اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/25 الساعة 18:47 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/5 هـ

انضم إلينا
كردستان السورية.. حلم التاريخ أم كابوس الجغرافيا؟

كردستان السورية.. حلم التاريخ أم كابوس الجغرافيا؟

عبيدة عامر

محرر سياسي
  • ض
  • ض

كانت مباراة كرة قدم عادية في ظرف ووسط غير عاديين. لم تكن المدرجات وحدها مشتعلة، بل القلوب المحترقة بشعور التهميش القديم، وهواجس المستقبل على الجانب الآخر، معززّة ومحفزّة ممن يجب أن يكون حَكَمًا ومساويًا للجميع أمام القانون، إلا أن العكس ما حدث، وكما هو متوقع؛ لا تجلب النار إلا الحريق، فانتهت المباراة خارج المدرج، بلا روح رياضية ولا رياضة، ولا أرواح.

 

في 12 (مارس/آذار) عام ٢٠٠٤، قبل سبعة أعوام كاملة من اندلاع الثورة السورية؛ تحولت مباراة فريقي "الفتوة" القادم من مدينة دير الزور السورية، و"الجهاد" صاحب الشعبية الكردية، والمقامة بمدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية أيضًا، إلى ما عُرف بـ «انتفاضة الكرد»، وتضاربت الأنباء وقتها حول أسباب ما حدث؛ لكن عددًا من التقارير قالت إن مؤيدي النظام السوري القادمين مع فريق "الفتوة" رفعوا صور الرئيس العراقي المطاح به صدام حسين، في ذروة عام مر على الغزو الأميركي للعراق، وسبوا الزعيمين الكرديين العراقيين مسعود برزاني وجلال طالباني، ما تسبب باحتفاء مقابل من عدد من الأكراد بالاحتلال الأميركي للعراق، لتؤدي سلسلة الأحداث لشغب واسع النطاق، ثم تدخل شعبة المخابرات السورية في مدينة القامشلي بإطلاق النيران الحية مباشرة.

 

هذه الشرارة، التي يعدّها المعارضون الأكراد جذوة نيران الثورة السورية، والتي تعدّ بالفعل حادثة فارقة في التاريخ السوري الحديث، امتدّت إلى موجة شغب ومظاهرات في المدن والبلدات الكردية كاملة، دمر المتظاهرون خلالها عددًا من تماثيل الرئيس السوري حافظ الأسد، في مشهد سيتكرر بعد ذلك بسنوات على امتداد الأرض السورية، إلا أنها موجة أخمدت بعدها بالحديد والنار، بمقتل ٣٠ مدنيًا كرديًا، وإصابة المئات، واعتقال الآلاف من المعارضين الأكراد.

 


كان الأثر(1) الأكبر الذي كشفته التظاهرات هو التنظيم التضامني الممتد على مدى الخريطة الكردية، اجتماعيًا وسياسيًا، سواء داخل سوريا بتظاهر المناطق ذات الغالبية الكردية في الجزيرة السورية وفي المدن الكبرى، أو خارجها، وسياسيًا بتظاهرات كردية دعت لإنهاء مظالم تاريخية، يذكرها أكراد العراق من نظام صدام حسين البعثي اليساري، الذي قتل منهم أكثر من مئة ألف كردي في حملة "الأنفال" سيئة الذكر لهم،  كما يعرفها ويعيشها أكراد سوريا من نظام بعث حافظ الأسد ثم بشار، الذي منع الأكراد من حق المواطنة ولم يعطهم هويات مدنية أو جوازات سفر، إضافة لقمعه حرياتهم المدنية والثقافية واستخدامهم للغة الكردية في مناطق تواجدهم، في مظالم ممتدة ومتجذرة بمنطقة يخفي ظلامها كنوزًا طبيعية واقتصادية، ضمن مصطلح أعم يدعى "القضية الكردية".

 

القضية

للمفارقة، لا يرجع هذا القمع الممتد بين سوريا والعراق للتاريخ الحديث لهما، بل لتاريخ جارتهما الشمالية تركيا، والتي أسست بالفعل لمسألة الأكراد الحديثة، وقضيتهم الراهنة إن جاز القول.
 

بعد جهود كبيرة من الأكراد، المنقسمين بين إيران وتركيا منذ الصراع الصفوي العثماني، لتدويل(2) قضيتهم والحصول على حقوقهم مطلع القرن العشرين، تزامنًا مع تصريح الولايات المتحدة بحق الشعوب بتقرير المصير، وفي ظل غياب كيان سياسي ممثل لهم، استطاعوا في عام ١٩٢٠، على يد شريف باشا ممثل قبائل العشائر والجمعيات السياسية الكردية، وبعد جهد سياسي ودبلوماسي كبير، إدخال ثلاثة بنود تتعلق بـ «القضية الكردية» في معاهدة سيفر المبرمة بباريس من قبل الحلفاء في (أغسطس/آب) من العام المذكور، مما عني تدويل قضية الكرد بصورة رسمية، رغم أن الدولة العثمانية حاولت مرارًا وصفها بأنها قضية داخلية تستطيع الدولة حلها.

 

2011 - مظاهرة للأكراد ضد معاهدة لوزان 1923 (وكالة الأنباء الأوروبية)


يعتبر الأكراد معاهدة سيفر وثيقة فريدة في قضيتهم، فقد نصت على تأسيس مراحل لاستقلالهم، يصبح بعدها الاستقلال أمرًا واقعًا يرغم به الحلفاء الحكومة التركية على الاعتراف بهم، بما يعد أول اعتراف رسمي دولي بحقوق الشعب الكردي، ولا سيما حق تقرير المصير، وهو ما وصفه كمال أتاتورك وقتها بـ «حكم إعدام على تركيا»، ما دفعه لوضع عراقيل كثيرة لمنع تطبيق المعاهدة، لينجح بالفعل في منعها دون أن يطفئ حلم الأكراد بها.

 

فمع صعود الحركة الكمالية، وتوسيع مناطق نفوذها وانقلابها من أنقرة على سلطة الأستانة الضعيفة، وفي ظل مخاوف الاستغلال الدولي لقضية الأكراد في صراع الاتحاد السوفياتي والغرب الناشئ، وبتحركات أتاتورك الدقيقة؛ أعيدت فكرة النظر بمعاهدة سيفر، واعترف الحلفاء رسميًا بالواقع التركي الجديد، مصممة على أن الأزمة داخلية ويمكن حلها، وألغوا المعاهدات القديمة التي وقعتها الأستانة، لتُوقع معاهدة "لوزان" عام ١٩٢٣، والتي كانت بمثابة حكم إعدام لدولة الأكراد، وتثبيتًا لحكم تركيا الجديدة، بعد تصفية مشروع الدولة الأرمنية، ما أدى لصراعات دامية بين الأتراك والأكراد حتى مطلع الثلاثينيات، أبرزها "ثورة الشيخ سعيد" مطلع عام ١٩٢٥، والمنتهية بمقتل أكثر من ١٥ ألف كردي حينها.

 

أدى ذلك لانتقال القضية وإسقاطاتها من تركيا لسوريا، وللدولة السورية المتشكلة حديثًا تحت الانتداب، مع هجرات واسعة من الكرد إليها، وتحديدًا للجزيرة الفراتيّة، ومن ثمّ تشابك قضيتهم لاحقًا مع حكم البعث في دمشق، ما أدى لصناعة مسألة الكرد بسوريا في ضمير المنظريّن القوميّين الأكراد، بعيدًا عن وجود الكرد كجماعة بشريّة قبل ذلك على الأرضي السورية.

"حملة الأنفال" الشهيرة المتوجة بهجوم كيماوي ضد الأكراد، أدت لمقتل عشرات الآلاف، وتهجير ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف كردي، وتدمير ما لا يقل عن ٣٠٠٠ قرية كردية

رويترز
 


لم تكن قضية الكرد في سوريا مرتبطة بأزمة إقصاء وتهجير وحسب، بل بعوامل أخرى تزامنت مع كون الحدود وقتها لم ترسم كحدود ناجزة بعد، أبرزها تأخرّ المكننة الزراعيّة في سوريا عن تركيا، ما شكل موجة هجرة لاحقة بسبب اكتفاء سوق مقاطعة ديار بكر التركيّة، وحاجة الأرض في الجزيرة الفراتيّة لمن يعمل بها، وعدم تمييز قوانين الإصلاح الزراعي في عهد حكومة سوريا قبل رحيل الانتداب الفرنسي وبعده، وما رافق فترة الخمسينيّات من نشاط سياسيّ ومناخ ديمقراطيّ امتد أثره لنشوء أحزاب كرديّة، مترافقة مع تقييد وبسط في سياسة القيد المدني للأكراد، بحسب الحكومات السورية المتتالية.

 

بلغت هذه السياسات ذروتها مع وصول حكومة البعث العربي للسلطة عام ١٩٦٣، عندما بدأت بانتهاج سياسات تعريب، دون طرد أو تطهير أو نقل ديمغرافي لتواجد الأكراد الراهن حينها، بل بظروفهم وواقعهم، فعمدت لتعريب أسماء البلدات الكردية، وحرمانهم من حقوق المواطنة، وامتلاك الهوية والجنسية وغيرها، وكانت حكومة شبيهة بنظيرتها وجارتها وخصمها البعثي العراقي على امتداد الفرات، والذي عمل كذلك على تعزيز سياسات التعريب وتأميم بلدة كركوك، ذات الرمزية الكردية الخاصة، وصولًا لسياسات تطهير ضمن "حملة الأنفال" الشهيرة المتوجة بهجوم كيماوي ضد الأكراد، ما أدى لمقتل عشرات الآلاف، وتهجير ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف كردي، وتدمير ما لا يقل عن ٣٠٠٠ قرية كردية، وتوسع لسيطرة البعث على أراضي أكراد العراق الغنية بالنفط.

 

منذ معاهدة سيفر، وحتى نهايات حكم البعث، يبدو أنه لا يمكن تحميل الكرد مسؤولية ما حدث؛ فقد توج تاريخهم في مناطق تواجدهم بأربعة بلدان بالغزو والقمع والقتل الجماعي، وتهميش الحقوق المدنية والثقافية، ما يفسر بسهولة تحول مشاعر الإحباط والغضب والقهر المكبوتة لثورات دامية، ولو على إثر مباراة كرة قدم.

 

إعادة التكريد

"ليس للكردي صديق حتى الكردي" 
(مثل كردي)

 

 وحدات حماية الشعب الكردي (رويترز)


أسس المسار المؤلم الطويل لتاريخ الأكراد في المنطقة لتحركات كردية سياسية مرتبطة بتواجدهم فيها، ما يبدو جليًا في تحالفات وخصومات الأحزاب والحركات المسلحة الكردية، مع أو ضد ذاتها وغيرها، بناء على مصالح آنية.

  

في سوريا على سبيل المثال؛ ظهرت بداية الثورة السورية مشاهد لمقاتلين من "وحدات حماية الشعب" الكردية مع "جبهة النصرة"، التي كانت تشاركها السيطرة على بلدة رأس العين الكردية بعد طرد قوات نظام الأسد، بينما أصبح النظام الأسدي حليفًا للوحدات الكردية في الحسكة والقامشلي، تحالفًا تلى معاركها مع "تنظيم الدولة الإسلامية"، وأخرى مع قوى المعارضة المسلحة المتحالفة معها سابقًا، بينما ما تزال تركيا داعم الوحدات الأكبر، لتكون أنقرة أحد أكبر وأفضل حلفاء الفرع الكردي العراقي الحاصل على شبه استقلالية: "كردستان العراق"، الذي أرسل قواته الرئيسة "البشمركة" لمعركة كوباني، بدعم من التحالف الدولي، وهو نفس التحالف الذي سهل سيطرة الأكراد على منبج، على سبيل المثال، والتي تشهد للآن تواجدًا روسيًا وأميركيًا وللنظام السوري، في وقت واحد، في مشهد متكرر في القامشلي والحسكة، ليكن الأكراد هم الطرف الوحيد الذي دخل في اتفاقات مع جميع الأطراف، وعداوات معها، وحصل على دعم الدول العظمى جميعها، وعداء المحيط كله.

 

هذا التعقيد، المعروض بشكل مقصود، يوضح مشهدًا لحظيًا للتاريخ الكردي الاجتماعي والسياسي في المنطقة، والذي تمثل بحلم أكبر بتأسيس دولة لكل أكراد المنطقة، تسمى "كردستان"، تختلف طرق الوصول إليها بين الكفاح المسلح، والعمل السياسي الذي بلغ أوجه بعد أن كافأت الولايات المتحدة حليفتها الكردية بدولة شبه مستقلة في العراق، عقابًا لنظام صدام حسين الذي عدّته "مارقًا".

 

إلا أن الدافع المشترك بين كل القوى الكردية السياسية والمسلحة هو التاريخ الدامي، والذي أسس لإمكانية تمثيل كردية من قوى يسارية راديكالية، لتنفيذ عمليات معاكسة لعمليات "التعريب"، يمكن تسميتها بـ "التكريد" أو "إعادة التكريد"، بالاعتماد على خطاب قومي فعال ذي أثر، وله مرجعيّة مظلوميّة وأنصاف حقائق تاريخيّة يمكن توظيفها، في واقع سياسي وميداني طارئ في سوريا والعراق، مع ضعف الحكومات المركزيّة وعدم تنامي مشروع سياسيّ قويّ موحدّ، ضمن مناخ دوليّ معادٍ للتحول في المنطقة ككل، وظف وما زال مصطلح "مكافحة الإرهاب" الفضفاض لمكافحة أي تغيير شرق أوسطي، لذا قدم الأكراد أنفسهم كخير مواجه لهذا «الإرهاب»، فحصلوا على الدعم والحلفاء، من أقصى الشرق في موسكو، إلى أقصى الغرب في واشنطن، ضمن شبكة قديمة ومنظمة، يبدو أنها لا تثير اهتمام العالم مقابل اهتمامهم بتنظيم الدولة مثلًا.

 

 أسس "اتحاد مجتمعات كردستان" 2005 نفسه على أنه "مجتمع داخل كردستان التي تضم عددا من الأراضي في سوريا والعراق وإيران وتركيا"

مواقع التواصل
 

ففي الجهات الكردية الأربع، أي المناطق ذات الجالية الكردية، التي يعتبرها السياسيون الأكراد "كردستان"، بحسب الجهات الأربع باللغة الكردية: الشمال "باكور" أو كردستان التركية، والجنوب "باشور" أو كردستان العراقية، والشرق "روجهيلات" أو كردستان الإيرانية، والغرب روجافا أو كردستان السورية، في هذه الجهات أسس عبد الله أوغلان، الذي سلمته سوريا لتركيا في صفقة تعكس علاقة الأكراد بالدول المحيطة كورقة ضغط، ما أسماه هو "اتحاد مجتمعات كردستان" (KCK)، كامتداد لعمل "حزب العمال الكردستاني" الماركسي اليساري القومي، والذي بدأ نزاعًا داميًا مع الأتراك، وقام بعمليات مسلحة وُصفت بـ «الإرهابية» داخل وخارج تركيا، على طول مناطق كردستان.

 

في اجتماعه العام في (مارس/آذار) عام ٢٠٠٥؛ تحت عنوان "كونفدرالية مجتمعات كردستان" (KKK،) المتحول في (أبريل/نيسان) عام ٢٠٠٧ لـ "اتحاد مجتمعات كردستان"، أسس الاتحاد نفسه على أنه «مجتمع داخل كردستان التي تضم عددا من الأراضي في سوريا والعراق وإيران وتركيا»، بينما وصف أوجلان هيكليته بأنه يملك لجنة تنفيذية، ومجمعًا تمثيليًا يسمى "كونجرا-جيل"، وفرعًا قضائيًا، سعيًا لتشكيل «ديمقراطية داخل كردستان» حسبما قال.

 

استطاعت الأحزاب السياسية، بجناحها العسكري وقواها الأمنية، أن تقدم نفسها كممثلة للأكراد، طوعًا أو جبرًا، وعملت على استغلال حالة الفوضى لتوسع خارطة سيطرتها في سوريا بشكل واضح على حساب وجود الأكراد أنفسهم، رافقها أثناء ذلك ما أمكن تسميته بعمليات إعادة التكريد (Re-Kurdification)، والتي شهدت عمليات "تطهير(3) عرقي" في المناطق غير الكردية، و"تهجير"(4) واعتداءات على أسس عرقية، في مناطق لم تكن كردية تاريخية، لكنها أصبحت كذلك بحكم السلاح، بما يعد «جرائم حرب»، تكررت المطالبات بمكافحتها حقوقيًا، دون صدى عسكري أو سياسي في ظل تحالفات الأكراد مع القوى العالمية الكبرى.

 

في ظل كل هذه الصراعات الراهنة، يبدو أن تطلع الأكراد الدائم للأعلى ولمزيد من المساحة قد أغفلهم عن جيرانهم الأقرب لهم، وشركائهم في الاضطهاد

الجزيرة
 

من المثير للانتباه أن مصطلح "إعادة التكريد" لم يستخدم للمرة الأولى بحق شبكة حزب العمال الكردستاني، بل طفا على السطح في دراسة للمركز الدولي للدراسات الدولية والإستراتيجية عام ٢٠٠٦، واتهم به كلّا من الحزبين الكرديين الرئيسين في كردستان العراق: "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود برزاني، و"حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال طالباني، بوصفهما أساسا برلمان حكومة كردستان، وذراعها العسكريّ المتمثل في قوات "البشمركة" و "الأسايش" أو الأمن الداخليّ، واتهمت بها أيضًا ميلشيات عاملة في مجال سلطة هؤلاء؛ لتصفها الدراسة بأنّها «عمليات تطهير عرقيّ طفيفة». وتحدد الدراسة بجانب تقرير لمفوضيّة الأمم المتحدة للاجئين ممارسة الكرد، موثقة إياها، في: الإبادة أو التغيير الثقافي، الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، النقل القسري، وغيرها في قصة تاريخية معتادة ومكررة على ما يبدو من تحول الضحية لجاني بشكل ما.

 

الحلم الكابوس

"ليكن طريقًا، وإن كان طويلًا"

(مثل كردي)

على ذكر كردستان العراق، أصدر الحزبان السياسيان الرئيسيان المتهمان بهذه الانتهاكات، والمختلفان فيما بينهما بغالب الأحيان، في الثاني من (أبريل/نيسان) الماضي بيانًا مشتركًا أعلنا فيه التزامهما بإجراء استفتاء على الاستقلال الكردي، مستغلين اقتراب معركة الموصل الدامية وقتها من نهايتها الآتية بعدها بثلاثة أشهر في أول (يوليو/تموز) الماضي، وسائرين بأقرب خطوة ممكنة نحو "الحلم الكردي بـ الدولة"(5)، والتي إن بدت ملامحها على الأرض بالرايات والمؤسسات واللغة، طوعًا في كردستان العراق، وبالقانون في تركيا بالتوازي مع محاولة تفكيك العلاقة بين حزب العمال الكردستاني والأكراد، وكراهيةً في سوريا؛ فإنها ما زالت غائبة حيث يجب أن تكون: في الأمم المتحدة وعلى موائد الاتفاقات الدولية.

 

رغم أن الأكراد لديهم دوافعهم النفسية والتاريخية لتشكيل الدولة؛ إلا أنهم مدفوعون بهواجس سياسية وعملية مباشرة

غيتي إيميجز
 

لكن هذا الطريق الطويل، الذي بدأوه منذ أكثر من عقد، ويمر بمرحلة فارقة في استفتاء اليوم 25 (سبتمبر/أيلول)، لن يكون سهلًا على الأرجح، فالمنطقة الجغرافية الحبيسة بلا حدود بحرية، والمحاطة بفضاء سياسي معادٍ لتشكلها، ومستنقع من الصراعات السياسية والطائفية والعرقية، لن تكون صناعتها سهلة بطبيعة الحال، على الإطلاق.

 

ورغم أن الأكراد لديهم دوافعهم النفسية والتاريخية لتشكيل الدولة؛ إلا أنهم مدفوعون بهواجس سياسية وعملية مباشرة، فكردستان العراق ليست على وفاق مع بغداد المتنازعة معها دومًا على النفط، وفي معارك كلامية مستمرة، في حين تبدو تركيا، حليفة "كردستان العراق" بعلاقات اقتصادية فريدة واستثنائية، معادية تمامًا لتشكل دولة كردية في حديقتها الخلفية بالشمال السوري بسبب سيطرة الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني «الإرهابي» دومًا في أعين أنقرة بعد محاولات وصل لم تكتمل في 2013.

  
في ظل كل هذه الصراعات الراهنة، يبدو أن تطلع الأكراد الدائم للأعلى ولمزيد من المساحة قد أغفلهم عن جيرانهم الأقرب لهم، وشركائهم في الاضطهاد، ففي كل الخطابات الكردية السياسية والعسكرية يحضر العرب كـ "آخر" وخصم، أو يغيبون تمامًا، رغم أن الكردي السوري أقرب واقعًا للعربي السوري من الكردي العراقي الذي حصل على دولة وينتظر إعلانها، وأقرب من الكردي التركي الذي حصل على حقوق قانونية وأصبح له تمثيل برلماني وحقوق مواطنة كاملة؛ ما يجعل العلاقة الكردية-العربية محل التباس وشك دومًا.

 
على كل، ومع فتح مراكز الاقتراع الكردية أبوابها أمام كرد العراق منذ الصباح الباكر، وفي انتظار نتيجة استفتاء على انفصال حدث نظريًا، وفي خضم فشل تام لأي محاولات تواصل عراقية كردية رسمية حالية، وفي ظل صراع بين الطرفين على تعامل دولي حصري في ملفات النفط والمعابر الحدودية، بين كل ذلك تبرز صورة "القضية الكردية" بشكل مصغر، وبسيناريو فعلي على ما يتوقع حدوثه مستقبلًا، في ظل ما يبدو وكأنه "اكتفاء كردي" من تعامل العالم معهم بشروطه، ومحاولة الانتقال لشروطهم ولعبتهم.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك