اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/26 الساعة 17:11 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/6 هـ

انضم إلينا
أكراد إيران.. هل اقتربت لحظة الانفصال؟

أكراد إيران.. هل اقتربت لحظة الانفصال؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

خلال الأزمات العربية الأخيرة ظهرت تنظيمات جهادية عدة نجحت في جذب انتباه العالم، لكن إلى جانب هذه الكيانات الجديدة نسبيا، وكأن نشاط أكراد تركيا وحدهم لم يكن كفيلا بإثارة الفضول، بزغ نجم الأكراد في العراق وسوريا، وها هي قضية إقليم كردستان العراقي تعود إلى صدارة المشهد. لكن الأكثر إثارة للدهشة وسط هذا الزخم هو الهدوء السياسي النسبي لأكراد إيران! تشرح هذه المقالة خصوصية الحالة الكردية الإيرانية، والطبيعة المعقدة لعلاقة قادة الأحزاب بالشارع الإيراني، والطبيعة المعقدة للمشهد، والضغوط التي تمارسها الدولة عليهم في المنفى، والمستقبل المتوقع لها في ظل الأزمة الخليجية القطرية، ونقاط مهمة أخرى.

نص التقرير

إن بزوغ ميدان عام كردي في الشرق الأوسط هو أحد أبرز التطورات الناتجة عن القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فمنذ شروع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في حملتها ضد الجماعة الإرهابية في صيف 2014 كسب أكراد العراق، على سبيل المثال، أراضيَ إضافية، ومعدات عسكرية، وشركاء جدد، وباتوا أشد جرأة وصراحة في ضغطهم من أجل الاستقلال. في الواقع، انتزع أكراد العراق من تنظيم الدولة أغلب الأراضي التي اعتبرها دستور 2005 العراقي مناطق متنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية المركزية، وكلما خسر تنظيم الدولة مزيدًا من الأراضي صار الأكراد أقرب إلى تأمين جميع المناطق الواقعة ضمن حدود وطنهم المأمول. منذ ذلك الحين وسّعت حكومة إقليم كردستان مساحة أراضيها بأكثر من 40%، وعلاوة على ذلك لن يقتصر إجراء استفتاء الاستقلال المقبل، المقرر عقده في 25 (سبتمبر/أيلول) الحالي، على الحدود الكردية الرسمية، بل سيجرى في الأراضي المتنازع عليها أيضا.

 

كذلك تحول أكراد سوريا من أقلية مضطهدة ومهمشة إلى إحدى أهم الجماعات السياسية في البلاد، فعقب بدء واشنطن في دعم قوات سوريا الديمقراطية غدت الميليشيا -عمليا- بمنزلة كتيبة أميركية في المنطقة. والعمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، أي وحدات حماية الشعب، هو الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي ثبّت أول أركانه بشمال شرق سوريا في (يوليو/تموز) 2012، ومن هذه البقعة الحبيسة قام بتوسعة حدوده بصورة هائلة. ومع انتصارات أكراد سوريا جاء الاعتراف الدولي، وبالتالي الشرعية، وهو ما أثار فزع تركيا التي تشعر بالتهديد من قوتهم وطموحاتهم الوحدوية.


مما لا شك فيه أن الجماعات الكردية قد خاضت اشتباكات مسلحة مع الدولة الإيرانية عدة مرات مؤخرا، لكن هذه الحوادث لم تسفر عن تطور سياسي مهم

غيتي إيميجز

لم تُرحّب تركيا بتحوّل الأكراد إلى فاعلين سياسيين أصحاب نفوذ متزايد في سوريا خلال السنوات الأخيرة. وعلى نحو مماثل، ورغم إخفاقاته في انتخابات الإعادة التركية في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2015، حصل حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد على أعلى نسب الأصوات (13.1%) في تاريخ السياسة الكردية المدنية بتركيا، متجاوزا حاجز الـ 10% اللازم للحصول على مقعد بالبرلمان.


ومع ذلك، وسط هذا النمو للنفوذ السياسي الكردي حافظ أكراد إيران على هدوئهم، رغم كونهم المجموعة الكردية الأكبر في الشرق الأوسط بعد تركيا. لكن الأكثر إثارة للتعجب هو إحجام أكراد إيران عن أي سعي فعال لتغيير مصيرهم أو استغلال قوتهم، رغم مواصلة النظام الإيراني إعدام العشرات وأحيانا المئات من المنشقين الأكراد كل عام. في الواقع، ظلت السياسة الكردية الإيرانية متبلدة إلى حد كبير في مواجهة الاضطرابات الإقليمية العامة، وحتى التطورات الرئيسة داخل إيران أيضا.

 

سياسات المنفى

هناك عدة أسباب وراء عدم وصول أكراد إيران إلى السلطة مثل نظرائهم العراقيين والسوريين والأتراك. يبدو هذا محيرا، لأن أكراد إيران من بين جميع المجموعات الكردية هم وحدهم من ذاق طعم الدولة في الشرق الأوسط الحديث، وإن كان لفترة قصيرة. أعلن تأسيس جمهورية كردستان في مهاباد في 22 (يناير/كانون الثاني) عام 1946، لكنها استمرت 11 شهرا فقط قبل قضاء الدولة الإيرانية على التجربة بالقوة وإعدام زعيم الجمهورية قاضي محمد. شكّلت هذه التجربة جزءا لا يتجزأ من الوعي الوطني الكردي، وظلت نقطة مرجعية للقومية الكردية. في الواقع، ولد مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، في زمن الجمهورية الكردية بمهاباد، ويذكر بانتظام رغبته في الموت تحت ظل العلم الكردي في كل مرة يعرض فيها لقضية الاستقلال الكردستاني.

 

مما لا شك فيه أن الجماعات الكردية قد خاضت اشتباكات مسلحة مع الدولة الإيرانية عدة مرات مؤخرا، لكن هذه الحوادث لم تسفر عن تطور سياسي مهم مثل تحريك حملة سياسية مستمرة وفعالة ضد النظام داخل إيران. ومن الأسباب الرئيسة لذلك هو أن الجماعات الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كوملة -على عكس الأحزاب السياسية الكردية في العراق وسوريا وتركيا- قد قضت عقودا في المنفى (أغلبها داخل كردستان العراق). خلق ذلك نوعا من الانفصال بين الأحزاب الكردية والجمهور الكردي في إيران.

 

تتمتّع إيران بتأثير على الاتحاد الوطني الكردستاني صاحب الميول اليسارية، وأحد أكبر حزبين كرديين رئيسين في العراق، المتمركز في مدينة السليمانية

مواقع التواصل
 

علاوة على ذلك، وضع العمل من المنفى قيودا على فعالية الأحزاب الكردية الإيرانية، إذ يتوجب عليهم الموازنة بين تطلعاتهم وعلاقات الحكومة المضيفة مع طهران، وهي في حالتهم حكومة إقليم كردستان العراق. تمكّنت طهران بإدراكها لذلك من الضغط بنجاح على حكومة إقليم كردستان بشكل عام، والحزب الديموقراطي الكردستاني (الحزب المهيمن في الحكومة) بشكل خاص فيما يتعلق بالنشاط المسلح للأحزاب الكردية الإيرانية.

في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، استخدمت طهران نفوذها القوية للضغط على الحكومة المركزية العراقية من أجل تقييد أنشطة الأحزاب الكردية الإيرانية -بما في ذلك الهجمات على المواقع العسكرية الإيرانية على طول الحدود العراقية الإيرانية-، وحثّت بغداد على الضغط على حكومة إقليم كردستان لفعل الشيء نفسه في أراضيها. نتيجة لذلك، قام ائتلاف دولة القانون البرلماني العراقي الموالي لإيران في (مارس/آذار) 2017 بدعوة الحكومة العراقية إما إلى نزع سلاح الجماعات الإيرانية الكردية المتخذة من إقليم كردستان مقرا لها والتي تقاتل ضد إيران، وإما إلى طردها.

 

كما تتمتّع إيران بتأثير على الاتحاد الوطني الكردستاني صاحب الميول اليسارية، وأحد أكبر حزبين كرديين رئيسين في العراق، المتمركز في مدينة السليمانية والمسيطر على بعض مناطق كردستان العراقية المتاخمة لإيران، (كذلك ضغطت إيران على كوملة بشكل غير مباشر من خلال الاتحاد الوطني الكردستاني). يبدو أن هناك اتفاقا ضمنيا بين حكومة إقليم كردستان وإيران، تواصل فيه الأولى استضافة قادة وكوادر المعارضة الكردية الإيرانية في كردستان العراق في مقابل منعهم من تنظيم أنشطة معادية لإيران سياسيا وعسكريا. لم تنفّذ كوملة ولا الحزب الديمقراطي الكردستاني أي نشاط عدواني مهم ضد إيران على مدار أكثر من عقدين، بغض النظر عن عدد قليل من الوقائع الحديثة، وهذا على الأغلب أحد الأسباب التي تجعل بعض المتبحّرين يقولون إن هذه الأحزاب تمر بمرحلة تقاعد سياسي.

 

 حزب الحياة الحرة الكردستاني  (غيتي)


ثم هناك حزب الحياة الحرة الكردستاني الإيراني، إنه امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي، وتتشارك المجموعتان قاعدة واحدة بجبال قنديل المتاخمة لإيران. اضطرت هذه المجموعة أيضا إلى التخلي عن حلمها بكردستان إيراني لصالح الحسابات الجيوسياسية الأكبر لحزب العمال الكردستاني، فخلال الانتفاضة السورية عام 2011 تلاقت مصالح كل من حزب العمال الكردستاني وإيران لفترة وجيزة على حساب مصالح حزب الحياة الحرة الكردستاني، إذ أرادت إيران بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، وبالتالي بدأت تستوعب حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو تابع لحزب العمال الكردستاني، في جهودها الرامية إلى إقامة منطقة مستقلة خاصة بها في سوريا. في المقابل، بذل حزب العمال الكردستاني جهوده لترويض حزب الحياة الحرة الكردستاني من أجل تهدئة إيران، فضغط عليه حتى أعلن عن وقف لإطلاق النار في إيران إلى أجل غير مسمى قرب نهاية عام 2011.

 

لقد أدّت تنحية التطلعات الكردية الإيرانية جانبا لصالح تطلعات الجماعات الكردية الأخرى إلى إضعاف الأحزاب الكردية الإيرانية، مما أدى إلى تفكك تنظيمي. وازدادت الحالة تفاقما بسبب الافتقار إلى الموارد الكافية نتيجة للإقامة بالمنفى. كانت النتيجة -إجمالا- تراجعا لتأثير الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية وتقلّص لنشاطها التنظيمي في تشكيل المجتمعات الكردية والسياسة في إيران.

 

ما يخبئه المستقبل
أدى القلق المشترك تجاه المكاسب الكردية في سوريا والعراق إلى تعزيز التعاون التركي الإيراني، إذ تُعارض الدولتان محاولة كردستان العراق للاستقلال  (غيتي إيميجز)


سيعتمد المسار المستقبلي للسياسة الكردية الإيرانية على ثلاثة عوامل مترابطة، يتعلق الأول بأوضاع الأكراد داخل إيران وعلاقتهم بالمؤسسة السياسية الإيرانية، خاصة الفرع الإصلاحي. يؤيد غالبية أكراد إيران -خاصة السنة الذين يشكلون ثلاثة أرباع الأكراد المقيمين بإيران تقريبا- المعسكر السياسي الإصلاحي للرئيس الحالي حسن روحاني المتماشي مع التقاليد. لا شك أن المعسكر الإصلاحي لا يزال جزءا من النظام يعمل ضمن إطاره الضيق، لذا فمن غير المرجح أن يقوم بأي مبادرات سياسية جادة تخص أكراد إيران. لكن بإمكانه توسعة نطاق الحقوق الاجتماعية والثقافية شيئا يسيرا، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمقاطعات الكردية التي تعد من أفقر مقاطعات إيران، ولقد وعد بذلك. إذا كانت حكومة روحاني تحترم تعهدها (حتى الآن لم تفي بتعهداتها إلى حد كبير) فإنها ستلطّف من حالة المجتمع الكردي الإيراني بطريقة محدودة للغاية.

 

يشمل العامل الثاني إعادة الاصطفاف الإقليمي الذي غدا أكثر وضوحا خلال أزمة الخليج، فخلال النزاع بين قطر وتحالف من دول عربية اتخذت كل من تركيا وإيران موقفا واضحا مساندا لقطر، لإيمانهما بأن هذا التحالف يستهدف مصالحهما أيضا. في الحقيقة، كان البند الأول والثاني في قائمة المطالب المكونة من 13 بندًا والمقدّمة من التحالف العربي إلى قطر، مع مراعاة الترتيب، تتعلق بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين قطر وإيران ووقف كل تعاون عسكري قطري تركي (بما في ذلك إغلاق القاعدة العسكرية التركية في الدوحة).

ولقد تركت الشراكة التركية الإيرانية -وليدة هذه الأزمة- تأثيرات امتداد على المناطق الملتهبة الأخرى بالإقليم، وزادت وتيرة الحوار بين البلدين. كما أدى القلق المشترك تجاه المكاسب الكردية في سوريا والعراق إلى تعزيز هذا التعاون التركي الإيراني، إذ تُعارض الدولتان محاولة كردستان العراق للاستقلال، والنفوذ الكردي المتزايد في سوريا، ومن المرجح أن تنحّي الدولتان خلافاتهما لمواجهة التطلعات الجيوسياسية الكردية داخلهما. في المقابل سيحفّز ذلك الأكراد على السعي من أجل إقامة العلاقات مع دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة. في الواقع، حدث بالفعل أن اتهمت إيران السعودية بتمويل أنشطة أكراد إيران العسكرية في عدة مناسبات، وهي الدعاوى التي أنكرتها الرياض بشدة. وبالمثل، أعربت نخب حزب الاتحاد الديمقراطي عن رغبتها في العمل بشكل أوثق مع دول الخليج العربية.

 


وأخيرا، من المرجح أن تتبنّى جماعات كردية مهمة، أبرزها حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، سياسة التريّث قبل اتخاذ الخطوة التالية تجاه إيران. تتعلق الأسئلة الحاسمة هنا بمدى استمرار الشراكة بين الولايات المتحدة وحزب الاتحاد الديمقراطي في فترة ما بعد تنظيم الدولة، ومدى جدية والتزام إدارة دونالد ترمب بسياساتها المناهضة لإيران. فإن لم يظل حزب العمال الكردستاني مقتنعا باستمرارية الالتزام الأميركي بدعم حزب الاتحاد الديمقراطي التابع له في سوريا فسيحاول تحقيق توازن بين علاقاته مع واشنطن وسلامه البارد مع طهران، وهو ما يعني بدوره أن حزب الحياة الحرة الكردستاني، الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، سيكون أكثر حذرا في التزامه بوقف إطلاق النار مع إيران.

نتيجة لذلك، إذا كان الأكراد في المنطقة يؤمنون باستمرار شراكتهم مع الولايات المتحدة، وبأن واشنطن تنتقل من إستراتيجية مناهضة لتنظيم الدولة إلى إستراتيجية مناهضة لإيران في الإقليم الأكبر، فمن المرجح تبنيها هي الأخرى لموقف أكثر مناهضة لزيادة ثقل أوراق اعتمادها لدى الغرب. يمكن لهذا التسبب في زيادة للأنشطة العسكرية والسياسية للأحزاب الكردية الإيرانية ضد النظام الإيراني، مما قد ينشط بدوره القومية الكردية داخل إيران.

______________________________________________

مترجم عن: (فورين أفيرز)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار