اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/28 الساعة 16:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/8 هـ

انضم إلينا
تطبيع السلاح.. هل تنجح إسرائيل ببيع القبة الحديدية للعرب؟

تطبيع السلاح.. هل تنجح إسرائيل ببيع القبة الحديدية للعرب؟

عارف عبد البصير

محرر سياسة
  • ض
  • ض

بالنسبة لقادة الجيش الأميركي، وخاصة أولئك المسؤولين عن نظم الدفاع الصاروخي، يظل اسم البروفيسور السبعيني ثيودور بوستول(1) جالبا للكثير من الإزعاج. فعلى مدار تاريخه الأكاديمي الطويل برع أستاذ التقنية والعلوم والأمن الدولي المثير للجدل في معهد ماساتشوستس التقني، وصاحب الدكتوراه في مجال الهندسة النووية، في انتقاد البيانات والادعاءات الرسمية للمسؤولين الأميركيين حول فاعلية برامج الدفاع الصاروخي المختلفة. وكان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش "الأب" أحد أبرز من طالتهم أسهم بوستول الناقدة، في واقعة ليس من المرجح أن تسقطها الذاكرة السياسية الأميركية رغم مرور أكثر من عقد ونصف عليها.

 

في (فبراير/شباط) عام 1992م كانت عملية عاصفة الصحراء التي تدخلت بموجبها القوات الأميركية في منطقة الخليج ردا على الغزو العراقي للكويت توشك على الانتهاء، حينها وقف بوش يلقي خطابا حماسيا في قلب مكان شديد الرمزية: مصنع صواريخ "باتريوت" التابع لشركة رايثيون، والكائن في مدينة أندوفر بولاية ماساتشوستس، احتفالا بنجاح العملية. كان نظام الدفاع الصاروخي "باتريوت" إحدى الأيقونات العسكرية المروج لها خلال العملية، وادعى الرئيس الأميركي في خطابه أن فاعلية النظام في صد الصواريخ العراقية خلال الحرب بلغت نسبة 41/42، بمعنى أن النظام نجح في اعتراض 41 صاروخا من كل 42 صاروخا تم إطلاقها تجاه المناطق المستهدفة. كانت ادعاءات بوش دعائية وشديدة المبالغة بشكل لا يصدق، ومتعارضة حتى مع التقييم المتفائل للبنتاجون للنظام والمقدر نسبته الاعتراضية بين 70-80% داخل المملكة العربية السعودية، و40-50% داخل إسرائيل.


لم يكن لـ بوستول أن يفوت فرصة كتلك لممارسة هوايته المفضلة، وفي شهادة مثيرة له أمام الكونغرس فاجأ الأكاديمي الأميركي الجميع بقوله إن تقييمه الخاص لمعدل نجاح عمليات الاعتراض لنظام باتريوت خلال حرب الخليج كان منخفضا جدا، ويصل إلى 10% في أفضل الأحوال، وذهب إلى أبعد من ذلك بالادعاء(2) أن تحليلات الجيش الأميركي خضعت لتوظيف انتقائي وتعسفي لسجلات وأرقام النظام.

 

لم يتوقف البروفيسور منذ وقتها عن عادته الأثيرة في مناوشة المسؤولين الأميركيين، وآخرهم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، معلنا في عام 2009 عن سحب الدرع الصاروخي الذي نشره سلفه بوش الابن في أوروبا، ليحل محله نظام صواريخ "إس إم 3" المعدلة. بعدها بعام واحد قام بوستول بتأكيد أن أغلب عمليات النظام الجديد، عكس التقييمات الرسمية الحكومية، فشلت بشكل فعلي في تدمير الصواريخ المهاجمة، من خلال تحليل(3) أجراه بصحبة زميله جورج لويس، مثيرا "امتعاضا رسميا" لوكالة الدفاع الصاروخي الأميركية.

 

ثيودور بوستول (مواقع التواصل)


ولكن أيا من مشاغبات بوستول المتعددة، والممتدة للتشكيك(4) في تقييم الجيش الأميركي لهجمات خان شيخون الكيميائية في سوريا في (أبريل/نيسان) الماضي، لم تنجح في إثارة ضجة توازي آثار مقاله(5) المنشور منتصف عام 2014، والمشكك خلاله وبشدة في فاعلية نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي ذائع الصيت المعروف باسم "القبة الحديدية".


كان نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي قد أكمل أعواما ثلاثة قيد التشغيل اكتسب خلالها سمعة دعائية أسطورية بعد أن أثبت، وفق الروايات الرسمية الإسرائيلية، فاعليته الشديدة في صد الهجمات المتواصلة لصواريخ المقاومة الفلسطينية بنسبة نجاح هائلة، مع قدرة غير مسبوقة على تمييز واعتراض الصواريخ الموجهة لمناطق سكنية، وتجاهل المتجهة لمناطق خاوية. وادعت الأرقام الرسمية لجيش الاحتلال أنه خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014 تم إطلاق 1500 صاروخ على الأراضي المحتلة، استهدف منها 500 صاروخ تقريبا مناطق مأهولة بالسكان، لتنجح "القبة الحديدية" حسب قيادات جيش الكيان في اعتراض 90% تقريبا منها بنجاح، ارتفاعا من نسبة اعتراض 84% في حرب عام 2012، وهي نسبة نجاح هائلة نظرا للبعد المكاني القصير لعمليات الإطلاق، والزمن المحدود المتاح للاعتراض، والمعدل المكثف لتتابع سقوط الصواريخ المهاجِمَة.

 

ساهم عدد الوفيات والإصابات المنخفض نسبيا نتيجة الصواريخ الفلسطينية في تعزيز الرواية الإسرائيلية حول القبة الحديدية كنظام دفاع صاروخي "متكامل وثوري وفريد من نوعه"، وبدا أن الدعاية الإسرائيلية تمارس هوايتها الأثيرة في صناعة أسطورة جديدة، ليس لغرض إبراز التفوق هذه المرة وحسب، وإنما في محاولة لجمع أرباح ضخمة، وإدارة حملة علاقات عامة واسعة النطاق تعزز نفوذها الدولي، من خلال بيع نظامها الوليد باهظ التكلفة، مستغلة "ذعر العالم" الموشك حينها على دخول عصر جديد للتهديد الصاروخي، لكن البروفيسور كعادته سار في اتجاه إثبات مبالغات الرواية الإسرائيلية، ومسلطا الضوء على الجانب الآخر من "القبة الحديدية".

 

تأثير "صدام-نصر الله"



على مدار تاريخ الكيان القصير فضّل المخططون العسكريون الإسرائيليون الاستثمار في تطوير قدراتهم الهجومية، والاعتماد على إستراتيجيات الردع في مواجهة التهديدات طويلة المدى، بدلا من الإنفاق على الأنظمة الدفاعية وخاصة أنظمة الدفاع الصاروخي. كانت الحكمة السائدة لديهم مناهضة بشكل طبيعي لهذه الأنظمة بسبب عدم فاعليتها أمام التهديدات النووية، ورأوا بطبيعة الحال أن نجاح صاروخ نووي واحد في اختراق منظومة الدفاع الصاروخي والتحليق فوق تل أبيب يعني عواقب وخيمة تهدد وجود الكيان العبري من أساسه، وأن الحل الوحيد لمنع ذلك هو الردع الهجومي لوأد أي تجربة نووية أو صاروخية معادية في مهدها، وهي سياسة انتهجتها إسرائيل في أكثر من مناسبة، أبرزها خلال العملية "أوبرا" مدمرة فيها المفاعل النووي العراقي عام 1981م، ثم عملية "البستان" مستهدفة منشأة نووية سورية غامضة في دير الزور عام 2007.

 

نتيجة لتلك السياسة تجاهلت تل أبيب تطوير قدرات الدفاع الصاروخي الخاصة بها حتى منتصف الثمانينيات، حين تم تدشين(6) برنامج محدود مشترك للدفاع الصاروخي بمشاركة واشنطن عام 1986م، ضمن مبادرة الدفاع الإستراتيجي للرئيس الأميركي رونالد ريغان، والمعروفة إعلاميا باسم "حرب النجوم". في ذلك التوقيت كان إسحاق رابين، وزير الدفاع الإسرائيلي، أحد العسكريين القلائل المنفتحين تجاه فكرة تطوير الأنظمة الدفاعية، وأسفر البرنامج الإسرائيلي الأميركي في نهاية المطاف عن تطوير ونشر منظومة الدفاع الصاروخي "Arrow 1" متوسطة القدرات والفاعلية.

 

خلال حرب الخليج عام 1991م أصبحت أهمية الدفاع الصاروخي أكثر وضوحا للقادة الإسرائيليين، بعد أن قام العراق باستهداف المناطق الإسرائيلية بصواريخ سكود خلال أشهر الحرب، وقبل أن تنتقل الراية لحزب الله اللبناني مطلقا مئات الصواريخ المتفرقة ضعيفة التأثير تجاه إسرائيل خلال حقبة التسعينيات. رغم ذلك فإن الأداء الضعيف لمنظومة "باتريوت"، وفق التقييم الإسرائيلي المخالف لتقييم البنتاغون التي تم نشرها على عجل آنذاك، تسبب في تعزيز الفلسفة العسكرية الإسرائيلية التقليدية المعارضة لمواصلة الاستثمار في تطوير الدفاع الصاروخي. كان الخبراء الإسرائيليون يرون ما يشبه عبث الاستثمار في أنظمة لا توفر حماية محكمة، فضلا عن كونها ترسل رسالة ضَعْف إسرائيلية للخصوم بدلا من الاعتماد على الردع المسبق، ما يعني أنهم سيرون قدرات ردع إسرائيلية أقل فاعلية.

 

كشفت حرب عام (2006) أيضا عن القصور الواضح في نظرية "الردع" الإسرائيلية المركزة بشكل مفرط على الهجمات النووية

رويترز
 

مَثّل عام 2006 محطة فارقة في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي، ففي ذلك العام حاولت تل أبيب اجتياح جنوب لبنان من جديد وفق نظرية الردع التقليدية، ما وضعها وجها لوجه في مواجهة "حزب الله". خلال تلك الحرب أمطر(7) الحزب الأراضي المحتلة بأكثر من 4000 صاروخ تسببت في مقتل 53 شخصا على الأقل، إضافة إلى خسائر ملحوظة في المنشآت والبنى التحتية، وأثارت ذعرا غير مسبوق في صفوف مواطني دولة الاحتلال، مع الاضطرار لإجلاء(8) أكثر من ربع مليون شخص، ودفع أكثر من مليون آخرين للمخابئ.

 

بخلاف ما أظهرته الحرب بخصوص الحجم الكبير للقدرات الصاروخية لحزب الله فقد كشفت أيضا عن القصور الواضح في نظرية "الردع" الإسرائيلية المركزة بشكل مفرط على الهجمات النووية، وأثبتت أنه حتى الصواريخ البدائية يمكن أن تكلف دولة الاحتلال أضرارا باهظة، وتُدخلها في حروب معقدة ومكلفة ماديا وسياسيا من أجل الحفاظ على الردع التقليدي، ولتدمير البنية التحتية المحدودة لإطلاق الصواريخ والقنابل، كما حدث لاحقا في الحرب الأولى ضد قطاع غزة عام 2008.


بدأت فلسفة عسكرية جديدة أكثر تسامحا مع الأنظمة الدفاعية في التبلور داخل تل أبيب، مع ظهور نظرية "ردع" جديدة مطابقة لشقيقتها ابنة الحرب العالمية الثانية، لا تعتمد في المقام الأول على منع وقوع الهجمات بقدر الاحتفاظ بالقوة في أعقاب مواجهة أي هجوم أولي قوي، ليبرز دور الدفاع الصاروخي حتى وإن كان لا يوفر حماية كاملة من الهجمات، ممتلكا قدرة فريدة على تعقيد هذه الهجمات وتقليل خسائرها، ما يصعب الأمور على الخصوم الإسرائيليين، ويوفر بدائل أخرى لقادة تل أبيب مجنبا إياهم الدخول في حرب كاملة مباشرة.

 

درع السماء

أثناء فترة التحول كان الجنرال دانييل غولد قد تولى(9) للتو مسؤولية مكتب البحث والتطوير التابع لجيش الاحتلال، وعُرف في ذلك التوقيت كأحد المؤيدين لأنظمة الدفاع الصاروخي، لدرجة تجاوزه قواعد التمويل العسكرية التقليدية لجلب التمويل للمشروع، كما ساعد في إقناع كبار ياقات تل أبيب البيضاء السياسية بدعم خطته. وبحلول عام 2007 كان وزير الدفاع عامير بيرتز قد اعتمد مشروع الدفاع الصاروخي لصد الصواريخ قصيرة المدى، المعروف رسميا بـ "القبة الحديدية"، وأسندت مهمة تنفيذه لـ "رافائيل"، عملاق الصناعات الدفاعية الإسرائيلية. وبحلول (مارس/آذار) عام 2011 كانت أولى وحدات النظام قد نشرت فعليا، وتم تسجيل أول عملية اعتراض ناجحة لصاروخ "غراد" قادم من غزة في السابع من (أبريل/نيسان) التالي مباشرة.
 



يستشهد الإسرائيليون في روايتهم بالفوارق الرقمية بين خسائرهم من صواريخ حزب الله خلال حرب 2006 وصواريخ حماس في حرب عام 2014 للتدليل على مدى فاعلية القبة الحديدية. ففي حين أن حزب الله قد أطلق 4000 صاروخ في 2006 أدت إلى مقتل 53 إسرائيليا فإن حماس أطلقت 3360 صاروخا عام 2014 تسببت في مقتل شخصين فقط. وعلاوة على ذلك، كان هناك 30 ألف مطالبة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن إطلاق الصواريخ من قبل مواطنين إسرائيليين عام 2006، بمعدل سبعة دعاوى قضائية لكل صاروخ، بينما خلال حرب غزة 2014 تم تقديم 2400 دعوى فقط، أي أقل من دعوى واحدة لكل صاروخ.

 

لا يقتصر استخدام هذه الأرقام والإحصاءات الدعائية على إرسال رسائل طمأنينة للداخل الإسرائيلي، ولكنها تحولت إلى بوابة لفتح فرص الاستثمار لشركات الدفاع والتكنولوجيا الإسرائيلية، والأكثر من ذلك أن المتاجرة(10) الدعائية بنظام القبة الحديدية قد أصبح أحد العوامل الحاسمة في صراع النفوذ الداخلي بين الساسة الإسرائيليين.

 

القبة الدبلوماسية

لا يوجد مثال على السمعة الدعائية القوية للقبة الحديدية في الداخل الإسرائيلي أوضح من محاولة عامير بيرتز، وزير الدفاع الذي أقرت وزارته النظام الصاروخي، استغلال صيت النظام لدى الإسرائيليين من أجل تأمين انتصار سياسي خلال انتخابات حزب العمل منتصف العام الحالي، ونجحت خطة بيرتس في نهاية المطاف بشكل جزئي في إعادته إلى دائرة الضوء بعد وصوله إلى الجولة الثانية للانتخابات على حساب مرشحين مخضرمين، على رأسهم إسحاق هيرتسوغ رئيس الحزب المنتهية ولايته وزعيم المعارضة السابق في إسرائيل، لكن مغامرة بيرتز بلغت نهايتها بعد أن خسر الجولة النهائية للانتخابات الحزبية في مواجهة المرشح الأقل خبرة آفي غباي.

 

في حال قام الجيش الأميركي بشراء بطاريات القبة الحديدية فإن ذلك لن يوفر إيرادات ضخمة لتل أبيب فحسب، ولكنه سيعزز أيضا من فرص تطوير النظام

رويترز
 

كانت شركة "إم بريست" (mPrest) المسؤولة عن تصميم مركز تحكم النظام أوفر حظا في جني مكاسب سمعة القبة الحديدية من بيرتز، فانتقلت الشركة للعمل في قطاع المرافق العامة، لتصبح اليوم مسؤولة عن نظام الرصد والتحكم والتحليل لسلطة الطاقة في نيويورك، وتقوم بالوظيفة ذاتها لصالح شركة نيوزيلندا للطاقة، لكن كل هذه الدعاية الضخمة والنجاحات الشخصية لرموز وشركات القبة لحديدية لم تفلح في صرف الانتباه عن حقيقة أن إسرائيل قد فشلت فشلا ذريعا، على مدار أكثر من خمس سنوات، في التسويق التجاري لنظامها الأثير، باستثناء اتفاق نهائي وحيد(11) تم التوصل إليه نهاية العام الماضي 2016 لتصدير القبة الحديدية لحكومة أذربيجان، مبدية اهتمامها بالحصول عليه لمواجهة التهديدات المحتملة في صراعها مع أرمينيا. بخلاف ذلك، ظل الحديث حول اهتمام دول أوروبا والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها طنطنات لم تتجاوز الأحاديث الإعلامية، ويبدو أنها كانت مدفوعة بالعلاقات العسكرية المتنامية بين هذه الدول وتل أبيب، وكذا باستشفاف بداهة اقتنائهم لأنظمة دفاع صاروخي لمواجهة أي تهديدات محتملة.

 

بخلاف القائمة الطويلة للمشترين المحتملين كانت أكبر جائزة تسويقية وضعت نصب أعين رافائيل والحكومة الإسرائيلية هي الولايات المتحدة، والأسباب(12) هنا أكثر من أن تحصى: ففي حال قام الجيش الأميركي بشراء بطاريات القبة الحديدية فإن ذلك لن يوفر إيرادات ضخمة لتل أبيب فحسب، ولكنه سيعزز أيضا من فرص تطوير النظام، وتشديد الربط بين التخطيط الأمني في كلا ​​البلدين. ونجحت الدعاية الإسرائيلية في إقناع بعض خبراء الدفاع الصاروخي الأميركيين بتبني نجاحات القبة الحديدية، ووقعت رافائيل مع رايثيون اتفاقا للتسويق المشترك، ومع ذلك ظل معظم الخبراء في واشنطن مترددين في دعم القبة الحديدية، ومعتقدين أن النظام القائم على الليزر لا يزال أكثر كفاءة، وأن القبة الحديدية تعمل بشكل أفضل في بيئة مهددة بشكل مستمر، مثل الأراضي المحتلة التي تواجه مزيجا فريدا من التهديدات، لا سيما في مراكزها السكانية، في حيز مقيد جغرافيا.

 

من ناحية أخرى يبدو نظام القبة الحديدية مكلفا جدا، ويقدر الخبراء أن عملية اعتراض واحدة قد تكلف مبلغا يصل إلى 100 ألف دولار، بينما قد تكلف المهددات نفسها مثل قذائف الهاون والصواريخ البدائية أقل من 100 دولار للصاروخ/القذيفة، في حين لا تتجاوز تكلفة الصواريخ بعيدة المدى بضعة آلاف من الدولارات للواحد. كما أن النظام يعتمد على نشر عدد كبير من الوحدات للحصول على تغطية كاملة، وهو أمر باهظ التكلفة لبلاد شاسعة المساحة مثل الهند أو الولايات المتحدة أو حتى كوريا الجنوبية، فضلا عن تكلفة اللوجيستيات اللازمة لتفعيل النظام، مثل أجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية والعناصر البشرية، حتى إن إسرائيل نفسها تلقت مساعدة مالية كبيرة من الولايات المتحدة، بلغ(13) إجماليها أكثر من مليار دولار، من أجل إنتاج جميع منظومات الدفاع الصاروخي بكمياتها الحالية.



يبقى العائق الأكبر أمام نجاح القبة الحديدية من الناحية التسويقية هي أنها تشكيلة معقدة من أنظمة يجب أن تعمل فيها جميع العناصر بشكل متضافر من أجل إمكانية الاعتراض في مدة زمنية قصيرة. وبالنسبة لتل أبيب كان هذا يعني على سبيل المثال ضرورة الوصول إلى نظام الإنذار المبكر في الولايات المتحدة، وهو أمر غير متاح بالتأكيد للعديد من العملاء المحتملين الآخرين. فضلا عن أن إسرائيل نفسها ربما تكون مترددة في مشاركة جميع تقنيات القبة الحديدية والبرمجيات والعمليات واتفاقيات الإنتاج المشترك مع جميع العملاء المحتملين، خاصة أن بعض هؤلاء العملاء ظلوا يصنفون بشكل تاريخي ضمن قائمة الأعداء الطبيعيين لإسرائيل.

 

الخليج.. العملاء الجدد

على رأس قائمة العملاء المحتملين تظهر أسماء حلفاء إسرائيل الجدد من دول مجلس التعاون الخليجي. في (مايو/أيار) 2015، وبعد شهرين فقط من بداية العمليات العسكرية السعودية في اليمن، وأثناء(14) اجتماع عقد في الأردن بحضور واشنطن، عرضت تل أبيب تزويد السعودية بنظام القبة الحديدية لحماية نفسها من الهجمات الصاروخية القادمة من اليمن. وفي (أكتوبر/تشرين الأول) من نفس العام قالت(15) مصادر صحفية إن البحرين وغيرها من دول الخليج العربية دخلت في مفاوضات فعلية مع جهات إسرائيلية للحصول على القبة الحديدية لمواجهة "الترسانة المتوسعة من الصواريخ الإيرانية"، وأتى كل ذلك عقب تصريحات مثيرة للجدل لوزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة أثناء زيارة له للندن قال خلالها: "لدى إسرائيل قبة حديدية صغيرة، وسوف يكون لدينا واحدة كبيرة في مجلس التعاون الخليجي"، فاتحا المجال لتخمين المقصد.

 

في واقع الأمر فإن الرسائل المسربة مؤخرا للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة كشفت(16) أن اهتمام دول الخليج بنظام القبة الحديدية بدأ في وقت أبكر من ذلك بكثير، فقد تبادل العتيبة رسائل مع الجنرال الإسرائيلي عوزي روبين(17) بعد شهر واحد من الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2012. ويُعد روبين، الرئيس السابق لمنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلي وزميل معهد بيجن-السادات للدراسات الإستراتيجية في جامعة بار إيلان، أحد أبرز الخبراء المرتبطين بنظام القبة الحديدية، وهو يعتقد(18) بشدة أن دول الخليج العربية باستطاعتها الاستفادة من المنظومة لتأمين نفسها في مواجهة الهجمات الإيرانية المحتملة.

 


من وجهة نظر روبين تُعد دول الخليج عميلا مثاليا لشراء القبة لأكثر من سبب، أولهم أن أغلب دول الخليج العربية تشارك تل أبيب نظرتها للتهديد الذي يمثله البرنامج الصاروخي المتطور لإيران، وثانيهم أن نادي الدول الغنية يعد أحد الزبائن القلائل القادرين على تحمل تكلفة نظام كهذا، ربما تتجاوز تكلفة نشره بشكل كامل على مساحات شبه الجزيرة الشاسعة عشرات وربما مئات المليارات من الدولارات. ويبقى العائق الأكبر من وجهة نظر العرب على الأقل هو التكلفة السياسية المحتملة لنشر نظام عسكري إسرائيلي بهذا الحجم، في دول يفترض أنها، من الناحية النظرية، لا تقيم أي علاقات رسمية مع الدولة العبرية.

 

رغم أن التكلفة الشعبية والسياسية تبدو الحاجز الأكبر أمام إتمام الصفقة، تبدو هناك أسئلة إستراتيجية حول مدى فاعلية إدماج النظام الإسرائيلي ضمن المنظومة الأمنية لدول الخليج العربية، حيث يدرك الخبراء وصانعو القرار أن القبة الحديدية لا تزال محدودة، وتم تطبيقها في حيز جغرافي صغير في عدد من الظروف الفريدة، وتم تصميمها واختبارها بالأساس في مواجهة الصواريخ التقليدية قصيرة المدى والقذائف البدائية، ولم تختبر فاعليتها بعد في مواجهة الصواريخ الباليستية الأكثر تطورا، مثل الصواريخ الإيرانية، ما يعني أن القبة الحديدية تبقى أشبه بمنظومة دفاع جوي منها بمنظومة دفاع صاروخي متكاملة.


يأتي الدليل على ذلك بأن إسرائيل أدمجت القبة ضمن منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات تشمل منظومات أرو 1 وأرو 2، والمطورة بواسطة شركة "إسرائيل إيروسبيس" بالتعاون مع مجموعة بوينغ الأميركية ذائعة الصيت، وهي منظومة قادرة على تدمير الصواريخ البالستية في الغلاف الجوي، إضافة إلى منظومة أرو 3 المنتظرة والمتوقع دخولها حيز الاختبارات العام المقبل، وهي مصممة لاستهداف الصواريخ الباليستية في الفضاء خارج الغلاف الجوي، فضلا عن نظام "ديفيد سترينغ" أو "حبال ديفيد" والمعروف باسم "العصا السحرية"، وهو مشروع لرافائيل مع رايثيون، ومخصص بشكل رئيس للدفاع ضد الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز والقذائف الثقيلة، وليس انتهاء بنظام الطيف الحديدي، وهو نظام دفاع باليستي ليزري تقليدي.

 

يتواصل إسرائيل الاستثمار في تطوير وترويج أنظمتها الصاروخية على أمل تحول هذه الأنظمة في لحظة ما إلى بقرة حلوب يمكن أن تدر المال إلى خزائنها

رويترز
 

من الناحية الإستراتيجية إذن يبدو الاهتمام الخليجي بالقبة الحديدية متأثرا بالدعاية الإسرائيلية حول فاعلية النظام الصاروخي، ومشوبا بعدم الإدراك للفروق الجوهرية في طبيعة الصراعات التي يواجهها كلا الطرفين، أو أنه اهتمام يأتي محملا بأهداف أخرى ذات طابع غير إستراتيجي، ولدى الخليج سجل حافل فيما يمكن أن نطلق عليه "دبلوماسية السلاح"، وهي استخدام عقود الأسلحة الضخمة من أجل تحقيق أغراض سياسية. ومع الأخذ في الاعتبار أن تكثيف الحديث حول رغبة دول الخليج في الحصول على نظام الدفاع الإسرائيلي جاء متزامنا مع مخاوفهم من السياسة الانسحابية لإدارة أوباما من الشرق الأوسط، والمخاوف المتبادلة لكل من إسرائيل ودول الخليج من فقدان الرعاية الأمنية الأميركية، فإن الحديث المتبادل حول شراء القبة الحديدية ربما يعكس(19) في جوهره استعدادا متبادلا لتنمية العلاقات الأمنية أكثر مما يحوي جدالا إستراتيجيا جادا حول مدى جاهزية منظومة الدفاع الإسرائيلية، المثيرة للجدل، للاستخدام الفعلي في منطقة الخليج.

 

يبقى من غير المرجح بالتأكيد أن إسرائيل ستمانع في الحصول على حفنة كبيرة من المليارات الخليجية مقابل مشاركة جزء محدود من تقنية دفاع صاروخي باهظة الثمن تم تصميمها في ظروف خاصة، وفشلت عملية تسويقها على مدار سنوات بسبب تكلفتها الباهظة وبسبب التعقيدات اللوجيستية المرتبطة بها، ولكن السؤال الحقيقي يبقى حول إذا ما كان الخليج سوف يبلغ نقطة يرى فيها أن علاقته مع إسرائيل صارت تستحق هذا الاستثمار باهظ الثمن، وأنه صار بمقدوره تجاوز التعقيدات السياسية المرتبطة بشراكة علنية ومفتوحة مع الكيان العبري، أم سيبقى الأمر قيد الدعاية عكس كل المؤشرات الفعلية.

 

على الجانب الآخر من الرقعة، تواصل(20) إسرائيل الاستثمار في تطوير وترويج أنظمتها الصاروخية على أمل تحول هذه الأنظمة في لحظة ما إلى بقرة حلوب يمكن أن تدر المال إلى خزائنها، وهو أمر غير مرجح أن يفلح في إقناع المشاكسين من أمثال بوستول بجدوى نظام لا يرى هو أن فاعليته التقنية تتجاوز 5-10% في أفضل الأحوال. وبالنسبة لبوستول فإن الانخفاض الملحوظ في أعداد الوفيات التي تسببها الصواريخ الموجهة للأراضي المحتلة يرجع بشكل رئيس إلى تحسن قدرات الدفاع المدني الخاصة بالدولة العبرية، وليس لفاعلية القبة.

 

القبة الحديدية هي نظام دفاعي جوي متحرك طور من قبل شركة رافائيل بهدف اعتراض الصوارخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية (رويترز)


كأكاديمي وكخبير تقني، لدى بوستول معايير مرتفعة جدا للحكم على فاعلية أي نظام دفاع صاروخي، وهي معايير لا تقيم فقط قدرته على اعتراض القذائف المستهدفة، ولكنها تنظر أيضا لشكل الاعتراض، وإذا ما كانت القذائف الاعتراضية قادرة على استهداف الرأس الحربية للصاروخ الهجومي وتفجيرها في الجو، وليس مجرد إقصاء الصاروخ عن مساره. ورغم الانتقادات الكثيرة الموجهة إلى فاعلية القبة الحديدية منذ تدشينها عام 2011 فإن أحدا سوى بوستول لم يذهب أبدا إلى إقرار تلك النسبة المتدنية المثيرة للإحباط والجدل التي يمكن أن تضرب أي جهود لتسويق النظام الإسرائيلي باهظ التكلفة في مقتل.

 

كانت انتقادات بوستول كعادتها بكل تأكيد كافية لاستنفار جهود الآباء الروحيين مثل عوزي روبين للدفاع عن مشروعهم الأثير، في جولة من السجالات السياسية والتقنية التي يستمتع المسؤولون عن نظام القبة الحديدية بإثارتها إلى اليوم. ولكن إذا كان لهذه السجالات أن تثبت أي شيء فإنها تثبت أنه مهما كانت حقيقة نسبة النجاح التي حققها النظام ميدانيا في مواجهة الصواريخ الفلسطينية واللبنانية، ومهما بلغت صعوبة فصل الحقيقة عن الدعاية فيما يتعلق بقدراته، فإن إسهامه الجدي في اللعبة العالمية الأكبر لمنع الهجمات المتوسطة والطويلة المدى للصواريخ الباليستية لا يزال موضع شك كبير، وهو يبقى في أفضل الأحوال مجرد تطوير لسلاح تقليدي آخر، وليس قفزة سحرية في عالم الدفاع الصاروخي، لسوء حظ رافائيل والحكومة الإسرائيلية أو أي طرف طامح آخر كالخليج.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك