انضم إلينا
اغلاق
هل تفضح أزمة خاشقجي فسادا ماليا لترامب مع السعودية؟

هل تفضح أزمة خاشقجي فسادا ماليا لترامب مع السعودية؟

آدم المخزنجي

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض

لم يكن المستثمرون في فندق "ترامب إنترناشونال"، المملوك للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في مانهاتن بنيويورك، على الأرجح سعداء بأي حال بسبب انخفاض إيرادات الغرف لعامين متتاليين منذ عام 2015 وحتى نهاية العام الماضي 2017، ومضى وقت طويل قبل أن يتلقوا رسالة نادرة وغير متوقعة في منتصف شهر مايو/أيار الماضي، لاسيما في ظل تراجع إيرادات الفندق المتتالية، وكانت الرسالة من المدير العام للفندق، برنس ساندرز، توضح بأنه وبعد عامين من الانخفاض، فقد ارتفعت إيرادات تأجير الغرف بنسبة 13% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي 2018.

  

لم يترك ساندرز في رسالته السارة، التي حصلت عليها صحيفة واشنطن بوست(1)، مجالًا للتساؤل حول سبب الارتفاع المفاجئ، إذ أشار إلى أن أحد الأسباب الرئيسة للارتفاع هي زيارة ولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان لنيويورك، من زار المدينة ضمن جولته الأمريكية في الفترة بين 26 إلى 30 مارس/آذار الماضي، وقال إنه وعلى الرغم من أن الفندق لم يكن لديه أجنحة كبيرة بما يكفي لتستوعب أعداد الوفد السعودي كاملًا، فقد استطاعوا استيعاب العديد من المسافرين المرافقين لابن سلمان، وبينما لم يجلس "ابن سلمان" أو أيًا من أفراد العائلة المالكة في الفندق، لكن المرافقين لهم والذين شغلوا "ترامب إنترناشونال" لمدة 5 أيام كانوا كافين لزيادة إيرادات الفندق طوال الربع الأول من عام  2018.

       

بدا وأن الرسالة التي لم يتم الإفصاح عنها من قبل، قد سلطت الضوء على الصفقات التي تقوم بها شركات ترامب مع السعوديين، وهي صفقات لطالما ظلت محل انتقادات أميركية داخلية لتأثيرها المحتمل على سياسة البيت الأبيض على الأرجح تجاه الرياض. انتقادات تجددت مع موقف "ترامب" تجاه مقتل الصحافي جمال خاشقجي بأوامر مباشرة، على ما يبدو، من القصر الملكي السعودي نفسه، دافعة إياه لكتابة تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، في 16 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ينفي فيها وجود مصالح مالية له في السعودية(2). ورغم صحة ما كتبه من الناحية اللفظية، فليس هناك بالفعل أية مبانٍ لشركات ترامب داخل المملكة في الوقت الحالي، إلا أنه قول يحمل الكثير من التناقض على ما يبدو من الناحية الفنية، فلا يشترط بالضرورة وجود مصالح داخل السعودية وإنما يكفي فقط استمرار شركات الرئيس الأمريكي في عقد الصفقات ولو خارج المملكة، بينما يأخذنا بعض البحث في العلاقات المالية بين شركات ترامب والسعوديين لاكتشاف عمل وثيق بين الرئيس ومسؤولين سعوديين على مر السنوات الماضية، وإجراء صفقات بعشرات الملايين من الدولارات مع مستثمرين سعوديين، والحكومة السعودية نفسها، من خلال مجموعة متنوعة من الصفقات التجارية والتي غالبًا ما يتباهى بها ترامب نفسه.

    

  

إنقاذ الرئيس

كانت البداية عام 1985، حينما دفع "شفيق بن لادن"، الأخ غير الشقيق لأسامة بن لادن، مبلغ تأمين قدره 8500 دولار لشراء شقة في برج ترامب بنيويورك، وقام شفيق، الموصوف وقتها بكونه منحاز للثقافة الغربية ونقيض لأخيه أسامة، بالعيش هناك لمدة أربعة أشهر عام 1986. وفي أوائل التسعينات، وتحديدًا عام 1991، قام ترامب ببيع يخته البالغ طوله 282 قدمًا والذي كان يحمل اسم "The Trump Princess" بقيمة 20 مليون دولار للأمير السعودي "الوليد بن طلال"، في وقت كان ترامب فيه مفلسًا تقريبًا ويسعى للحصول على نقود سريعة حتى أنه قبل بثلث المبلغ الذي دفعه في اليخت حين اشتراه، لينقذه الوليد من الإفلاس تمامًا(3).

     

لم تمض أربع سنوات على صفقة اليخت تلك، حتى عاد الوليد مع مستثمرين سنغافوريين لينقذوا ترامب مرة أخرى حين ابتاعوا منه فندق "بلازا" المتعثر في نيويورك عام 1995 مقابل 325 مليون دولار. ورغم ارتفاع القيمة، إلا أن الصفقة كانت رابحة للوليد بكل تأكيد، فبعد عقد تمكن الأمير السعودي من بيع الفندق بضعف قيمته التي اشتراه بها من ترامب، قبل أن تعيد شركة المملكة القابضة التي يملكها الوليد نفسه مع شركة "أشكنازي" شراء الفندق في يوليو/تموز الماضي(4).

   

عقد بين ترامب والحكومة السعودية  (المصدر: new york daily news) 

    

في يونيو/حزيران عام 2001، باع ترامب الطابق 45 بأكمله في برجه العالميThe Trump World Tower، والذي يطل على مبنى الأمم المتحدة ويعتبر مقر رئيس لشركات ترامب، مقابل 12 مليون دولار وفقًا لموقع Streeteasy، وكان المشتري الحكومة السعودية التي اتخذت الطابق مقرًا لبعثتها في الأمم المتحدة منذ عام 2008، وبطبيعة الحال لم تنته تلك الصفقة عند هذا الحد، مع رسوم مرافق لامتلاك طابق كهذا يتم دفعها كل عام وتُصب مباشرة في جيب ترامب، وهو طابق يضم خمس شقق بها العديد من الغرف ومن بينها 10 غرف نوم و13 حمامًا، وكانت هناك رسوم سنوية شائعة قدرها 85.855 ألف دولار للمرافق التي تم الحصول عليها في هذا الطابق، ويعني ذلك أنه في حال بقاء تلك الرسوم كما هي، فإن ترامب قد تلقى 5.7 مليون دولار من الحكومة السعودية في الفترة بين عامي 2001 و2016 وفقًا لحسابات صحيفة نيويورك ديلي نيوز(5).

  

كانت "ريبيكا أوكامبو"، صاحبة شركة إنترناشيونال هوسينج المتخصصة في إسكان الدبلوماسيين، قد قامت بمقاضاة ترامب عام 2001 للحصول على رسوم الوسيط في تلك الصفقة، حيث ادعت أنها ساعدت في إبرام الصفقة بين ترامب والسعوديين، وأشارت "أوكامبو" إلى أن الصفقة لم تقتصر على مجرد حصول ترامب على المال، وإنما كانت تتعلق «بالوصول» لسوق جديد _السوق السعودي_ يعتبر من الأكثر ربحية في الشرق الأوسط.

     

"ريبيكا أوكامبو" على اليمين  (المصدر: new york daily news)

       

زبائن دائمون

في منتصف يونيو/حزيران عام 2015، وقف ترامب يلقي خطاب(6) ترشحه للرئاسة الأمريكية في برج ترامب، ولم يخل الخطاب من ذكر للسعودية باعتبارها «دولة متخمة بالأموال تتلقى مليار دولار يوميًا» بحسبه وهو يريد حمايتها مقابل مساعدة الولايات المتحدة اقتصاديًا، قائلًا «أنا أحب السعوديين، الكثير منهم في هذا المبنى»، ولم يتوقف مدح ترامب للسعوديين بحال، ففي أغسطس/آب من نفس العام وفي إحدى خطاباته أمام حشد من الجماهير في ألاباما، قال إنه يلتقي بالسعوديين جميعًا، وأنهم «يشترون شققًا مني، وينفقون 40 لـ 50 مليون دولار، فهل من المفترض أن أكرههم؟ أنا أحبهم كثيرًا»(7).

 

لكن ترامب، كأي رجل أعمال، لم يكن يكتفي بالتودد للسعوديين في قلب الولايات المتحدة والتعامل معهم كزبائن هناك، وإنما وضع نصب عينيه الذهاب لقلب السوق الاستثماري للمملكة، إذ تشير تقارير الإفصاح المالي التي قدمها ترامب عام 2016 إلى أنه قام بتسجيل 8 شركات في أغسطس/آب لعام 2015 داخل السعودية تحت أسماء مرتبطة بالمملكة، كعادة تسمية الشركات التي يقوم بافتتاحها في الدول الأجنبية، مثل "THC Jeddah Hotel" و"DT Jeddah Technical Services"(8). وبعد وقت قصير من انتخابه في نهاية 2016، أعلنت مؤسسة ترامب أنها أغلقت تلك الشركات في جدة. 

   

  

إلا أنه ومنذ أن تبنت المملكة سياسات تخطيط جديدة لجماعات الضغط العاملة لها في واشنطن، مثل ذلك أحد أكبر أبواب التعاون المالي بين ترامب والسعوديين، ومن خلالها كانت الحكومة السعودية عميلًا رئيسًا لفنادق ترامب في واشنطن العاصمة ونيويورك منذ تولى السلطة، وتمثل النفقات التي تنفقها جماعات الضغط التي تعمل لحساب الحكومة السعودية في تلك الفنادق موردًا لا بأس به لأعمال الرئيس الأمريكي الحالي، فعلى سبيل المثال، دفعت جماعة الضغط MSL Group Americas التي تعمل لحساب الحكومة السعودية 270 ألف دولار في فندق ترامب إنترناشيونال في واشنطن مقابل السكن وتقديم الطعام ورسوم انتظار السيارات في الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2016 ومارس/آذار 2017(9).

 

ويبدو أن إنقاذ السعوديين لـ ترامب تكرر مع فندقه في شيكاغو، إذ يشير أحد المستندات المرسلة للمستثمرين إلى انخفاض الحجوزات بنسبة 8% من عام 2015 إلى عام 2016 في ذلك الفندق، إلا أن وتيرة الأعمال قد زادت خلال عام 2017 والعام الحالي بفعل تدفق الزوار من المملكة العربية السعودية، حتى قال إريك ترامب، الذي يدير شركات والده مع شقيقه دونالد، أن هذا كان «عامًا لا يصدق» بالنسبة لعلامة فنادق ترامب، وأن الأعمال قد زادت خلال عام 2017(10).

 

وعلى الأرجح، فإن مقتل الصحافي جمال خاشقجي يمنح الكثير من الفرص لترامب كرجل أعمال، سواء على مستوى أعماله الشخصية أو مصالح بلاده، ولكنه عالق بين مصالحه الشخصية التي قد تجعل حساباته المصرفية متخمة بالأموال خاصة مع زبائن وشركاء أعمال أثرياء كالمملكة، وبين الضغوط الداخلية لاتخاذ موقف متشدد مع السعوديين كردة فعل على مقتل خاشقجي، ومن ناحية أخرى فإن أمامه فرصة محتملة لتأمين مليارات الدولارات لبلاده وسط تلك الأحداث لتقوية صورته الداخلية، وربما يفسر لنا هذا الأمر تصريحاته المتأرجحة بين الفينة والأخرى، فتارة يدعم السعوديين في موقفهم، وبعد فترة يعود للضغط والهجوم عليهم، في لعبة يبدو أنها ستستمر طالما أنها ناجحة، وطالما أن المملكة تستمر بدفع الأموال بلا توقف.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار