اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/16 الساعة 15:58 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/29 هـ

انضم إلينا
ما هي جذور "فشل الحاضر" في التاريخ المصري الحديث؟

ما هي جذور "فشل الحاضر" في التاريخ المصري الحديث؟

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

يقوم جويل بينين من خلال مراجعة نقدية بإلقاء الضوء على تاريخ مصر في القرن الماضي ليبيّن العوامل المعقدّة التي أدّت إلى الأزمة السياسية والاجتماعية الحالية في مصر تحت حكم العسكر، من الفساد الملكي والاستعمار البريطاني والحروب المكلفة مع إسرائيل، إلى النماذج الاقتصادية الفاشلة التي عمّقت من انعدام المساواة بين طبقات الشعب.

 

نص التقرير
تسلط الأزمة الحالية في مصر الضوء على الأسس الخاطئة التي بنيت عليها الدولة المصرية بعد الثورة. مع ذلك، فإن الحنين الذي يشعر به بعض الليبراليين لأيام الحقبة الملكية هو في غير محله أيضا. مراجعة لكتاب روبرت سبرينغبورغ "مصر" (كامبردج، المملكة المتحدة وميدفورد، ماساشوستس: بوليتي بريس، 2017).

    

في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 قام محمد بوعزيزي، المزارع الفقير الذي كان قد تحول إلى بائع متجول، بإضرام النار في نفسه احتجاجا على أوضاعه. تسببت فعلته اليائسة هذه في إشعال موجة احتجاج شعبية توجت بخلع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بعد شهر من تلك الحادثة، ثم ألهمت مظاهرات مماثلة في كل من الجزائر والأردن والمغرب وعمان واليمن. في 25 يناير/كانون الثاني 2011، بدأ عدد كبير من المصريين باحتلال ميدان التحرير بالقاهرة وغيرها من الساحات والميادين في جميع أنحاء البلاد.

   

إن الموقع المركزي الذي احتلته مصر في السياسة والثقافة العربيتين طوال القرن العشرين أعطى للأحداث فيه دورا محوريا في تحديد الأهمية السياسية لهذه الاحتجاجات ضد الاستبداد وانعدام المساواة. في 11 فبراير/شباط أعلن نائب الرئيس المصري المعين حديثا عمر سليمان -المدير السابق لمديرية المخابرات العامة المعروف بإدارته لعمليات تعذيب سجناء الحرب الأميركية على الإرهاب الذين تم تسليمهم لمصر لاستجوابهم خارج نطاق القضاء وذلك في حقبة جورج بوش الابن- أعلن استقالة الرئيس حسني مبارك من منصبه وتوّلي المجلس الاعلى للقوات المسلحة "مسؤولية إدارة البلاد". في الوقت نفسه، استمرت الاحتجاجات خارج مصر وتحوّلت إلى انتفاضات شعبية في اليمن والبحرين وليبيا وسوريا وعلى نطاق أصغر، في المغرب أيضا.

    

في منتصف عام 2011، خلص روبرت سبرينغبورغ، وهو باحث وعالم سياسي مخضرم خبير بالشؤون المصرية، إلى أن "الربيع العربي في 2011 قد يكون أقرب إلى الثورات الفاشلة التي حدثت في عام 1848 في أوروبا من التحولات الديمقراطية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1989". في المدى القصير، ثبت أن سبرينغبورغ كان على حق، فكما فشل الأوروبيون الذين انتفضوا في القرن التاسع عشر في "ربيع الشعوب" في تحقيق الديمقراطية والاستقلال، فإن الانتفاضات العربية لم تحقّق مطالبها بـ"الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية"، كما كان قد حدّدها هتاف شعبي في مصر كأهداف للحراك.

                          

            

في تونس، على الرغم من أنها أصبحت دولة ديمقراطية إجرائية بفضل انخراط اتحاد نقاباتها الوطنية في التغيير، لا تزال عناصر عديدة من النظام القديم تشارك بالسلطة، ولا يزال التهميش الاجتماعي والاقتصادي ذاته الذي دفع محمد البوعزيزي إلى حافة اليأس قائما دون معالجة. أما اليمن وليبيا وسوريا، فقد انهارت هذه الدول ومجتمعاتها بشكل كارثي، ويعود ذلك في جزء منه إلى انقساماتها السياسية على خطوط قبلية وطائفية، وفشل أنظمتها في الحفاظ على الميثاق الاجتماعي، وفي جزء آخر إلى تدخلات حلفاء الولايات المتحدة والتي يمكن مقارنتها بما حدث في أوروبا في عام 1848.

 

في كتابه الأخير وعنوانه "مصر"، يسعى سبرينغبورغ لشرح سبب فشل الانتفاضة المصرية. يحتوي الكتاب على بيانات ممتازة عن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والديموغرافية والبنية التحتية، حيث يؤكد سبرينغبورغ أن العامل التفسيري الرئيسي لفشل الانتفاضة المصرية، فضلا عن أداء مصر الرديء للغاية على هذه المؤشرات، يتعلّق بإشكالية العلوم السياسية الكلاسيكية؛ أي كيفية "اكتساب الدولة لسلطتها وكيفية ممارستها".

     

الحنين الليبرالي القديم
لكن على الرغم من أن اهتمام سبرينغبورغ بالتاريخ هو موضع ترحيب، فإن تفسيراته التاريخية تتراوح بين كونها رومنطيقية أكثر من اللازم وكونها مغلوطة بشكل واضح، فهو يدّعي مثلا أن "حكّام مصر وأولئك الذين يحكمونهم" يمتلكون "طابعا خاصا إن لم يكن فريدا" لأن "مصر والصين وإيران هي الإمبراطوريات الثلاث الكبرى من العصور القديمة التي لا تزال قائمة اليوم في شكل دول قومية". وبناء على ذلك، يقول؛ كان ينبغي لـ"ميزات مثل وجود حكومة مركزية في مصر منذ آلاف السنين مقرونة بوعي وطني متماسك" أن تؤدي إلى خلق دولة ذات قدرات قوية، ولذلك فإن قدرة الدولة المصرية الحالية المحدودة جدا هي على الأرجح نتيجة لـ"أخطاء" معيّنة، مثل الفشل في "الاستفادة من الفرص التي توفرها العولمة الاقتصادية "، على حدّ زعمه.

  

ولكن في حين أن عملية التأريخ والثقافة العامة القوميتي النزعة تَعتبران أن تاريخ مصر الطويل هو تاريخ كيان سياسي موحد ومستمر، فإن جمال عبد الناصر، الذي أصبح رئيسا في 1956، كان في الحقيقة أول شخصية من سكان البلاد الأصليين تحكم مصرا مستقلة منذ 2300 سنة. فلقد ظهر الكيان المصري الحديث بشكل أساسي كنتيجة لعمليات تشكيل الدول في السنوات الـ200 الماضية وما يميز مصر مقارنة مع باقي الدول العربية (باستثناء تونس) في هذا السياق هو أن تشكل هذه الدول لم يبدأ إلا في الـ100 سنة الماضية.

       

وفقا لسبرينغبورغ، فإن الهجمات الإرهابية الأخيرة في سيناء من قبل الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية شكّلت أول اختراق عنيف من قبل قوة خارجية للصراع السياسي الداخلي المصري منذ قرون

الجزيرة
       

يقوم سبرينغبورغ بإجراء مقارنة بين "نظام الوصول المفتوح جزئيا على الأقل" للنظام الملكي المصري قبل عام 1952 و"نظام الوصول المحدود" في جمهورية الضباط الأحرار بعد الثورة. لقد طوّر هذه المصطلحات الخبير الاقتصادي دوغلاس نورث وزملاؤه الذين يعرّفون "نظام الوصول المفتوح" على أنه ذلك النظام القائم في "البلدان عالية الدخل والبلدان الصناعية المتقدمة في العالم اليوم [التي] تتمتع باقتصادات سوقية ومنافسة مفتوحة، ونظم سياسية ديمقراطية تنافسية متعددة الأحزاب، وحكومة مستقرّة محتكرة للعنف". لكن حتى لو قمنا بغض النظر عن الثغرات في هذه التصنيفات، فإن هذه المفاهيم لا تعطي وصفا دقيقا على الإطلاق لمصر في المرحلة الملكية. يغرق هنا سبرينغبورغ في الحنين إلى العصر الملكي المنفتح على العالم والذي يفترض بأنه كان ليبراليا نسبيا، وهو حنين كان قد انتشر بين الليبراليين المصريين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

      

أما آثار الاستعمار البريطاني، والظلم الاقتصادي، والصراع العربي الإسرائيلي، فلا يوليها سبرينغبورغ الكثير من الاهتمام في تأريخه لأحداث مصر. فوفقا لسبرينغبورغ، فإن الهجمات الإرهابية الأخيرة في سيناء من قبل الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية شكّلت "أول اختراق عنيف كبير من قبل قوة خارجية للصراع السياسي الداخلي المصري منذ قرون". إن هذا الزعم من شأنه أن يصدم معظم المصريين، فلقد قامت القوات العسكرية البريطانية بغزو واحتلال مصر عام 1882 لضمان سداد ديون الدولة للبنوك الأوروبية، وأن تبقى قناة السويس تحت سيطرة القوى الأوروبية. بقي البريطانيون في مصر حتى عام 1956، وطوال تلك الفترة، كان طرد المحتلين البريطانيين هو القضية الرئيسية في السياسة المصرية.

     

في عام 1922، بعد مرور عامين على الانتفاضة القومية في عام 1919 التي قادها حزب الوفد، أعلنت بريطانيا من طرف واحد استقلال مصر اسميا بموجب نظام ملكي دستوري، لكن الحكومات المصرية المتعاقبة بعدها لم تكن تتمتّع باحتكار العنف أو بأي قدرة على التأثير بالسياسات التي تمس المصالح البريطانية. وعلى الرغم من أن الوفد كان الحزب الأكثر شعبية بلا منازع وفاز بكل جولات الانتخابات، عندما كانت هذه نزيهة وحرّة بقدر معقول، تواطأ النظام الملكي مع المحتلّين البريطانيين ليمنعوا هذا الحزب من تولي الحكم إلا لفترة لا تزيد عن سبع سنوات من حكم النظام الملكي الذي استمر لثلاثين عاما، فأقالوا الحكومات المنتخبة شعبيا وقاموا بتزوير الانتخابات في الكثير من الأحيان.

     

في تلك الفترة، استمرت زراعة وتصدير القطن كأكبر قطاعات الاقتصاد الوطني، كما كانت عليه منذ عقد الـ1860. سيطرت حوالي 12،000 عائلة على ما يقرب من 40 في المائة من الأراضي المزروعة التي توزعت على قطع تبلغ مساحة كل منها 50 فدانا أو أكثر. شكّلت هذه العائلات أكبر شريحة من الطبقة الحاكمة المحلية ومعاونيها الريفيين، فمثّلوا 43 في المائة من النواب البرلمانيين و58 في المائة من أعضاء مجلس الوزراء بين عامي 1923 و1952. وفي الوقت نفسه، كانت أكثر من 90 في المائة من الأسر الريفية في عام 1939 لا تملك أي أرض، أو امتلكت أقل من ثلاث فدانات، وهو الحد الأدنى المطلوب لإعالة أسرة مكونة من أربعة أفراد. يمكن اعتبار انعدام المساواة الزراعية هذا وما يصاحبه من آليات اقتصادية قمعية من السمات البارزة للرأسمالية الاستعمارية المصرية، على الرغم من أن التكوين الاجتماعي وراءه لم يكن ثابتا تماما.

          

       

خلال السنوات الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ظهرت طبقة رأسمالية متنوعة عرقيا ووطنيا لديها مصالح متشابكة في الزراعة والتجارة والصناعة، لكن السيطرة على الأصول الرأسمالية الكبرى في مصر ظلّت في أيدي الأوروبيين المقيمين في أوروبا (أبرزها قناة السويس، شل أويل، والبنك الأهلي المصري) أو في مصر، والأقليات المحلية ذات الجنسية الأجنبية أو المصرية. ثم ظهر اتجاه نحو "تمصير" رأس المال والقوى العاملة الماهرة في عقد الأربعينيات، وهذا أحد العوامل التي بلورت صورة سبرينغبورغ الوردية للنظام الملكي. ومع ذلك، وباستثناء قطاعي تصنيع وتصدير القطن، ظل تمثيل المسلمين والأقباط تمثيلا ناقصا بشكل كبير في الطبقات العليا من الاقتصاد، ولا سيما في القطاع المالي.

     

قاد هذا النظام، الذي حكمه الملك الفاسد فاروق، -قاد- مصر في حرب عام 1948 في فلسطين، حيث تم إذلال الجيش المصري وهزم هزيمة نكراء. انبثقت من رحم هذه التجربة المريرة مجموعة الضباط  الأحرار، التي تكونت من ضباط برتب عقيد ورائد الذين لم يكن لديهم توجه سياسي موحد، فاستولوا على السلطة في انقلاب غير دموي في 23 يوليو/تموز 1952. كان أول بند على جدول أعمالهم هو الإصلاح الزراعي الذي رحبت به الغالبية العظمى من المصريين وحتى حكومة الولايات المتحدة، التي اعتبرتها بمثابة خطوة مناهضة للشيوعية.

    

جمهورية الضباط
بنى سبرينغبورغ جوهر حجّته على نتائج تقييمه لـ"جمهورية الضباط"، التي أنشئت بعد قيام الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر بالإطاحة بالملكية. ومنذ ذلك الحين، ظلت مؤسسات "الدولة العميقة" -القوات المسلحة، وأجهزة الاستخبارات، والرئاسة- ثابتة في موضعها، على الرغم من التنافس على المواقع بينها وعدة محاولات من قبلها لإعادة توجيه السياسة الاقتصادية والتموضع الدولي للجمهورية المصرية.

    

على الرغم من أن مصطلح "الدولة العميقة" يستخدم أحيانا لتجنب الاعتراف بعدم معرفتنا الدقيقية للديناميات الداخلية لجهاز الدولة في مصر، فإن سبرينغبورغ محق تماما في قوله إنه في عام 2011، كانت القوات المسلحة المصرية هي من أحبطت المسيرة الديمقراطية والجذرية للانتفاضة المصرية. في تقرير صدر في أغسطس 2012، حذّر يزيد صايغ، الذي كان قد صاغ مصطلح "جمهورية الضباط"، من أن الجيش المصري كان يحضّر "لتكريس وصايته على البلاد" وعرقلة الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي. يوضح سبرينغبورغ أن هذه العملية بدأت في اليوم الذي أزاحت فيه القوات المسلحة "مبارك" من الرئاسة في "انقلاب-ثورة" (coup-volution) -وهذا مصطلح غير أنيق يسلّط الضوء على حقيقة مفادها أن مبارك لم يكن من الممكن الإطاحة به فقط من قبل حركة شعبية غير مسلحة لم يكن لديها أي تجربة في بناء التحالفات العابرة للطبقات، أو قيادة موحدة، أو هيكل تنظيمي وطني، أو برنامج سياسي متماسك-.

                 

                

قبل 55 سنة، قدّم الراحل أنور عبد الملك نقدا ماركسيا لجهورية الضباط في كتابه "المجتمع المصري والجيش". منذ ذلك الحين، لم يعد هناك أي عذر لتجاهل تعذيب عبد الناصر للمعارضين السياسيين، وأخطائه الاقتصادية، وتوظيفه لضباط غير أكفاء لإدارة القطاع العام وفشله في القيادة الفعالة في الفترة التي سبقت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967. بالنظر إلى الخلف، يمكننا القول إن دخول مصر في حروب مع إسرائيل (1948، 1956، 1967، 1973) لم تكن فكرة جيدة، وإن لم يكن ذلك باختيار مصر أحيانا. ففي عام 1956، هاجمت إسرائيل مصر بالتواطؤ مع بريطانيا وفرنسا، اللتين أغضبهما تأميم ناصر لقناة السويس؛ حيث لم تكونا -هاتان الدولتان- مستعدتين تماما للتخلي عن مواقعهما الإمبريالية في البلاد. كان لهذه الحروب كلفة اقتصادية هائلة، فليس من المستغرب إذن أن الجيش الذي خاض أربع حروب في خلال 25 عاما  فقط (خمسة، إذا أخذنا في الاعتبار تدخل 1960 في الحرب الأهلية اليمنية) سوف يكتسب دورا ضخما في سياسات بلاده.

       

لا يمكن لـ"التنمية"، إذا كان هذا المصطلح له أي معنى معتمد، أن تأخذ مجراها بمعزل عن السياسة، فهي ليست نتيجة لمقاربات تقنية ثابتة وقابلة للتطبيق في أي مكان كما يفترض سبرينغبورغ على ما يبدو، بمعزل عن الضرر أو الفائدة، لذلك  كانت مصر قطبا رئيسيا في السياسة العربية وحركة عدم الانحياز والعالم الثالث الناشئ، من مؤتمر باندونغ عام 1955 إلى عام 1967. لقد دفعت مصر ثمنا باهظا أكثر من أي بلد عربي آخر لفشل هذه البدائل عن نظام القطبية الثنائية خلال الحرب الباردة. فهل كان يتعيّن على مصر ألّا تسير في هذا الطريق؟

     

بعد إقراره بهذه الإخفاقات، قام الرئيس أنور السادات (1970-1981) بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل وأيّد المعسكر الآخر في الحرب الباردة. وفي المقابل، أعطت الولايات المتحدة في الفترة من عام 1979 إلى عام 2003 مصر مساعدات عسكرية بقيمة 19 مليار دولار، لتصبح ثاني أكبر متلقّ للمساعدات الأميركية من خارج منظومة الناتو بعد إسرائيل، بالإضافة إلى 30 مليار دولار كمساعدة اقتصادية. ومنذ ذلك الحين استقرّت المساعدات العسكرية الأميركية للقاهرة عند معدّل 1.3 مليار دولار سنويا. ومع ذلك، وفقا لتقرير صايغ المذكور أعلاه، فإن "ضباطا ومسؤولين أمريكيين مطلعين على برامج المساعدة العسكرية لمصر يصفون القوات المسلحة المصرية بأنها لم تعد بتاتا قادرة على القتال".

     

كما شجع السادات المصريين على العمل في البلدان العربية الغنية بالنفط، وعلى إرسال تحويلات مداخيلهم إلى مصر، فشكّل ذلك مصدرا استثنائيا للدخل عزّزه ارتفاع أسعار النفط بين عامي 1974 و1985، وإن كانت مصر نفسها بلدا منتجا محدودا للنفط. ينتقد سبرينغبورغ نظامي السادات ومبارك لفشلهما في استثمار هذه الإيرادات بحكمة. بالمعايير الحسابية المجرّدة، فإن هذا النقد سليم، لكن السادات كان قد برّر تفكيك الميثاق الاجتماعي الناصري باسم "الحرية"، بما يتضمّن ذلك القدرة على شراء السلع الاستهلاكية غير المتوفرة سابقا، ولو كان السادات قد اختار أن يخصّص جزءا كبيرا من تحويلات المواطنين العاملين في الخارج لهذا الغرض، فإنه كان سوف يقوّض شرعيته وتحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين التي كان يتم تمويل جهود إعادة إحيائها إلى حد كبير من خلال الأموال المحوّلة من الخليج. وعلاوة على ذلك، فإن إقدام السادات على تبنّي سياسات صندوق النقد الدولي -مثل القيام بتخفيض حاد للدعم على السلع الاستهلاكية الأساسية في يناير 1977- سوف تقابل بانتفاضة كبرى فرضت عليه التراجع. في أعقاب ذلك، تجنّب السادات ومبارك التدابير التي قد تثير السخط الشعبي، وذلك حتى عقد التسعينيات.

             

          

كما لا يسأل سبرينغبورغ عن السبب الذي سمحت الحكومة الأميركية من أجله لنظام مبارك بهدر مساعداتها العسكرية. فمنذ بدء مناورات النجم الساطع المشتركة في عام 1980، أصبح الجيشان المصري والأميركي على نحو متزايد نقطة الاتصال الرئيسية بين البلدين. والمعادلة الأساس في هذه العلاقة هي أن القيادة العليا المصرية سوف تتلقى الكثير من المعدّات العسكرية مقابل حفاظ مصر على السلام مع إسرائيل والحدّ من طموحاتها العسكرية. لقد فهم صناع القرار الأميركيون منذ فترة طويلة بنية جمهورية الضباط هذه، ففي برقية من سفارة الولايات المتحدة تعود لعام 2008 كانت قد سرّبتها ويكيليكس، أشار ديبلوماسي أميركي إلى أن الجيش المصري "حافظ على نفوذ قوي من خلال دوره في ضمان استقرار النظام وإدارة شبكة كبيرة من المؤسسات التجارية"، على الرغم من تدني قدراته العملية.

           

ظهرت هذه المهمة الجديدة للجيش المصري في أعقاب قيام مبارك بإبعاد وزير الدفاع  المشير عبد الحليم أبو غزالة، الذي كان يتمتّع بالكاريزما والكفاءة، في عام 1989. ومنذ عام 1991، تلقى كبار الضباط الموالون لخط مبارك "علاوة للولاء" عند التقاعد وفرصة لإثراء أنفسهم من خلال فرصة العمل في المستويات العليا من مؤسسات القطاع العام أو بيروقراطية الدولة، وبالإضافة إلى ذلك، وبالاعتماد على العمالة الرخيصة للجنود المجندين إجباريا، وسّع الجيش دوره كمنتج للخبز والمواد الغذائية الأساسية الأخرى، والسلع الاستهلاكية المعمرة، وفي قطاعات البناء والفنادق والبنزين.

            

تزامنت مشاركة الجيش المتصاعدة في الاقتصاد مع تبنّي مصر النهائي للنمط النيوليبرالي المنبثق من "إجماع واشنطن". في عام 1991، ومكافأة لمشاركة مصر الرمزية في الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لطرد العراق من الكويت، ألغت الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية نحو نصف ديون مصر الخارجية البالغة 50 مليار دولار. كان الشرط هو قبول مصر بإصلاحات اقتصادية وبرنامج التكييف الهيكلي الذي صممه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

             

يرى سبرينغبورغ أنه ربما كان بإمكان نظام مبارك أن يستمر في السلطة لو كان قد استثمر بشكل أكبر في البنية التحتية والموارد البشرية، وسعى للحصول على الدعم من فئة رجال الأعمال في القطاع الخاص خارج زمرة الرأسماليين المحسوبين على ابنه جمال مبارك، والذين زاد نفوذهم باضطراد بعد عام 2000،  لكنه لم يشرح كيف أن الميزانيات الحكومية الخاضعة لتدابير التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي كان يمكنها أن تقوم بمثل هذه الاستثمارات.

             

مستقبل مجهول

الانتفاضات العربية عام 2011 لم تحل أيا من المسائل السياسية أو الاقتصادية التي شكّلت الشرارةَ لها؛ حيث تستمر اليوم أزمة متعددة الأوجه

غيتي
                  
يعتقد سبرينغبورغ أن المصريين يواجهون أزمة وجودية، بل حتى إنه يثير احتمال أن تكون "الدولة القومية المعاصرة معرضة لخطر الانهيار"، ويقول إن الوضع مخيف بشكل كبير. لكن سجل علماء الاجتماع سيء جدا عندما يتعلّق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل (انظر زوال الاتحاد السوفياتي، صعود الدولة الإسلامية، أو فوز ترامب في انتخابات 2016) وقد يخفّف هذا من بعض القلق حول مستقبل مصر وشعبها. بالفعل، فإن سبرينغبورغ يعترف صراحة أن العلماء السياسيين "تلقّوا صدمة كبيرة" عندما اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011، وفشلوا في "رؤية عمق النقمة الموجودة هناك" لأن الكثيرين منهم استعملوا "نموذجا تحليليا متمركزا فقط على الاقتصاد"، بل إنه اعترف بأنه يمكن لومه هو أيضا على "90 في المائة من ما أقول".

           

على الرغم من إقراره بذلك، لم يشف هذا سبرينغبورغ من نزعته التنبئية أو يدفعه إلى توجيه اهتمامه إلى دور القوى الاجتماعية خارج نطاق الدولة، ففي فبراير 2011، شرح سبرينغبورغ والمؤلف المشارك لكتابه كليمنت هنري مور نظريتهما حول "لماذا لن يكون الجيش المصري قادرا على الحكم؟"، وتوقع أن مصر، مثل تونس، قد ترى "حكومة مدنية خالية من التدخل العسكري". بعد ذلك بعام، تنبأ سبرينغبورغ بأن الجيش لن يكون قادرا على إخضاع جماعة الإخوان المسلمين كما كان قد فعل عدة مرات في الماضي، لكنه كان على خطأ، فلسوء الحظ، منذ انقلاب 3 يوليو 2013 والمجزرة التي قتل فيها 800-1000 من أنصار الإخوان في 14 أغسطس/آب، قاد المشير في حينه والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ديكتاتورية عسكرية أكثر قمعية بكثير من أسوأ أيام حكم حسني مبارك، حيث إن المواطنين المصريين يتمتعون اليوم بقدر أقل بكثير من الأمن والاستقرار الاقتصادي.

                    

إن ميل سبرينغبورغ إلى سوء فهم التاريخ هو أيضا السبب الذي جعل مقارنته بين أحداث عامي 1848 و2011 في غير محلّها. فعلى الرغم من انتصار قوى الرجعية على المدى القصير في ذلك الحين، أدّت الثورات الأوروبية التي بدأت في عام 1848 في نهاية المطاف إلى ولادة الديمقراطية البرجوازية ومعها حق الاقتراع العام، وزوال الإمبراطوريات، وظهور الدول القومية المستقلة، ونهاية الامتيازات الإقطاعية، ولكن هذا لم يتحقق بالكامل إلا بعد الحرب العالمية الأولى. أما الانتفاضات العربية عام 2011 فلم تحل أي من المسائل السياسية أو الاقتصادية التي شكلت الشرارة لها؛ حيث تستمر اليوم أزمة متعددة الأوجه -فشل النظام العربي المبني على مراكمة رأس المال، وفشل التنمية البشرية، واستمرار الحكم الاستبدادي- بلا هوادة. هذا الوضع غير مستدام وسيتغير، ولكنه لا يمكننا أن نعرف كيف أو متى سوف يحدث ذلك.

 _____________________________________________________

   

مترجم عن (جكوبين)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار