هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الناتو العربي.. هل ستتحقق نبوءة ترامب؟

الناتو العربي.. هل ستتحقق نبوءة ترامب؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

هناك الكثير من المواقف التي طالما اجتذبت كاميرات المصورين وتعليقات الصحافيين خلال اجتماعات قادة الدول في مبنى الأمم المتحدة في قلب نيويورك، عاصمة السياسة والمال والفن والعلوم في العالم، بداية من خطاب القذافي الشهير وكتابه الأبيض الذي ألقاه خلف ظهره أمام الحضور بشكل درامي، مرورا بذلك الخط الأحمر الذي وضعه نتنياهو فوق لوحة تخطيطية جسدت قنبلة إيرانية افتراضية، وليس انتهاء بضحكات الحضور الساخرة كردة فعل على مزاعم ترامب أن إدارته أنجزت أكثر مما أنجزته أي إدارة أخرى في تاريخ الولايات المتحدة.

 

لكن الحوادث المهمة حقًا التي تقع في المبنى الشهير نادرا ما يتم رصدها بواسطة عدسات المصورين، وغالبا ما تحدث في الأروقة الخلفية ومحادثات خلف الأبواب المغلقة التي يخفى معظمها على الصحافيين، وكان أحدَ تلك اللقاءات الجديرةِ بالاهتمام هو اجتماع وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" مع وزراء دول مجلس التعاون الخليجي الست، السعودية والإمارات والبحرين وعمان والكويت وقطر، إضافة إلى الأردن ومصر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك الشهر الماضي.

 

كانت تلك إحدى اللحظات النادرة التي جمعت مسؤولا قطريا رفيعا مع مسؤولين من تكتل دول الحصار، منذ أن فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارا على الدوحة منتصف العام الماضي، دون أن تنشب مشادات كلامية بين الطرفين تلتقطها عدسات الإعلام، وربما كان ذلك لأن اللقاء جرى خلف الأبواب المغلقة التي حفظت الجزء الأكبر من كواليسه قيد الكتمان، وربما لأن بومبيو تعلم من درس الماضي القريب حين باءت أولى مهامه الخارجية بوصفه الدبلوماسي الأول في واشنطن -قبل 6 أشهر- بفشل ذريع، بعدما تعثرت جهوده لإقناع الرياض بالتخلي عن موقفها من الحصار برسالة الأمر المباشر(1) الشهيرة التي نقلتها نيويورك تايمز: "كفى يعني كفى"، مدركًا أخيرا أن حصار الرياض يتجاوز الحلول البسيطة حتى إن كانت هذه الحلول قادمة من واشنطن.

   

مايك بومبيو وعادل الجبير بالسعودية (رويترز)

   

وعلى مدار الأشهر التالية، كان بومبيو يتبين يوما بعد يوم أن حصار قطر كان بحرا ولكن الرجوع عنه أصعب بكثير من الخوض فيه، فعلى الرغم من فشل الحصار في تحقيق أيًا من أهدافه المعلنة، وعلى الرغم من أن الدوحة لم تتراجع قيد أنملة عن سياستها المستقلة، وبالرغم من الأضرار البالغة التي لحقت بسمعة تكتل الحصار، وعلى الأخص السعودية والإمارات، فإن خسائر التراجع المذل دون مخرج لحفظ ماء الوجه سوف تفوق على الأرجح خسائر الحصار نفسه، لذا فقد لجأت وزارة بومبيو، ومن خلفها الإدارة الأميركية بشكل كامل، لخطة بالغة البساطة والغرابة، وهي باختصار تجاوز ذلك كله والتعامل مع الحصار بوصفه حقيقة جيوسياسية يمكن ببساطة التطبيع معها بدعوة الدول المتنافسة إلى الاندماج(2) في هيكل للأمن الإقليمي، في محاولة لممارسة القفز السياسي الحر على المشاكل الكامنة التي تفرق حلفاء واشنطن من العرب.

 

رغم ذلك، لم يكن اجتماع بومبيو ورفاقه مفاجأة على كل حال، فعلى مدار الأسابيع الثلاثة السابقة للاجتماع، أمضى(3) تيم ليندركينغ، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون دول الخليج، وقته في جولات مكوكية لتهيئة الأجواء للتحالف المزمع، والمخطط الإعلان عنه خلال قمة تستضيفها الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني المقبل تحت اسم تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، أو كما تعرفه وسائل الإعلام باسم الناتو العربي، تيمنا بحلف الشمال الأطلسي، التكتل الدفاعي الأشهر في العالم.

 

لا يعد الناتو العربي فكرة وليدة اليوم بحال، فمنذ اندلاع ثورات الربيع العربي وإلى اليوم، لم تبارح فكرة إنشاء هيكل أمني إقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجه الدول والأنظمة الحاكمة عقول القادة العرب من المحيط إلى الخليج، مع اختلافات بينهم حول شكل القوة المقترحة ووظائفها وأهدافها وطريقة عملها وهيكل قيادتها، خلافات جعلت أحلام "الناتو العربي" أسيرة دائما لمربعات الأفكار والدعوات والأماني ولم تفارقها أبدا إلى خانات الخطط الفعلية، وهي اختلافات ليست جديدة بحال، لكن جذورها تعود إلى العهود الأولى لاستقلال بلاد العرب، حين فشلت الدول العربية حديثة العهد في الوصول لإطار للأمن الجماعي بسبب الخلافات المبكرة داخل جامعة الدول العربية منذ الأشهر الأولى لتأسيسها.

 

الناتو العربي الأول

  

مع اندلاع موجة استقلال الدول العربية، والتي بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية منتصف الأربعينيات، كان العنف على اختلاف أشكاله أحد السمات المميزة للشرق الأوسط الوليد، فمنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 شهدت المنطقة سبعة حروب بين دولها، وثمانية صراعات داخلية، والعشرات من الثورات والانتفاضات الشعبية والانقلابات العسكرية وموجات العنف المسلح التي ذهبت(4) بحياة 1.5 مليون شخص واستهلكت 12 تريليون دولار في أدنى التقديرات، ومع كل موجة من العنف أو الاضطراب، كانت فكرة إنشاء إطار جماعي للأمن العربي تكتسب المزيد من الوقود، خاصة بعد تأسيس حلف الشمال الأطلسي عام 1949، ما دفع العرب لمحاولة محاكاة الغرب وتوقيع معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950.

  

ولكن معاهدة الدفاع العربي لم يتمَّ تفعيلها أبدا بشكل جدي، ولم يتمَّ إرسال سوى بعثة أمنية واحدة في سياق المعاهدة عام 1961 إلى الكويت لحمايتها من غزو عراقي محتمل، وفي عام 1964 وعدت القمة العربية الأولى في مدينة أنشاص المصرية بتأسيس قيادة عربية مشتركة، لكن هذا الوعد لما يجاوز حروفه أبدا حتى حرب عام 1967 مع قوات الاحتلال، حين وضعت الأردن قواتها في واقعة نادرة تحت القيادة المصرية.

 

وفي عام 1976 أرسلت الجامعة العربية قوة عسكرية قوامها 30 ألف جندي إلى لبنان الممزق بفعل الحرب الأهلية، وكان من المفترض أن توضع القوة تحت سيطرة الرئيس اللبناني لكنها لم تكن كذلك حيث هيمن عليها النفوذ السوري، ونتيجة لذلك لم تفشل المهمة فقط في وضع حد للحرب، لكنها سلبت لبنان جزءا كبيرا من سيادته، حيث عملت قوات حفظ السلام السورية كوحدات احتلال مقنعة للأراضي اللبنانية رافضة الانسحاب من لبنان حتى بعد طلبها إنهاء المهمة عام 1982، لتقع الدولة الصغيرة تحت النفوذ القسري لجارتها الأكبر حتى عام 2005، حين اضطرت سوريا أخيرا لسحب قواتها إثر حادثة الاغتيال الغامضة لرئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

   

   

وحتى جهود الدول الكبرى لدفع الدول العربية لتشكيل تكتل أمني إقليمي باءت بفشل ذريع في النهاية، بدءا من محاولة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة إنشاء نظام دفاع جماعي إقليمي عام 1950 تحت اسم قيادة الشرق الأوسط(5)، وكان من المفترض أن تشمل مصر والأردن والعراق والسعودية، إضافة إلى القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، في هيكل صمم ليكون امتدادا شرق أوسطي لحلف الناتو، لكن المحاولة الغربية لم تنجح أبدا بسبب الخلافات حول النفوذ، وبسبب إصرار القوى الكبرى على إدماج (إسرائيل) في هذا التكتل.

 

كانت العديد من الدول العربية -وفي مقدمتها مصر- ترى في تلك الجهود محاولات غربية ضمنية للسيطرة على الأمن العربي وتوظيفه لصالحها في معركة لم تكن تعني العرب ضد السوفييت، خاصة أن القاهرة لم تكن تتشارك نفس منظور حلف الناتو تجاه التهديد السوفيتي، لذا فإن مبادرة قيادة الشرق الأوسط قتلت في مهدها، وفي محاولة أخيرة لربط الشرق الأوسط بالدفاع الغربي، دفعت الولايات المتحدة كلًا من العراق وتركيا لإطلاق حلف بغداد عام 1955، وهو حلف انضمت إليه لاحقا كل من بريطانيا وإيران وباكستان. وكان الحلف من الناحية النظرية نقطة انطلاق لدفاع شرق أوسطي، خاصة أن ميثاق الحلف فتح باب الانضمام أمام جميع الدول الأعضاء في الجامعة العربية، لكن معارضة كل من مصر والسعودية دفعت العرب للإحجام عن الانضمام للحلف الذي توفى إكلينيكيا بعد ثلاثة أعوام من تأسيسه إثر انسحاب العراق، العضو العربي الوحيد، بعد الانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي.

 

على خلفية هذه التجارب الفاشلة، تحولت قرابة أربعة عقود من الأحلام المجهضة للدفاع العربي المشترك إلى كوابيس، وفشلت جميع المحاولات الجامعة لإنشاء تحالف عسكري عربي بسبب الرؤى والمصالح المتعارضة بين القوى العربية من ناحية، وبفعل صراعات القيادة الكامنة بين الدول الإقليمية الكبرى خاصة مصر والسعودية من ناحية أخرى، وبسبب مخلفات التجربة اللبنانية والمخاوف من هيمنة الدول الكبرى على مقدرات الدول الأصغر حجما من ناحية ثالثة، وعنى ذلك أن العرب وصلوا لقناعة ضمنية بالتخلي عن أحلامهم الكبرى، والبحث عن هياكل بديلة أكثر محدودية تجمع الدول المتقاربة من حيث البنى والأيديولوجيات والمصالح.

     

كرد فعل على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، أسست العراق ومصر والأردن وشمال اليمن مجلسا قصير العمر عام 1989 تحت اسم مجلس التعاون العربي

مواقع التواصل
   

دخل ذلك التوجه الجديد نطاق التنفيذ مع الهزات الكبرى التي أًصابت العرب نهاية السبعينات وقيام الثورة الإسلامية في إيران، وتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل والمقاطعة العربية للقاهرة، حيث أقنعت هذه التطورات دول الخليج بحتمية البحث عن مصالحها الخاصة بعيدا عن عرب حوض المتوسط، ونتيجة لذلك، تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ورغم أن المجلس لم يتمَّ تشكيله كمؤسسة دفاعية صريحة، فإنه أقدم بعد خمسة أعوام من تأسيسه على إنشاء قوة ردع دفاعية مكونة من 5000 جندي – زاد عددها لاحقا إلى 30 ألف جندي- تحت اسم درع الجزيرة، قبل أن يتم توقيع معاهدة دفاع مشترك عام 2000، وعلى الرغم من المساعي المتكررة لزيادة التعاون، ظل التقدم في هذا الأمر بطيئا جدا.

 

وكرد فعل على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، أسست العراق ومصر والأردن وشمال اليمن مجلسا قصير العمر عام 1989 تحت اسم مجلس التعاون العربي، مركزين على التعاون الاقتصادي مع مشاركة أمنية محدودة، لكن المجلس انهار بعد أقل من عامين في أعقاب الغزو العراقي للكويت، وبالإِضافة إلى هذه الترتيبات المؤسسية، شهدت(6) المنطقة العديد من التحالفات الخاصة المؤقتة، بداية من تحالف العرب في حرب عام 1948 حين عملت القوات السعودية للمرة الأولى والأخيرة تحت القيادة المصرية، والتحالف بين مصر وسوريا في حرب عام 1973 والذي نال دعما من معظم الدول العربية، رغم أن هذا التحالف خلا من أي خطة فعالة للتنسيق العسكري أو الدعم اللوجيستي.

 

وفي عام 1991 انضمت معظم الدول العربية – باستثناء الأردن - إلى تحالف دولي صمم لمواجهة دولة عربية هي العراق في أعقاب غزوها للكويت، ولما كانت القوات الأمريكية قد اتخذت من الأراضي السعودية مقرا للعمليات، فإن العديد من القوات العربية عملت تحت قيادة القوات السعودية. وبخلاف ذلك، فإن الهياكل العربية جميعا فشلت في الوصول لاستجابات موحدة للعديد من الأحداث العاصفة التي ضربت المنطقة، بداية من حرب السنوات الثمانية بين العراق وإيران، وليس انتهاء بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن التباينات الواضحة في المصالح بين الدول العربية دفعتها في كثير من الأحيان لموجهات غير مباشرة مع بعضها البعض، وأبرزها الحرب بالوكالة بين السعودية ومصر في اليمن في الستينيات، والتي ألقت فيها الرياض بدعمها خلف الإمامة الزيدية، في الوقت الذي راهنت فيه القاهرة على الثوريين الجمهوريين، إضافة إلى الحرب الأهلية اللبنانية وصراعات عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، حيث تلقت الفصائل المتنازعة هناك دعما من الدول العربية المتصارعة.

 

الشتاء العربي.. "ناتو" الثورات المضادة 

  

فجأة باغت الربيع العربي الأنظمة العربية في خاصراتها، حين أطاحت المظاهرات أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011 بزين العابدين بن علي في تونس ومحمد حسني مبارك في مصر، وانفجرت الأوضاع بسبب قمع الأنظمة والتدخلات الدولية والإقليمية في سوريا وليبيا واليمن، وكان ربيع شباب العرب إيذانا بظهور تهديدين وحدا الأنظمة العربية على اختلاف توجهاتها من الملكيات الوراثية إلى الجمهوريات الاستبدادية: تهديد الديمقراطية التي صعدت بالإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، وتهديد الجماعات المسلحة الأكثر راديكالية التي اختارت حمل السلاح من أجل التغيير، وبالنسبة للأنظمة الحاكمة كان التهديدان متطابقين تقريبا، أو لعلها أرادت أن تطابق بينهما عن عمد وسبق إصرار وترصد.

   

أصابت الانتفاضات الأنظمة الجمهورية ونجت من موجتها الملكيات بشكل مثير، وقد منحت تلك النجاة أنظمة الملوك القدر الكافي من الاستقرار والموارد اللازمة لقيادة الهجمات المرتدة للثورة المضادة، فبعد أن أمنت ملكيات الخليج الثرية جبهاتها الداخلية بتدخل عسكري لقوات درع الجزيرة لوأد الانتفاضة الوحيدة التي اندلعت في البحرين الصغيرة، ثم بمليارات الدولارات من الإنفاق الاجتماعي والعسكري، سارعت لتقديم الدعم لإنقاذ الأنظمة الملكية الأخرى في المغرب والأردن، طارحة فكرة ضمها لمجلس التعاون الخليجي الذي أوشك على التحول لإطار جامع للأنظمة الملكية، قبل أن يُخفّف الاقتراح الطموح إلى "شراكة استراتيجية"، لكن الفوضى المشتعلة في المنطقة أثارت لعاب الأنظمة الثرية لتطوير نظرية جديدة عابرة للحدود لأمنها الإقليمي، والتطلع لممارسة التأثير في جمهوريات العرب الغاصة بالفوضى، خاصة مع ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية" عام 2013.

 

اكتسبت جهود الأنظمة الملكية زخما كبيرا ودفعة معنوية هائلة، منتصف العام نفسه، حين نجحت في دعم انقلاب عسكري أطاح بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وبحلول نهاية العام نفسه طرحت دول الخليج مشروعا طموحا للدفاع المشترك يضم ملكيات الخليج، إضافة إلى الأردن والمغرب، تحت قيادة سعودية ممثلة في الأمير متعِب بن عبد الله قائد الحرس الوطني السعودي آنذاك.

   

   

كان الزج بالأردن والمغرب في مشروع التحالف الخليجي محاولة يائسة(7) من دول الخليج لاستقطاب المزيد من الأيدي العاملة المقاتلة لقوات درع الجزيرة الضعيفة، تحت مسمى جديد، بعد أن أيقنت أن مصر العسكرية لن تقبل بوضع قواتها تحت قيادة سعودية، ولكن التحالف المقترح واجه جملة من العقبات التي أجهضته مبكرا، بداية من الخلافات السياسية الكبيرة داخل مجلس التعاون الخليجي، سواء على الموقف من جماعة الإخوان المسلمين التي تدعمها الدوحة وتراها الإمارات والسعودية تهديدا محتملا لنظاميها، أو الموقف من إيران التي تراها السعودية والإمارات تهديدا وجوديا عكس بقية أعضاء التحالف المقترحين، وصولا إلى المواقف المختلفة حول النظام السوري والفصائل السورية، وانتهاء إلى تردد الأردن والمغرب في دعم طموحات الرياض العسكرية رغم اصطفافهما ظاهريا مع الأخيرة، فضلًا عن التعقيدات التشغيلية المرتبطة بتباين المعدات العسكرية، واختلاف العقيدة القتالية، وعدم وجود أنظمة اتصالات قابلة للتشغيل المتبادل.

 

خفت زخم أحلام الدفاع المشترك بشكل مؤقت خلال الأشهر التالية بفعل الأزمة الخليجية الأولى التي اندلعت مع نهاية الربع الأول من عام 2014، مع سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة على إثر الخلاف حول دعم قطر للإخوان المسلمين في مصر، لكن الزخم عاد من جديد مع انفراج الأزمة واقتراب قمة الجامعة العربية السادسة والعشرين في شرم الشيخ في أبريل/نيسان عام 2015، والتي انتهت ببيان موحد مفاجئ أعلن عن تأسيس قوة عربية مشتركة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي.

   

كان من الواضح أن التطورات الأخيرة في اليمن، والتي شملت استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية، والتدخل العسكري اللاحق بقيادة السعودية، كانت الدوافع الرئيسية وراء المبادرة العربية للقوة التي كان مقررا - وفقا لما أوردته(8) مجلة فورين بوليسي - أن تضم 40 ألفا من جنود النخبة من مصر والأردن والمغرب والسعودية والسودان ودول الخليج، بما يشمل قوة جوية مكونة من ألف شخص، و5000 شخص لسلاح الخدمات البحرية، و35 ألفا من القوات البرية، على أن تتولى القاهرة التزويد بمعظم المقاتلين، وتتكفل الرياض بمصاريف القوة، واقترح أن يكون مقرها القاهرة وأن تخضع لقيادة سعودية أو يتم التناوب على قيادتها بين القاهرة والرياض.

  

   

ومع ذلك، كان من الواضح أن القوة المقترحة خلت بشكل واضح من الدول التي يهيمن عليها الشيعة سواء في العراق أو الشام، ما جعلها قوة سنية أكثر من كونها قوة عربية، ومع نص ميثاق الجامعة العربية على اتخاذ القرارات الملزمة بالإجماع فقط، اضطر مؤيدو القوة إلى وصفها بأنها قوة تطوعية، وهكذا بدلا من أن تصبح القوة العربية المقترحة علامة على الوحدة، فإنها كانت مؤشرا جديدا(9) على الانقسام العربي وهيمنة تحالف ملكيات الخليج الغنية مع القاهرة، تحالف سعى لتحويل الجامعة العربية لأداة طائفية سنية.

 

الناتو الإيراني

مثلها مثل سابقاتها، لم تر القوة العربية النور أبدا، بسبب الخلافات حول القيادة بين القاهرة والرياض من جهة، وبسبب الجدل حول الهدف من إنشاء القوة من جهة أخرى، وبسبب المعوقات اللوجستية من جهة ثالثة، وذهب المشروع لغياهب النسيان من جديد، خاصة مع توصل إدارة أوباما الأمريكية لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، ودخول خطة إدماج إيران في المجتمع الدولي حيز التنفيذ، وفي تلك اللحظة كانت الرياض قررت نقل معركتها الكبرى من جبهة الربيع العربي إلى إيران، ومع غياب المظلة الأمريكية القوية في عهد أوباما فإن الرياض أيقنت أن عليها التصرف بشكل منفرد.

 

وفي نهاية عام 2015 أعلنت السعودي بشكل مفاجئ عن تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، ضاما 41 دولة عربية وإسلامية إفريقية وأسيوية، ورغم أن التحالف كان موجها في العلن لمحاربة التنظيمات المتشددة، كان استبعاد القوى الشيعية مجددا علامة على الغرض الرئيس الذي أضمرته الرياض من التحالف وهو مواجهة إيران، ومع اتضاح هدف السعودية الحقيقي انكشف التحالف الصوري، وتحول بشكل تدريجي إلى مظلة اسمية لممارسة السعودية للقيادة الإسلامية.

    

   

في ذلك التوقيت، كان من الواضح أن التحالفات التي تهيمن عليها المملكة تنهار بشكل رئيس تحت وطأة الشكوك الكبرى حول قدرة السعودية وجدارتها بقيادة العرب أو السنة، فبخلاف الشك المتزايد لدى الدول حول رغبة السعودية المثيرة للجدل في جر العرب والمسلمين لـ "حرب مقدسة" ضد طهران، كانت هناك هواجس كبرى من هيمنة المملكة الكبيرة والثرية على حلفائها الافتراضيين في الأردن والمغرب وحتى مصر، أو حتى دول الخليج السنية الصغيرة التي بدا أنها صارت تتلمس(10) طرقها الخاصة لإدارة سياستها بين عمالقة السنة والشيعة.

  

بالنسبة للدول الكبرى خارج مجلس التعاون، ومصر على وجه التحديد، فإن لديها موانع تاريخية ورمزية طالما منعتها من الانخراط في العمل تحت القيادة السعودية، بحكم التنافس التاريخي بين الدولتين، وبحكم الصورة النمطية المهيمنة على الخيال المصري الذي لا يزال يرى بلاده "زعيمة العرب"، وهي صورة يعتنقها القادة المصريون على اختلاف توجهاتهم، أما بالنسبة لدول الخليج الصغيرة، فإن لكل منها أسبابها الخاصة للتملص من الهيمنة السعودية، بخلاف المخاوف المشتركة من الأطماع التاريخية للهيمنة السعودية.

  

على مدار تاريخها القصير، كانت الكويت معرضة للخطر من قبل القوى ذات الأغلبية الشيعية في بغداد وطهران، وبما أن أكثر من ربع سكان البلاد هم من الشيعة، فإن تلك التركيبة الديمغرافية تجبر الإمارة على التمسك بنقطة التوازن والتشبث بعدم الانخراط في انحياز طائفي، والأمر بالمثل مع سلطنة عمان الواقعة في مواجهة إيران على مضيق هرمز، مع أغلبية مذهبية إباضية وسلطان يفضل لعب دور حلقة الوصل بين السنة والشيعة.

 

أما قطر فإنها تذهب في اتجاه معاكس تماما، فمع وجود عدد قليل من السكان، وافتقار الإمارة إلى التوترات العرقية والدينية، ومع طفرة الغاز التي منحت الدوحة استقلالا وفوائض اقتصادية كبيرة ومحفظة استثمارية متوسعة خلال العقدين الأخيرين، بجانب الحماية الأمريكية التي تحوزها بفضل احتضانها لأكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، فإن الإمارة تفضل السير في خطها الخاص بعيدا عن الهيمنة السعودية، وكان القلق المستمر الذي عاشته الدوحة بسبب الأطماع التاريخية للإمارات والسعودية هو الدافع وراء انتهاج الإمارة لسياسة مستقلة، راهنت بموجبها على الثورات في مصر وليبيا واليمن وسوريا. فعلى عكس إمارات الخليج، رحبت قطر بالربيع العربي الذي حمل الإخوان المسلمين إلى السلطة، وبالتناقض مع التوجه السعودي فإنها حافظت على علاقة عمل وثيقة مع إيران بحكم اشتراكهما في حقل الشمال للغاز الطبيعي.

    

  

لا يبقي ذلك للسعودية سوى حليفين رئيسين هما البحرين، وهي حديقة خلفية صغيرة تابعة للرياض ترتبط معها بجسر بري، وتدين العائلة المالكة فيها ببقائها في الحكم للسعوديين الذين تدخلوا لقمع انتفاضة عام 2011، إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة، الإمارة الخليجية الطموحة، والتي على الرغم من علاقاتها القوية مع المملكة فإنها لطالما التزمت برجماتية خاصة في التعامل مع إيران بسبب مركزية مضيق هرمز بالنسبة للأمن الإماراتي، على الرغم من الخلاف بين الدولتين بسبب استيلاء طهران على ثلاث جزر استراتيجية إماراتية بالقرب من مدخل المضيق قبل يوم واحد من انتهاء الحماية البريطانية وإعلان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971.

 

الناتو السعودي الإماراتي

غادرت إدارة أوباما السلطة في واشنطن نهاية عام 2016 تاركة السعودية تتلمس جهودها المتعثرة للقيادة الإقليمية، وجاء دونالد ترامب إلى السلطة لترسوا سفينته في أولى محطاتها في الرياض حاملا معه مشروعا شخصيا واحدا، وهو تأسيس تحالف(11) أمني يتولى المسؤولية عن الشرق الأوسط ويخفف العبء عن واشنطن في تلك المنطقة المضطربة، على أن يتم تمويله من قبل دول الخليج الغنية وفي مقدمتها السعودية، وتتولى قيادته كل من القاهرة والرياض.

  

من وجهة نظر السعودية، كانت قمة الرياض في مايو/أيار للعام الماضي 2017 هادفة إلى إظهار الدعم الأمريكي للأجندة الأمنية الإقليمية السعودية التي تركز على مواجهة إيران، ونتيجة لذلك سارع المراقبون لوصف ميثاق الرياض بأنه "حلف بغداد جديد" ولكنه موجه ضد إيران وليس ضد الشيوعية والقومية العربية، أما من وجهة نظر ترامب، فإن الرئيس الأمريكي الجديد، الذي لم يكن يوما من المغرمين بالتحالفات، خاصة حلف الناتو الذي يرى ترامب أن أعضاءه لا يتحملون ما يكفي من المسؤولية ويعتمدون على واشنطن، والذي يرى الترتيبات المؤسسية مجرد معوقات لتحقيق الأهداف، كان دومًا حريصا على إثبات أنه قادر على إنجاح ما فشل فيه سلفه وهو جمع دول الشرق الأوسط المتنافسة بينها وصاحبة المصالح المتضاربة تحت تحالف تظلله المباركة الأمريكية، يهدف إلى خدمة خطته في زعزعة استقرار إيران.

   

   

لكن التوترات العربية لم تمهل ميثاق الرياض طويلا، فسرعان ما انفجر الخليج بالصراع بعد القمة الأمريكية حين افتعلت الإمارات والسعودية أزمة دبلوماسية بناء على أخبار مفبركة وتم على إثرها فرض حصار بري وبحري وجوي على قطر، حصار دعمه ترامب في البداية، ومع تقدم أمد حصار قطر كانت المخاوف تزداد لدى الدول المرشحة للتحالف الأمريكي من تحول التحالف المنتظر إلى مجرد واجهة لطموحات الهيمنة السعودية الإماراتية، ولخدمة الأجندة الطموحة والتوسعية للدولتين الخليجيتين.

 

كانت عزلة السعودية الإقليمية، وقيادتها الجديدة قليلة الخبرة، وهيمنة الحرب في اليمن كمشروع رئيس متعثر للسياسة السعودية، عوامل دفعت الرياض إلى أحضان تحالف صعب مع الصديق الجديد والغريم القديم في أبوظبي، تحالف اكتسب قوة بفضل العلاقة الوثيقة الناشئة بين الحاكم الفعلي للرياض، وزير الدفاع وولي العهد لاحقا، محمد بن سلمان، وبين ولي عهد أبوظبي الطموح محمد بن زايد، لتنطلق الدولتان معا في خدمة أجندة توسعية يتم دفعها من قبل المخاوف المشتركة من تمدد إيران ونفوذ الجماعات الإسلامية، وتستند على مليارات الدولارات من الفوائض المالية والمعدات العسكرية المتطورة التي حشدتها الدولتان خلال العَقدين الماضيين، وقوة ناعمة كبيرة في واشنطن منحتهما القدرة على التأثير على توجهات السياسة الأمريكية في عهد رئيس أمريكي يبيع ويشتري السياسة علنا بحقائب المال.

 

شيئا فشيئا كانت ملامح المشروع السعودي الإماراتي الناشئ في المنطقة تتبلور، فمع الانهيار الفعلي لمجلس التعاون الخليجي بفعل حصار قطر، وتقدم الحرب في اليمن إلى نقاط حرجة، والمواقف الكويتية والعمانية المحايدة، ومخاوف الأردن والمغرب من الهيمنة السعودية، وإحجام القاهرة عن وضع قوتها العسكرية تحت القيادة الخليجية، واكتفائها بمشاركة رمزية في حرب اليمن وبعض الإيماءات الدبلوماسية للحفاظ على الدعم المادي، في خضم كل ذلك كانت الرياض وأبوظبي تطوران أطرا بديلة للعمل الثنائي بينها، أطرًا بدأت بعد أيام قليلة من اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران من العام الماضي بتدشين 44 مشروعا مشتركا في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتطورت بحلول نهاية العام إلى مجلس تنسيق مشترك بين الدولتين تم إطلاقه قبل ساعات من القمة الخليجية الثامنة والثلاثين في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، في إيماءة لم تخل من رمزية واضحة.

 

بيد أن ذلك التقارب الحميمي بين الدولتين الخليجيتين لم يفلح في كثير من الأحيان في جسر الخلافات الكبرى بينهما، خلافات تجلت بشكل واضح في تحالفهما المشترك في اليمن، فمع اقتراب الحرب من مراحل حاسمة بدأ الخلاف بين الحليفين في الظهور حول الشكل المقترح ليمن ما بعد الحرب، وبخلاف نقطة الاتفاق الوحيدة بين الرياض وأبوظبي في محاربة النفوذ الإيراني، فإن الدولتين تختلفان حول اليمن في كل ما عدا ذلك، بما في ذلك دعم الإمارات(12) للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي الذي يخوض مواجهات عسكرية ضد القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي المدعوم من الرياض، بما يعني أن الإمارات والسعودية تخوضان موجهات عسكرية بالوكالة ضد بعضهما البعض في حرب يفترض نظريا أن الدولتين تخوضانها جنبا إلى جنب.

      

في حين تعتبر السعودية نفوذها في اليمن حيويًا لاستقرارها، ترى الإمارات تواجدها  كفرصة لكسر جهود الرياض الدؤوبة لحصرها بين مياه الخليج العربي والصحراء القاحلة في المملكة

الجزيرة
   

ففي حين تشعر المملكة بقلق أكبر تجاه تزايد النفوذ الحوثي، وهو قلق يدفعها للعمل مع سائر الفصائل اليمنية لأجل الوصول إلى يمن موحد مستقر، بما يشمل احتواء التجمع اليمني للإصلاح المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، فإن أبوظبي لا تهتم بالحفاظ على اليمن موحدا بقدر اهتمامها بالحفاظ على نفوذها في الجنوب حتى لو أدى ذلك إلى تقسيم اليمن، وفي نفس الوقت فإن الإمارات تشعر بقلق أقل(13) تجاه الحوثيين أنفسهم، ويقتصر هدفها على منعهم من تهديد قنوات الشحن والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وتهديد طرق الإمداد للقواعد العسكرية التي أقامتها أبوظبي في منطقة القرن الإفريقي، سواء في عصب الإريترية أو في بربرة في أرض الصومال.

 

وفي حين تعتبر السعودية نفوذها في اليمن حيويًا لاستقرارها، ترى الإمارات تواجدها في اليمن كفرصة لكسر جهود الرياض الدؤوبة لحصرها(14) بين مياه الخليج العربي والصحراء القاحلة في المملكة، ولذا على الرغم من مشاركة أبو ظبي في عملية عاصفة الحزم التي تقودها الرياض اسميا، تبقى الحقيقة أن البلدين تعملان بشكل شبه منفصل تحت قيادة مستقلة باستثناءات نادرة، وقد قسمتا اليمن بينهما إلى مناطق نفوذ، وهو ما يثير قدرا كبير من الشكوك حول إمكانية التزام الإمارات بالمشاركة في حلف عسكري محتمل تقوده السعودية كمشروع "الناتو العربي".

  

في الحقيقة، فإن الخلافات السعودية الإماراتية تتجاوز بكثير الساحة اليمنية، ففي دبلوماسية الشرق الأوسط نادرا ما تكون الأمور على ما تبدو عليه، وفي الوقت الذي لا يفوت فيه القادة السعوديون والإماراتيون فرصة للثناء على بعضهم البعض، فإن كلا الدولتين لا تدخر إحداهما جهدا في احتواء طموحات غريمتها، وهو سلوك تعود جذوره إلى السبعينيات، عندما تدخلت الرياض لصد محاولات أبوظبي لضم قطر والبحرين إلى دولتها الاتحادية، ووقعت معاهدة جدة التي تنازلت فيها أبو ظبي عن المطالبة بمنطقة خور العديد التي تربط الإمارات بقطر، في مقابل اعتراف الرياض باستقلال الإمارات، وهي معاهدة للمفارقة لم تصدق عليها أبوظبي وتطالب بإلغائها إلى اليوم، وقد استمر هذا السلوك على مدار العقود التالية، ففي عام 2004 على سبيل المثال، تدخلت السعودية لوأد فكرة بناء جسر يربط أبوظبي بالدوحة دون عبور الأراضي السعودية، فمن وجهة نظر الرياض، كان السماح لدولتين خليجيتين بالعمل معا خارج النفوذ السعودي تهديدا لا يمكن القبول به لنفوذ المملكة في الخليج..

   

  

على مدار الأعوام التالية، ظلت الإمارات متشككة للغاية في نوايا السعودية، وهي مقتنعة(15) بأن الرياض تستخدم مجلس التعاون الخليجي للسيطرة على جيرانها الأصغر حجمًا، ومع تولى أبناء الشيخ زايد آل نهيان السلطة منتصف العقد الماضي، فإنهم لم يضيعوا أي وقت لتحدي هيمنة السعودية على مجلس التعاون الخليجي من خلال بناء جيش قوي واقتصاد مستقل دفعا البلاد إلى منطقة أمان اقتصادي وسياسي، ورغم أن الربيع العربي دفع الدولتين إلى موجة من التقارب تعززت بفعل تطورات الأعوام الأخيرة، فإن الإمارات ترى نفسها اليوم أجدر بالقيادة من جارتها الكبيرة، ووفقا لتحليل لـ "ستراتفور"، فإن أبوظبي تتوقع أن تتعثر جهودُ التنويع الاقتصادي في السعودية مما سيزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية على آل سعود، ويفتح حيزا للإمارات لتقديم نفسها للقيادة الإقليمية.

 

سراب في الصحراء

في ضوء هذه السجلات غير المبشرة للتعاون العسكري العربي خاصة في حقبة ما بعد ربيع العرب الثوري، لا يمكن أن نكون متفائلين بأن محاولة إدارة ترامب الأخيرة لتشكيل ناتو عربي ستؤول إلى حال أفضل من سابقاتها، خاصة أن العجوز الأمريكي أصبح يمتلك خبرة شخصية سالفة في هذا المضمار، وقد أصبح موقنا أنه على الرغم من قدرته على ابتزاز الأموال وانتزاع المواقف السياسية من حلفائه في السر وفي العلن، فإن تلك القدرة ستصطدم بجدار سميك حين يتعلق بالأمر بخطة دفاع عربي، خاصة وأن مساعي ترامب تتجاهل بشكل تام جميع الأسباب الرئيسة التي أدت إلى فشل جميع المحاولات السابقة في المقام الأول.

 

تبرز الإشكالية الرئيسية في الالتزامات المتبادلة، فبحسب التصورات الشائعة فإن أي منظمة دفاعية ينبغي أن تكون ملتزمة(16) بحماية أعضائها من أي اعتداء في المقام الأول، وهنا يبرز تساؤل جوهري حول إذا ما كان ناتو ترامب المنتظر سيضم مادة -على شاكلة المادة الخامسة من معاهدة الشمال الأطلسي- تنص على أن أي هجوم على عضو من أعضاء التحالف هو هجوم على التحالف بأكمله، وحول واقعية(17) تطبيق تلك المادة حال وجودها من الأساس، ومدى إمكانية أن تهب الإمارات والسعودية للدفاع عن قطر مثلًا حال تم الاعتداء عليها، وقبل ذلك قدرة الدوحة على الوثوق في وضع أمنها بيد تحالف عسكري تقوده دولتان كانتا تخططان لغزوها قبل أشهر قليلة، بل إن السؤال المبدئي هنا هو هل سيتم إنهاء حصار قطر قبل الشروع في ترتيبات التحالف، أم أنه سيكون مطلوبا من الدوحة القبول بالمشاركة في تحالف عسكري مع دول لا تزال تفرض حصارا خانقا عليها.

 

أما الإشكالية الثانية فتتمثل بالأهداف، حيث لا تتفق دول التحالف المفترضة على الغرض منه على الإطلاق، وفي حين يريد ترامب والسعودية تحالفا ضد إيران بالأساس، فإن دول الكويت وسلطة عمان وقطر وحتى الإمارات ترتبط(18) جميعها بمصالح حيوية مع طهران تمنعها من الانخراط في تحالف ضدها بشكل صريح، وفي حين تريد القاهرة تحالفا موجها ضد الجماعات الإسلامية المسلحة خاصة في سيناء وليبيا، لا يبدو باقي شركاء التحالف يتشاركون الأولوية نفسها، وبينما تريد الإمارات والسعودية تحالفا يكرس هيمنتهما على جيرانهم الخليجيين الأصغر وحتى الدول العربية الكبرى المتعثرة اقتصاديا، فمن غير المنتظر أن هذه الدول سوف تقبل بالعمل تحت القيادة السعودية أو الإماراتية حتى إذا سعت إدارة ترامب لإجبارها على ذلك.

   

  

وأخيرا وليس آخرا، هناك أسئلة القيادة والأدوار والمسؤوليات وخطط التشغيل، وكما تخبرنا تجارب التاريخ فإن أحلام التحالفات العربية كثيرا ما تحطمت فوق صخور التوترات البينية ورفض(19) الجيوش والمؤسسات الأمنية العربية العمل تحت قيادة بعضها البعض، وبفرض أنه تم التغلب على هذه المقاومة البينية وإقناع السعودية بالعمل تحت القيادة المصرية أو العكس، ودُفع الإماراتيون بشكل استثنائي للعمل تحت  قيادة السعوديين، فسوف يظل هناك ذلك التحدي الهائل المتمثل في دمج جيوش ذات قدرات متباينة وأنظمة اتصال غير متزامنة، وتأهيلها خلال وقت قصير للعمل في بيئات خطرة بالتنسيق مع بعضها البعض.

 

ومع ذلك، فإن تلك المعوقات لا ينبغي أن تثير الكثير من الأسف لدى المهتمين بالمصالح الحقيقية للمنطقة وشعوبها، بل إنه من حسن الطالع أن نتوقع أن ذلك التحالف لن يرى النور أبدا مهما رغبت إدارة ترامب، وحتى لو تم تشكيله اسميا فإن فاعليته لن تتجاوز تأثير الحبر الذي سيكتب به، حيث يمكننا أن نتوقع بسهولة أن خروج تحالف كهذا إلى النور لن يسهم إلا في زيادة الانقسام الطائفي في الشرق الأوسط، مع الإقصاء المتعمد للشيعة الذي يمكن أن يدفعَهم للالتفاف أكثر حول إيران والابتعاد أكثر عن الولايات المتحدة وحلفائها من الدول السنية.

 

في الوقت نفسه، فإن هذا التحالف سيرسخ عقلية الاستقطاب في المنطقة، وسيدفع القوى التي تم إقصاءها مثل إيران وتركيا للتقارب من بعضها، وختاما يمكننا أن نتوقع أن تحالفا كهذا لن يسهم إلا في ترسيخ سلطة الأنظمة الاستبدادية منزوعة الشرعية، وخدمة مصالحها في القمع المشترك والعابر للحدود لمواطنيها، وتثبيت سيطرة الأنظمة الإقصائية العنيفة في الرياض وأبوظبي والقاهرة على الشرق الأوسط، وهي وصفة مضمونة ومجربة لأجل المزيد من فوضى وعنف وحروب وصراعات لا تنتهي.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار