعم استضافة الإمارات لهاتين الهيئتين محاولة واضحة للتغلب على مخاوف الهيمنة السعودية التي ظهرت قبل أعوام خلال تجربة الاتحاد النقدي(15).

 

بفضل المخاوف المشتركة، وجدت الرياض وأبوظبي نفسيهما في سفينة واحدة من جديد لأول مرة منذ زمن طويل. بيد أن ولي عهد أبوظبي كان أكثر حرصًا على ألا يكون السعوديون ربان تلك السفينة كما كان الأمر في عهد والده، لذا فإن "ابن زايد" عمد إلى تعزيز نفوذه من خلال رجال نافذين في البلاط الملكي مثل "التويجري"، ومن خلال بناء علاقات مع بعض الأمراء السعوديين النافذين مثل رجل الاستخبارات الأول "بندر بن سلطان"، الذي منح استثمارات تقدر بالملايين في أبوظبي، وكذا "متعب بن عبد الله"، نجل الملك وأقوى شخص في البلاد في ذلك التوقيت.

 

لم يكن مستغربًا إذن أن يشعر الإماراتيون بالاستياء من عودة السديرين(16)، وعلى رأسهم "محمد بن نايف"، لتصدر المشهد في المملكة من جديد، وهو ما عكسه التمثيل المتدني للقيادة الإماراتية في جنازة الملك الراحل، وكذا تغطية وكالة الأنباء الرسمية الإماراتية للقرارات الملكية آنذاك، حيث شككت في صحة تعيين "محمد بن نايف" ولياً لولي العهد، وقالت إن سلمان لم يستشر هيئة البيعة في ذلك، وإن اختيار محمد بن نايف من بين العديد من الأحفاد المهمين أثار انتباه المراقبين، وكذا قيام وسائل الإعلام المصرية التي تتلقى تمويلًا من أبوظبي بتبني رواية مشابهة.

 

انهار كل شيء فجأة إذن وبجرة قلم. كان ولي عهد أبوظبي يهدف إلى تشكيل ائتلاف سعودي إماراتي(17)، من أبناء جيل الشباب، لفرض خطته السياسية في المنطقة، تمامًا كما فعل في بلاده حين أحكم قبضته على السلطة من خلال بناء علاقات مع أبناء جيله من الأمراء، مثل "محمد بن راشد"، بهدف تجاوز الخلافات التاريخية بين الآباء. ولكن الآن جاء الملك سلمان ليطيح بلوبي "ابن زايد" في السعودية، أو ما وصفها "تسفي برئيل" محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس العبرية بأنها "عصبة ابن زايد المتآمرة"، لتدخل العلاقات على مدار أسابيع أحد منعطفاتها الأسوأ في التاريخ، قبل أن يتدخل القدر ليحيي من جديد طموحات الإماراتيين، من باب لم يكن متوقعًا وفي القلب من القيادة السعودية الجديدة التي لم تكن، للوهلة الأولى، متوافقة بأي شكل مع أبوظبي.

 

لا يعرف بالتحديد متى وكيف تطورت العلاقة بين ولي عهد أبوظبي، وبين وزير الدفاع السعودي وولي العهد الحالي الأمير "محمد بن سلمان"، إلا أن تقارير أشارت إلى قمة كامب ديفيد الخليج خلال عام 2015

واس

 

الهيمنة

"إلى أي حد يمكن لرجل قوي أن يغير بلدًا؟" كان هذا هو السؤال الذي طرحه الباحث الأميركي شادي حميد في مقاله في مجلة "ذي أتلانتيك" الشهر الماضي حول العلاقة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبلاده(18). بينما السؤال الذي يتعين علينا أن نطرحه اليوم على وجه الدقة هو: إلى أي مدى يمكن لرجل قوي أن يغير بلدًا جارة أكثر قوة، من الناحية النظرية على الأقل، من قلب بلده؟

 

يُفضل "محمد بن زايد" أن يكون محظوظًا على أن يكون أكثر ذكاءً كما أسر بنفسه إلى أحد المسؤولين الأميركيين، ويبدو أنه ما قاله كان يحمل قدرًا من الصدق. ففي الوقت الذي بدا فيه أن نفوذ "ابن زايد" في السعودية انهار فجأة، بعد أن عامله نظام الرياض كمسؤول من الدرجة الثانية، ورفض استقباله في المملكة لمناقشة التدابير النهائية لعملية عاصفة الحزم لمدة 10 أيام كاملة(19)، في (مارس/آذار) من العام 2015، واكتفت بمشاركة رمزية إماراتية في حرب اليمن، كان الكثير من الحظ مطلوبًا حتى يعثر "ابن زايد" على فتاه الجديد في الرياض، في القلب من النخبة الحاكمة الجديدة التي لم تكن بأي حال صديقة لأبوظبي.

 

تتقهقر الرياض التي طالما تولت زمام التحكم في الخليج اليوم إلى المقعد الخلفي، وصارت مضطرة للاستسلام إلى خطط أبوظبي في جنوب اليمن، بما في ذلك القبول بنفوذ رجال "ابن زايد". وربما لا يمانع "ابن سلمان" اليوم في دفع جزء من حصة العرش في اليمن، فضلًا عن إقدامه على توجيه ضربة لمجلس التعاون الخليجي بحصار قطر

لا يعرف بالتحديد متى وكيف تطورت العلاقة بين ولي عهد أبوظبي، وبين وزير الدفاع السعودي وولي العهد الحالي الأمير "محمد بن سلمان"، إلا أن تقارير صحفية أشارت إلى أن إشارات التقارب بين الرجلين نشأت في قمة كامب ديفيد الخليج خلال عام 2015، في وقت لم تكن فيه العلاقات السعودية الإماراتية في أفضل أحوالها، وهي العلاقة التي يبدو أنها تعززت مع زيادة مشاركة الإمارات في حرب اليمن، واقتراب "ابن سلمان" من العرش مع تعيينه وليا لولي العهد في (أبريل/نيسان) لنفس العام 2015. ويبدو أن العلاقة تطورت أسرع مما يظن الجميع، فلم يكد عام 2015 ينتصف حتى كان "ابن زايد" يروج لـ "ابن سلمان" لدى الإدارة الأميركية، في محاولة ربما للالتفاف على خصمه "محمد بن نايف". في ذلك التوقيت، تولت "سوزان رايس"، مستشارة الأمن القومي في إدارة أوباما، رئاسة وفد صغير من كبار المسؤولين في البيت الأبيض لزيارة "ابن زايد" في منزله في ماكلين بولاية فرجينيا(20). وخلال الاجتماع، وفقًا للعديد من المسؤولين الذين حضروا، فقد حث "ابن زايد" المسؤولين الأميركيين على تطوير علاقتهم مع "ابن سلمان".

 

يصف الباحثون والصحفيون اليوم العلاقة بين "ابن سلمان" و"ابن زايد" بأنها أشبه ما يكون بعلاقة التلميذ بأستاذه(21). هي أبوية جديدة إذن باستثناء أن الأب هذه المرة يقع في أبوظبي وليس في الرياض. وللوهلة الأولى لا يمكن تجاهل البصمات الإماراتية الواضحة التي ينتهجها "ابن سلمان" في السعودية، بداية من ملامح برنامجه الاقتصادي، مرورًا بطموحاته العسكرية، وصولًا إلى الاهتمام بتسويق نفسه في واشنطن، واتخاذ قفزات إيجابية ملحوظة في العلاقة مع "تل أبيب" خلال فترة زمنية قصيرة(22)، وليس نهاية بتقليم التأثير التاريخي لرجال الدين في السعودية، عبر تقليص نفوذ الهيئة والتضييق على الدعاة الأكثر نفوذًا.

 

يبدو أن الوصفة تنجح إلى الآن(23)، فالأمير الشاب، حليف أبوظبي، صار على بعد خطوة واحدة من تولي العرش بعد أن نجح في الإطاحة بغريمه من السلطة، وهو يحظى بقبول كبير لدى الإدارة الأميركية الجديدة، وهو يدين بالكثير من الفضل فيه لأستاذه. لكن لا شيء يأتي بلا بثمن، وفي كثير من الأحيان يكون الثمن باهظًا.

 

تتقهقر الرياض التي طالما تولت زمام التحكم في الخليج اليوم إلى المقعد الخلفي، وصارت مضطرة للاستسلام إلى خطط أبوظبي في جنوب اليمن، بما في ذلك القبول بنفوذ رجال "ابن زايد" هناك على حساب الرئيس هادي الذي تدعمه الرياض نفسها. وربما لا يمانع "ابن سلمان" اليوم في دفع جزء من حصة العرش في اليمن(24)، فضلًا عن إقدامه على توجيه ضربة لمجلس التعاون الخليجي بحصار قطر. تكتمل اليوم دورة كاملة في العلاقات السعودية الإماراتية، بدأت بتمرد جيل جديد من الحكام في الإمارات على الهيمنة السعودية التاريخية، وانتهت إلى لحظة من نشوة القوة لدى أمير إماراتي خمسيني، يفخر اليوم أنه نجح في توظيف شبكة من الأموال والمؤامرات المظلمة من أجل التلاعب بنصف أنظمة المنطقة العربية على الأقل، ويبدو أن الرياض حتى الآن لم تكن استثناءً من ذلك.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك