اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/27 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/5 هـ

انضم إلينا
حطام الحرب الباردة.. جذور التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ

حطام الحرب الباردة.. جذور التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ

الزعيم الكوري الشمالي يزور موقعا إستراتيجيا بجبل "أوسونغ" في صورة غير مؤرخة نشرتها وكالة الأنباء المحلية في 28 (ديسمبر/كانون الأول)2013.(رويترز)

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
يُعرف بروس بينيت في واشنطن على أنه رجل يَبلغ ما ينساه فقط عن كوريا الشمالية أكثر مما يعرف الجميع عنها(1)، وحين يرن جرس الهاتف بشكل متواصل في منزله فلا بد أن شيئًا ما ذي أهمية يخص بيونغ يانغ يحدث في ذلك التوقيت. في يوم ما من شهر (يوليو/تموز) المنصرم، كانت أجراس الهاتف في منزل بينيت تقرع بوتيرة غير مسبوقة، بينما كان يتناول العشاء، لم يقلق بروس، وقال لزوجته بثقة معتادة "لا بد أنه اختبار جديد لأحد الصواريخ الكوريَّة الشمالية".

 

قضى بروس فترة طويلة من حياته المهنية في مؤسسة راند، مركز الأبحاث الشهير الممول من قبل وزارة الدفاع الأميركية، وقام بزيارة شبه الجزيرة الكورية أكثر من مائة مرة، أو 107 مرة على وجه التحديد، وتحدث مع كبار الجنرالات في الكوريتين، كما أنه التقي بشكل شخصي مع 12 من أبرز المنشقين عن نظام كوريا الشمالية من السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال، في مقابلات تطلبت منه أحيانًا تقمص قدرات عملاء الاستخبارات على التخفي ومحو الآثار. وفي ذلك المساء في (يوليو/تموز) الماضي، كان توقع بروس صحيحًا، ولم يكن على الطرف الآخر من الهاتف سوى أحد منتجي شبكة سي إن إن، طالِبًا تعليق بروس حول الصواريخ البالستية الجديدة العابرة للقارات التي أطلقتها كوريا الشمالية للتو في الفضاء، والتي يَدعي كثيرون أنها قادرة على ضرب ولاية ألاسكا على أطراف الساحل الغربي الأميركي.

 

يحب بروس أن يروي دومًا قصة شهيرة حول كوريا الشمالية في مشاركاته الإعلامية(2): في مطلع التسعينيات، وقبل أن يبدأ التفاوض بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية للمرة الأولى، كانت التوترات بين البلدين قد بلغت أعلى مستوياتها، ما دفع زعيم كوريا الشمالية آنذاك كيم إل سونغ للتشاور مع ضُباطه العسكريين، سائلًا إياهم عن إمكانية تحقيق بلاده النصر في مواجهة عسكرية ضد الولايات المتحدة. كان موقفا محرجًا جدا لأولئك العسكريين، مجيبين ببداهة أنهم سيعملون على تحقيق النصر، إلا أن كيم سونغ حاصرهم بسؤال تالي أكثر صعوبة "ولكن بافتراض أننا خسرنا، ما الذي سنفعله؟".

 

كيم إل سونغ رئيس كوريا الشمالية عام 1946 (في الوسط) (مواقع التواصل)

 

في ذلك التوقيت، لم يكن هناك تصرفًا أكثر حِكمة بالنسبة للجنرالات من التزام الصمت، للحفاظ على رقابهم مما يعرفه الجميع اليوم. إلا أن الشخص الوحيد القادر على الحديث آنذاك كان كيم جونغ إيل، نجل إل سونغ، ووالد الزعيم الحالي كيم يونغ أون، مجيبًا نيابة عن الجنرالات بثقة قائلًا "إذا خسرنا، ينبغي أن نكون على يقين من أننا قادرون على تدمير الأرض. ما الذي تساويه الأرض بدون كوريا الشمالية؟".

 

تدوي أصداء إجابة الزعيم السابق إلى اليوم في أروقة العاصمة بيونغ يانغ، بينما يتضاعف تأثيرها التعبوي مع تصاعد لهجة التصعيد الخطابي بين واشنطن وكوريا، بفعل التجارب المتطورة التي أجرتها البلاد مؤخرًا للصواريخ البالستية متوسطة وبعيدة المدى، مع تلويح الولايات المتحدة برد عسكري يستهدف النظام الكوري الشمالي. في حين يُبشر المحللون في أروقة الصحف ووسائل الإعلام اليوم بالحرب المُنتظرة(3). فمن وجهة نظر هؤلاء، فإنه مع وجود دونالد ترمب في البيت الأبيض، والفتى الثلاثيني السمين كيم يونغ أون على رأس السلطة في بيونغ يانغ، يبقى الاندفاع إلى الجنون أكثر من محتمل، حيث لا يتطلب الأمر أكثر من أن يقرر أحدهما أن يطلق الشرارة الأولى، قبل أن يتفرغ العالم بأكمله، أو ما سيتبقى منه على وجه الدقة، لأجل متابعة ما يشبه أول أولمبياد نووية تاريخية على الهواء مباشرة.

 

واشنطن - بيونغ يانغ

لا يمكن فهم توترات اليوم بين واشنطن وبيونغ يانغ دون الرجوع قليلًا لتاريخ العلاقة بين البلدين. فمع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت شبه الجزيرة الكورية ضحية لعملية تقسيم نفوذ "تعسفية" تقليدية بين الأميركيين والسوفيات(4)، وحصل السوفيات آنذاك على الجزء الشمالي من البلاد، في حين حاز الأميركيون الشق الجنوبي. وبرغم أن التقسيم بدا حينها منطقيًا وعادلًا للطرفين، على الأقل من حيث الحجم المتساوي للشطرين، فإن الحقائق الجيوسياسة شديدة التباين، أسفرت عن تشكيل دولتين تختلفان عن بعضهما البعض بشكل كبير، حيث حظي الشمال بنصيب أقل في كل شيء، بداية من القدرات البشرية وليس انتهاءً بالسهول الزراعية، ما عنى مثلًا أن كوريا الشمالية ظلت منذ نشأتها بلدًا غير قادر على إنتاج كفايته من الغذاء.

 

بدأت كوريا السوفياتية -الشمالية- مباشرة في استقطاب القادة الشيوعيين المنفيين منذ الحرب اليابانية، قبل التقسيم الأميركي السوفياتي، والمتوافدين من الصين وروسيا وحتى من ولايات الجنوب الأميركي، للدولة الكورية الجديدة. وكان أحد هؤلاء المنفيين هو كيم إل سونغ الذي تم تنصيبه حاكمًا للشمال بعد 25 عامًا قضاها في المنفى في روسيا، في حين نصبت الولايات المتحدة حكومة منتخبة في الجنوب. وفي عام 1950، قرر إل سونغ(5)، بإيعاز سوفيتي، توحيد الكوريتين تحت حكمه، فقام بغزو كوريا الجنوبية ما تسبب بتدخل أميركي قامت إثره الحرب الدموية الشهيرة بين الشطرين. وقد تدخلت الصين لمساعدة الجيش الكوري الشمالي الذي انسحب في نهاية المطاف إلى خط التقسيم، قبل أن يتم توقيع اتفاق وقف إطلاق للنار بعد ثلاث سنوات من الحرب، مُدخلًا البلدين في هدنة طويلة مع منطقة عازلة بطول الحدود حول خط عرض 38، ولكن الدولتين لم توقعا أبدًا على أي اتفاق سلام نهائي إلى اليوم.

 

 
 بيل كلينتون في كوريا الشمالية

 

تسبب انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات في تعميق أزمة كوريا الشمالية شاعرة أنها فقدت حاميها الرئيس(6)، ورغم أن الصين حاولت سد هذه الفجوة بشكل كبير، إلا أن التاريخ الملتبس بين البلدين علّم الكوريين ألا يثقوا بشدة في الجار الصيني. في تلك اللحظة بدأ الحاكم التاريخي كيم إل سونغ، متجاوزًا في مدة حكمه حينها أربعة عقود كاملة، في التفكير باقتناء أسلحة نووية.

 

في (مارس/آذار) عام 1993، أعلنت بيونغ يانغ أنها ستنسحب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وهي المعاهدة المانعة للدول غير النووية من بدء برامجها المحلية للتسلح النووي، لتسارع إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون بفتح قناة تفاوضية مع كوريا الشمالية لمنعها من اقتناء أسلحة نووية، وهي مفاوضات أسفرت في النهاية عن اتفاق إطار تم التوقيع عليه في عام 1994، وافقت فيه كوريا الشمالية على تفكيك مفاعلاتها النووية وقبول عمليات تفتيش واسعة النطاق، مقابل تنازلات دبلوماسية واقتصادية من الولايات المتحدة.

 

لم يمهل القدر الاتفاق طويلًا، وشهد العام نفسه وفاة إل سونغ، ليحل محله نجله كيم جونغ إيل، في وقت دخلت فيه الدولة الشمالية أتون مجاعة طاحنة، تسببت في وفاة ما بين 600 ألف إلى مليوني شخص على اختلاف التقديرات، ولم تتدخل الولايات المتحدة أو أي من حلفائها لإنقاذ الشعب الشمالي. وفي مواجهة ذلك الوضع الشديد الصعوبة، قام جونغ إيل بإعلان ما صار يعرف باسم "سونغون" أو عقيدة "الجيش أولًا"(7)، عقيدة جديدة وضعت الجيش في قلب الدولة الكورية الشمالية، وحولته من مجرد حامٍ للبلاد ضد العدوان الخارجي إلى مصدر للشرعية. وبموجب هذه العقيدة، تغير التفكير في كل شيء داخل كوريا الشمالية، حتى إن الفقر لم يعد يوصف على أنه مشكلة ينبغي حلها، ولكنه أصبح ضرورة لقوة الدولة، وصار مواطنوها مُطالبين بتقديم التضحيات من أجل الحفاظ على الدولة التي تحميهم.

 

بموجب "سونغون" تم تحويل جميع موارد الدولة إلى الجيش، وكانت الخلاصة التي توصل إليها جونغ إيل أن مفتاح بقاء النظام، في مواجهة الكارثة الاقتصادية الكبيرة، يكمن في توجيه المزيد من التمويل لزيادة القدرة العسكرية. وإذا كانت شرعية الحكومة اليوم صارت تعتمد على حيوية جيشها، فلا شيء يضمن بقاءها أكثر من الحصول على أقوى تكنولوجيا أسلحة في العالم "الأسلحة النووية"، التي رآها الكوريون الطريق الأوحد لحماية نظامهم من بطش الولايات المتحدة(8).

 

الرئيس الكوري الشمالي كيم يونغ أون يراجع "خطة القوة الإستراتيجية لضرب البر الأميركي" (رويترز)

 

بحلول عام 1998، قامت كوريا الشمالية بأول عمل "استفزازي"، كما أُطلق عليه، عندما قامت بتجربة صاروخ متوسط المدى من طراز "تايبودونغ-1" في أجواء اليابان. على المستوى النظري، كان بإمكان الصاروخ الكوري الشمالي حمل رأس نووية مصغرة حال امتلكت كوريا الشمالية هذه التكنولوجيا، وقد كان ذلك ردًا اختارته بيونغ يانغ للتعبير عن استيائها تجاه الموقف الأميركي من أزمتها الاقتصادية، واعتبرته واشنطن نقضًا لاتفاق الإطار الموقع بين البلدين.

 

مع صعود جورج دبليو بوش للبيت الأبيض، اتخذت الأمور بين البلدين منحى أكثر درامية. كان رموز إدارة دبليو بوش غير مقتنعين بجدية النظام الكوري الشمالي في التخلص من برنامجه النووي، ولذلك قامت الإدارة بتسمية كوريا الشمالية كإحدى دول "محور الشر" بصحبة إيران والعراق. ومع بلوغ عام 2002، كان الاتفاق قد انهار بشكل فعلي، بعد أن شرعت كوريا الشمالية في إعادة تشغيل مفاعلاتها النووية وطرد مفتشي وكالة الطاقة الذرية.

وبحلول عام 2006، قامت كوريا الشمالية بتجربة صاروخ "يايبودونغ-2"، وهو صاروخ يمكنه نظريًا أن يصل للولايات المتحدة. ورغم فشل التجربة، فإنها زادت من القلق الأميركي، ثم أكدت بيونغ يانغ هذا القلق قبل نهاية العام نفسه، حين قامت باختبار أول قنبلة نووية خاص بها. ورغم القدرة المتدنية للقنبلة الكورية وضعفها، والتي تقل بعشرين مرة عن القنبلة التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما قبل ستة عقود، إلا أن ذلك كان يعني تغيرًا جوهريًا في طبيعة اللعبة: لقد امتلكت بيونغ يانغ بشكل فعلي البدايات الأولى للتكنولوجيا النووية العسكرية.

 

في عام 2009، قامت كوريا الشمالية باختبار قنبلتها النووية التالية مع تقدم طفيف في قوتها، قبل أن
تُجري اختبارًا ثالثًا عام 2013، بعد عامين من وصول الرئيس الجديد كيم يونغ أون للسلطة، والذي بدا عازمًا على استكمال سياسة والده. وجاء الاختبار الرابع المثير للجدل مطلع العام الماضي 2016، الذي ادعت بيونغ يانغ أنه كان لقنبلة هيدروجينية، وهي النوع الأكثر تطورًا وتدميرًا من الأسلحة النووية. 

 

اندلعت موجة التوتر الأخيرة بين واشنطن وبيونغ يانغ في (مارس/آذار) الماضي، بعد أن قامت واشنطن بتوجيه حاملة الطائرات كارل فينسن لإجراء مناورات عسكرية مع كوريا الجنوبية، ردًا على قيام بيونغ يانغ بإجراء تجربتين لإطلاق الصواريخ البالستية، وهو ما ردت عليه بيونغ يانغ بمزيد من تجارب صاروخية بلغت ذروتها في 4 (يوليو/تموز) المنصرم، مع تجربة شبه ناجحة لصاروخ بالستي عابر للقارات، قادر على الوصول نظريًا للأراضي الأميركية. وكانت التجربة شبه ناجحة مع وجود جدل حول بعض القصور الصاروخي في اختراق الغلاف الجوي من عدمه، إلا أن المجمل كان ناجحًا، وعنى دخول الصراع لمنعطف جديد غير مسبوق، بعد أن أصبحت الأراضي الأميركية من الناحية النظرية واقعة في مرمى الصواريخ الكورية.

 

العالم البالستي

قبل هذه اللحظة، ومن الناحية العملية، لم تكن كوريا الشمالية قادرة في أي لحظة على تمثيل تهديد حقيقي للولايات المتحدة، وكانت في أفضل الأحوال مصنفة ضمن الفئة أميركية الصناعة "الدول المارقة" القادرة على مناوشة المصالح الإقليمية الأميركية، على قدم المساواة مع إيران. تاريخيًا، عمدت الولايات المتحدة إلى استهداف هذه الأنظمة "المارقة" بعقوبات مكثفة بهدف عزلها وإبقائها تحت السيطرة(9)، وفي بعض الأحوال تغييرها من الداخل. وفي حين يدرك النظام الكوري الشمالي استحالة تحوله إلى ندٍ عسكري مباشر للولايات المتحدة في أي وقت قريب، فإن ما تسعى له بيونغ يانغ حقًا أن تمتلك المزيد من أوراق اللعبة، بما يتجاوز القدرة على تهديد المصالح الأميركية في جارتها الجنوبية أو في اليابان أو حتى في المحيط الهادئ، لتصبح قوة قادرة على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة في عقر دارها، بما يمنحها حصانة غير مسبوقة في مواجهة أي تدخل أميركي لتغيير نظامها.

 

 فيديو بعنوان: ما نعرفه عن الأسلحة النووية الكورية

 

ربما تساعدنا تلك الحقائق البسيطة في إدراك أسباب فزع واشنطن الحقيقي من قيام كوريا الشمالية بتجربة شبه ناجحة لصاروخ بالستي عابر للقارات من طراز "هواسونغ 14" في الشهر الماضي(10)، قبل أن يصدر تقييم عن بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية(11)، بعد ذلك بأسبوع، بأن كوريا الشمالية صارت قاب قوسين أو أدنى من تصغير رأس نووي يمكن حمله على صاروخ بالستي متوسط المدى. في هذه المرة بدا الذعر الأميركي مبررًا بشكل ما، فمع مدى يصل في المتوسط لثمانية آلاف كم، أصبح "هواسونغ 14" قادرًا من الناحية النظرية على ضرب عمق ولاية ألاسكا، ومع مدى نظري قابل للوصول إلى 11 ألف كيلومتر، فإن هذا يعني أن البر الغربي الأميركي سوف يصبح في غضون سنوات قليلة، وربما قبل نهاية الفترة الحالية لدونالد ترمب، في مرمى الصواريخ الكورية النووية. ورغم الخلاف المثار حول القدرات التقنية للصاروخ الجديد، من حيث المدى وكفاءة عملية إعادة الدخول للغلاف الجوي، والوقت الذي تحتاجه كوريا الشمالية لتصغير رأس نووي يمكن حمله على هذه الصواريخ، فإن كل ذلك لم يعد كونه خلافًا حول الوقت، أما الحدث نفسه فقد صار أمرًا واقعًا ما لم تتدخل الولايات المتحدة بشكل سريع.

 

جاءت الاستجابة الخطابية الأميركية تجاه هذه التطورات "عدائية للغاية"، وبلغت حد تهديد الرئيس الأميركي ووزير دفاعه بالخيار العسكري(12)، وإمطار كوريا الشمالية بوابل من "النيران والغضب". ولم تمض بضعة أيام حتى أعلنت وكالة الأنباء الكورية الرسمية أن الجيش سلم رئيس البلاد خطة لتجربة الصواريخ الكورية بالقرب من سواحل جزيرة غوام الأميركية. تبعد الجزيرة عن السواحل الكورية الشمالية مسافة تقل عن 3500 كم، وتبعد الجزيرة نفسها مسافة 11 ألف كيلومتر تقريبًا عن الساحل الغربي للولايات المتحدة، وهو مدى يقل عن المتوسط الطبيعي لصواريخ "هواسونغ 12"، التي هددت بيونغ يانغ باستخدامها في قصف الجزيرة الإستراتيجية الأميركية.


 

تعد غوام إحدى أهم المستعمرات الأميركية في المحيط الهادئ، وخضعت منذ أواخر القرن التاسع عشر للهيمنة الأميركية مع نهاية حربها مع إسبانيا، وتحتل القواعد العسكرية الأميركية اليوم ثلث مساحة الجزيرة على الأقل، وتأتي في مقدمتها قاعدة أندرسون الجوية التي تعد أكبر مستودع للذخيرة والقذائف الإستراتيجية لتزويد العمليات الأميركية حول العالم(13)، إضافة لقاعدة أبرا البحرية الإستراتيجية، التي تلعب دورًا حيويًا في ربط القواعد الأميركية في المحيط الهادئ.

 

لم يكن اختيار كوريا الشمالية لغوام كموطن للتهديدات عبثيًا بأي حال. فبخلاف كونها أقرب الأراضي الأميركية التي يمكن تهديدها من خلال الصواريخ الكورية، فإن قاعدة أندرسون تمثل أكثر خطوط الإمداد الأميركية لشبه الجزيرة الكورية حيوية(14)، كما أن قاعدة أبرا استضافت مؤخرا حاملة الطائرات كارل فينسن التي أثارت ذعر بيونغ يانغ. وجاء التهديد أيضًا قبل فترة وجيزة من التدريبات العسكرية السنوية واسعة النطاق بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، والمقرر إجراؤها خلال الأسبوع الأخير من (أغسطس/آب) الحالي.

 

كان التصعيد الكوري الشمالي غير مسبوق حتى بمعايير الحرب الكلامية المحتدمة والمعتادة بينها وبين واشنطن، كما أنه كان دقيقًا بقدر غير مسبوق أيضًا: سوف ينطلق الصاروخ "هواسونغ 12" ليقطع مسافة 3365 كم خلال 17-18 دقيقة، مارًا في أجواء ساحل اليابان، ليهبط على بعد 30-40 كم من سواحل الجزيرة الأميركية. أثار التهديد الدقيق المزيد من الفزع واللغط، والمزيد من الهواجس والتحليلات، ولكن كما اكتشف الجميع في وقت قريب، وكما كان المسؤولون الأميركيون يُدركون منذ الوهلة الأولى، لم يكن التهديد الكوري الشمالي أكثر من تصعيد خطابي مقابل للتصعيد الأميركي، حيث أعلنت كوريا الشمالية في وقت لاحق عن تجميد خططها على أن تبقى قادرة على تجديدها في مواجهة أي استفزاز أميركي.

 

تراهن كوريا الشمالية أن الولايات المتحدة لن تخاطر بتحمل تكاليف ضربة عسكرية، لا تبدو ضرورية ضدها، وهي تعمل على رفع تكاليف هذه الضربة في كل لحظة، في حين تدرك الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية مهما زادت من قدراتها فإنها لن تخاطر بتوجيه ضربة مباشرة للمصالح الأميركية، ما يجعل تحمل تكلفة خوض الحرب غير مبرر (رويترز)

 

تعي بيونغ يانغ وواشنطن أيضًا أنه ليس من مصلحة الأولى أبدًا المخاطرة بضغط زر البدء لأي مواجهة عسكرية ضد الثانية، لأن هذه المباراة سوف تنهي حتمًا النظام الكوري الشمالي مهما بلغت كلفة الصراع المفروضة، وكل ما تريده بيونغ يانغ هو إقناع الأميركيين بمدى قدرتها على زيادة تكلفة الصراع في حال تدخل الولايات المتحدة لتغيير النظام، بمعنى أن النظام في كوريا الشمالية يرغب في منح نفسه حصانة ضد التغيرات الأميركية التقليدية. ولكن تمتع نظام "مارق" بتعبير واشنطن بمثل هذه الحصانة في منطقة حيوية بالنسبة لها يظل أمرًا غير مقبول، ما يفسر غضبها بأكثر من الذعر المفتعل حول إمكانية إقدام كوريا الشمالية من تلقاء نفسها على مهاجمة الأراضي أو القوات الأميركية.

 

بالنسبة للولايات المتحدة، كانت كوريا الشمالية منذ فترة طويلة مشكلة ثانوية. فرغم تحدي بيونغ يانغ المستمر للمصالح الأميركية، فإن مشاكلها الاقتصادية وجيرانها نجحوا دائمًا في إبقائها تحت السيطرة. ولكن الولايات المتحدة ترى اليوم أن العزل والعقوبات، والبيانات "الصارمة" الصادرة عن الأمم المتحدة، لم تبطئ من توجه كوريا الشمالية للحصول على ردع نووي. كما أن السقف الكوري الشمالي ارتفع من الحصول على قوة تمكنها من التفاوض مع واشنطن إلى قوة تكسبها حصانة ضدها، وهو خطر ليس من الممكن قبوله أميركيًا حتى مع التسليم أن كوريا الشمالية لن تبدأ حربًا(15). لذا، ومع حرص الولايات المتحدة على تجنب حرب تصحبها خسائر ضخمة لها، فهي تؤكد دومًا أن "الخيار العسكري يبقى مطروحًا على الطاولة"، ويبقى هذا التناقض هو معضلة الصراع الأميركي الكوري: فمن ناحية تراهن كوريا الشمالية أن الولايات المتحدة لن تخاطر بتحمل تكاليف ضربة عسكرية، لا تبدو ضرورية ضدها، وهي تعمل على رفع تكاليف هذه الضربة في كل لحظة، في حين تدرك الولايات المتحدة أن كوريا الشمالية مهما زادت من قدراتها فإنها لن تخاطر بتوجيه ضربة مباشرة للمصالح الأميركية، ما يجعل تحمل تكلفة خوض الحرب غير مبرر. وفي مواجهة هذه الدائرة المفرغة لا تجد واشنطن بدًا من الالتفات لبكين، التي ترى واشنطن اليوم أنها القوة الوحيدة التي تحمل مفاتيح حل المعضلة الكورية الشمالية.

 

بكين

من الناحية النظرية يعد نظام بيونغ يانغ حليفًا للصين، لذا فإن الولايات المتحدة تتعمد دفع الصين للزاوية في أزمة كوريا، وتريد من الصينيين إقناع الكوريين الشماليين بالتخلي عن أسلحتهم النووية وبرنامج الصواريخ البالستية، ما يفسر الانتقادات الأميركية المتتالية من ترمب لأداء الصين في الأزمة الكورية. ويبدو أن الاعتقاد السائد في واشنطن هو امتلاك بكين لنفوذ كبير على بيونغ يانغ، وهو اعتقاد يرجع جزئيًا إلى أن الصين هي أكبر شريك تجاري لكوريا الشمالية، كما أن الصين ساهمت في زرع هذا الانطباع من خلال تقديم نفسها في كثير من الأحيان للعمل كوسيط مع كوريا الشمالية، مقابل تنازلات تجارية من الولايات المتحدة.

 

اتخذت الصين بالفعل بعض الخطوات لمحاولة الضغط على كوريا الشمالية بفعل الضغط الأميركي(16). في (فبراير/شباط) الماضي أوقفت الصين واردات الفحم الكوري الشمالي امتثالًا لإجراءات الأمم المتحدة، متسببة في انخفاض قيمة تلك الواردات من مليار دولار عام 2014 إلى 400 مليون دولار لهذا العام. وفي (يونيو/حزيران) الماضي أيدت بكين عقوبات جديدة فرضتها الأمم المتحدة على أربعة شركات كورية شمالية و14 من رموز النظام، كما أبلغت الحكومة الصينية شركاتها بشكل غير رسمي العام الماضي بالتوقف عن توظيف العمال الكوريين الشماليين. ويوفر الكوريون الشماليون حول العالم مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة للنظام، تصل إلى 2.3 مليار دولار سنويًا وفقًا لبعض التقديرات.

 

لا يمكن اعتبار الصين إذن داعمًا أيديولوجيًا على طول الخط للنظام الكوري كما يصور. فقد كانت العلاقة التاريخية بين الصين وشبه الجزيرة الكورية دومًا ملتبسة مع رفض الكوريين الخضوع للهيمنة الصينية(17)، كما تظل الحدود الكورية الصينية منفذًا يمكن أن تتعرض منه الصين للغزو البري، لذلك فإن الصين حافظت على دعمها لنظام بيونغ يانغ خوفًا من قيام كوريا موحدة مناوئة لها.

 

 وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع وزير خارجية كوريا الشمالية ري يونغ (رويترز)

 

لا تحمل الصين روابط ولاء تجاه النظام الحاكم في كوريا الشمالية، بقدر ما تعتبر تقسيم شبه الجزيرة الكورية ضرورة حتمية لمنع صعود قوة مناوئة لها على حدودها الشرقية. وفي الوقت نفسه، فإن بكين ليست مستعدة في أي وقت لتحمل عواقب مغامرات النظام الكوري الشمالي(18)، بما في ذلك عبور نحو 75 مليون شخص، أو مشروع لاجئ بالأحرى، عبر نهر يالو للأراضي الصينية حال اشتعال الحرب في شبه الجزيرة، وهم عدد سكانها. إضافة لذلك فإن الصين تضع على رأس أولوياتها الحفاظ على علاقاتها التجارية العالمية، فمع كونها بَنت اقتصادها على الصادرات الرخيصة، فإن بكين بحاجة لعلاقات اقتصادية قوية مع كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة، وهي مصالح لا تقل إستراتيجية عن علاقة الصين مع كوريا الشمالية، إن لم تزد.

 

يؤكد موجز المصالح الصينية هذا على أن بكين تبدو قابلة لتقديم بعض التنازلات لصالح واشنطن على صعيد كوريا الشمالية، ولكنه يكشف على الجانب الآخر أنه، وعلى العكس من اعتقاد المسؤولين في واشنطن، فإن بكين لا تملك ما يكفي من أوراق الضغط من أجل إجبار بيونغ يانغ على تغيير سياستها، وربما يكون أفضل ما يمكن أن تقدمه بكين هو إقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن تجاربها الصاروخية، مقابل تقليص الولايات المتحدة لعلاقاتها العسكرية مع كوريا الجنوبية، وهو ما لم تقبله واشنطن.

 

يترك كل ذلك صادرات النفط الخام الصينية كأقوى نقطة ضغط تملكها بكين. ففي حين تولد كوريا الشمالية معظم الكهرباء من الفحم، فإن جيشها يعتمد على النفط الخام القادم من الصين بما يقارب 3.7 مليون برميل سنويًا، وبإمكان توقيف الصين لهذه الصادرات أن يقلص قدرة كوريا الشمالية على خوض حرب طويلة الأجل. لكن الصين قد تقرر أنه ليس من مصلحتها خفض إمدادات النفط، لأنها لا تريد أن تكون على قائمة أعداء بيونغ يانغ حال نشوب أي صراع محتمل. وعلى الجانب الآخر، لا يبدو من المرجح أن بكين يمكن أن تساند كوريا الشمالية في أي مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أنها ستلتزِم موقفًا أكثر حيادًا حال نشوب مثل هذه المواجهة المجنونة. بيد أن هذه المعطيات لم تفلح في التخفيف من هواجس العالم من أن تقود الأزمة الكورية الشمالية، بصحبة التوترات التجارية، ووفق أي سيناريو غير متوقع، لمواجهة عسكرية بين واشنطن وبكين، وهي هواجس يبدو أن انتقلت في الآونة الأخيرة من أروقة الإعلام ومراكز الأبحاث إلى قلب البيت الأبيض.

 

فخ ثيوسيديدس.. بكين في مواجهة واشنطن

لا يشتهر البيت الأبيض اليوم باستقبال المثقفين والباحثين، فالرئيس الأميركي لا يحرص على إخفاء عدم شعوره بالكثير من الارتياح في الاستماع إلى "طنطناتهم". ربما هذا ما جعل تلك الزيارة المفاجئة لأكاديميي هارفارد في (مايو/أيار) الماضي مفاجئة ومثيرة بشكل خاص(19)، فما الذي يمكن أن يجعل رئيسًا مثل ترمب راغبًا في الحصول على حصة في التاريخ اليوناني القديم مثلًا على يد أحد هؤلاء المفكرين الذين لا يعبأ كثيرًا بهم؟

 

كان زائر البيت الأبيض غير الاعتيادي في ذلك اليوم هو "غراهام أليسون"، مفكر السياسة الخارجية الذي خدم في ظل إدارتي ريغان وكلينتون، والذي كان مدعوًا في ذلك اليوم لزيارة خاصة لمجلس الأمن القومي لتثقيف موظفيه حول أحد أكثر الصراعات شهرة في التاريخ، وهي حرب وحشية وقعت قبل 2500 عام، ولكن يبدو أن صداها ما يزال يتردد لليوم وصولًا للرئيس الأميركي الذي لا يحب القراءة.

 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ (رويترز)

 

يبلغ أليسون العجوز من العمر 77 عامًا، وقضى فترة طويلة من حياته الأكاديمية في دراسة القصة الملحمية للحرب "البيلوبونيسية" بين إسبرطة وأثينا في اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد، من خلال كتابات المؤرخ اليوناني الشهير ثيوسيديدس، الذي كان قائدًا في الجيش الأثيني قبل أن يترك الحرب ويتفرع للتأريخ والتنظير.

 

من وجهة النظر المؤرخ الأثيني الكبير، فإن الحرب بين القوتين الكبيرتين تحولت إلى ضرورة حتمية. كانت إسبرطة في ذلك التوقيت قوة مستقرة مهيمنة(20)، وجدت نفسها بشكل مفاجئ تحت التهديد من قبل أثينا الصاعدة وأسطولها البحري غير المسبوق، أسطول أثار الكثير من التوتر لدى الإسبرطيين. ووفقًا لنظرية ثيوسيديدس شديدة البساطة، فإن ذاك التوتر الناشئ نتيجة تهديد تشعر به قوة مستقرة من قبل قوة جديدة صاعدة لا يجعل الحرب مجرد خيار، ولكنه يحولها لمسألة حتمية. فوفق تعبير المؤرخ الإغريقي نفسه، فإن ما جعل الحرب بين أثينا وإسبرطة حتمية هو "نمو القوة الأثينية والخوف الذي أثاره ذلك في إسبرطة"، وهو المفهوم الذي صار يطلق عليه اليوم في عالم العلاقات الدولية اسم "فخ ثيوسيديدس".

 

قضى أليسون وزملاؤه في جامعة هارفارد سنوات في دراسة "فخ ثيوسيديدس"، من خلال تتبع حالات صعود قوة دولية ناشئة وأثرها على سلوك القوة المهيمنة، ليخلص إلى أن التوتر "البنيوي" الناجم عن ذلك يجعل من الصدام العنيف هو القاعدة وليس الاستثناء. ومن ضمن 16 حالة مشابهة درسها أليسون على مدار القرون الخمسة الماضية، وجد أن 12 حالة منها انتهت إلى النزاع العسكري، بداية من نموذج الحرب الأصلية بين أثينا وإسبرطة، إلى التنافس البحري بين الولايات المتحدة واليابان في المحيط الهادئ، مرورًا بالتنافس البريطاني الألماني قبيل الحرب العالمية الأولى. ولكن ما أثار انتباه البيت الأبيض على ما يبدو هو حقيقة أن أليسون يرى أن الطريقة التي تطور بها التنافس الاقتصادي والسياسي إلى نزاع عسكري(21)، في الكثير من هذه الحالات، يحمل العديد من أوجه الشبه مع مسلسل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين الذي يشهده عالم اليوم.

 

جاءت زيارة أليسون للبيت الأبيض في وقت كانت فيه واشنطن تستعد لاستقبال وفد أمني صيني للحديث حول كوريا الشمالية(22)، وفي وقت كانت واشنطن توجه فيه جزءً كبيرًا من غضبها لبكين بسبب فشلها في احتواء النظام الحليف في بيونغ يانغ، ورفضها الالتزام بالعقوبات المفروضة على كوريا الشمالية. بيد أن زيارة أليسون لم تكن الحضور الأوحد لهواجس "ثيوسيديدس" في إدارة ترمب. بالإضافة إلى كبير إستراتيجييه المُبعد مؤخرًا ستيف بانون(23). يعتبر مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر أعمال ثيوسيديدس نصوصًا عسكرية أساسية، كما أقر مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في (يوليو/تموز) 2013 أن الناس يتقاتلون اليوم للأسباب نفسها التي حددها ثوسيديدس قبل 2500 سنة وهي الخوف والشرف والمصلحة.

 

ورغم ذلك، تبقى هناك الكثير من الفجوات في نظرية أليسون، أهمها أنه لم يتم اختبارها في أي حالة منذ عصر السلاح النووي. وقد أنضجت الأسلحة النووية نظرية الردع النووي الخاصة بها، منذ أن نجحت الولايات المتحدة في احتواء أزمة الصواريخ الكوبية. كان التوازن النووي دومًا دافعًا لتجنب الحرب، فالشيء الوحيد الأسوأ من امتلاك السلاح النووي هو استخدامه فعليًا. ومع افتراض العقلانية في جميع أطراف الصراع، فإن التعامل الدبلوماسي مع كوريا شمالية مسلحة نوويًا يبقى خيارًا أقل تكلفة مهما بلغت صعوبته من المقامرة بإدخال العالم في حرب نووية.

 

يُثبت فاعلو الأزمة إلى اليوم أن تصرفاتهم أكثر عقلانية وبرغماتية مما تظهره خطاباتهم، ولكن لا يبدو أن افتراض العقلانية سيفلح في تخفيض مخاوف أليسون الذي كتب يومًا قبيل انتخاب ترمب قائلًا(24) "لو كانت هوليود ستصنع فيلما يجمع الصين والولايات المتحدة، فإنني أحسبُ أن القائمين على اختيار الممثلين لن يجدوا ممثلين رئيسيين أفضل من تشي جين بينغ ودونالد ترمب، وذلك لأن كليهما يجسّدان طموحات بلديهما العميقة للعظمة الوطنية،  لكن الخطير في الموضوع ربما هو أن كلا الرجلين ينظران إلى الدولة التي يحكمها الآخر باعتبارها العقبة الرئيسية في طريق أحلامه".

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك