اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/5 الساعة 15:29 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/18 هـ

انضم إلينا
"الجهاد المُعتدل".. كيف تسوق القاعدة نفسها لاستعادة الراية الجهادية؟

"الجهاد المُعتدل".. كيف تسوق القاعدة نفسها لاستعادة الراية الجهادية؟

محمود جابر

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

في مقاله بمجلة "فورين آفيرز" الأميركية يتناول كولين كلارك، أستاذ علوم سياسية بمؤسسة راند الأمريكية وزميل مشارك في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب بلاهاي، التحوُّل في استراتيجية تنظيم القاعدة كي يُصبح تنظيما بديلا أكثر اعتدالا من الجماعات والتنظيمات الأخرى، ويعرض كلارك في التقرير الخطوات التي اتخذها التنظيم في هذا الصدد حتى الآن، فضلا عن المقارنة بينه وبين تنظيم الدولة. 

   

نص المقال

على مدار عام 2016، مرَّ فرع تنظيم القاعدة في سوريا بسلسلةٍ من عمليات التحوُّل في الهُويَّة -بدايةً من جبهة النصرة وجبهة فتح الشام إلى هيئة تحرير الشام- وذلك في محاولةٍ لِتقدِيم نفسه كبديلٍ مُعتدلٍ عن الكثير من الجماعات المُتشددة الناشِطة في سوريا، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية. ورغم اعتبار خبراء مكافحة الإرهاب هذه المحاولات خداعا واضحا، إلا أنها نجحت في إعادة صقل صورة القاعدة داخل سوريا. فقد كان قرار تنظيم القاعدة في سوريا المدروس بعناية للنَّأي بنفسه عن التنظيم الأم محاولةً لتصوير نفسه كقوَّةِ شرعية وقوية ومستقلة في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا. وكهدفٍ آخر من هذه المحاولات، جاء القرار لإثبات أن مقاتليه يعملون لمساعدة السوريين للانتصار في صراعهم ضد النظام فحسب. وأخيرا، قد يمنح القرار تنظيم القاعدة الأم نوعا من سياسة الإنكار المقبول بينما يُمهِّد الطريق لحلفائه السابقين في كسب أحقية الحصول على مساعدةٍ عسكريةٍ من مجموعة من الدول الخارجية.

 

خلال مرحلة التحوُّل السوري، فَهِم تنظيم القاعدة السنة السوريين الذين يُحاولون باستماته الإطاحة بالدكتاتور الغاشم بشار الأسد. وبينما خسَّر تنظيم الدولة عاصمته في الرقة، قد يكون تنظيم القاعدة الجماعة الوحيدة التي يُنظر إليها بأنها قادرة عسكريا على مجابهة قبضة نظام الأسد على السلطة. وخلافا لتنظيم الدولة، يُنظر إلى القاعدة على أنه يعمل مع الفصائل المحلية ويتملك المصادر المطلوبة لتوفير المظاهر الخارجية لتولي الحكم. ولكن يبقى من غير الوارد لدى الكثير أن مصطلح "مُعتدل" قد ينطبق على فرع التنظيم المسؤول عن هجوم الحادي عشر من سبتمبر. بيد أن فرع تنظيم القاعدة في سوريا بدأ بهدوء الظهور كأنه بديل أقل تطرفا من تنظيم الدولة الإسلامية داخل العالم الجهادي. وذلك قد يُفسر وضعه، على الأقل على المدى البعيد، إذ بدأ تنظيم القاعدة في التشابه مع حزب الله اللبناني، وهو لاعب غير تابع للدولة أقام له شرعيّة سياسية، بينما لا يزال يُحافظ على قُدرته في القيام بأعمالٍ إرهابية وعنف سياسي على نطاقٍ واسع. 

بديل مُعتدل
 زعيم تنظيم القاعدة العالمي وثاني أبرزقياداتها بعد أسامة بن لادن (رويترز)

 

يُعدّ نبذ تنظيم القاعدة للطائفية الصَّارخة والعمل لإقناع أحد فروعه الرئيسية، وهو تنظيم القاعدة في العراق، للتخلِّي عن الطائفية كمبدئ توجيهي، واحدة من أولى خطواته في تقديم نفسه كتنظيم أكثر اعتدالا وإنصافا. وفي واحدة من الحوادث التي أصبحت سيئة السمعة، في يوليو/تمّوز 2005، كتب زعيم تنظيم القاعدة الأم لاحقا، أيمن الظواهري رسالة إلى زعيم تنظيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، يلُومه بسبب عمليات الذبح الوحشية التي ينفذها تنظيمه ضد الشيعة. وشدد الظواهري على الضرر الذي تسبّب فيه نهج الزرقاوي على سُمعة تنظيم القاعدة بالكامل وحثَّه على تجنُّب استهداف الجماعات المسلمة الأخرى، بيد أن الزرقاوي لم يُبد أي اهتمام لنصيحة الظواهري، مواصلا تعزيز سمعة تنظيم القاعدة في العراق كجماعةَ لا ترحم وطائفية، حيث كان العنف الشيء الوحيد تقريبا الذي يقوم به التنظيم.

 
وأثبت تنظيم القاعدة أيضا موهبة في استخدام البراغماتية خلال العمل وسط الحروب الأهلية لدولٍ أخرى، ولا تُعد سوريا استثناء عن ذلك. وكما حدث في اليمن، ومالي، وفي أماكن أخرى، فإن التنظيم قد عمِل بطريقة طفيلية. فعقب التسلل بين رتب الجماعات المتمردة المحلية، ردد مقاتلو القاعدة مظلوميتهم ودافعوا عن أهدافهم ضيقة الأفق. وبعد تودد مقاتلي التنظيم لشبكات المتمردين الموجودة على الأرض، بالغوا في جهودهم في الدعوة وقدموا سردية تخلط بين المشاكل المحلية ومشاكل حركة الجهاد العالمي.


وينفتح تنظيم القاعدة، أيضا، على العمل مع الجماعات الأخرى، كما فعل في سوريا، إذ عادة ما يُولي فصائلَ محلية المسؤولية في مناطق يحكمها، بينما يتعاون مع المعارضة أو حتى يقوم بإبعاد مقاتليه إلى مناصب أقل أهمية داخل تدرجات المعارضة. وقد تمدَّد ولع تنظيم القاعدة بالتعاون إلى أبعد من مناطق الصراع النشطة، كما اتضح عبر التعاون التكتيكي الدوري مع إيران. وعَمِل التنظيم، في هذه الأثناء، على دعم هويته عبر توفير الخدمات المحلية، بما في ذلك المياه والكهرباء، بينما يعمل أيضا على دعم المخابز المحلية وضبط أسعار سلع الغذاء الأساسية في الأسواق.

 
وأعلن التنظيم أمام الجميع أنه سيمتنع عن شن هجمات على الغرب (حتى إذا كان توقف مؤقتا) لتجنب جهود مكافحة الإرهاب الأمريكية وللمساعدة في تركيز موارده المحدودة على الإطاحة بنظام الأسد، وهي الأولوية الرئيسة للسنة السوريين. وفي الوقت الراهن، يبدو أن خلاف "العدو القريب أم العدو البعيد" قد انتهى. وعلى الرغم من أن القاعدة، بالنظر إلى التنظيم بالمعنى الأشمل، سيبقى تنظيما عالميا، فإنه قد توصل إلى أنه يحقق نجاحا أكبر عندما يُركز على المشاكل المحلية بدلا من الخوض في صراع غير مُنظم ومختلف عليه مع الغرب.

 

تنظيم الدولة.. وسياسة الأرض المحروقة
 مشهد من أحد أفلام تنظيم الدولة الذي تم فيه إعدام الطيار الأردني حرقا (رويترز)

 

في مقابل جميع محاولات القاعدة في الاعتدال، أتبع تنظيم الدولة استراتيجية متصلبة للطائفية والوحشية والاحتلال. فقد اعتنق تنظيم الدولة نهج الطائفية بالكامل، وجعل في ما يبدو من قتل الشيعة سبب وجود له. واستهدف التنظيم الشيعة، الذين وصفهم بالمرتدين، والجماعات الأخرى الذين وصفهم بغير المؤمنين، بأشد أساليب القتل، بداية من عمليات الإعدام الجماعية إلى قطع الرؤوس على الملأ، والاغتصاب، وعمليات الصلب القاسية.

 
وربما لا تزال دعاية تنظيم القاعدة تنطوي على إشارات الازدراء للشيعة، ولكن بشكل عام، يدعم التنظيم نهجا أكثر اعتدالا بكثير من تنظيم الدولة، الذي بدلا من العمل مع الفصائل المحلية، كان يتصرف باستمرار كجيش احتلال، ويُطيح بقادة المقاتلين المحليين بدلا من العمل بجانبهم أو معهم أو من خلالهم. وفرض الضرائب على المحليين الذين تعرضوا للابتزاز، والمراقبة على يد دوريات شرطة الدولة الإسلامية الدينية للتأكد من الالتزام الصارم بأحكام الشريعة.

 
وانعكس نهج الدولة في الحرب من خلال طريقته في القتال، حيث اعتمد التنظيم على الوسائل الحربية التقليدية، بما في ذلك المدفعية والدبابات، مع مزيج من التكتيكات غير المنتظمة مثل السيارات المفخخة. وعندما ينتزع تنظيم الدولة السيطرة على رقعة أراض محددة، فإنه في الغالب يُولى الأجانب -الشيشان والتونسيين والأوزبك- القيادة. وكنتيجة لعقيدته العسكرية، تلقى تنظيم الدولة الوطأة الأكبر لعمليات مكافحة الإرهاب التي تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها. ولم يترك تدفق دعاية التنظيم القاسية الموجهة نحو الغرب للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سوى القليل من الخيارات، إذ وضع التحالف نظره على تفكيك الخلافة، تاركا تنظيم القاعدة حرا في سوريا لإعادة بناء مصداقيته وشرعيته السياسية بهدوء بين الفصائل السورية المحلية.
 

شرعية دائمة
 قائد تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري ومؤسس التنظيم الشيخ أسامة بن لادن (رويترز)

 

سيتحدد مستقبل كل من تنظيمي القاعدة والدولة على مستوى كبير عبر المنافسة بينهما. فتنظيم الدولة يدعي الحق في حمل راية "الجهاد العالمي" على مر الثلاث سنوات الماضية، بيد أن تراجعه الحالي قد تصاحبه احتمالية صعود أكبر لنفوذ القاعدة. ففي محافظة إدلب السورية، اكتسب تنظيم القاعدة بنجاح دعم القاعدة الشعبية ويقبل حاليا مقاتلو تنظيم الدولة السابقين للانضمام لصفوفه، في إشارةٍ واضحة على أن استراتيجيته في الصبر والاقتصاد في التحرك تؤتى ثمارها. وتدرك قيادة تنظيم القاعدة أن تفاعل التنظيم مع الربيع العربي كان متصلبا لذا يقوم حاليا بتعويض ذلك، عبر تركيز موارده وطاقاته على اهتمامات الأغلبية الصامتة من السنة السوريون، وهي الاستراتيجية التي ساعدت القاعدة في نشر جذورها عبر شمال غرب البلاد. وسيحدد الصراع الحالي مدى السيطرة على الأراضي، والقدرة على تجنيد  الوعاء الجهادي نفسه من البداية، وربما فوق كل ذلك، سيُحدد النفوذ.

 
وصُمم نهج القاعدة، الأكثر توازنا وأكثر تنبؤا بالمستقبل، لتولي الحكم لكسب التأييد الشعبي. فبينما يقتل تنظيم الدولة المرتدين، فإن تنظيم القاعدة غير مبال بذلك. وبينما يسعى تنظيم الدولة لتطبيق معايير دينية صارمة، فإن القاعدة أقل صرامة منه. وعلى الرغم من كل الانتقادات التي يتحملها الظواهري لفقدانه الكاريزما، فإنه منح القاعدة فائدة الاستمرار والتقدير التاريخي بسبب ما نجح فيه تقليديا وما فشل خلال الصراع الجهادي الحالي ضد خصومهم. فالتنظيم قام بمجموعة من التصويبات المعتمدة على استراتيجية التجربة والخطأ وسعى جاهدا لتعديل الأخطاء السابقة في العقيدة والاستراتيجية.

 
وسيكون العام الجاري 2018، الذكرى الثلاثين لتأسيس القاعدة. وقد تمنح القدرة على تأسيس شرعية سياسية واسعة الانتشار من خلال صقل صورته التنظيمية زخما جيدا خلال عقده الثالث وما بعده.
 
=============================================
 
المقال مترجم عن: (فورين أفيرز)
مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار