اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/10 الساعة 15:05 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/18 هـ

انضم إلينا
عصر ترمب.. هل حان وقت انهيار الولايات المتحدة؟

عصر ترمب.. هل حان وقت انهيار الولايات المتحدة؟

  • ض
  • ض
كثرت تساؤلات الأميركيين حيال الأحداث الجارية في بلادهم، وبات التاريخ أحد مصادرهم الملهمة للإجابة عنها. فالكثير منهم أصبح يقارن الرئيس دونالد ترمب برموز تاريخية عدة، منها: رونالد ريغان، وهنري فورد، وأندرو جاكسون، وبينيتو موسوليني. وبالرغم من انتقادات البعض لقراراته الغريبة، إلا أن هناك ثلة من الشعب الأميركي تمجّد قدومه بحفاوة.

 
ولنلقي الضوء على آخر التطورات الحاصلة في أميركا تطرقنا إلى اثنين من أهم المؤرخين الأميركيين. الأول هو "جوليان زيليزر" بروفيسور تاريخ وشؤون عامة، ومؤلف كتاب: (الحاجة الملحة لِليندون جونسون والكونغرس والحرب الضروس من أجل الشعبٍ العظيم)، والآخر "مورتن كيلر" بروفيسور تاريخ في جامعة برانديس، أعد وكتب أكثر من ١٥ كتابا، منهم: (أيام أوباما، تاريخٌ مجيد).

 

قال الأخير: " لم يعد سقوط الولايات المتحدة أمراً مستحيلاً بنظر الكثير من الأميركيين، خاصة بعد أن فقد كل من الدستور، والجمهورية، والشعب دورهم المؤثر في البلاد. فالعديد من طبقات المجتمع الأميركي يؤمنون بخطورة سياسة إدارة ترمب التي لم يعهدها أحد منهم". ما هي دقة هذا الكلام؟ لا توجد إجابة محددة لهذا السؤال، لكنها ليست المرة الأولى التي توشك فيها أميركا على الهلاك. فالأحزاب السياسية تؤمن أن الغضب العارم تجاه تصرفات ترمب قد يودي بالجمهورية إلى الهلاك. فعصر الفاشية سيحل على أميركا لا محالة، حسبما قال المتخصص بعلم الاجتماع، جان فرانسوا ريفيل. هل هذا الادعاء منطقي؟ وهل أفعال وتصرفات إدارة ترمب تبرر ظهور معارضة مسلحة مثل تلك التي حاربت النازية خلال الحرب العالمية الثانية؟ الأمر مبالغ فيه، فليس هناك خيار أفضل لمعارضة "الجرافيتي" من التعاون مع نظام ترمب، أو في أحسن الأحوال الوصول إلى تسوية ترضي الطرفين.

  

شهدت الانتخابات الأميركية رفضاً شعبيا قبل ذلك مرتين (عام 1876، و2000).. ففي عام 2000، شكك البعض في فوز جورج بوش الابن بفارق (200 صوت)

رويترز
  

جزء كبير من الشعب الأميركي يرى أن التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية (العرق، والجنس، والتمييز العنصري الملموس على مواقع التواصل الاجتماعي) التي عصفت على الولايات المتحدة خلال العقود الماضية ليست أقل خطراً من التغيرات السياسية التي أحدثها ترمب. ما دورنا نحن المؤرخون؟ هل نظرتنا للموضوع ستكون مفتاحاً لفهم القضية؟ نظرًا لإهمال الشعب الأميركي للتاريخ، فإني أعتقد أن ذلك سيكون مستحيلًا. مع ذلك، فإن الرجوع إلى الماضي سيسهل علينا فهم القضايا التي نعيشها في عصرنا الحالي.

 

شهدت الانتخابات الأميركية رفضاً شعبيا قبل ذلك مرتين (عام ١٨٧٦، و٢٠٠٠). ففي عام ١٨٧٦ كان للتأييد الشعبي نصيباً في فوز روثرفورد بي هايز بالانتخابات الرئاسية، والذي عقد وفاقاً مع الحزب الجمهوري لتفكيك البناء الراديكالي في البلاد. أما عام ٢٠٠٠ فقد شكك البعض في فوز جورج بوش الابن بفارق بسيط (٢٠٠ صوت)، لكن المحكمة العليا سرعان ما أنهت ذلك الجدل. في كل الأحوال، لم تحصل أي أزمة أخرى في الجمهورية بعد ذلك، حتى أتى فوز ترمب (من خلال أقلية شعبية) بالرئاسة عام ٢٠١٦، الأمر الذي لم يتقبله الحزب الديموقراطي.

 

لكن إذا أردنا تصور سقوط الجمهورية المُتوقع، فيجب علينا قياس وضعنا الحالي بمثال أدق وأجل من الذي ذكرناه. ولا أجد أنسب من مقارنة ما نحن فيه بأزمة (الانفصال ومكافحة الرق) التي حدثت في خمسينيات القرن التاسع عشر، والتي أشعلت الحرب الأهلية في أميركا آنذاك. هل الانقسام الحاصل حالياً بين الشعب الأميركي يشبه ما حصل قبل الحرب الأهلية الأميركية؟ من الصعب تأكيد ذلك. فالخلاف الشعبي وقتها كان يتمحور حول الرق والانفصال، أما الآن فمعظم الخلافات تدور حول العرق، والجنس، واختلاف الطبقات المجتمعية.

 

في المقابل، فإن هناك تشابه مقلق بين الأزمة الحالية والحرب الأهلية الأميركية السابقة. فالمعتقدات السياسية السائدة في خمسينيات القرن التاسع عشر كانت نتيجة لما يسمى بـ (فائض الديموقراطية). فكان للأميركي الأبيض الحرية المطلقة في التعامل مع الآخرين، واختيار العمل المناسب له، والانسحاب متى ما أراد من (الوحدة الأميركية). هذا السلوك نمى وتطور مع اعتقاد الشعب أن الرق والانفصال كانا مصدر تهديد للديموقراطية الأميركية.

  

العديد من الانتخابات أظهرت أن الشعب الأميركي لم يصل إلى مرحلة الانفصال الحرج التي يعانيها قادة الأحزاب، فقد أظهرت الانتخابات الرئاسية أنه يقبل الحل الوسط (رويترز)

   

أما التشابه الآخر فيكمن في ترشيح كل من الحزب الديموقراطي والجمهوري لأفراد ليسوا مناسبين كفاية للمهمة الرئاسية، مثل ما حصل في انتخابات ٢٠١٦. فالعديد ممن حكموا في زمن الحرب الأهلية، مثل: ميلارد فيلمور، وفرانكلين بيرس، وجيمس بوكانان دخلوا قائمة أفظع رؤساء أميركا. وهناك احتمال كبير بأن تتكرر الأحداث التي حصلت في الحرب الأهلية إذا ما استمر الخلاف الشعبي، وظل ترمب متجاهلاً لرأي الشعب الأميركي.

 

بدأ جوليان زيلزر حديثه قائلاً: إن مقالك يطرح أسئلة مهمة للغاية حول أكثر القضايا جدلاً (المخاطر التي تواجه أميركا، والخلل الحاصل في واشنطن). ما هو مدى سوء الأوضاع في ٢٠١٧؟ أعادنا هذا السؤال إلى أيام الحرب الأهلية؛ لنكشف مدى خطورة الخلاف الشعبي الحاصل في الانتخابات، وإذا ما كنا متجهين نحو حرب أهلية أخرى في أميركا.

 

لا أعتقد أننا وصلنا إلى طريق مسدود في هذه الأزمة بعد. فالعديد من الانتخابات أظهرت أن الشعب الأميركي لم يصل إلى مرحلة الانفصال الحرج التي يعانيها قادة الأحزاب. على عكس الحكومة الأميركية (واشنطن) فإن الشعب الأميركي يقبل الحل الوسط، وهذا ما تبين خلال الاقتراعات الرئاسية. إضافة إلى ذلك، فإن حضور السيادة الأميركية القوي منع ترمب وأمثاله من التصرف بما يحلوا لهم. فالمحكمة العليا الأميركية والكونغرس قادران على تعقب ما تفعله إدارة ترمب الحاكمة. ومن الصعب تحويل السياسة الشعبية العامة، وقرارات المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة الأميركية. ويستحيل لأي رئيس أميركي إحداث تغيرات جذرية بعدما تكثفت الحكومة في القرن العشرين.

 

على الرغم من التحفيز المستمر للتحيز إلى طرف السياسيين الأميركيين إلا أن الإعلام الأميركي أثبت كفاءة دوره المحوري في ظل هذه الأزمة. فالعديد من التقارير رفيعة المستوى كانت سداً منيعاً أمام قرارات ترمب. فكل من هم خارج نطاق إدارة ترمب (التي توجه أصابع الاتهام نحو الإعلام الملفَق)، يؤمنون أن الصحافة الأميركية الحالية اتسمت بدقة التحليل لما يحصل على أرض الواقع. نحن نعلم أن انتقاد دونالد ترمب لم يكن فقط "مشاحنات حزبية"، أو "ثرثرة شعبية". التقبل الشعبي الضعيف لوجود ترمب يدل على أن كثير من الأميركيين ينتابهم القلق حيال ما يحصل داخل البيت الأبيض.

  

 

من المهم معرفة أن معارضة ترمب ليست متمثلة باليساريين المهووسين بالفاشية وغير القادرين على التفكير بمنطقية حيال ما تقوم به الإدارة الأميركية، بل متمثلة بمجموعات مثل "اينديفيزبل" أو "عدم الانقسام" والتي يترأسها عمال سابقين في الكونغرس، يؤمنون أن الحزب الجمهوري يهدد بحرمان ملايين الأميركيين من الرعاية الصحية. إضافة إلى ذلك، الغضب العارم والمتمثل بالمظاهرات الشعبية التي كانت ضد قرار منع الهجرة إلى أميركا بسبب خرقه للحماية الدستورية. وردود الفعل السلبية حيال انسحاب ترمب من اتفاقية باريس، ورفعه القيود عن معامل إنتاج الطاقة التي يحاول العلماء محاربتها من أجل الحفاظ على البيئة. هناك أيضاً مخاوف من تساهل الإدارة الأميركية في التعامل مع التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية.

 

يوجد قلق واضح حيال اللهجة التي تحدث بها ترمب على موقع "تويتر"، الأمر الذي لم يتوقعه الشعب من الرئاسة الأميركية. ما حدث على وسائل التواصل الاجتماعي يشبه كثيراً ما قام به ريجارد نيكسون، الذي سببت تصرفاته سخَطاً شعبياً عم أرجاء الجمهورية. ومن المهم معرفة أن المعارضة لم يكن هدفها مهاجمة الطرف الآخر (دونالد ترمب)، وإنما الدفاع عن قضايا مهمة مثل حقوق المرأة، والأميركيين السمر، والمهاجرين.

 

في هذه الحالة، نستطيع الجزم بأن توتر الأوضاع الحالية ناتج عما يقوم به ترمب لا أكثر. إن تصرفات ترمب أصبحت أكثر خطراً على الولايات المتحدة الأميركية من الصراع الحاصل بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي. وبالطرف الآخر، قال كيلير: سعيد جداً أن الشعب الأميركي بات يؤمن أن إدارة ترمب تهدد أمن الجمهورية. أعتقد أن اختلافنا الوحيد هو طريقة تفعيل القوى الإعلامية المختلفة على الساحة الأميركية في ظل هذه الفترة المؤقتة. قد يقلل البعض من شأن الموضوع و يؤمن بمقولة: الإعلام كان عائقاً أمام طريق ترمب للنجاح. لم تقم الصحافة بإصدار تحقيق وافٍ عن الأعمال التي قام بها ترمب. وبسبب قلة الدعم المالي، وقلة الطلب على الصحافة الاستقصائية في زمن الانقسام السياسي ضعف مستوى وكمية هذا النوع من التقارير.

   

بالرغم من وجود بعض العثرات سابقاً في حكم أوباما، والتي تمثلت في اتخاذه بعض القرارات المتعلقة بالسياسة العامة للولايات المتحدة الأميركية، إلا أن إدارته تميزت بالتزامها للقوانين والأخلاق العامة

رويترز
  

مشكلة أخرى نختلف عليها أيضًا، هي الهجوم الإعلامي على مخالفات ترمب وإهمال الأفعال المشينة التي قام بها بعض الحكام السابقين. مثال على ذلك، فضيحة دائرة الإيرادات الداخلية التي كشفت عن الاستخدام غير الشرعي للقوى الحكومية. وهناك أيضاً التجاهل الإعلامي للعلاقة التي حدثت بين وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومؤسسة كلينتون. الإعلام محق باللحاق وراء التواطؤ الحاصل بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحكومة روسيا. لكن هذا لا يبرر تغاضيه عما قامت به إدارة أوباما سراً.

 

رد زيليزر على كيلر قائلاً: شكراً على هذه مشاركة. صحيح أن هناك عثرات واضحة في الإعلام الأميركي، لكن في نفس الوقت هناك العديد من المقالات الاستقصائية تستحق الإشادة لحديثها عما فعلته إدارة ترمب. لا شك أن هناك بعض المراسلين لفقوا جزءاً مهما من القضية، وأخفوا معلومات عن التخابر الحاصل مع روسيا، وعن الفوضى العارمة في البيت الأبيض. أنا لا أؤمن بالمقارنة التي طرحها كيلر بين إدارة ترمب وإدارة أوباما السابقة. فكانت إدارة ترمب تتسم بالالتزام والحكمة على عكس ما نراه حالياً من إدارة ترمب. وبالنسبة لمؤسسة كلينتون، فقد قامت الصحافة بتغطية كافية عما قامت به.

 

بالرغم من وجود بعض العثرات سابقاً في حُكم أوباما، والتي تمثلت في اتخاذه بعض القرارات المتعلقة بالسياسة العامة للولايات المتحدة الأميركية، إلا أن إدارته تميزت بالتزامها للقوانين والأخلاق العامة. أما عن آل كلينتون، فالإعلام الأميركي لم يتجاهلهم أبداً. إذا أردت التأكد، اسأل من نظم حملة كلينتون الرئاسية عما قلته!

  

____________________________

 

مترجمٌ عن: (ذا أتلاتنتك)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار