هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"إعادة التمركز".. ميناء غوادر والدور الجديد لباكستان في آسيا

"إعادة التمركز".. ميناء غوادر والدور الجديد لباكستان في آسيا

نور مراد

مترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

يتناول عارف رفيق، الزميل غير المقيم في معهد الشرق الأوسط، في تقريره المنشور في "فورين أفيرز" الأميركية، الأبعاد الاقتصادية والسياسية لمشروع ميناء غوادر الذي تنشئه الصين في باكستان ضمن سلسلة من مشروعات الطاقة والبنية التحتية تُعرف باسم الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، سواء ما تعلق منها بالسياسة الداخلية لباكستان والتحديات التي يتعين اجتيازها لجني ثمار المشروع المتوقعة أو السياسة الخارجية الصينية أو ما قد ينتج عن المنافسة مع موانئ دول الجوار من تداعيات، وغيرها.

  

نص التقرير

اعتاد مقبول أفريدي، العقيد المتقاعد الآن، أن يجلس بمحاذاة الساحل محدقا في فسحة بحر العرب الممتدة أمامه في ميناء غوادر أثناء تمركزه هناك مع الجيش الباكستاني في التسعينيات. يصور له خياله ما يمكن أن يصبح عليه هذا المرفأ الطبيعي ذو المياه العميقة. لم يلهمه ذلك كتابة الشعر الرومانسي باللغة الأردية فحسب، بل دفعه إلى شراء بعض الأراضي في منطقة كانت وقتئذ قرية صيد -ولا تزال كذلك في معظمها- ما أثار سخرية أفراد عائلته، معتبرين هذا الشراء "تبديدا لمدخراته".

 

لكن مجازفة أفريدي تبدو اليوم متبصرة وذكية، فقد اتخذت بكين من ميناء غوادر مركزا لمشروع "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" (CPEC) وهو سلسلة من مشروعات الطاقة والبنية التحتية الممولة صينيا في باكستان تبلغ قيمتها الإجمالية ما يربو على 62 مليار دولار تتوزع ما بين معونات واستثمارات، وصفها المسؤولون الصينيون بأنها "مشروع رئيسي" ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، وهي مبادرة ضخمة من بكين لإقامة ممر اقتصادي موحد يمر عبر أوراسيا ويصل إلى أفريقيا.

  

 
أحد الأهداف الكبرى للمشروع ربطُ مدينة "كاشغر" الصينية الغربية غير الساحلية ببحر العرب عن طريق غوادر، ما يتيح للصين طريقا بديلا لنقل الغاز والنفط، متجنبة بذلك الطرف الجنوبي للهند ومضيق ملقا، وهو نقطة اختناق قد تُعرّض التجارة الصينية البحرية للحظر من جانب الدول المعادية في أوقات الصراع.

 

كما سيعود مشروع الممر الصيني الباكستاني بالنفع حتما على الشركات المضطربة المملوكة للدولة في الصين بما سيتيحه لها التوجه عالميا من فرص لتجاوز تحديات القدرة المفرطة وفائض العرض. أما باكستان فقد يساعدها المشروع في التغلب على العجز في إمداداتها الكهربائية سريعا وإحياء الصناعات المحلية المتعثرة، ميسّرا لها ما يلزم لتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي.

 

لعبة الموانئ

قد يصبح ميناء غوادر مفخرة إنجازات مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وأكبرها، ورغم كونه لا يُشكّل تهديدا يُذكر في الوقت الحالي لميناء جبل علي في دبي، ميناء الحاويات الرئيس في المنطقة، فإنه قد يغدو مركزا متخصصا وفعّالا للشحن العابر خارج مضيق هرمز مباشرة في غضون خمس إلى عشر سنوات على يد مشغليه الصينيين، وعندئذ سيكون إنجازا استثنائيا: أن يستحيل اللاشيء المُهمَل إلى شيء مرموق ذائع الصيت.

 

قصة "غوادر" هي إحدى قصص البدايات المتعثرة، فقد اشترت باكستان منطقة غوادر من سلطنة عمان في 1958، ثم بحثت في العقود التالية عن شريك -الاتحاد السوفيتي أولا في 1969، ثم الولايات المتحدة ثانيا في عام 1973- لتمويل تنمية المنطقة، لكنّ كلتا المحاولتين باءتا بالفشل.

 

وأخيرا، اتفقت الصين في 2001 على إنشاء الميناء باعتباره هبة لصالح باكستان، كما ذكر دبلوماسي متقاعد من كبار الدبلوماسيين الباكستانيين، ما يعني أن دوافع الصين آنذاك قد صاغتها الرغبة في معاونة حليف لا في تنفيذ مخططاتها الاقتصادية والإستراتيجية الضخمة.

 

ثم عقدت باكستان مناقصة مفتوحة لعقد إدارة الميناء وتشغيله بعدما أنهت الصين المرحلة الأولى منه في 2005 بتكلفة قدرها 248 مليون دولار، ومُنِح العقد إلى شركة "بي إس إيه إنترناشيونال" السنغافورية في أوائل 2007.

   

الرئيس التنفيذي لشركة "بي إس إيه" أثناء توقيع عقد التشغيل لميناء غوادر (رويترز)

 
لم يروّج المسؤولون الباكستانيون لغوادر باعتباره بوابة إلى آسيا الوسطى فحسب، بل باعتباره ميناء منافسا سيسبق دبي، مخلفا إياها وراءه في فترة وجيزة. لكنْ لسنوات، تخلف غوادر وتباطأ تحت إدارة "بي إس إي" ليخدم فقط في مجال استيراد شحنات السوائب الجافة لمواد منها الأسمدة، كما افتقر إلى ما يصله بباقي سلسلة الإمداد، إذ كان يعتمد في وصوله إلى باقي مناطق باكستان على الطريق السريع الذي يمر عبر كراتشي، وهي منطقة العاصمة ومقر مينائي باكستان (ميناء كراتشي وميناء محمد بن قاسم) ما جعل الميناء الجديد بلا جدوى، لأن تكلفة النقل بواسطة الشاحنات تعادل ثلاثة أضعاف تكلفة النقل البحري تقريبا.

  

وفي الوقت ذاته، حال وجود تمرد انفصالي مستعر في مقاطعة بلوشستان -استمر حتى عهد قريب- دون استكمال الربط البري بين غوادر ووسط باكستان. في 2012 تولت شركة الصين القابضة للموانئ الخارجية السيطرة على عمليات الميناء بعد مفاوضات مباشرة مع شركة "بي إس إي"، التي قررت الانسحاب من عقد غوادر بسبب انعدام الأمن ومنازعات قضائية وعوامل أخرى أعاقت تطوير الميناء.

  

وفي 2013 وقّعت الصين وباكستان اتفاقا مبهما يعلن عن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، ثم أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق في وقت لاحق من العام ذاته، كما عقدت فيه انتخابات جديدة أتت بحزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز) إلى السلطة، وهو حزب مصنف على أنه من يمين الوسط وموالٍ لقطاع الأعمال أدار البلاد إدارة أفضل نسبيا من سلفه "حزب الشعب الباكستاني". كان تلاقي هذه الأحداث جميعا هو ما حرّك مياه غوادر الراكدة.

  

واليوم، لا تزال غودار مدينة صيد ذات كثافة سكانية منخفضة يبلغ عدد سكانها حوالي 60 ألف نسمة. لكن المستوطنات الجديدة في المدينة (غير المأهولة بالسكان في معظمها) تشبه الدوحة قبل عقود قليلة خلت، وهذا هو ما قد تصبح عليه غوادر في نهاية المطاف، مدينة متوسطة الحجم مثل الدوحة أو مسقط، يبلغ عدد سكانها مئات الآلاف، جُلُّهم من المهاجرين الاقتصاديين.

    

 
تتولى حكومة المدينة، التي ينتمي موظفوها إلى عرقية البلوش، إنشاء "مارين درايف" -وهو طريق ساحلي جديد- مستعينة بأيدٍ عاملة محلية، وستكون المدينة مخططة بالكامل كما هو الحال في إسلام آباد وغيرها من المناطق المنعزلة الراقية في باكستان، كما أن البنى التحتية الأساسية لبعض المناطق السكنية من الطرق وأضواء الشوارع والكابلات الكهربائية تحت الأرض قائمة بالفعل.

  

ويفترض أن ينتهي المطاف بغوادر لأن تصبح "مدينة ذكية" تدعم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خدماتها الأساسية، وفقا لما يقوله مسؤولون من هيئة تنمية غوادر، كما ستتحول سجلات الأراضي المحلية إلى صيغ رقمية لمنع تكرار الاحتيال العقاري الذي وقع بالمدينة في السنوات الأولى من القرن الحالي، وسيُطوَّر نظام الأمن أيضا، وستغدو المدينة قريبا شبيهة بالمدن الصينية المراقبة بالكاميرات.

 

كما ذكر "خورام شهزاد"، رئيس لواء الجيش المسؤول عن أمن غوادر وموظفيها الصينيين، أن دوائر تلفزيونية مغلقة ستستخدم نظام التعرف بواسطة الترددات اللاسلكية لفحص لوحات ترخيص جميع السيارات التي تدخل إلى المنطقة وتخرج منها، وهو برنامج يطبق في العديد من المدن الباكستانية الكبرى ويشبه كثيرا النظام الموجود في مدينة كاشغر في شينغيانغ.

  

يجري تطوير الميناء على قدم وساق، رغم أن نشاط الشحن فيه ما زال نادرا، بمعدَّل زيارة سفينة واحدة شهريا. وعلى المدى الطويل، يعتزم المسؤولون الباكستانيون توسيع المنطقة الصناعية لمسافة 30 ميلا شرقا، لتصبح بذلك أكبر منطقة اقتصادية في الإقليم. لكن على المدى القصير، فإن لبّ مشروع غوادر سيتكون من أربعة مراس كاملة ومنطقة اقتصادية حرة، وقد شارفت على الاكتمال بالفعل.

  

كما تُجري الشركات الصينية محادثات لإنشاء مصانع لتجميع السيارات محليا في غوادر، وقد تنشئ شركة "باوستيل"، ثاني أكبر شركة فولاذ في العالم، مصنعا للصلب خارج المنطقة الحرة، كما يتصور مسؤولو هيئة الميناء إمكانية إنشاء مصفاة لتكرير النفط ومحطة للغاز الطبيعي المسال.

 

ميناء كراتشي الباكستاني قد يكون المنافس الأكبر لغوادر بما يملكه حاليا من محطة حاويات جديدة أعمق من نظيرتها في غوادر

رويترز
  

وسوف تتألف حركة الشحن الأولية في معظمها من المواد اللازمة لتطوير غوادر، لكنّ مسؤولين باكستانيين يتوقّعون أن تساهم التجارة مع شينغيانغ بنصيب متزايد من حركة الميناء بعد اكتمال مشاريع الربط البري بالغة الأهمية والمتوقع اكتمالها بحلول نهاية 2019، وتشمل طريق كراتشي -لاهور السريع وطريق كاراكورام السريع، الذي يربط بين إسلام آباد وكاشغر. كما قد يعيد الناقلون الصينيون توجيه جزء من حجم نشاطهم في الشحن البحري إلى غوادر بدلا من دبي.

  

كثيرا ما يذكر المسؤولون الصينيون، بمن فيهم الرئيس شي جين بينغ، غوادر وميناء بيرايوس اليوناني المملوك للصين معا. وفي الواقع، يمكن للصينيين أن يفعلوا مع غوادر ما فعلوه مع بيريوس من قبل، أي تحويل مرفأ عادي في دولة مضطربة اقتصاديا إلى مركز إقليمي للشحن العابر يخدم موانئ فرعية أصغر. غير أن المنافسة شرسة في حالة غوادر، إذ ينافسه ميناء تشابهار المجاور في إيران، والذي شاركت الهند بالنصيب الأكبر في تشييده، وموانئ "كولومبو" و"هامبانتوتا" في سريلانكا، و"الدقم" و"صحار" في سلطنة عمان، وميناء "خليفة" في أبوظبي، فضلا عن ميناء "جبل علي".

  

وبالإضافة إلى ذلك، فإن ميناء كراتشي الباكستاني قد يكون المنافس الأكبر لغوادر بما يملكه حاليا من محطة حاويات جديدة أعمق من نظيرتها في غوادر، ولكونه مركزا آمنا قائما بالفعل للشحن العابر على اتصال بالمناطق الداخلية للبلاد وذا نظام بيئي صناعي قوي.

  

ربما تواجه غوادر منافسة شرسة، لكنها تقع في مفترق الطرق بين جنوب وشرق المنطقة الواصلة بين أوروبا وآسيا (أوراسيا) وهي المنطقة الأسرع نموا في العالم، ما يعني أن ثمة حاجة كبيرة إلى موانئ الشحن والتي قد تتيح بدورها لغوادر أن تصبح مركزا متخصصا للشحن العابر والبتروكيماويات والتصنيع. كما أن ثمة فرصا ملائمة لقطاع السياحة والعقارات في المنطقة، فمن المقرر إقامة منطقة سكنية وسياحية راقية في النصف الغربي من المدينة ربما تدفع الباكستانيين، الذين يشكّلون ثالث أكبر مجموعة من مستثمري العقارات في دبي، إلى اختيار عطلة في مكان أقرب إلى الوطن.

  

تترافق مع التحولات آلام النمو.. ظلت بلوشستان موطنا لأعمال تمرد عديدة -لم ينقضِ آخرها بعد- إذ يدّعي المتمردون الانفصاليون أن الدولة الباكستانية تستغل الموارد الطبيعية لمقاطعتهم، إذ إن المقاطعة الغنية بالمعادن هي الأفقر في باكستان، ويشعر سكانها المحليون باستغلال نخبة السلطة الباكستانية لهم. وبالفعل، تشي مشكلة نقص المياه في غوادر -والتي ستعالج بواسطة السدود ومحطات تحلية المياه- بمدى عمق الفجوة بين غد "غوادر" المأمول والواقع اليومي لساكنيها الأصليين.

   

صيدان محليان بالقرب من ميناء غوادر (رويترز)

 

كما لا تزال تواجه "غوادر" تحديات أمنية خطيرة تأتي من جانب الانفصاليين البلوش ذوي النزعة العرقية والإرهابيين الطائفيين والجهاديين المناهضين للدولة. وبطبيعة الحال فقد أفضى الحضور المتزايد لبكين في المقاطعة إلى استهداف الموظفين الصينيين. وتصاعد العنف المسلح في بلوشستان منذ إطلاق برنامج الممر الاقتصادي رسميا في أبريل/نيسان 2015. وفي مايو/أيار 2016 أصيب عامل صيني وسائقه الباكستاني بجروح خلال هجوم وقع في كراتشي.

  

لكنْ يبدو أن الدولة الباكستانية قد تكيفت منذ ذلك الحين، إذ جهزت فرقة عسكرية قوامها 15 ألف فرد لتأمين مشروعات الممر وأعدّت بروتوكولات أمنية صارمة للعمال الصينيين. واليوم تبدو مؤهلة لاحتواء العنف إلى حد كبير، ففي يونيو/حزيران 2017، على سبيل المثال، مر مجموعة من العمال الصينيين بعبوة ناسفة مصنوعة يدويا سالمين لم يلحقهم أذًى قبل انفجارها بدقائق، بفضل خاصية التشويش بواسطة التردد التي تستخدمها الدوريات الأمنية التابعة للجيش الباكستاني والمسؤولة عن حماية هؤلاء العمال.

  

ويمكن النظر إلى ارتفاع نسبة الملكية المحلية في "غوادر" باعتبارها دليلا آخر على اتعاظ إسلام آباد من أخطاء ماضيها، فهو تغير جليّ في النهج المهمِل تاريخيا من المركز الباكستاني لأطرافه الفقيرة. كما تبذل الحكومة جهودا متضافرة لإدماج السكان المحليين في اقتصاد غوادر المستقبلي، وفي هذا الصدد ستقوم مدرسة مهنية في المدينة بتدريب الشباب المحليين على وظائف تشغيل الموانئ، كما سيلتحق المئات منهم بمؤسسات تعليمية في الصين.

  

ورغم ذلك، سيظل التغيير الديموغرافي تحديا يتطلب مواجهته، وسيصبح السكان المحليون من بلوش الماكراني أقلية في العقود المقبلة يقينا، لكن في المقابل، شرع المسؤولون المحليون بالفعل في رسم سياسات ترمي إلى حماية الحقوق الاقتصادية والسياسية للسكان الأصليين، إن لم تكن لمنحهم الامتيازات.

  

وعلى أي حال، فقد تغير الحال اليوم بعدما كانت هذه المناطق محظورة سابقا على القوات الباكستانية، ويمكن للمسافر في طول الطريق السريع "M-8" صوب مدينة "توربات" في إقليم بلوشستان أن يلحظ حركة مرور منتظمة على الطريق الذي أُنشِئ حديثا، فهذه عربات ناقلة للمياه تخدم مجموعات صغيرة من المستوطنات التي تفصلها أميال من الأراضي الخالية، وتلك ناقلات للنفط تنقل الوقود إلى أجزاء أخرى من باكستان، وهؤلاء عمال على متن الحافلات في طريقهم من وإلى غوادر، وتلك أسر تأتي من أماكن أخرى في المقاطعة في رحلات لزيارة هذه المنطقة العذراء من ساحل بحر العرب.

  

مكابدات الأمل

لا يقتصر مشروع الممر الاقتصادي على ميناء غوادر فحسب، بل تُخصص نسبة 64% من نفقات الصين في المشروع لصالح مشروعات للطاقة الكهربائية في أقاليم باكستان الأربعة، ويأتي هذا التركيز على الكهرباء لسبب جلي لا يخفى على أي زائر لباكستان، إذ تعاني من حالات نقص في التيار الكهربائي وانقطاع له. كما تواجه نقصا في الغاز الطبيعي ذي الأهمية البالغة لوقود السيارات والتدفئة المنزلية والكهرباء والاستخدامات الصناعية. ونتيجة لهذا النقص تبقى المصانع الباكستانية معطلة عن العمل معظم أيام السنة، وبدورها، تتخلف صناعة مثل صناعة الغزل والنسيج التي اشتهرت بها باكستان بعد أن فقدت حصتها في السوق لصالح مبتدئين جدد، مثل بنغلاديش وفيتنام.

   

توقف العمل بأحد مصانع النسيج بسبب انقطاع الكهرباء (رويترز)

 
يقول منتقدو مشروع الممر الاقتصادي، مثل الكاتب الباكستاني فاروق سليم، إن المشروعات الصينية ستثقل كاهل باكستان بالديون بينما ستتيح للشركات الصينية جني أرباح طائلة وثابتة. لكن معظم مشروعات الممر الاقتصادي هي من فئة الطاقة الخاصة، أي التابعة للقطاع الخاص، ما يعني أن مستهلكي الكهرباء الباكستانيين هم من سيدفعون بالأساس للشركات الصينية تكاليف استثماراتهم في توليد الطاقة الكهربائية.

  

لا يعني ذلك أن الحكومة في حِلّ من أي التزام أو مسؤولية حين يتعلق الأمر بمشاريع الكهرباء في الممر الاقتصادي. فجميع شركات توزيع الكهرباء في باكستان، عدا واحدة، مملوكة للقطاع العام. كما أن المستهلكين في باكستان، بمن فيهم كبار السياسيين، لا يسددون فواتيرهم غالبا، ما اضطر إسلام آباد إلى الاضطلاع بدور الضامن في مشروعات الطاقة الكهربائية التابعة لمشروع الممر الاقتصادي، واتفقت على إنشاء ما يسمى "صندوق رأس المال الدائر" بنسبة نحو 22% من المدفوعات الشهرية المقدرّة لصالح شركات توليد الكهرباء الصينية لتضمن دفعها في وقت الاستحقاق المحدد.

  

وإضافة إلى ذلك، تساهم مشكلة "سرقة الكهرباء" مساهمة كبيرة في دَين باكستان المتفشي بخصوص الطاقة الكهربائية، إذ تُنشئ بعض المجتمعات المحلية وصلات غير قانونية تصلها بخطوط الكهرباء. وفوق ذلك، هناك خسائر النقل والتوزيع أيضا، ما ينتهي إلى 4 مليارات دولار سنويا تحت بند "الدين الدائر"، وهي متأخرات متراكمة تدين بها الحكومة الباكستانية لشركات توليد الطاقة الكهربائية نتيجة لعدم دفع المستهلكين وسرقة الكهرباء وعوامل أخرى.

  

وقد تراجع الحزب الحاكم عن حماسته الأولى في مكافحة قضايا عدم الدفع وسرقة الكهرباء وقرر إنشاء محطات جديدة لتوليد الطاقة بدلا من معاملة السارقين بصرامة وقسوة خشية تراجع شعبيته بين الناخبين قبل الانتخابات العامة في 2018.

  

لكنّ الحكومة ستكون مسؤولة، من جهة أخرى، عن متأخرات المستخدمين في المشروعات الخاصة بالممر الاقتصادي إذا ما فشلت في تطبيق الإصلاحات اللازمة في قطاع الطاقة الكهربائية، بما في ذلك مكافحة عدم الدفع والسرقة، رغم أنها لا تتحمل أي التزامات مباشرة بالديون في مشروع الممر، كما ذُكر سابقا.

   

يمكن أن تشهد باكستان نموا كبيرا في مجالات الزراعة، وصناعة السيارات والعقارات والمنسوجات والسياحة، من خلال إعادة تنظيم سياسة التصدير والاستثمار

رويترز
  

يتضمن الممر الاقتصادي أيضا مشروعات إنشاء لنقل عام جديد، إلى جانب مشروعات الكهرباء، ما قد يفاقم ديون باكستان. كما يُرجح نمو قروض البنية التحتية، التي تُشكّل 35% من مُخصصات مشروع الممر، في ظل إدراج ثلاثة مشاريع للسكك الحديدية والطرق بين غوادر وحدود البلاد مع الصين.

  

ويُقدِّر نديم جافيد، كبير الاقتصاديين في لجنة التخطيط الباكستانية، أن تسديد ديون مشروع الممر وتحويل الأرباح إلى الخارج سيبدأ من 1.5 إلى 1.9 مليار دولار في 2019 ثم تصل ذروته إلى 5 مليارات دولار في 2022. وقال إن الدولة الباكستانية ستُحصِّل ما بين 6 إلى 8 مليارات دولار من الرسوم والعائدات الأخرى التابعة للمشروع. لكنه رقم طموح يعتمد بالكلية على النشاط الاقتصادي في شينيانغ وغوادر وباقي باكستان، فالرسوم تتوقف على وجود بضائع لنقلها، والبضائع تتطلب وجود مواد خام تُستخرج وتُنقَل، ومنها تصنع المنتجات.

  

من الممكن فعلا تحقيق هذه الطفرة الاقتصادية، غير أنه سيتعين على باكستان أن تتخلى عن أسلوبها الحالي في رسم السياسات الاقتصادية الذي يُركّز على تحصيل أقصى قدر من الإيرادات ممن هم ضمن الشبكة الضريبية بالفعل، وبدلا من ذلك، إن رغبت إسلام آباد في أن يدفع مشروع الممر الاقتصادي باكستان في اتجاه معدلات نمو مرتفعة تبلغ 7% فما فوق يجب أن ترسم سياسات اقتصادية كلية تدعم قطاعات التصدير الحالية وتساعد على توليد قطاعات جديدة.

  

ومن هنا، يمكن أن تشهد باكستان نموا كبيرا في مجالات الزراعة، وصناعة السيارات والعقارات والمنسوجات والسياحة، من خلال إعادة تنظيم سياسة التصدير والاستثمار. أما بشأن ديون الممر الاقتصادي فهي سهلة القياد والتنظيم، لكنها تتطلب زيادة فورية في الصادرات والإنتاجية.

  

سَدُّ الثغرات

إن الجانب الاقتصادي لمشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني هو أحد أبعاده وحسب، لكن ثمة أبعاد سياسية أخرى، إذ يضم المشروع جميع مقاطعات باكستان وإقليم غلغت -بلتستان ويمتد إلى مدى زمني يقارب الخمسة عشر عاما، ما يقضي بأن تتولى ثلاث حكومات مختلفة الإشراف عليه، ما يستلزم أيضا وجود إجماع سياسي بشأنه للمضي قدما وصون ما يُحرز من تقدم.

   

رئيس الوزراء السابق نواز شريف أثناء أفتتاح ميناء غوادر (رويترز)

 
تكمن المشكلة في تقاعس حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز) الحاكم الكائن في إقليم البنجاب عن تأمين إجماع سياسي راسخ مع القوى السياسية في المقاطعات الأصغر. وقد لاحت بادرة مشجعة نحو ذلك في العام الماضي، لكن يبقى الانقسام بين البنجاب وبقية البلاد سمة متكررة في السياسة الباكستانية، فعلى سبيل المثال، يستاء كثير من البلوش من استخدام احتياطيات الغاز الطبيعي لمقاطعتهم في تزويد صناعات البنجاب بالوقود بينما تغيب التدفئة عن مساكنهم. ومن ثم، فلا بدّ للقادة في البنجاب من اتباع نهج ملتزم لبناء الثقة خارج المقاطعة.

  

وقد أدى غياب الشفافية بشأن مشروع الممر الاقتصادي والتوزيع غير المتكافئ لمشاريعه إلى إشعال فتيل المعارك السياسية من جديد في المقاطعات الباكستانية الأصغر، ومن شأن تلك العداوات أن تُبطئ وتيرة التقدم في المشاريع الفردية وترفع من تكلفتها، حتى لو لم تُشكّل تهديدا وجوديا لمشروع الممر بأكمله. كما أن التغييرات في الحكومة، بطريق الانتخابات أو غيرها، تزيد من حالة عدم اليقين، لذا فإن اتباع نهج قائم على التوافق سوف يحد من خطر حدوث تغيير في السياسة إذا ما تولت أحزاب المعارضة السلطةَ في مركز البلاد أو في أي من مقاطعاتها.

  

لنأخذ أفراسياب ختاك، على سبيل المثال، سياسي يساري يُمثّل الفرع العادي للمؤسسات في حزب "عوامي الوطني" -وهو حزب وطني بشتوني علماني- ويتزين جدار غرفة طعامه بصور تشي غيفارا وفيدل كاسترو، ولا يزال صوتا فكريا مؤثرا داخل الحزب وبين البشتون الباكستانيين ذوي النزعة العرقية رغم تقاعده من مجلس الشيوخ. أمضى ختاك وقته في أفغانستان المحتلة من السوفييت آنذاك بعد فراره من باكستان لمّا كانت تحت الحكم العسكري، وكان مستهدفا من جانب حركة طالبان الباكستانية لفترة طويلة من حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. كما اعتبره المسؤولون الأميركيون، أثناء ذروة الوجود الأميركي في أفغانستان، شريكا يُعول عليه لكونه ليبراليا باكستانيا وقوة مناوئة لطالبان.

  

اليوم، يتحدث أفراسياب، المثقف اللبق، بحماسة عما يراه خططا صينية لإعادة إحياء الربط الثقافي بين باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى والمناطق الداخلية الإسلامية في الصين، وهو مثل كثيرين، يثق بالصين لكنه يشك في قدرة حكومته على تحقيق العدالة. كما يضيق ذرعا بغياب الشفافية في تعامل حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نوّاز) الحاكم في ما يخص مشروع الممر الاقتصادي، ويزعجه السلوك العدواني المندفع لأحسن إقبال، وهو مسؤول كبير في الحزب وكان المنسق الرئيس له في مشروع الممر، كما يثير استياء سياسيين آخرين في المقاطعات الأصغر في باكستان.

    

السفير الصيني في باكستان أثناء أفتتاح ميناء غوادر (رويترز)

 

كما كانت ثمة نزاعات حول مسار المشروع، إذ أعاد الحزب الحاكم توجيه مساره نحو البنجاب ليصبح مؤلفا من ثلاث طرق: وسطى، وشرقية، وغربية، بعدما كان مؤلفا أصلا من طريق مفرد واحد يمر عبر المناطق الأقل نموا في باكستان والمتاخمة لأفغانستان. ورغم مرور الطريقين الوسطى والغربية عبر المناطق الأقل نموا فإن الطريق الشرقية فقط هي ما ستتضمن طريقا سريعا مراقَبا ذا ست حارات.

  

يفسر بعض المراقبين ذلك بكون الطريق الشرقي هو الوحيد المخطَّط ليصبح قابلا للنمو وذا جدوى اقتصاديا. لذا لا يستاء الناشطون السياسيون في المقاطعات الباكستانية الأصغر من مشروع الممر الاقتصادي بقدر ما يخشون أن يفوتهم قطار هذه الفرصة دون الإفادة منها، ويعتقدون أن التفاوت في الإنفاق على البنية التحتية والطاقة الكهربائية، المتحيز لصالح مقاطعة البنجاب المكتظة بالسكان سيترجم إلى إنفاق أقل على مناطقهم عندما يتعلق الأمر بتنمية المناطق الصناعية، ما سيزيد بدوره في الفارق في توزيع السلطة والثروة بين البنجاب وباقي المقاطعات.

  

بدأ الجدل حول خطة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني في منتصف 2014، حين أخذ سياسيون في مناطق البشتون العرقية بباكستان يزعمون أن مساره قد تغير، كما أُضيفت إلى مخاوف الشعور بعدم الإنصاف في توزيع المشاريع مخاوف أخرى تتعلق بالشفافية وتضمين الجميع في اتخاذ القرار والعبء المالي على الدولة الباكستانية. ثم خفّت حدة التوترات بين المقاطعات بشأن المشروع في ديسمبر/كانون الأول 2016 بعدما اتفقت لجنة التنسيق المشتركة لمشروع الممر الاقتصادي على إنشاء مشروعات سكك حديدية ومناطق اقتصادية محلية في كافة المقاطعات الأربع، وقد أدى التوزيع الأكثر إنصافا لحصص مشروع الممر الاقتصادي إلى تهدئة النقاش المحتدم بين المقاطعات الباكستانية.

  

وعلى الجانب الآخر، في إسلام آباد يقبع مكتب مشاهد حسين، عضو مجلس الشيوخ وربما أكثر المدنيين نفوذا في السياسة الباكستانية، الذي يشغل حاليا منصب رئيس اللجنة البرلمانية لشؤون مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ويقود مركزا للفكر يعرف باسم "المعهد الباكستاني الصيني".

      

مشاهد معسول الكلام ذو علاقات واسعة، يُمثّل صوت النظام الحاكم، لكنه في الوقت ذاته نقطة قوة تدفعفي باتجاه الإجماع، إذ يستعين بمهاراته الاجتماعية لصياغة توافق طويل الأمد حول مشروع الممر.

  

وربما يكون حسين هو الأقدر على جسر الهُوّات بين المدنيين والعسكريين وبين رجال الدولة الكبار في الطبقية السياسية الباكستانية. فعلى سبيل المثال، قاد حسين وفودا متعددة الأحزاب إلى الصين ضمّت لفيفا متنوعا من سياسيي الحكومة والمعارضة والأقاليم المختلفة، وقد أسهمت هذه التفاعلات التي مهّد لها حسين -ربما بنصيب أكبر مما فعلته الحكومة الفيدرالية الباكستانية ذاتها- في تمكين مشروع الممر من اجتياز الانقسامات الحزبية والإقليمية والعرقية التي تصطبغ بها النقاشات السياسية عادة في باكستان.

  

من الدراهم إلى الدولارات

تستغرق رحلة الحافلة من إسلام آباد إلى هونزا قرب الحدود الباكستانية مع الصين أكثر من 24 ساعة، وتمر في معظمها عبر طريق "كاراكورام" السريع، وهو طريق محلي مهم يتحرك المرور فيه ببطء السلحفاة حتى في الساعات المتأخرة من الليل، لكنْ يجري تحويل مساره باعتباره جزءا من مشروع الممر الاقتصادي بهدف تمكينه من استيعاب حركة مرور عالية السرعة، كما أتم الصينيون تحديثات له في أوائل العام الماضي ليغدو بها طريق ذو مسارين (حارتين) ما إن تصل قرب مدينة جيلجيت، وتبدّل أحد أخطر الطرق ليصبح رصيفا ممهدا منسابا تطوقه الحواجز على الجانبين. وفي الاتجاه صوب الحدود، يمر المسافر عبر سلسلة مذهلة من الأنفاق التي شيدها الصينيون لتجنب الانهيار الأرضي الضخم الذي أغلق الطريق لأربع سنوات.

  

وبهذا أثبت الصينيون امتلاكهم القدرة الهندسية لإنشاء بنية تحتية عالمية المستوى في باكستان، لكن لم يتبين بعد مدى قدرة هذه البنية التحتية على رفع اقتصاد باكستان متوسط المستوى ليسلك طريقا يُفضي به إلى مصاف "النمور الآسيوية".

    

 
ثمة أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر، فرغم أن كلًّا من غوادر ومشروع الممر الاقتصادي لن يكونا علاجا شافيا لمعظم علل باكستان، بما فيها عدم الاستقرار السياسي وسوء الحكم والإرهاب، فإن البلاد تثبت عمليا قدرتها على علاج هذه المشكلات بمفردها. فقد انخفضت وفيات المدنيين مِنْ جراء الإرهاب بنسبة 80% في 2013 مقارنة بـ2011. وبدوره ساهم تحسُّن الأمن في تنشيط الاقتصاد الباكستاني. ويتوقع البنك الدولي وغيره من المصارف الإنمائية متعددة الأطراف أن تحافظ باكستان على معدل نموها الحالي في الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بأكثر من 5% حتى 2020 بشرط كبح مخاطر الاقتصاد الكلي.

  

واليوم، تُعدّ باكستان موطنا لأسرع أسواق التجزئة نموا في العالم، وربما تُفاجِئ الكثيرين في السنوات المقبلة، مع ضخ رؤوس الأموال الصينية، بأن تصبح سوقا ناشئة سريعة النمو، بعدما اعتُبرت يوما "الدولة الأخطر في العالم".

  

يومئ العقيد المتقاعد أفريدي، في إحدى قصائده، إلى "تجار العالم" أن ائْتوا بـ"الدراهم والدولار" و"اليورو واليوان" إلى غوادر، معبرا عن آماله التي تعكس مطامح الكثيرين في باكستان بالتحول إلى نمط آخر من الارتباطية: من الارتباط الأفغاني الباكستاني (AfPak) إلى الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، أو بعبارة أخرى: من الإرهاب إلى التجارة.

  

وأخيرا، ربما يساهم تعزيز الروابط الباكستانية مع ما سيغدو أكبر اقتصاد في العالم قريبا في تحرير نفسها من القبضة الخانقة لـ "الحرب الأميركية على الإرهاب" ويُمكّنها من جني ثمار "قرن الثراء الآسيوي" الآخذ في التبلور.

  ___________________________________________________________

 

المقال مترجم عن (فورين أفيرز) 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار