اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/1 الساعة 18:58 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/14 هـ

انضم إلينا
الغرب المرتبك.. الصراع مع الإسلام كتعريف لأوروبا

الغرب المرتبك.. الصراع مع الإسلام كتعريف لأوروبا

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يناقش الكاتب أفكار وقناعات الأحزاب اليمينية والشعبوية في أوروبا ويقارن بينها، متحدثًا عن الدوافع وراء الخطاب الشعبوي. ويشرح الكاتب مفهوم "الحضارتية" باعتباره خليطا من عناصر مختلفة، ومتناقضة أحيانًا، لا يجمع بينها سوى العداء للإسلام.

 

نص المقال

لا تزال الأحزاب القومية المناهضة للهجرة سمة مألوفة للسياسة الأوروبية منذ الثمانينيات على الأقل، لكنها اكتسبت مكانة بارزة في السنوات الأخيرة. وفى (مايو/أيار) الماضي كانت زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان منافسًا خطيرًا في انتخابات الرئاسة الفرنسية. أما في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الهولندية في (مارس/آذار) فكان حزب غيرت فيلدرز "من أجل الحرية" في الصدارة؛ وفي العام الماضي اقترب نوربرت هوفر، من حزب الحرية اليميني المتطرف، من الفوز برئاسة النمسا. حقق الشعبويون المناهضون للهجرة أيضًا اختراقات في الدول التي فشلوا فيها سابقًا في الحصول على قاعدة انتخابية قوية، وخاصة ألمانيا والسويد، حيث حقق "البديل من أجل ألمانيا" و"الديمقراطيون السويديون" على التوالي مكاسب انتخابية كبيرة.

 

عادة  ما يصف المراقبون هذه الأحزاب بأنها قومية ومناهضة للهجرة ويمينية متطرفة. ولكن على الرغم من أن هذه الأحزاب تدافع عن أفكار قومية ورافضة للهجرة، وعلى الرغم من أن خطابها متطرف في بعض الأحيان، فإنه من الخطأ أن نراها ببساطة ورثة التقاليد الأوروبية العتيقة في القومية اليمينية المتطرفة. فخلافًا للحزب النازي أو الأحزاب الفاشية في أوروبا ما بين الحربين، أو الأحزاب الصغيرة، النازيين الجدد أو الفاشيين الجدد في أوروبا ما بعد الحرب، فهذه الأحزاب ليست مناهضة للنظام؛ فهي لا ترفض النظام الدستوري الديمقراطي. كما أنها ليست على اليمين دائمًا، على سبيل المثال، وصفت لوبان حزبها بأنه "ليس يمينيًا ولا يساريًا" ووعدت بالدفاع عن العمال ضد "العولمة الوحشية".

 

بدلاً من تصنيف تلك الأحزاب وفقًا للتصنيفات القديمة غير الملائمة، ينبغي لنا أن ندرك أن الكثير من الأحزاب المناهضة للهجرة قد طورت اليوم خطابًا سياسيًا جديدًا، وهو مصطلح "الحضارتية". وقد تم تبني "الحضارتية" من قبَل حزب الحرية في هولندا وحزب الشعب الدنماركي وحزب التقدم النرويجي والفنلنديين الحقيقيين في فنلندا، والديمقراطيين السويديين في السويد، والجبهة الوطنية الفرنسية، وإلى حدٍّ ما من قبَل حزب فلامز بيلانغ البلجيكي، وحزب الحرية النمساوي وحزب رابطة الشمال الإيطالي (وإن لم يكن من قبَل حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي لا يزال أقرب إلى اليمين المتطرف القومي). إن مفهوم "الحضارتية" الجديد هو مزيج متناقض من المسيحية "الهُويتية"، والعلمانية، ومحاباة السامية، ورُهاب الإسلام، وحتى بعض عناصر الليبرالية، مثل دعم المساواة بين الجنسين وحقوق المثليين. إذ يفترض هذا المفهوم وجود هوية حضارية أوروبية موحدة، ويؤكد أنها مهددة، وفي صراع أساسي مع الإسلام، الذي يُنظَر إليه على أنه حضارة منفصلة وغريبة. هذا الخطاب الجديد أكثر خطورة من الخطابات والحركات المتطرفة الصريحة، ولكنه يشكل أيضًا أخطارًا جسيمة على الديمقراطية الليبرالية.

 

من المسيحية إلى "المسيحية السياسية"
بيم فورتوين أستاذ علم الاجتماع والناشط السياسي الهولندي الذي اغتيل (1948-2000م) (رويترز)

 

كان رائد الشعبوية الحضارتية منذ عقد ونصف هو السياسي الهولندي بيم فورتوين. تحول فورتوين، وهو عالم اجتماع وماركسي سابق، في الأشهر التي سبقت اغتياله في 2002، إلى سياسي ناجح بصورة مذهلة من خلال كسر المحظورات وتحدي أسلوب السياسة الهولندية التوافقي التقليدي. بالطبع لم يكن فورتوين أول من يستفيد من القلق الشعبي بشأن الهجرة، أو أول من يلقي باللوم على المهاجرين في ارتفاع معدل الجريمة واضطراب المناطق الحضرية. لكنه ابتكر خطابا مناهضا للمهاجرين (والمسلمين على وجه التحديد) مع مواقف ليبرالية بشأن القضايا الاجتماعية، وخاصة حقوق المثليين. قام فورتوين، الذي كان يطلق على نفسه اسم "صموئيل هنتنغتون السياسة الهولندية"، باستدعاء شبح "صراع الحضارات" داخل أوروبا، بين ما أسماه "الثقافة الإنسانية اليهودية المسيحية"، التي اعتبرها ليبرالية ومنفتحة، وبين الثقافة الإسلامية، التي وصفها بأنها متخلفة وقمعية، وخاصة في مجالات النوع الاجتماعي والحياة الجنسية.

 

في جميع أنحاء شمال وغرب أوروبا، نصّب الشعبويون المناهضون للمهاجرين أنفسهم مدافعين عن "حضارة يهودية - مسيحية أوروبية"، وليس فقط ثقافتهم الوطنية الخاصة. على سبيل المثال، على الرغم من أن أوروبا هي المنطقة الأكثر علمانية في العالم، إذ انخفضت معدلات التردد على الكنائس انخفاضًا هائلًا في السنوات الأخيرة، يشيير الشعبويون باستمرار إلى "جذور" أوروبا المسيحية. وقد شدّدت لوبان على "الجذور المسيحية" في فرنسا، وفي النمسا، استخدم هوفر عبارة "فليساعدني الرب" على ملصقات حملته. لكن المسيحية التي يتحججون بها ليست دينًا جوهريًا، بل هي رمز للثقافة والهوية المشتركة. هذه المسيحية العلمانية والثقافية تختلف اختلافًا حادًا عن المسيحية التي استُند إليها في أوروبا الشرقية، وخاصة في بولندا، حيث لا تزال العقيدة الدينية والممارسة أكثر قوة وحيث تتشابك القومية والكاثوليكية بكيفية عميقة.

 

فالمسيحية، أو "المسيحية السياسية"، التي يستدعيها الشعبويون في شمال وغرب أوروبا، هي مسألة انتماء وليست عقيدة، وهي طريقة للتفرقة بين "نحن" و"الآخر". إذا كان "الآخر" هو المسلمين، فـ"نحن"، الأوروبيين، يجب أن نكون مسيحيين، إلى حد ما. ولكن هذا لا يعني أننا يجب أن نكون متدينين. في الواقع، إن التآكل المستمر للمسيحية كديانة يجعل الاحتجاج بالمسيحية باعتبارها هوية ثقافية وحضارية أمرًا سهلاً، مفهومة من حيث القيم المشتركة التي لا علاقة لها بالتدين الفعلي.  

 

يستدعي "الحضارتيون" الهوية المسيحية، ولكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أنهم علمانيون. ولكن لا يوجد تناقض بين انتماء اليمين الشعبوي إلى "المسيحية السياسية" وبين العلمانية، لأن كليهما ينبع من الانشغال بالإسلام. العلمانية الجديدة لا تستهدف الرموز أو المفاهيم أو الممارسات الدينية، عموما؛ بل تستهدف رموز ومفاهيم وممارسات المسلمين. ففي فرنسا، على سبيل المثال، استخدمت العلمانية لتبرير الحظر على خيارات القائمة الخالية من لحم الخنزير في المدارس العامة، وذبح الحيوانات دون صعقها، وتوفير الغذاء الحلال في المؤسسات العامة. كما فرضت العلمانية الشعبوية قيودًا على الملابس النسائية الإسلامية، بما في ذلك الحظر على ملابس السباحة المحتشمة الذي فرضته بعض المدن الفرنسية في 2016، وحظر النقاب في النمسا وبلجيكا وفرنسا. وباختصار، فإن "الحضارتية" تتبنى العلمانية بكيفية انتقائية من أجل دفع الإسلام إلى الخروج من المجال العام، مع استبعاد أو نزع الشرعية عن المبادئ المسيحية التي تدعو إلى التعاطف مع المهاجرين واللاجئين.

 

متظاهرون من الحركات المعادية للإسلام والمهاجرين يحملون لافتات تتهم المهاجرين بأنهم مغتصبون وغير مرحب بهم (رويترز)

 

في كسر آخر عن النهج الأوروبي القديم، الذي كان معاديًا للسامية عمومًا، يسعى الحضارتيون الجدد إلى تأكيد محاباتهم للسامية ودعمهم لإسرائيل. على سبيل المثال، وصف ويلدرز إسرائيل بأنها قريبة من قلبه وبأنها "خط الدفاع الأول للغرب ضد الإسلام". بالنسبة إلى اليمين المتطرف التقليدي، كان اليهود يمثلون تهديدًا للتجانس الإثني -الثقافي للأمة. ولكن اليوم، حيث أصبحت هجمات المسلمين على اليهود أكثر تكرارًا، وخاصة في بلجيكا وفرنسا، أعاد الشعبويون المناهضون للمهاجرين تعريف اليهود كضحايا للإسلام. وبدلا من استبعاد اليهود من المجتمع القومي، تحاول أحزاب مثل الجبهة الوطنية اجتذابهم باعتبارهم أقلية مستضعفة. وفي حديث مع اليهود الفرنسيين أثناء مقابلة في 2014، قالت لوبان إن حزبها "دون شك أفضل درع لحمايتكم من العدو الحقيقي، الأصولية الإسلامية".

 

كما تبنى الشعبويون الجدد أيضًا خطاب المساواة بين الجنسين. في الدول الإسكندنافية وهولندا، حيث المساواة بين الجنسين هي قيمة وطنية محددة، وعليه فإن لهذا التبني بعدا قوميا. ولكن حتى في البلدان الأقل تحررًا، مثل فرنسا، يدّعي الشعبويون اليمينيون المساواة بين الجنسين كقيمة أوروبية ذات جذور في التقاليد المسيحية، تتناقض مع عدم المساواة والقمع اللذين يؤكدون أنهما متأصِّلان في الإسلام. فالخطاب الشعبوي يصور النساء المسلمات، على سبيل المثال، كضحايا للممارسات الثقافية الغريبة، مثل الحجاب القسري والزواج المنظم والعنف المنزلي وتعدد الزوجات وقطع الأعضاء التناسلية، في حين أن النساء الغربيات يتعرضن للاعتداء الجنسي على أيدي الرجال المسلمين. وتسمح هذه المناورة لأدعياء "الحضارتية" بتبرير معاداتهم للإسلام كدفاع عن المرأة، فضلًا عن تبرئة أوروبا بإعادة تعريف عدم المساواة بين الجنسين باعتبارها مشكلة إسلامية حصرًا.

 

كان احتضان حقوق المثليين، على الأقل خارج هولندا، أكثر ترددًا وأقل حسمًا. استمرت معظم الأحزاب الشعبوية المناهضة للمهاجرين في الترويج للنماذج التقليدية للعائلة، ولم يؤيد حقوق المثليين سوى حزب التقدم النرويجي دعمًا لا لبس فيه. بيد أن هذه الأحزاب في الوقت نفسه أكدت معارضتها للتمييز ضد المثليين والمثليات فيما انتقدت الإسلام باعتباره يعاني من رهاب المثلية. وسعت الجبهة الوطنية والأحزاب الأخرى المناهضة للمهاجرين سعيا حصيفًا إلى اجتذاب أصوات المثليين.

 

تسامح قمعي

تُستخدم الفيلوسامية (تقدير الشعب اليهودي) والترويج للمساواة بين الجنسين وتأييد حقوق المثليين استخدامًا متشابهًا بصورة صارخة في السياقات الحضارية لليمين الشعبوي؛ في محاولة لتسليط الضوء على رجعية الإسلام أمام عصرية أوروبا ولتصوير اليمين المعادي للمهاجرين على أنه المدافع عن القيم الليبرالية والتقدمية للقارة. بيد أن المفارقة -أو النكتة إذا جاز التعبير- التي تقول إن الاحتفاء الشعبوي الإقصائي غير المتسامح وغير الليبرالي بتسامح أوروبا وليبراليتها وشموليتها لجميع الفئات سيضيع أثرها ولن تُفهم في الغالب بين جموع الجماهير الغفيرة التي تتلقاها على مسامعها.

 

على الرغم من أن الانتقائية الشعبوية لاحتضان مبادئ العلمانية واحتضان اليهود والنساء والمثليين ليست إستراتيجية بلاغية وحسب، بل إنها أيضًا إستراتيجية انتخابية، وهي طريقة ليصل الشعبويون إلى دوائر انتخابية جديدة ويحظوا بقبول التيارات الرئيسية في المجتمع، يجادل الشعبويون بأن جميع هذه المجموعات عرضة للتهديد -الجسدي والثقافي- من المفهوم الذي يُعرف بأسلمة المجتمعات الغربية. كما يزعمون أن الأحزاب الرئيسية والنخبة المثقفة تجاهلت هذا التهديد. ومن ثم فإن رواية الشعبويين تفيد بأن مصالح اليهود والنساء والمثليين سوف يصونها على أفضل وجه هؤلاء الذين لا يخافون أن يقولوا الحقيقة دون مواربة: إنهم الشعبويون أنفسهم. وثمة بعض الدلائل التي تشير إلى أن هذه الإستراتيجية ساعدت الشعبويين المناهضين للمهاجرين على جذب مزيد من النساء والمصوتين الذين يبدون تأييدًا قويًا لحقوق المثليين.

 

 كتب على اللافتة "الإسلاميون غير مرحب بهم" (رويترز)

 

ويبدو أن الطريقة الجديدة التي يبرزها الشعبويون لغزل الخيوط المتباينة التي كانت تشكل من قبل تحديات فكرية لديهم تطغى على تفاهمات رهاب الأجانب لدى الشعبويين، والذي يتميز في الغالب بكونه قومي في جوهره. لا شك أن أحزابًا مثل الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب من أجل الحرية في هولندا، وحزب الحرية في النمسا، جميعها أحزابٌ قومية، لكنها ليست قومية وحسب؛ بل إنها حضاريةٌ في الوقت ذاته. رسمت هذه الأحزاب الحدود الجوهرية بين الذات والآخرين عبر خطوط حضارية -أي بين الغرب اليهودي المسيحي والإسلام- وليس عبر خطوط قومية.

 

والسؤال ما هو السبب لهذه الحالة التي تتمثل في إعادة إبراز تلك الاختلافات؟ على أحد الجوانب، فقد أُضعفت الاختلافات القومية عن طريق تعميق التكامل الأوروبي والعولمة. وفي الوقت ذاته، تسبب تنامي ظهور تدين المسلمين داخل بيئة غير متدينة في تسليط الضوء على التناقض بين المسيحية العلمانية والإسلام المناهض على ما يبدو للعلمانية. وبكل تأكيد، اكتسب انشغال الشعبويون بالإسلام باعتباره الدين الغريب الذي يحمل تهديدًا حضاريًا، زخمًا وجاذبية عن طريق الهجمات الهائلة شديدة الرمزية التي ارتُكبت في الأعوام الأخيرة باسم الإسلام في عددٍ من العواصم الأوروبية.

 

تزخر قصة نهوض الشعبوية الحضارية بالمفارقات والتناقضات. فالعلمانية التي طالما اعتُبرت إيديولوجية يسارية، صارت الآن إيديولوجيا يطالب بها اليمين. يعلن اليمين الشعبوي غير الليبرالي على الإطلاق عن ليبراليته والتزامه بالفيلوسامية (تقدير الشعب اليهودي) والمساواة بين الجنسين، وتأييد حقوق المثليين. ولما أصبحت أوروبا أكثر علمانية، فإنها توصف وصفًا بلاغيًا بالقارة المسيحية. يُحتفى بالمسيحية، بدورها، باعتبارها مصدر الليبرالية والعلمانية والمساواة بين الجنسين. وحتى مع بدء تداعي المشروع الأوروبي، فإن الهوية الأوروبية الجامعة، التي تُعرّف وفقًا للمصطلحات الدينية والحضارية، أصبحت على هيئة أكثر مركزية في سياق الأحاديث والخطابات التي تدور حول القارة العجوز.

 

هل هي نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها؟

يكمن الخوف الرئيسي من الشعبوية الحضارية لأوروبا -ولاسيما بقدر أن موضوعاتها تقترب من أن يُسمع صداها في الخطابات السياسية للأحزاب الرئيسية- من أنها قد تكون ذاتية التحقق. إذ أن تمثيل الإسلام بأنه غريب في جوهره لكل القارة الأوروبية -عن طريق وصفه بـ "التهديد الأعظم لبقاء حضارتنا- يعني أن الحضارتيين يشجعون ويشرعنون الرفض المتبادل لأوروبا والغرب من قبل المواطنين الأوروبيين الذين يدينون بالإسلام.

 

 كتب على اللافته "ميركل، خذي مسلميكِ معك واختفي" (الأوروبية)

 

يشكل مثل هذا الموقف المناهض للغرب بلا هوادة، على وجه التحديد، عنصرًا رئيسيًا لمجموعة محددة من الخيوط التي يُغزل بها خطاب إسلامي يُشكَّل بمعزلٍ عن الخطاب المناهض للمسلمين. بيد أن الشعبوية الحضارتية الأوروبية تخاطر بأن تجعل هذه الخيوط المناهضة للغرب أكثر موثوقية وجذبًا للمسلمين، وذلك عن طريق الإعلان بمصطلحات أشد قسوة عن عدم التوافق بين أوروبا والإسلام، فلا يمكن لهذه النظرة الحضارتية الجديدة أن تساعد إلا بتعميق تغريب مسلمي أوروبا وتعميق حالة عدم الثقة بينهم وبين الأغلبية المسيحية اسمًا للقارة. وبهذه الطريقة، قد تساهم في خلق الانقسام المباشر الذي تدعي بأنها تصفه.

 

في مواجهة هذا الخطر، من الأهمية بمكان أن نصر على أن الحضارات -لمواجهة هذه النظرة المبتذلة التي تسير على أرضية أفكار هنتنغتون والتي يتبناها الشعبويون الحضاريون- ليست هويات موحدة ذات وجود أبدي تتخذ موقفًا مناهضًا ومتنافرًا بينها وبين بعضها. بل إنها مجالات متنوعة وشاسعة وجامحة ومتطورة من الممارسات والسياقات. وإذا افترضنا وجود صراع حضارات، فإننا نتجاهل الصراعات الأكثر أهمية التي تحدث داخل كل حضارة من هذه الحضارات.

 

لذا ينبغي مواجهة التشويه المبالغ فيه الذي يتعرض له الإسلام عن طريق أصحاب هذه النظرة الحضارية. على سبيل المثال، أظهر عالم الأنثروبولوجيا جون بوين العيوب التي تكتنفها المناقشات بشأن الإسلام وعدم المساواة بين الجنسين. لكن محاولة الشعبوية الحضارية لإخفاء رؤيتها الإقصائية عن طريق عباءة الليبرالية المحترمة ينبغي أن تُعترض أيضًا. ليس ثمة ليبرالية في استغلال الفيلوسامية والمساواة بين الجنسين وحقوق المثليين عن طريق الشعبويين المناهضين للمهاجرين، بل إنها محاولة ساخرة لتوسعة قاعدتهم الانتخابية عن طريق اللعب على أوتار الموضوعات المثيرة للقلق، والتي تتعلق بالأسلمة المزعومة للمجتمعات الأوروبية.

 

في هذا الصدد، لا توجد كل هذه المسافة التي تفصل بين رهاب الإسلام الذي يعاني منه الشعبويون الحضاريون وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شكلت إعادة تغريد فيديوهاته التحريضية والمضللة لمناهضة الإسلام مؤخرًا عن طريق جماعة بريطانية متطرفة -ما أعطى المجموعة دعمًا شعبيًا كبيرًا- مجرد حلقة أخرى في سلسلة من الاستفزازات الرمزية. وفي نهاية المطاف، لا يمكن وصف التأطير الحضاري شبه الليبرالي للموقف الذي يتبناه الشعبويون المناهضون للمهاجرين في شمال وغرب أوروبا سوى بأنه قشرة إيديولوجية رقيقة، وأن العداء للإسلام هي الفكرة الجوهرية في هذا السياق.  

 

============================================

 

المقال مترجمة عن: (الفورين أفيرز)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار