اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/1 الساعة 16:27 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/9 هـ

انضم إلينا
لماذا يعتبر الليبراليون أنفسهم حماة الديمقراطية؟

لماذا يعتبر الليبراليون أنفسهم حماة الديمقراطية؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
في لحظات غياب اليقين العلنية وهبوب رياح التغيير حول العالم فإن الليبراليات الغربية -بالتعريف الواسع للكلمة- ترتدُّ على ذاتها مُركِّزة مخاوفها على صراع داخلي مدمر بدلًا من التركيز على التهديد الخارجي. خلال الحرب الباردة والحربين العالميتين لم ير الليبراليون عدوًا حقيقيًا للغرب إلا عدوًا قادمًا من الداخل؛ من الغرب نفسه؛ فالبربرية الألمانية وُلدت من رَحم الثقافة والأدب والعلم والتكنولوجيا الألمانية العبقرية؛ والاشتراكيون الملاحدة زحفوا من بين الركام الذي تركته الحضارة الغربية في ساحة المعركة؛ ونخبة المثقفين العالميين استسلموا للوهم القائل بأن ماركس ولينين وحتى ستالين حلَوا مشكلة التقدم الاجتماعي. كما يلاحظ فرانك ورن في الليبرالية والشيوعية لم يقتنع كل اليسار الغربي بأن ازدهار العلم يعني غياب الحرية. لكن هذه النزعة بلغت أوجها. قال لينكولن ستيفين في تصريحه الشهير من الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين "لقد رأيت المستقبل وهو يعمل" واصفًا "مفهوم الحرية" بأنه "خاطئ، ويعبر فقط عن سكرة ناتجة عن استبدادنا الغربي".

 

واليوم نرى امتداد نفس أنماط التفكير بشكل طبيعي، مسفرةً عن صعود حركات اليمين القومي والشعبوي في كل أنحاء الغرب، هذا الصعود الذي جسده الرئيس دونالد ترمب. واليوم مرة أخرى يدق ليبراليو الغرب نواقيس الخطر، متهمين هذه الحركات بأنها تهدّد النظام الديمقراطي الغربي من الداخل وليس الديمقراطية فقط. في إحدى افتتاحيات صحيفة النيويورك تايمز كتب أستاذا نظام الحُكم في جامعة هارفارد ستيفن ليتفسكي ودانيال زيبلات أن "الديمقراطية الأميركية لا توشك على الانهيار" لكن "الإشارات التحذيرية حقيقة" كما تظهر دراساتهما "والخطر الذي نواجهه" بتعبيرهما "لا يكمن فقط في رئيسٍ ذي ميول معادية لليبرالية بل في انتخاب مثل هذا الرئيس بينما القيم الحامية للديمقراطية الأميركية في أضعف حالاتها" -مثل قيم المعارضة السياسية الشرعية والتي يرفضها اليمين الصاعد-.

 

لا يجب أن يفوت الليبراليون حقيقة أن خصومهم القوميون يسعون لحكم أكثر ديمقراطية وليس أقل؛ ويُعارضون النظام الليبرالي العالمي بسبب الطريقة التي خذل بها الطموحات التي تميزت بها الحياة الديمقراطية

رويترز
  

وبالرغم من أن التاريخ يظهر أن هذه المخاوف نادرًا ما تكون غير عقلانية، لكن في هذه الحالة بالتحديد تحمل هذه المخاوف بداخلها بذرة الوقوع في خطأ مفاهيمي خطير، يخلط بين المقاومة القوية الجديدة للنظام النيوليبرالي العالمي المترنح وبين الهجوم على أسس الديمقراطية السياسية. هذه القومية الجديدة لا تأمل ولا تطمح لتدمير نظام الحُكم الديمقراطي بل تركز على إسقاط خصائص النظام الليبرالي الذي وكما يعترف الكثير من الليبراليون بفخر أفقد السياسة القومية قوتها وتأثيرها. لنكون واثقين فإن خطوط التماس الحقيقية لهذه المعارك يمكن تشويشها بواسطة المحنة الحالية التي تتعلق بالتأثير الروسي السلبي على الانتخابات الأميركية في 2016. لكن لا يجب أن يفوت الليبراليون حقيقة أن خصومهم القوميون في اليمين يسعون لحكم أكثر ديمقراطية وليس أقل ويعارضون النظام الليبرالي العالمي بسبب الطريقة التي خذل بها الطموحات التي تميزت بها الحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة. الديمقراطية السياسية ليست اختراعًا ليبراليًا كما يود الليبراليون الاعتقاد. هذه القناعة التي يعتنقها المدافعون عن النظام الليبرالي العالمي أودت بهم بكل بساطة إلى الخوف من انهيار منظم للديمقراطية.

 

بالتأكيد أن هناك أسبابًا تدعو للقلق على صحة الديمقراطية الليبرالية في الغرب. يشير عدد متزايد من الأدلة أن هناك نفورًا جيليًا حادًا من القيم السائدة مثل حرية الرأي وتداول الحكم والتي اعتبرها الليبراليون الغرب لمدة طويلة مضمونة باعتبارها ديمقراطية بشكل عام. في العشر سنوات الماضية شهد مؤشر مؤسسة فريدوم هاوس الشهيرة انخفاضًا سنويًا للحقوق السياسية والحريات المدنية أو كلاهما في العديد من الدول حول العالم. وتظهر دراسة جديدة أجراها العالمان ياشا مونك وروبرتو ستيفان فو أنه بالكاد ثلث جيل الألفينيات -الذين ولدوا بعد 1980- في الولايات المتحدة يؤمنون بضرورة العيش في ظل نظام ديمقراطي.
 
كتب الباحثان في جريدة الواشنطن بوست أن "القطاعات الأصغر في الديمقراطيات العتيقة في الغرب لا يولون أهمية أقل للعيش في ظل الديمقراطية فقط بل إن جزءًا كبيرًا منهم لا يؤمن بالمؤسسات الديمقراطية." في حين يرجعان نمو هذه المشاعر المعادية للديمقراطية إلى نزعة معادية لليبرالية، يعترفان أنه في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة "عبرت هذه الطاقة عن نفسها في شكل دعم شعبي قوي لمرشحي اليسار الشعبوي" وعلى شكل معارضة لدونالد ترمب والبريكسيت. دليلهم الأساسي على صعود النزعة المعادية للديمقراطية والليبرالية هو الدعم المتزايد لقادة أقوياء وهو بالطبع ما يتوافق مع الرغبة في فوز رئيس ليبرالي يحكم دون اعتبار الرغبات الديمقراطية للرجعيين السذج. وبالرغم من ازدياد صعوبة الأمر بالنسبة للديمقراطية والليبرالية إلا أن وقعه أشد على الليبرالية من الديمقراطية.

 

التمرد القومي في اليمين اندلع بسبب فقدان الثقة في قوة الليبرالية المحافظة على سحب الثقافة الديمقراطية الأميركية بعيدًا عن إغراء الإدارة الليبرالية الخانقة (رويترز)

 

مع ذلك هناك جوانب مقلقة في هذه الهوة المتسعة بين الليبرالية والديمقراطية حتى بالنسبة لليبراليين المحافظين الذين دائمًا ما شعروا تجاه الديمقراطية غير المقيدة وغير المهذبة بنوع من الشك وحتى أحيانًا بالخوف الصريح. إذا واجه محافظو التيار العام اليوم موقفًا يختارون فيه بين الديمقراطية غير الليبرالية أو الليبرالية غير الديمقراطية سيكونون في موقف عسير. لكن هناك مفارقة قد تسعف الليبراليين، والمحافظين كذلك: لأكثر من مائتي عام على الأقل علمنا أن الحياة الديمقراطية تم تكييفها بشكل جيد لإرسال المواطنين مرة أخرى إلى درجة أو أخرى من الليبرالية السياسية.
 
في كتاب "الديمقراطية في أميركا" يشير ألكسيس دي توكفيل إلى أن العزل والتهميش المتزايد الذي يشعر به المواطنون في العصر الديمقراطي يشجّعهم على الاعتقاد بأن أهداف الديمقراطية مثل المساواة العامة والوحدة الوطنية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مؤسسة قوية بما يكفي لتكون وعاءً يحوي المجتمع كله، هذه المؤسسة هي الدولة. "يؤدي هذا إلى تقليل ممارسة الحرية من قبل الفرد واعتبارها أقل منفعة. يكتب كذلك عن الدولة الليبرالية الوصائية التي تميل غالبية الديمقراطيات للانجراف إليها ويصفها بأنها "تقيد الإرادة ضمن حدود ضيقة وفي النهاية تحرم الفرد من كل استعمالاته لنفسه. مبدأ المساواة يجهز الناس لهذه الأشياء؛ لقد جعلهم ميالين لاحتمال هذا الوضع واعتباره منفعة بالنسبة لهم".

 

عندما يبدو أن الدولة تتداعى فإن الأشخاص الديمقراطيون يميلون للاعتقاد بأن الحل هو تقويتها حتى على حساب استقلالهم. -هذه المعادلة فعلت فعلها في الوقت الحالي في فرنسا مع عزم الرئيس ماكرون على إقامة حكومة طموحة تقلل من صلاحيات السلطة التشريعية وتنهي الإلزام غير الرسمي للرئيس بالتعامل مع الصحافة-. الحرية السياسية، أو ممارسة السلطة الذاتية الموزعة التشاركية تم تقليصها لصالح شكل ديمقراطي أعم. أشار توكفيل أن "قدر ضخم من الأفراد" يدافعون عن التسوية بين "الاستبداد الإداري وسيادة الشعب، ويعتقدون أنهم فعلوا ما يكفي لحماية حرية الفرد حين تخلوا عنها لصالح الأمة". التمرد القومي في اليمين اندلع بسبب فقدان الثقة في قوة الليبرالية المحافظة على سحب الثقافة الديمقراطية الأميركية بعيدًا عن إغراء الإدارة الليبرالية الخانقة.

 

==========================================

 

هذا المقال مترجم عن الفورين أفيرز من: هذا الرابط

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك