اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/24 الساعة 16:20 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/4 هـ

انضم إلينا
الفدائي والسياسي والمُعتقل.. أوجه "مهدي عاكف" الثلاثة

الفدائي والسياسي والمُعتقل.. أوجه "مهدي عاكف" الثلاثة

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

لم تكن بضع رصاصات أطلقت في شارع مظلم مع مطلع الليل كفيلة بإنهاء حياة الشيخ الأربعيني ذائع الصيت، قوي البنية. يحكي(1) شهود الحادث أن الرجل ظل واقفًا على قدميه، وطارد بنفسه السيارة الرسمية رقم 9979 التي أطلقت النار عليه لالتقاط أرقامها، قبل أن ينتقل صحبة مرافقه وصهره "عبد الكريم منصور" للقصر العيني لتلقي العلاج. ما حدث في المشفى مساء الثاني عشر من (فبراير/شباط) عام 1949م ما تزال تفاصيله موضع جدل(2) كبير، ولكن ما يعرفه الجميع أن "حسن البنا" لم يغادر القصر العيني في تلك الليلة إلا جثة هامدة، وأنه توفي بعد منتصف الليل، وبعد مرور أربع ساعات كاملة من عملية إطلاق نار لم تسفر عن إصابة قاتلة.

 

يستحضر كثيرون تفاصيل تلك الليلة بصورة تلقائية في ليلة وداع الشيخ التسعيني "محمد مهدي عاكف"، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، الذي وافته المنية أول أمس الجمعة، رغم زهاء سبعة عقود كاملة تفصل بين المشهدين، وهم محقون في ذلك على كل حال. فالمفارقات بين الليلتين أكثر من أن تحصى، بداية(3) من المكان ذاته "القصر العيني"، الذي لفظ فيه الرجلان أنفاسهما الأخيرة، إلى تلك التفاصيل شديدة التشابه التي جمعت بين الوفاتين.

 

لم يتم اغتيال مهدي عاكف بشكل تقليدي كما حسن البنا، ولكن احتجاز رجل تسعيني لقرابة أربع سنوات قضى أغلبها في زنزانة انفرادية مع عدة أمراض خطيرة لم يكن من وجهة نظر كثيرين أكثر من عملية "اغتيال بطيء". وكما كان الحال مع "البنا" تمامًا، تم إنهاء كل شيء بسرعة وسرية في جنح الليل مع حصار أمني مشدد، حيث لم يصل(4) على الرجل إلا أشخاص يعدون على أصابع اليدين، من نساء أسرته ومحاميه ومندوبي الأمن المكلفين بإنهاء مهمتهم، دون جلبة كثيرة داخل مصلى المستشفى، أما مشهد الدفن(5) فكان أقرب لتأمين ثكنة عسكرية منه لجنازة شيخ له آلاف الأنصار، تمامًا أيضًا كما كانت جنازة أستاذه من قبله والتي تم تشييعها قبل سبعين عامًا على أكتاف النساء.

 


ربما لا يكون هناك من هو أسعد من "مهدي عاكف" بنهاية رحلة تتماثل في تفاصيلها بشكل مذهل مع نهاية أستاذه ومثله الأعلى، فالرجل القادم من عالم الموت حرفيًا لا مجازًا، على كل حال، أرادت له الأقدار حياة أطول من حيوات جميع سجانيه. في منتصف الخمسينيات، تلقى مهدي عاكف حكمًا بالإعدام من قبل نظام جمال عبد الناصر، بعد اتهامه بتهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد قيادات الجيش المصري المغضوب عليهم آنذاك، قبل أن يتم تخفيف الحكم للسجن المؤبد، ليقضي عاكف 20 عامًا كاملة في غياهب السجون، قبل أن يتم الإفراج عنه في منتصف السبعينيات في عهد الرئيس "أنور السادات" بموجب عفو رئاسي. كان عاكف آنذاك في منتصف عقده السادس من العمر، بيد أن رحلة كفاح طويلة ثرية كانت لا تزال في انتظاره على كهولته، رحلة لم تكن أقل ثراء بحال من سنوات شبابه الزاخرة التي عاشها، قبل أن يقضي نزهته الإجبارية الطويلة خلف أسوار السجن.

 

مهدي عاكف.. الفدائي

"كان السلاح والعمل المقاوم محظورًا، كانت تأتيني المجموعة مكونة من 300 طالب من أجل التدريب، فلا يصل للمرحلة النهائية سوى 50 أو 60 شخصًا، ولم أكن أعطي السلاح إلا لمن أتأكد أنه استوفى جميع المقومات» -مهدي عاكف في شهادة تلفازية.

 

يُعرف مهدي عاكف كأحد أبناء عشرة لأسرة ريفية ميسورة الحال في محافظة الدقهلية. وكما لم تخل منيته من مفارقة في تشابهها مع وفاة أستاذه حسن البنا، فإن مولده لم يخل من مفارقة أيضًا، حيث ولد عاكف في عام 1928م وهو نفس عام تأسيس جماعة "الإخوان المسلمين" التي سينتمي إليها فيما بعد، وستتمحور حياته بأكملها حول ذلك الانتماء. ومع مطلع الأربعينيات، انتقل عاكف للعيش في منطقة السكاكيني بالقاهرة طالبًا في مدرسة فؤاد الأول الثانوية، حيث تعرف على الإخوان والتحق بهم، قبل أن يلتحق بعد ذلك بالجامعة.

 

حسن البنا.. مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (مواقع التواصل)


في تلك الفترة توثقت(6) علاقة عارف بمرشد جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا الذي كان يشرف بنفسه على قسم الطلاب داخل الجماعة، وتم اختياره من قبل البنا شخصيًا للالتحاق بـ "النظام الخاص"، الجهاز العسكري الذي أسسه الإخوان آنذاك لمقاومة الاحتلال الإنجليزي، كأحد التنظيمات شبه العسكرية التي نشأت آنذاك مثل جماعة "القمصان الخضراء" التابعة لحزب "مصر الفتاة"، و"القمصان الزرقاء" التابعة لحزب الوفد. وقد أوعز البنا لعاكف بالالتحاق بالمعهد العالي للتربية الرياضية، بعد أن كان قد التحق بكلية الهندسة، كجزء من خطة البنا للانتشار الأفقي بين طلاب الجامعات في ذلك التوقيت، وصادف ذلك هوى في نفس الشاب الرياضي قوي البنية الذي أتم التحاقه بالمعهد عام 1947م، ثم عاد ليلتحق بعده بكلية الحقوق في عام 1951م.

 

في تلك الحقبة، مطلع الخمسينيات، كانت جذوة المقاومة ضد الاحتلال الإنجليزي قد بلغت أشدها خاصة بين طلاب الجامعات، واختار(7) الإخوان "عاكف" لقيادة معسكرات تدريب الطلاب داخل الجامعات المصرية، وعلى الأخص في جامعة إبراهيم "جامعة عين شمس حاليًا"، في نفس الوقت الذي أسند له فيه مهمة قيادة قسم الطلاب بالجماعة، والذي اعتاد حسن البنا قيادته بنفسه قبل وفاته.

في ذات التوقيت كان الجيش البريطاني قد قام بسحب معظم قواته من القاهرة لتتمركز في منطقة القناة، بما يعني انتقال معظم النشاط الطلابي المسلح لتلك المنطقة. وقام(8) الطلاب بتنفيذ عدد من العمليات الموجهة ضد الاحتلال الإنجليزي أثارت الاحتلال والحكومة لدرجة دفعت رئيس الوزراء "علي ماهر" لاستدعاء "مهدي عاكف" لطلب وقف العمليات. وكان آخر وأبرز هذه العمليات هي العملية المعروفة باسم "قطار بورسعيد"، والتي قُتل فيها 400 جندي إنجليزي، ووقعت قبل عام تقريبًا من قيام حركة "الضباط الأحرار" في (يوليو/تموز) 1952م.

 

لم تستغرق الأمور طويلًا قبل أن تتوتر العلاقة بين الإخوان والنظام العسكري الجديد في مصر، حيث دخلت الجماعة فيما يعرف باسم "سنوات المحنة" تحت حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر. في ذلك التوقيت، وتحديدا في (أغسطس/آب) 1954م، تم القبض على عاكف، ووجهت له تهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف، وبعد شهرين من القبض عليه وقعت حادثة المنشية الشهيرة التي جرى خلالها محاولة اغتيال عبد الناصر، مما دفع النظام لتغليظ القمع والعقوبات ضد معارضيه، فتم ضم القضيتين معًا ونال عاكف على إثر ذلك حكمًا بالإعدام، قبل أن يتم تخفيف الحكم للأشغال الشاقة المؤبدة.

 

مهدي السياسي


دخل عاكف للسجن شابًا في منتصف الثلاثينيات، وخرج منه كهلًا على مشارف الستين من العمر، عشرين عامًا كاملة قضاها في المعتقل قبل أن يتم الإفراج عنه بعد وصول أنور السادات للسلطة، ليزاول عمله بعدها كمدير عام للشباب بوزارة التعمير، قبل أن يلتحق بالندوة العالمية للشباب الإسلامي بالسعودية، مستغلًا خبرته الشبابية في رعاية أنشطة ومخيمات الشباب العرب حول العالم الإسلامي، من السعودية لماليزيا ومن مالي لقبرص لأوروبا.

 

من السعودية، طار عاكف لألمانيا حيث تولى منصب مدير المركز الإسلامي في ميونخ، قبل أن يعود لمصر من جديد عام 1986م ليتولى رئاسة قسم الطلاب في الإخوان المسلمين، مع عضوية مكتب الإرشاد للجماعة الشهيرة. وقد أثارت سنوات عاكف الطويلة في النشاط الخارجي الكثير من التكهنات حول طبيعة دوره في تنشيط ما صار يعرف بـ «التنظيم الدولي» لجماعة الإخوان المسلمين، قبل عودته لمصر ونيله لعضوية الإرشاد.

 

في تلك الفترة كان عاكف على موعد مع الانخراط في العمل العام في مصر من جديد، هذه المرة ليس من بوابة العمل الفدائي أو العسكري، ولكن من بوابة العمل السياسي بعد أن مثل الإخوان المسلمين في البرلمان المصري كنائب عن شرق القاهرة، ضمن 37 نائبًا برلمانيًا للجماعة في هذه الدورة. ولم يتحمل نظام مبارك معارضات عاكف ورفاقه السياسية في البرلمان طويلًا، فتم حل البرلمان الذي يتم انتخابه بمزيج من نظام القوائم والفردي ليحل محله برلمان جديد انتخب بالنظام الفردي فقط عام 1990م، في ظل مقاطعة من الإخوان وقبضة أمنية مشددة بلغت ذروتها عام 1992م في قضية "سلسبيل"، قضية حول مهدي عاكف على إثرها لمحاكمة عسكرية اتهم خلالها بأنه «المسؤول عن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين»، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ثم أفرج عنه في عام 1999م، وفي غضون خمس سنوات كان عاكف قد تم انتخابه لمنصب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين مطلع عام 2004.

 

  مهدي عاكف يدلي بصوته في انتخابات 2005  (رويترز)


منذ الأشهر الأولى لمنصبه، بدا عاكف عازمًا على التحول عن المسار السياسي التقليدي المتبع في جماعة الإخوان المسلمين، منذ عهد مرشدها الثالث "عمر التلمساني"، بالتزام العمل ضمن هامش المناورة التقليدي الذي يتركه أي نظام حاكم لهم. وظهر أن عهد عاكف كان مزيجًا من الجرأة التي اكتسبها الرجل بحكم نشأته كرجل عسكري مقاوم للاحتلال، والانفتاح الذي اكتسبه عبر أكثر من عقد من العمل الاجتماعي والثقافي العربي العابر للحدود.

 

استغل عاكف حالة سخط المصريين المتصاعدة ضد نظام مبارك، وظهور حركات معارضة أكثر فاعلية من الأحزاب التقليدية، ولم يتردد في دفع جماعة الإخوان للشوارع في حراك سلمي جماهيري غير مسبوق، مصحوبٌ بمبادرة سياسية شاملة عرفت باسم "مبادرة الإصلاح". وخلال عهد عاكف تم اعتقال ستة آلاف من الإخوان ضمن موجات متتالية من المواجهات التظاهرية السلمية مع النظام، لكن ذلك لم يمنع الجماعة من تحقيق النصر السياسي(9) الأكبر في تاريخها قبل ثورة (يناير/كانون الثاني) 2011، بالفوز بـ88 مقعدًا من مقاعد البرلمان المصري، أي حوالي خُمس عدد المقاعد الكلي، إبان انتخابات عام 2005، رغم ترشحها على أقل من نصف المقاعد، ورغم الإقصاء الذي تعرض له مرشحوها في الجولتين الثانية والثالثة من الانتخابات، إلى حد سقوط 12 قتيلًا من مؤيدي الجماعة سياسيًا على أيدي قوات الأمن المصرية.


وخلال الفترة نفسها اتخذ مهدي عاكف قرارًا فارقًا بالعمل المكشوف تحت اسم "جماعة الإخوان المسلمين" داخل أسوار الجامعات المصرية للمرة الأولى، معيدًا الجامعات لقلب المواجهة السياسية مع النظام، بعد أعوام من الركود السياسي للعمل الطلابي، وذلك من خلال منح الجامعات الدور القيادي في حملة مناهضة قانون الطوارئ عام 2009.

 

تمسك مهدي عاكف بترك موقعه كمرشد للإخوان بعد مدة واحدة فقط في عام 2010، ليتم انتخاب محمد بديع خلفًا له

الأوروبية
 

وكما كانت مدة منصب مهدي عارف فارقة كان رحيله عن مقعده فارقًا أيضًا. فقبل عاكف، لم تعرف جماعة الإخوان أي مرشد سابق في تاريخها، وكان من المتعارف عليه أن المرشد العام يتم انتخابه لمدد متتالية مدى الحياة، ولكن عاكف فيما يبدو أراد أن يرسل رسالة مفادها أنه إذا كان الإخوان يريدون لمصر أن تعرف رئيسًا سابقًا على قيد الحياة، فمن باب أولى أن تعرف الجماعة مرشدًا سابقًا أيضًا، وأنه إذا كانت الجماعة تخاطب الشعب والقوى السياسية حول الإيمان بالديمقراطية وتداول السلطة كأساس للعمل السياسي»، فلا أقل من أن تطبق ذلك على نفسها.

 

خلافًا لكل الأعراف، تمسك مهدي عاكف بترك موقعه كمرشد للإخوان بعد مدة واحدة فقط في عام 2010، ليتم انتخاب محمد بديع خلفًا له. وكان نظام مبارك في ذلك الوقت قد بلغ أوج ضعفه كما بلغ أوجه قمعه الأمني، وآثرت قيادة الإخوان الجديدة التراجع، وأزال النظام المصري كل وجود سياسي للإخوان مع انتخابات 2010، ودخلت الجماعة في أشهر من الركود حتى قدوم الثورة المصرية.

 

عاكف.. السجين من جديد



باستثناء بعض التصريحات المثيرة من عضو مكتب الإرشاد المشتهر بصراحته المعهودة، حيث يذكر الجميع تصريحه المثير "طز في مصر" في معرض جوابه عما إذا كان يقبل أن تُحكم مصر من قبل شخص غير مصري مثلًا في ظل دولة خلافة، لم يكن مهدي عاكف أحد أبطال الشباك خلال سنوات الثورة المصرية. وربما لم تمكننا الطريقة العمومية التي تخرج بها القرارات داخل جماعة الإخوان المسلمين من معرفة حقيقة رؤية الرجل لأداء جماعته، خلال أعوام الثورة المصرية وحتى الانقلاب العسكري في (يوليو/تموز) 2013، ولكن ما نعرفه(10) بالتحديد أن عاكف لم يكن راضيًا عن جميع قرارات جماعته، وأهمها قرار الدفع بمرشح من داخل الجماعة أو حتى أي مرشح إسلامي لمقعد الرئاسة في مصر. بيد أنه، على كل حال، لم يكن مصير عاكف أفضل حالًا من مصير رفاقه من قيادات الإخوان المسلمين الذين غيبوا بشكل جماعي في السجون المصرية بعد انقلاب تموز.

 

بعد عام واحد من سجنه، وخلال جلسة محاكمته التي وافقت، للمفارقة من جديد، الذكرى السنوية الأولى لأحداث فض اعتصامي "رابعة العدوية" و"النهضة"، خرج مهدي عاكف ملتحفًا شاله على رأسه وكتفيه في صورة استدعت للأذهان صورة المناضل الليبي الشهير "عمر المختار"، ولم تكن الصورة أكثر من مصادفة غير مقصودة، ولكنها حملت لمسة مستقبلية تلقفها الجميع حول المصير المنتظر لرجل ظل يمشي لعقود ميتًا على الأرض. وعلى مدار الأشهر التالية تدهورت(11) حالة عاكف الصحية بشكل كبير، إلا أن النظام المصري بقيادة الرئيس العسكري "عبد الفتاح السيسي" لم يستجب لكل مناشدات الإفراج عنه.


لم يكن في مقدور النظام على ما يبدو أن يرى صورة الشيخ التسعيني المريض بالسرطان والذي يقتل قتلًا بطيئًا نتيجة الإهمال الطبي والإنساني وسوء المعاملة في سجون النظام، وبدا أن ما يراه النظام حقًا هي صورة ذلك الفدائي الثلاثيني الذي قاوم الاحتلال، أو صورة المرشد العام الذي تحدى الأعراف النمطية لعمل جماعته، حتى أن جثمان عاكف الممدد ميتًا ظل مصدرًا للقلق لدرجة تشديد إجراءات الجنازة والدفن للدرجة المذكورة، تمامًا كما كان جثمان البنا قبله، وربما وكما أثبت التاريخ مرارًا فإن لبعض الموتى أصواتًا تسمع، وحضورًا طاغيًا، لأبعد ربما مما يظن الجميع.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك