اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/12 الساعة 18:03 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/21 هـ

انضم إلينا
الأحلام المغربية.. صراعات سياسية للخروج من كماشة المغرب العربي

الأحلام المغربية.. صراعات سياسية للخروج من كماشة المغرب العربي

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض

"عليك أن تعرف أن رجلًا اسمه ألفا كوندي هو الذي صنع فرحتكم هذه الليلة"

(عبارة أطلقها مصدر دبلوماسي لمراسل موقع "اليوم 24"، في قمة الاتحاد الأفريقي، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، العام الحالي 2017.) (1)

 

كانت معركة شرسة تلك التي خاضها ألفا، ألفا كوندي الرئيس الغيني ورئيس الاتحاد الأفريقي الجديد، وصديق المغرب المقرّب، بوجه قوى ثقيلة في القارة الأفريقية مثل جنوب أفريقيا والجزائر، لتمرير قرار عودة المملكة المغربية للاتحاد الأفريقي كعضو كامل أول العام الحالي؛ بناءً على طلب مدعوم من 39 دولة أفريقية.

 

كانت الفرحة فرحتين بالنسبة للرباط، إذ إن 28 دولة قررت التقدًّم بطلب لتعليق عضوية الجمهورية الصحراوية الممثلة بجبهة البوليساريو، والراغبة بالانفصال بمنطقة الصحراء الغربية عن المملكة المغربية بالكامل أيضًا. كان المغرب على علم تام بأن ذلك الطلب رمزي تمامًا وغير قابل للتطبيق في اتحاد يغيب عنه منذ عقود، ولا تزال دول هامة ومؤثرة فيه باقية على دعمها المفتوح للبوليساريو، لكن توقيع أكثر من نصف أعضاء الاتحاد ظل انتصارًا سياسيًا يحمل الكثير من المعاني، وهزيمة بدرجة ما للجزائر؛ الغريم الرئيس الذي تزعم باستمرار جهودَ صد المغرب عن القارة الأفريقية.

 

بيد أن الانتصارين الدبلوماسيَّين شابتهما "صدمة" كما وصفتها الصحافة المغربية(2)، تمثلت بتخاذل القاهرة عن دعم استعادة المغرب لعضويته حتى اللحظات الأخيرة، و"الصمت الدبلوماسي" الذي التزمت به طوال المعركة داخل قاعة القمة الأفريقية، قبل أن تقرر الانضمام المتأخر لقطار الدول التسع والثلاثين المصوّتة لعودة المغرب.

شكّلت القاهرة "إحباطًا شديدًا" للوفد المغربي الذي توقع دعمها في وقت مبكّر كدولة عربية داخل الاتحاد، على غرار الموقف الواضح الذي أعلنته السودان بدعم عودة المغرب قبل القمة، لكن حسابات القاهرة المعقّدة في ليبيا وضرورات التنسيق مع الجزائر(3)، بالإضافة لمسألة تزويد الجزائر لمصر بالغاز، دفع بالأخيرة -على عكس ما جرت العادة- بالتراجع عن الحياد المعهود بين المغرب والجزائر، والميل ضمنيًا للموقف الجزائري بالاختفاء من المشهد الدبلوماسي لعودة المغرب للاتحاد، والاكتفاء بالتصويت لصالحها في نهاية القمة.

مشاركة ملك المغرب محمد السادس في القمة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا (رويترز)


"يوم جميل ذلك الذي نعود فيه لبيتنا بعد غياب طويل"، كذا أعلن محمد السادس، ملك المغرب، عودة بلاده إلى الاتحاد الأفريقي كعضو كامل في (يناير/كانون الثاني) المنصرم(4)، بيد أنها عودة يدين بها للرصيد الدبلوماسي الثقيل الذي بناه المغرب في دول أفريقية عدة على مدار العقد ونصف الأخير تقريبًا(5)، وهو رصيد ابتعد عن الدول العربية، وارتكز بالأساس لدول الساحل بغرب أفريقيا حيث ينصب اهتمام الرباط منذ سنوات.

تشي الخارطة هُنا بالكثير مما تغيّر تجاه المغرب في أفريقيا، وهو حصيلة لما تغيّر تجاه أفريقيا داخل المغرب في المقام الأول، والذي يخوض عملية إعادة تعريف موسّعة لأسس سياسته الخارجية لم يلحظها ربما أغلب المتابعين للشؤون المشتعلة في قلب الشرق الأوسط.

 

جلس محمد السادس على العرش وهو يحمل في جعبته أحلامًا ثلاثة، سياسية واقتصادية وثقافية، تجاه أفريقيا تمنحه مساحة للمناورة بديلًا من الاعتماد المطلق على أوروبا، وتخرج به من عُنق "المغرب العربي" المستحيل إلى آفاق الساحل والصحراء. فكيف وصل المغرب لتلك الخريطة إذن؟

 

الخروج من الحصار

في (ديسمبر/كانون) الأول من العام 2015م، قررت موريتانيا رفع علمها في مدينة الكويرة الحدودية بينها وبين المغرب(6)، في أقصى جنوب الصحراء الغربية على سواحل الأطلسي، وهي المدينة التي تعتبرها المغرب جزءًا من أراضيها وكذلك الجمهورية الصحراوية، لكنها تخضع للسيطرة الموريتانية فعليًا. دفع ذلك التحرّك بالمغرب إلى إرسال قواته الأمنية إلى أقصى جنوب الصحراء في منطقة الكركرات الحدودية بحُجة مكافحة التهريب، وهو ما تبعه قيام نواكشوط بتنصيب الصواريخ على الحدود المغربية وإعلان حالة التأهب.

 

شهدت السياسة الموريتانية تحت رئاسة محمد ولد عبد العزيز -على عكس أسلافه-، انحيازًا كبيرًا لصالح الجزائر على حساب المغرب (رويترز)

 

تبع تلك التوترات عام 2016م قيام الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز ببعث رسالة تأبين للجمهورية الصحراوية بعد وفاة قائد جبهة البوليساريو السابق محمد عبد العزيز، واصفًا إياه بـ"الرئيس"، علاوة على إيفاد وفد رفيع المستوى لحضور جنازته، ثم استضافة القمة العربية في نفس العام بنواكشوط، مع وضع خريطة للمغرب بدون الصحراء، في خروج واضح على القاعدة الأزلية المتبعة داخل أروقة الجامعة العربية.

 

على العكس من السياسة الخارجية الأكثر توازنًا لأسلافه، شهدت السياسة الموريتانية تحت رئاسة محمد ولد عبد العزيز، منذ وصوله للسُلطة في انقلاب عسكري عام 2008م، انحيازًا كبيرًا لصالح الجزائر على حساب المغرب، ومن ثم تجاهلها المغرب بشكل واضح في إستراتيجية محمد السادس تجاه دول غرب القارة، ولم يزُرها خلال السنوات العشر الماضية، على عكس زياراته الدؤوبة لدول المنطقة، بل وزيارة بعضها أكثر من مرة مثل السنغال، في مقابل خفض نواكشوط لتمثيلها الدبلوماسي في المغرب إلى المستوى القنصلي فقط منذ حوالي ست سنوات.

 

ست سنوات قضتها الرباط بدون سفير موريتاني، وحوالي عقد كامل قضاها البلدان بدون حوار دبلوماسي حقيقي في ظل اصطفاف موريتاني غير مسبوق مع الجزائر، وهو اصطفاف شكّل أزمة كبيرة للسياسة المغربية، أولًا لما يمثله من قدرة فعلية على عزل المغرب عن اتصالها الجغرافي المفتوح ببقية أنحاء القارة الأفريقية، وثانيًا لما يشكله من ظهير جغرافي سياسي ثقيل للجمهورية الصحراوية المتمركزة للأجزاء الشرقية من الصحراء الغربية.

 

كان لزامًا على السياسة المغربية أن تتخذ خطوات عديدة للخروج من تلك الكمّاشة الجيوسياسية، أبرزها في المقام الأول الالتفاف عليها نحو غربي القارة بترسيخ العلاقات مع السنغال ومالي، ومن بعدهما نيجيريا باعتبارها الدولة الأثقل في غرب أفريقيا، مرورًا بغينيا وسيراليون وليبريا وساحل العاج وغانا وتوغو وبنين على الساحل الأفريقي، وثانيها أيضًا محاولة حشد الطاقات الدبلوماسية في أوروبا، شريك المغرب التجاري الأول وحليفها الكلاسيكي كما يفترض حتى الآن، لتطويق الكماشة من الشمّال، بيد أن الأخيرة بدت صعبة خلال السنوات الست الماضية على ضوء توتر العلاقات بين الرباط وبروكسل، وتعقّد الحسابات في المغرب العربي بسبب الملف الليبي.

خارطة للمغرب والبوليساريو والحدود المتنازع عليها (الجزيرة)


في (فبراير/شباط) من العام الماضي 2016م، قررت المملكة المغربية تعليق العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي جملة واحدة، وهي خطوة حادة أتت ردًا على قرار محكمة العدل، التابعة للاتحاد الأوروبي، بوقف اتفاقية تجارية بين الجانبين الأوروبي والمغربي؛ نظرًا لاشتمالها على منطقة الصحراء الغربية، والتي تعتبرها بعض الدول الأوروبية مثل السويد "أراضٍ محتلة" بالتعبير النصي، وتطالب بحقها في تقرير المصير.

 

لم تدُم القطيعة طويلًا، لكن التوتر في العلاقات التجارية والسياسية بين المغرب وبروكسل ظل يتأرجح مرات ومرات(7)، منها ما حدث قبلها في (أكتوبر/تشرين الأول) عام 2015م، حين منعت المغرب افتتاح متجر إيكيا السويدي الشهير للأثاث على خلفية أقاويل بنية السويد الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وهو أمر نفته السويد حينها، ثم تصويت البرلمان الدنماركي في (يونيو/حزيران) 2016 على "تثبيط" التعاون والتجارة مع المؤسسات الموجودة بالصحراء الغربية باعتبارها "أراضٍ متنازع عليها"(8)، ودعوة الشركات الدنماركية للامتناع عن النشاط فيها ما لم تتيقن من استفادة السكان المحليين.

 

كان الاتجاه "الديمقراطي" الجزئي الجديد في المغرب سببًا أيضًا في الاقتراب من دول غرب أفريقيا، وبعضها ديمقراطي مثل السنغال ونيجيريا وغانا وبنين وسيراليون

تعاني الرباط منذ سنوات من تباين المواقف بين مختلف المؤسسات الأوروبية المختلفة(9)؛ إذ عانت سفن مغربية كثيرة من التعطيل في موانئ أوروبا نظرًا للموقف المبهم تجاه المنتجات القادمة من الصحراء الغربية، واشتمال الاتفاقيات التجارية بين أوروبا والمغرب عليها من عدمه، بيد أن أزمة اليورو الاقتصادية منحت الرباط سببًا إضافيًا للرغبة في الفكاك من الاعتماد الشديد على أوروبا، حيث تأثر السوق المغربي سلبًا بعلاقاته التجارية الوطيدة مع أوروبا في قطاعات معيّنة طبقًا لصندوق النقد الدولي.

 

يذهب ما يزيد عن 60% من صادرات المغرب للاتحاد الأوروبي(10)، بقيمة 22 مليار دولار، وبالأخص لفرنسا وإسبانيا صاحبتي النصيب الأكبر، في حين لا تزيد صادراتها الموجهة لأفريقيا عن 10 %، تحتل السنغال النصيب الأكبر منها بـ250 مليون دولار فقط في عام 2013. ولا يبدو ذلك التوزيع للعلاقات التجارية المغربية ذكيًا لأسباب عدة، منها أن صادرات المغرب ليست سوى نُقطة في بحر الصادرات الموجهة لأوروبا، فالملابس المغربية التي يتجه أكثر من 75% منها لأوروبا، لا تشكل أكثر من 1% من أسواق فرنسا مثلًا.

 

لذا، تصبح العلاقات التجارية المغربية الأوروبية محورية فقط بالنسبة للرباط، لكنها لا تساوي الكثير في بروكسل، ومن ثم لا تجد الأخيرة نفسها مُرغمة على تبني مواقف سياسية واضحة تجاه ملف الصحراء الغربية، أما القارة الأفريقية ذات الاقتصادات النامية الصغيرة، فإن جزءً بسيطًا من إعادة توجيه التجارة المغربية ناحيتها كفيل بمنح الرباط ثقلًا هائلًا فيها، ومن ثم كسب أرضية دبلوماسية عامة للمواقف المغربية بشكل عام، وملف الصحراء بشكل خاص.

 

فترت العلاقة بين واشنطن والمغرب إثر مواقف أميركية أكثر تعاطفًا من ذي قبل مع ملف الصحراء في أروقة المؤسسات الدولية تحت إدارة أوباما (رويترز)

 

كشفت تلك الحقيقة عن نفسها بالتحديد بعد اندلاع الثورات العربية وسقوط نظام القذافي في ليبيا، الأمر الذي دفع فرنسا للميل ناحية الجزائر للتنسيق حيال الفوضى الجارية في ليبيا، وكذا الحال مع مصر، مما أفقد المغرب رصيدًا سياسيًا جديدًا، بل وأحدث توترًا في العلاقات مع فرنسا بشكل خاص، دفع الرباط إلى الميل لتُركيا كمتنفّس جديد لها في المتوسط(11)، لا سيما مع النهج المختلف الذي قرر الملك التعامل به مع الإسلاميين بالمقارنة مع الجزائر ومصر وحلفاء الأخيرة في ليبيا، مما جعله قريبًا نسبيًا للنظام في تركيا.

 

كان الاتجاه "الديمقراطي" الجزئي الجديد في المغرب سببًا أيضًا في الاقتراب من دول غرب أفريقيا، وبعضها ديمقراطي مثل السنغال ونيجيريا وغانا وبنين وسيراليون(12)، والأولى بالتحديد حظيت بنصيب وافر من الاهتمام المغربي نظرًا لمتاخمتها لموريتانيا وعلاقتها المتوترة مع نواكشوط من ناحية، وعلاقتها السياسية والتجارية القوية مع المملكة من ناحية أخرى(13).

 

عزز من ذلك الاتجاه فتور العلاقة بين واشنطن والمغرب إثر مواقف أكثر تعاطفًا من ذي قبل مع ملف الصحراء في أروقة المؤسسات الدولية تحت إدارة أوباما، وهو ما أشار له روبرت ساتلوف مدير مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في دراسة قام بها موجهة لإدارة دونالد ترمب(14)، إذ استعرض ساتلوف ما أسماه بـ"النقد غير المتوازن" من جانب واشنطن للمغرب، وطالب الإدارة الجديدة باستعادة الثقة في الرباط ودعم خطتها للحُكم الذاتي في الصحراء باعتبارها "خطة جدية وعملية".

 

ما إن كانت توصيات ساتلوف سيؤخذ بها أم لا، هو أمر لم ينكشف بعد في خضم العواصف السياسية الأميركية، غير أن "الرابطة الأطلنطية" تلك لن تتعافى تمامًا نظرًا للأهمية المتضائلة للروابط الأطلنطية بشكل عام في واشنطن، لصالح الروابط الآخذة في الاتساع مع آسيا، وبالنظر لخيبة الأمل حيال الإدارة الجديدة بين بعض دول الناتو التي تحمّست لترامب سابقًا لما توقعته من مراجعة مواقف أوباما السابقة، مثل تركيا، لذا فلا يبدو أن الدور الأصغر للدار البيضاء في ميزان المواقف الأميركية سيستعيد أهميته في أي وقت قريب.

 

بعلاقة غير متكافئة سياسيًا مع بروكسل، وتراجع أميركي عن المواقف السابقة تجاه المغرب، وانشغال مصر بملف ليبيا، بالإضافة لانحياز موريتانيا تجاه الجزائر في السنوات الأخيرة، لم يكن ثمة خيار أمام الرباط سوى المضي في إستراتيجية جديدة في غرب أفريقيا، والتي باتت فريضة يُمليها الواقع على القيادة المغربية، للخروج من الكماشة التي وجدت نفسها فيها خلال العقد الماضي.

 

غرب القارة يرحّب بالملك
وقعَّ المغرب منذ انطلاق الألفية الجديدة حوالي ألف معاهدة واتفاقية مع مختلف بلدان القارة الأفريقية، وقام الملك بـ 46 زيارة لـ 25 دولة أفريقية في نفس الفترة (رويترز)

 

قبل حوالي ثلاثة أعوام، كانت منطقة غرب أفريقيا على موعد مع أزمة وباء الإيبولا، والذي انتشر بشكل واسع في غينيا وليبريا وسيراليون، وبدرجة أقل في السنغال ومالي ونيجيريا، ليحصد آلاف الأرواح، ويجلب حظرًا من معظم شركات الطيران العالمية على الطيران إلى عواصم البلدان الثلاثة الأكثر تضررًا. في تلك الأثناء، قررت خطوط الطيران الملكية المغربية أن تسبح عكس التيار(15)، إلى جانب الطيران البلجيكي، وتستمر في جدول طيرانها المعتاد للعواصم الثلاث.

 

كان القرار، على لسان المتحدث باسم الطيران المغربي آنذاك، إنسانيًا، ومعبرًا عن الالتزام المغربي الدائم تجاه القارة الأفريقية، وهي كلمات عكست الاهتمام المغربي الواضح بالتواصل مع دول الساحل على غير المعتاد من جانب المغرب؛ إذ عودتنا الرباط خلال عقود ما قبل الألفية على اعتمادها المُفرط على العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، وتجاهل معظم دول القارة التي تعاطفت معظمها مع جبهة البوليساريو واستقلال الجمهورية الصحراوية.

 

في الحقيقة، لم تكن طائرات المغرب تهبط إلا في 14 دولة أفريقية فقط حتى العام 2007م، لكن السنوات العشر الماضية شهدت ارتفاع الرقم لأكثر من الضعف، 32 دولة تحديدًا، وهي رحلات دفعت من أجلها الرباط تعزيزًا للإستراتيجية، لكنها أيضًا أتت انعكاسًا للمصالح التجارية بين الرباط وعواصم القارة المختلفة.

وقعَّ المغرب منذ انطلاق الألفية الجديدة حوالي ألف معاهدة واتفاقية مع مختلف بلدان القارة الأفريقية(16)، وقام الملك بـ 46 زيارة لـ 25 دولة أفريقية في نفس الفترة، والتي شهدت بالتبعية توسّع التجارة المغربية مع منطقة الساحل من 300 مليون دولار في مطلع التسعينيات، إلى مليار دولار عام 2008، بالتزامن مع انتشار مكثّف للشركات المغربية في غرب أفريقيا بالتحديد، حيث تركزت أكثر من 85% من الاستثمارات الخارجية للمغرب، حصلت منها مالي على النصيب الأكبر، تلتها ساحل العاج وبوركينافاسو والسنغال والغابون.

تتواجد شركة الاتصالات ماروك تيليكوم في بنين وتوغو وأفريقيا الوسطى والجابون والنيجر وساحل العاج، بعد شرائها لأفرع شركة أتلانتيك تيليكوم في هذه البلدان من مالكها السابق شركة اتصالات الإماراتية (مواقع التواصل )


توسعت البنوك المغربية لتوجد اليوم في أكثر من عشرين بلدًا أفريقيًا(17)، أبرزها مجموعة بنك التجاري وفا الأكبر في المغرب، وثالث أكبر بنك في أفريقيا، والذي يعمل الآن بإحدى عشرة دولة في منطقتي الساحل والصحراء، بالإضافة لتونس وليبيا، كما يوجد البنك المغربي للتجارة الخارجية، باسم "بنك أفريقيا"، في 18 بلدًا بشرق ووسط وغرب أفريقيا، وكذلك البنك الشعبي المركزي، ويوجد ثلاثتهم في السنغال ومالي والنيجر وساحل العاج وتوغو.

تتواجد أيضًا شركة الاتصالات المغربية ماروك تيليكوم، حيث تملك فروعًا في 11 بلدًا أفريقيًا بأسماء مختلفة منها مالي وبوركينافاسو، وكذلك كُل من بنين وتوغو وأفريقيا الوسطى والجابون والنيجر وساحل العاج، بعد شراء الشركة المغربية لأفرع شركة أتلانتيك تيليكوم في هذه البلدان الستة من مالكها السابق شركة اتصالات الإماراتية(18).

تعمل وزارة الأوقاف المغربية منذ سنوات على طرح برامج مخصصة لتدريب الأئمة في دول غرب أفريقيا كما جرى قبل ثلاثة أعوام حين وقع المغرب مع غينيا اتفاقًا لتدريب خمسمائة إمام

لا يتوقف نظام الرباط عند توطيد صلاتها مع بلدان الساحل التجارية بالدار البيضاء، بل وتحويل الأخيرة لمركز تجاري لمنطقة غرب أفريقيا بأسرها، لتصبح معها المغرب البوابة الرئيسية للقوى الاقتصادية الكبرى الراغبة بالتواجد في المنطقة، وأبرزها الصين، والتي عٌقدت معها قمة صينية أفريقية لرواد الأعمال في مراكش العام الماضي(19)، بالإضافة لزيارة محمد السادس للصين في نفس العام، وتوقيع اتفاق من أجل صندوق نقد أفريقي-صيني مقره الدار البيضاء.

علاوة على كل ذلك، لم تفقد الرباط اهتمامها بأوروبا، وإن كانت راغبة بكسر هيمنتها التجارية غير المُجدية سياسيًا، ومن ثم يأتي المشروع الأهم بالنسبة للمغرب، والذي قد يجعلها أكثر مركزية للقارة العجوز، وهو تدشين خط أنابيب للغاز يمر بمحاذاة الساحل بدءً من نيجيريا مرورًا ببنين وتوغو وغانا وساحل العاج وسيراليون وليبريا وغينيا والسنغال وموريتانيا ثم المغرب، قبل أن يتجه بعد ذلك لأوروبا.

لا يزال المشروع العملاق قيد النظر رُغم الإعلان عنه في منابر عدة(20)، لكنه يحمل للمغرب فوائد عديدة، أهمها تعزيز الرابطة الساحلية أبوجا-دكار-الرباط على حساب الرابطة الصحراوية دكار-الجزائر، والترويج لممر آمن للغاز المتجه لأوروبا بدلًا من الخط الصحراوي الأكثر عُرضة للتوتر حاليًا بسبب انتشار الجماعات المسلحة في الصحراء، وبالتبعية القدرة على عزل الجزائر بشكل أكبر واكتساب مفاتيح اقتصادية جديدة في العلاقة مع أوروبا من ناحية وغرب أفريقيا من ناحية، علاوة على جذب موريتانيا إلى المدار الساحلي بتعدادها الضئيل -ثلاثة ملايين نسمة- واقتصادها الضعيف -أربعة مليارات دولار فقط.

 

ليست العلاقات التجارية فقط هي ما يحاول المغرب تعزيزه في منطقة الساحل، بل وريادته الثقافية والدينية أيضًا، إذ تعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب منذ سنوات على طرح برامج مخصصة لتدريب الأئمة المسلمين في دول منطقة الغرب، كما جرى قبل ثلاثة أعوام حين وقع المغرب مع غينيا اتفاقًا لتدريب خمسمائة إمام للعمل بمساجد البلد الأفريقي الصغير(21)، وتعداده حوالي ثمانية ملايين غيني، وبرنامج مشابه لتدريب خمسمائة إمام من مالي.

ذاع صيت تلك الدورات التدريبية(22)، ووصل طلابها إلى المئات من السنغال وساحل العاج والغابون وتونس، بل وإلى الدول الغربية التي يحاول المغرب الترويج لنفسه فيها كـ"معقل للثقافة الإسلامية المعتدلة" كما يطلق عليها، في مواجهة ما يطلق عليه "الحركات المتطرفة" المنتشرة في منطقة الصحراء وبالقارة الأوروبية نفسها.

 

أسس المغرب مركزا تعليميا لتدريب الأئمة الأجانب، وهو اتجاه ليس لمحاربة "التطرف" فقط، بل للوقوف أمام المد الشيعي في أفريقيا

رويترز
 

لم يكن غريبًا إذن أن تصبح فرنسا وبلجيكا وروسيا على قائمة الراغبين في التعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية(23)، فقد وقع محمد السادس مع الرئيس الروسي بوتين اتفاقًا للتعاون بين الوزارة ومجلس شورى المفتين الروس لاستقدام أئمة من المغرب وتقديم الدورات التدريبية للأئمة الروس(24)، واتفاقا مشابهًا مع نظيره الفرنسي أولاند عام 2015 لإرسال بعض أئمة فرنسا إلى المغرب.

 

دفع كل ذلك بالمغرب لتأسيس مركز تعليمي مخصص لتدريب الأئمة الأجانب(25) بقيمة عشرين مليون دولار في (مارس/آذار) عام 2015، وهو اتجاه ليس المطلوب منه فقط مواجهة "التطرف"، بل والوقوف لما يُسمّى بالمد الشيعي طبقًا لتوصيات قسم الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية المغربية(26)، حيث تشهد دول عدة بغرب أفريقيا مثل مالي والسنغال نشاطات ثقافية إيرانية تشكّل غطاءً لنشر المذهب الشيعي فيما يعتبره المغرب معقلًا تاريخيًا للإسلام السُني على المذهب المالكي(27).

 

لا نعلم على وجه اليقين مدى فعالية تلك الجهود من عدمها في اجتذاب الشباب المسلم بالقارة، وإمكانية تأثيرها ثقافيًا مقابل اقتصارها على دوائر شبابية مؤيدة للنظم المحافظة كما جرت العادة مع تلك التحركات "الإسلامية الرسمية" في بلدان عدة، بيد أن الروابط التاريخية بين المغرب وأسرته الحاكمة من ناحية، والطرق الصوفية والثقافة السنية المالكية لغرب أفريقيا تشي، على أقل تقدير، بإمكانية تشكيل تلك الجهود المغربية لحاضنة ثقافية إسلامية بمنطقة الساحل ترتكز لقبلتها التاريخية في مدن المغرب.

 

الإستراتيجية الثلاثية

إبان وصوله للعرش، وجّه محمد السادس أنظاره بشكل خاص نحو تحديث مؤسسات وأساليب الدبلوماسية المغربية، محاولًا الابتعاد عن النموذج الفرنسي الذي تأثرت به المغرب على غرار كافة الدول الفرانكوفونية، والاقتراب من النموذج الأميركي، في أوج نجاحاته آنذاك، الأكثر اعتمادًا على التكنوقراط، والجوانب الاقتصادية والتجارية. كانت أول خطوة هي تدشين شهادة الماجستير في الدراسات الدولية والدبلوماسية عام 2000 في جامعة الأخوين بمدينة إفران، ثم تأسيس الأكاديمية الملكية المغربية للدبلوماسية في نفس المدينة عام 2004، قبل أن تتحول إلى الأكاديمية المغربية للدراسات الدبلوماسية في الربّاط عام 2011.

 

تمت هذه التجارب بالتنسيق مع جامعة الأخوين الموجودة منذ حوالي ربع قرن لإتاحة الدراسات باللغة الإنجليزية وفق النظام التعليمي الأميركي، وقد حظيت الجامعة منذ وقت مبكر بفُرصة التعاون مع وزارات مغربية مختلفة من أجل خريجيها، لا سيما وزارة الخارجية، إذ قام وزير الخارجية السابق محمد بن عيسى، صاحب الميول الأميركية القوية كسفير سابق في واشنطن، منذ مطلع الألفية بالإشراف على التعاون بين الوزارة والجامعة بهدف التركيز على مهمة تأهيل الخريجين للعمل بالسلك الدبلوماسي، وضرورة تجاوز الإرث الفرانكوفوني للدبلوماسية المغربية.

 

كانت محاولات التحديث تلك جزءً من إستراتيجية الرباط في تجاوز الخطوط التقليدية للسياسة المغربية، والتي لم ترَ علاقاتها مع أفريقيا سوى من زاوية الملف الصحراوي، واقتصرت أهدافها الرئيسية على تعزيز العلاقات مع أوروبا وفرنسا بشكل خاص، وكسب دعم الغرب لموقفها. بيد أن الواقع فرض تغيير تلك السياسة بعد تخبُّط الموقف الأوروبي وركود اقتصاده في آن، علاوة على تراجع اهتمام واشنطن بما يدور على الناحية الأخرى للأطلنطي، وتعقًّد الموقف المصري على خلفية ما يجري في ليبيا بعد 2011.

 

اتخذ الإيكوواس قراره ووافق على ضم المغرب "من حيث المبدأ" لجسد الغرب الأفريقي الاقتصادي. (رويترز)

 

إستراتيجية شاملة دشّنتها الرباط متجاوزة للارتكاز الصحراوي الذي شكل الهاجس الرئيسي لكل سياساتها، واعتمدت على أهداف ثلاثة؛ أولها الخروج من كماشة المغرب العربي، وهو المشروع السياسي شبه المستحيل بالنظر للتنافر المستمر بين الجزائر والمغرب، والبحث عن دخول القارة كهدف بحد ذاته عبر العلاقات مع دول الساحل والصحراء في غرب أفريقيا، وكسب دعم بلدانه تدريجيًا لموقف المغرب الصحراوي مع تجذُّر تلك الشراكات.

 

ثانيها تبني سياسة تكنوقراطية اقتصادية في المقام الأول لا تضع مسألة الصحراء أو أي مسألة سياسية في القلب من تقييمات المغرب لعلاقاتها، بل تستند لأولوية دخول الأسواق والتأثير الاقتصادي في القارة عبر شتى الشركات المغربية، لا سيّما مع التفوق الواضح للمغرب كدولة متطورة نسبيًا في مجالات عدة بالمقارنة مع معظم بلدان أفريقيا، وأخيرًا، امتلاك أجندة "ثقافية-دينية" واضحة وقائمة بحد ذاتها، مستغلة في ذلك موجة «مكافحة التطرف» السائدة شرق أوسطيًا وعالميًا لتوسيع تواجدها وكسب الدعم الغربي لها، علاوة على الروابط الإسلامية التاريخية بين المغرب ومسلمي غرب أفريقيا.

 

التحفظ على ضم الرباط كعضو كامل في تجمع الإيكوواس حتى الآن لن يقوّض كثيرًا من قطار استثماراتها الاقتصادية ونشاطاتها الثقافية وأهدافها السياسة حيال الصحراء، والذي سيمضي بالمرور عبر الإيكوواس أو بدونه

بعد أسابيع قليلة من عودته لـ"بيته" الأفريقي، بدأت خطوة جديدة من جانب المغرب نحو دول الساحل، تمثلت بمفاجأة التقدم بطلب الانضمام للتجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا المعروف بالإيكوواس(28)، ويضم 15 بلدًا هم: نيجيريا، النيجر، مالي، السنغال، غامبيا، غينيا، غينيا بيساو، ليبريا، سيراليون، ساحل العاج، الرأس الأخضر، غانا، بوركينافاسو، بنين، توغو.

 

اتخذ الإيكوواس قراره ووافق على ضم المغرب "من حيث المبدأ" لجسد الغرب الأفريقي الاقتصادي في (يونيو/حزيران) الماضي(29)، رغم تخلف محمد السادس عن حضور القمة تبعًا لسبب معلن للرباط هو "الحضور الإسرائيلي"، وهو قرار اتخذ برغم علاقات نيجيريا الوثيقة مع الجزائر، إلا أن أوراق المغرب كانت على ما يبدو أقوى من الحضور الجزائري بشكل ما.

 

لم يعن ذلك انتهاء اللعبة بالنسبة للجزائر، وإنما نجد أوراقها متمثلة في التصدر النيجيري لمسار "التأني حتى اعتماد المغرب عضوًا بشكل فعلي"، وهو أمر مفهوم ضمن إطار العلاقات الجزائرية النيجيرية، لذا لم تعط نيجيريا حتى الآن ضوءً أخضر للاتحاد بضم المغرب، ولذا نجد أن الإيكوواس ما زال "يدرس عواقب ضم الرباط" كما أعلن للجميع أواخر (يوليو/تموز) المنصرم(30).

 

ما إن كان الإيكوواس سينحاز للحياد حيال المغرب العربي، أم يميل لضم اقتصاد قوي وحليف سياسي ثقيل كالرباط، هو ما ستكشف عنه الأيام القادمة، بيد أن التحفظ على ضم الرباط كعضو كامل حتى الآن لن يقوّض كثيرًا من قطار استثماراتها الاقتصادية ونشاطاتها الثقافية وأهدافها السياسة حيال الصحراء، والذي سيمضي بالمرور عبر الإيكوواس أو بدونه.

المصادر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك