انضم إلينا
اغلاق
جعجعة بلا طحين.. من يكسب في صراع الكونغرس وترمب حول خاشقجي؟

جعجعة بلا طحين.. من يكسب في صراع الكونغرس وترمب حول خاشقجي؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لا يُعدّ التعرض لهجمات أعضاء "الكونغرس" الأميركي الغاضبين أمرا جديدا أو غير مألوف بالنسبة للسعوديين على أي حال، حيث دأب المشرعون الأميركيون الهجوم على المملكة الشرق أوسطية لأسباب مختلفة، إما لمقتضيات الحملات الانتخابية، وإما في جولات التلاسن الحزبي المعتادة حول السياسات الخارجية بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكن الرياض لطالما حظيت بحلفاء ودودين أيضا في مبنى الكابيتول هيل التشريعي الشهير الواقع في أكثر الأحياء السكنية اكتظاظا بالعاصمة الأميركية.

 

أحد أبرز هؤلاء الحلفاء هو ليندسي غراهام، عضو مجلس الشيوخ البالغ من العمر 63 عاما عن ولاية كارولينا الجنوبية، وأحد نواب الحزب الجمهوري المخضرمين، وأهم المتحدثين باسم الحزب في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، وقبل ذلك أبرز صقور(1) الحروب في الكونغرس منذ دفاعه المستميت عن الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مواقف متتالية جعلت غراهام السيناتور المفضل لحماية مصالح المجمع العسكري الصناعي الأميركي في الكونغرس، لدرجة أنه صار يُعرف بـ "رجل لوكهيد مارتن" في مجلس الشيوخ.

 

ترعى(2) "لوكهيد"، عملاق الأسلحة الأكبر عالميا، بسخاء منقطع النظير حملات غراهام الانتخابية، وتُعدّ دائرته في ساوث كارولينا موطنا للمصنع الرئيس لإنتاج طائرات "إف -16" المقرر تسليمها للبحرين. وقد جعلت العلاقة الوثيقة مع أباطرة السلاح الأميركيين من السيناتور العجوز صديقا مفضلا لأكبر زبائن الأسلحة الأميركية، وتحديدا دول الخليج الثرية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

 

ففي عام 2017، تربعت السعودية على هرم زبائن الأسلحة الأميركية بمشتريات فعلية بلغت قيمتها 3.5 مليار دولار، وبفارق ثلاثة أضعاف تقريبا عن أستراليا، أقرب منافسيها، وهي أرقام سهّلت مهمة غراهام في قيادة(3) جوقة المدافعين عن بيع الأسلحة للرياض لدعم حربها في اليمن منذ عهد أوباما، واصفا المملكة بأنها "حليف لواشنطن وشريك قيم في الحرب على الإرهاب".

     

من وجهة نظر غراهام، كان الإقدام على قتل خاشقجي بهذه الطريقة الفجة خطيئة لا تغتفر، وهي ترقى لديه لمرتبة "الخيانة"

رويترز
     

في ضوء ذلك، كان الهجوم المفاجئ الذي شنّه غراهام مؤخرا على الرياض، وتحديدا على ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" على خلفية اختفاء ثم مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول، كان هجوما مفاجئا وصادما للرياض بكل المقاييس، حيث لم يكتف غراهام بنغمة الهجوم المعتادة لأعضاء الكونغرس على السعودية، أو حتى التلويح بتعليق مبيعات الأسلحة الحيوية إلى المملكة، لكنه صعّد وتيرة خطابه مطالبا السعوديين باستبدال ولي العهد الحالي، ومهددا بأنه لن يتعامل مع السعودية مرة أخرى ولن يعود إليها ما دام هذا "الشخص في موقع المسؤولية" كما أشار إليه نصا في انتقاص واضح منه.

 

من وجهة نظر غراهام، كان الإقدام على قتل خاشقجي بهذه الطريقة الفجة خطيئة لا تغتفر، وهي ترقى لديه لمرتبة "الخيانة" ولحلفاء السعودية والمدافعين عنها في واشنطن. ورغم أن رد فعل غراهام كان هو الأقسى والأكثر حدة، خاصة أنه جاء من حليف سعودي سابق وسياسي مقرب من الرئيس الأميركي ترامب المحب للسعوديين، فإنه لم يكن نغمة شاذة عن الموسيقى السياسية الصاخبة التي أحدثها مقتل خاشقجي في أروقة العاصمة الأميركية، خاصة بين نواب الكونغرس، بكلا غرفتيه، مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

 

فعلى سبيل المثال، اعتبر(4) النائب الجمهوري "بيتر كينغ" الحكومة السعودية "أكثر حكومة لا أخلاقية اضطررنا للتعامل معها"، فيما رفض نائب ولاية كارولينا الشمالية "ثوم تيليس" الرواية السعودية حول مقتل خاشقجي، مُصِرًّا أن فعلا بهذا الحجم لا يمكن الإقدام عليه "دون إذن من القمة" حد تعبيره، في حين علق سيناتور نيبراسكا "بن ساس" ساخرا بالقول: "أنت لا تحضر منشار عظم لأجل شجار عرضي"، بينما كان السيناتور "بوب كوكر" رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أكثر صراحة في اتهام ولي العهد السعودي بتوجيه عملية القتل، مهددا عقوبات تستهدف "ابن سلمان" وغيره من أعضاء التسلسل القيادي في المملكة.

   

السيناتور "بوب كوكر" رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ  (رويترز)

  

انفجر الجحيم بعينه إذن في وجه الرياض والعائلة المالكة، ليس في اليمن وليس في سوريا أو حتى في المملكة نفسها، ولكن في أكثر مكان يخشى السعوديون أن يروا فيه ألسنة النار تحرق ملايين الدولارات التي تم استثمارها في صناعة صورة لامعة كبيرة لولي عهد المملكة الشاب، وهو جحيم ليس قادما فقط من النواب الديمقراطيين الذين لا يحملون ما يكفي من الولاء والثقة في الرياض، ولكنه أتى حتى من أقرب حلفاء ترامب من الجمهوريين، أمثال ليندسي جراهام وبوب كروكر وتيد روهو وماركو روبيو، وجميعهم يحتلون مناصب قيادة قوية تُمكّنهم من الإِشراف على جهود تشريعية لمعاقبة المملكة، أو على الأقل وقف مبيعات الأسلحة لها، فيما يبدو أنها شهية سياسية أميركية عامة لإلحاق العقاب بالسعودية، وهي شهية نادرا ما توافرت لدى الكونغرس منذ عقود طويلة.

 

لكن ترامب نفسه لم يبد أنه يتشارك ذات الشهية أو الحماس مع مشرّعيه حول معاقبة الرياض، ومع تجاهل تصريحاته المتذبذبة والمتناقضة حول أزمة خاشقجي، والتي تتراوح بين محاولة حماية النظام السعودي وأحيانا تبرئته بشكل كامل، وبين التهديد بفرض عقوبات قاسية عليه، فإن خطا رئيسا واضحا يحدد سياسة الرئيس الأميركي تجاه الأزمة، وهو تمسكه بصفقات الأسلحة المغرية لإدارته مع المملكة، والتي يعتبرها ترامب فيما يبدو المحدد الأول والأساسي لعلاقة إدارته مع النظام الحاكم في السعودية.

 

فمن وجهة نظر الرئيس الأميركي فإن أزمة خاشقجي أو أي أزمة أخرى لا تستدعي التضحية بالصفقات المربحة مع الرياض والمقدرة بـ110 مليار دولار أميركي، وهي المليارات التي يرى ترامب أنها حيوية لإنعاش الاقتصاد الأميركي، وتوليد مئات الآلاف من الوظائف لقاعدته الشعبية من الناخبين البيض المحبطين بفعل البطالة والركود، وهو موقف يُنذر بمواجهة مرتقبة بين الإدارة الأميركية والكونغرس حول العلاقة مع الرياض، مواجهة لا يمكن اعتبارها الأولى من نوعها خلال العقود الأربعة الأخيرة من ذلك الزواج الكاثوليكي -بين واشنطن والرياض- العابر للحدود على أي حال، ولكنها ستصبح على الأرجح من أعنف ما شهدته واشنطن.
 

السجال التاريخي

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، سارع الأميركيون في تعزيز ومأسسة تحالفهم مع آل سعود خلال لقاء عيد الحب التاريخي بين روزفلت، والملك "عبد العزيز بن سعود"

مواقع التواصل 
     

على مدار العقود الأولى للصداقة السعودية الأميركية، كانت العلاقات بينهما تدور حول النفط في المقام الأول، حيث ظل الذهب الأسود مُهيمنا على الحكمة التقليدية لعلاقتهما وفق صفقة البترودولار الشهيرة، وهي صفقة عملت السعودية بموجبها كوكيل للمصالح الطاقوية الأميركية، وضامن لتدفق مصادر الطاقة لتشغيل الترسانة الصناعية والعسكرية الأميركية الضخمة في غرب الأطلسي. في ذلك التوقيت، كان الاهتمام العالمي بالشرق الأوسط يتزايد باطّراد مع تحول(5) الثورة الصناعية من الفحم إلى النفط، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى بنهاية العقد الثاني من القرن العشرين، رسمت القوى الكبرى حدود الشرق الأوسط قسرا على أساس النفط، وقد خط البريطانيون دولة حكمها آل سعود في شبه الجزيرة من أجل ضمان استخراج النفط بسلام، وورث الأميركيون السياسة البريطانية وحرصوا على علاقة وثيقة مع آل سعود أيضا.
 

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وتربع أميركا على رأس القيادة العالمية، سارع(6) الأميركيون في تعزيز ومأسسة تحالفهم مع آل سعود خلال لقاء عيد الحب التاريخي بين الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت، وبين مؤسس المملكة العربية السعودية "عبد العزيز بن سعود"، على متن مدمرة أميركية قرب السويس عام 1945، وهو اللقاء الذي تحولت بموجبه المملكة إلى حجر زاوية سياسات واشنطن كاملة في الشرق الأوسط.

  

وعلى الرغم من هيمنة البترودولار على العلاقات بين واشنطن والرياض، فإن تدفق الأسلحة الأميركية للمملكة جزء رئيس لا يتجزأ من تعهد السعودية بحماية آل سعود، وقد ظل هذا التعهد راسخا وغير قابل للمساءلة حتى السبعينيات، حين تعرضت العلاقات السعودية الأميركية لاختبار حقيقي إبان حرب عام 1973 وقت أن فرضت الرياض حظرا نفطيا على حلفاء إسرائيل وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، ومعه بدأ التشكيك في جدوى العلاقات السعودية الأميركية للمرة الأولى.

  

خلال تلك الفترة بدأ(7) أنصار تل أبيب في الكونغرس بتصدير العديد من الضغوط التشريعية لعرقلة مبيعات الأسلحة للرياض، عن طريق إصدار قوانين مثل قانون "الممارسات الأجنبية الفاسدة"، وقانون "إدارة الصادرات" عام 1977، وهما قانونان صعّبا من مهمة المملكة التي نجحت بالكاد في العام التالي في تمرير طائرات مراقبة وطائرات مقاتلة من طراز "إف -15" بقيمة 8 مليارات دولار، وبعد جهود طويلة على الرغم من الطبيعة الدفاعية للأسلحة والقيود الضخمة التي فُرضت حتى على استخدامها.

     

كان الزج باسم عدنان خاشقجي في قلب إحدىى الفضائح السياسية الكبرى في واشنطن كفيلا بزيادة الاستياء تجاه الرياض في الكونغرس

غيتي إيميجز
   

وعلى الرغم من أن قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وانهيار نظام الشاه الحليف لواشنطن، وقيام الحرب العراقية الإيرانية قد أزالوا الكثير من القيود المفروضة على تسليح الرياض، حيث تم تمرير صفقة للحصول على نظام الإنذار المبكر "أواكس" رغم اعتراض حلفاء إسرائيل، فإن السياسات المناهضة للسعودية في غرف التشريع الأميركية لم تهدأ، وفي العام التالي مباشرة أعاق الكونغرس بأغلبية ساحقة طلب بيع صواريخ بقيمة 354 مليار دولار إلى الرياض بأغلبية أكثر من الثلثين، ما أعاق الطريق أمام الرئيس رونالد ريغان عن إمكانية استخدام الفيتو الرئاسي لتمرير الصفقة.

   

وبحلول نهاية العام ازدادت الأمور سوءا مع تفجر فضيحة "إيران كونترا"، كاشفة شبكة من العمليات المعقدة والسرية التي قامت بها إدارة ريغان لتصدير الأسلحة إلى النظام الإيراني، ولسوء الحظ، كان من بين المشاركين في هذه الخطة رجل الأعمال السعودي الشهير عدنان خاشقجي، وهو وسيط مرموق لأفراد الأسرة الحاكمة السعودية في تعاملهم مع الغرب، وكان الزج(8) باسم خاشقجي في قلب إحدى الفضائح السياسية الكبرى في واشنطن كفيلا بزيادة الاستياء تجاه الرياض في الكونغرس، الذي صوّت مجددا في العام التالي على تأجيل تسليم دفعة جديدة من طائرات إف-15 إلى الرياض محتجا بأنها فشلت في استخدام حصيلتها السابقة من الإف-15 في اعتراض طائرات داسو ميراج العراقية، وهي طائرات قامت بتدمير الفرقاطة الأميركية "يو إس إس ستارك" في الخليج مما أدى إلى مقتل 37 بحارا أميركيا.

 

الأسلحة الجميلة

منذ ذلك الحين، تحولت السجالات بين المشرعين الأميركيين وبين الإدارات والرؤساء حول مبيعات الأسلحة إلى إحدى النغمات الروتينية للسياسة الأميركية، ولأسباب متعددة، تتراوح بين ضغوط المجمعات العسكرية الصناعية وبين الرغبة في تأمين دعم آل سعود للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وأحيانا حتى بسبب العلاقات الشخصية المتداخلة، لتلك الأسباب نادرا ما أبدى الرؤساء الأميركيون أي رغبة جادة في تحجيم بيع الأسلحة للرياض مهما كان حجم الضغوط التي يواجهونها.

 

فمنذ إدارة جورج دبليو بوش الأب التي باعت الأسلحة للسعودية لدعم قدرات المملكة الدفاعية إبان حرب الخليج الثانية، وحتى إدارة جورج دبليو بوش التي دافعت بقوة عام 2007 عن صفقة أسلحة بقيمة 20 مليار دولار، لصالح الرياض، شملت حزمة من الذخائر الموجهة بدقة أثارت اعتراض اللوبي الموالي لإسرائيل في العاصمة الأميركية، بين هذا وذاك تحولت مبيعات الأسلحة من مجرد تعهد أمني إلى أحد الثوابت الراسخة في العلاقة الأميركية السعودية، وحتى في عهد أوباما الذي لم يكن صديقا للسعودية بما يكفي، فقد باعت إدارته ما يقدر بـ115 مليار دولار من الأسلحة إلى المملكة على مدار 8 أعوام، وهو أكثر مما باعه أي رئيس آخر في التاريخ، بما في ذلك صفقة واحدة بقيمة 60 مليار دولار عام 2010 وصفت بأنها أكبر عملية لبيع السلاح في التاريخ الأميركي.

   

  

كان هذا التحول في العلاقات الأميركية السعودية، نحو التمركز حول تجارة الأسلحة، مدفوعا(9) بانهيار المنطق النفطي التقليدي للعلاقات بينهما مع تطور تكنولوجيا الحفر الهيدروليكي الأميركية، وتحول الولايات لأكبر منتج للنفط في العالم، وتقلص محفظتها من الواردات السعودية إلى 800 ألف برميل يوميا مقارنة بـ1.5 مليون برميل يوميا قبل عقد من الزمان، ومع نشوء توجه جديد في السياسة الأميركية نحو تقليص الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط لصالح المزيد من التركيز حول آسيا والصين.

 

كان هذا المنطق الجديد مدفوعا بتحولات في السياسة الداخلية لواشنطن نحو تقليص الميزانية الدفاعية وتحجيم المشتريات العسكرية الضخمة للجيش الأميركي، وهو ما وضع العديد من عمالقة صناعة الأسلحة في واشنطن وخطوط الإنتاج الضخمة على حافة الإغلاق، فعلى سبيل المثال، وقبل توقيع صفقة لتوريد قطع غيار دبابات أبرامز مع السعودية عام 2016، كان مصنع شركة جنرال داينامكس في ولاية أوهايو يعاني من تقليص كبير في أعداد العمالة من 1200 شخص إلى 400 شخص فقط، وكانت عرقلة الصفقة تعني على الأرجح إغلاق المصنع بالكامل، وهو دفع في النهاية الكونغرس إلى التصويت بنسبة ساحقة ضد مشروع تقدم به النائبان ران بول ومريس ميرفي بعرقلة صفقة بقيمة 1.15 مليار دولار مع الرياض.

  

على مدار أكثر من ست سنوات متتالية في عهد أوباما، وضع(10) تقليص الإنفاق العسكري ضغوطا كبيرة على شركات الدفاع الأميركية للحفاظ على موظفيها وخطوط إنتاجها، وفي الوقت نفسه كانت الشهية المتزايدة للمملكة ودول الخليج لاقتناء المزيد من الأسلحة بمنزلة قُبلة الحياة لصناعة الدفاع الأميركية، خاصة صفقة الـ60 مليار دولار الضخمة في عهد أوباما، والتي أنقذت 77 ألف وظيفة في 44 ولاية، وأنقذت خط  إنتاج طائرات إف-15 التابعة لشركة بوينغ من الإغلاق، وساعدت خطوط إنتاج مروحيات أباتشي وهاربون للحفاظ على آلاف الوظائف عالية الأجر التي كانت مهددة بالزوال بسبب تخفيض النفقات الدفاعية.

 

ورغم هذا التمركز المتزايد للعلاقات السعودية الأميركية حول تجارة الأسلحة، غالبا ما كان منطق تحول قوة عظمى إلى تاجر للسلاح يتعامل مع الحلفاء بمنطق الزبائن أمرا شديد الحرج بالنسبة إلى واشنطن، لذا فإن صفقات الأسلحة غالبا ما كانت تمرر تحت غطاء من الدواعي الأمنية والإستراتيجية والشراكات العسكرية، لكن ترامب، الذي يتمحور مشروعه الأكبر حول حلمه بأن يصبح أفضل رئيس جالب للوظائف في تاريخ أميركا، لا يجد غضاضة بأي حال في التعبير عن هذا المنطق وبأقصى قدر ممكن من الصراحة والوضوح. هذا هو ما يميز ترامب إذن، أنه، وعلى خلاف غيره من السياسيين الأكثر تحفظا، يرى التجارة وعقد الصفقات الوجه الأكثر صراحة للممارسة السياسية، لذا لم يكن هناك ما يثير العجب عندما استضاف ترامب ولي العهد السعودي في البيت الأبيض متقمصا شخصية رجل المبيعات ليعرض صنوف الأسلحة "الجميلة" على المشتري السعودي الثري، ولا عجب أيضا أن يخرج في بضع مرات ليطالب المملكة بدفع تكاليف الحماية الأميركية، ولا عجب بالتأكيد أن يعلن عن رغبته في تصديق الرواية السعودية بشأن أزمة خاشقجي، معللا ذلك بأن الرياض مستثمر مهم جدا في المعدات العسكرية الأميركية.

  

    

  

لا عجب يُذكر في كل ذلك، بل ويمكننا هنا أن نسوق(11) المزيد من الحجج لدفاعه عن الرياض، وهي حجج من ذلك النوع الذي يطرب آذان ترامب، حيث بلغ حجم السلع والخدمات الأميركية المتداولة مع السعودية أكثر من 45 مليار دولار للعام الماضي 2017، بخلاف التزام المملكة الفعلي خلال العام نفسه بشراء 14.5 مليار دولار من الأسلحة الأميركية، كجزء من صفقة أوسع نطاقا أعلن عنها ترامب بقيمة 110 مليار دولار، ناهيك عن امتلاك السعودية لـ167 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية، واستثمار المملكة لأكثر من 6 مليارات دولار في وادي السليكون، بما يشمل العديد من الشركات المليارية مثل أوبر وليفت وتيسلا والتي تتلقى جميعها تمويلا مباشرا أو غير مباشر من السعودية.

 

وبخلاف ذلك، فإن سياسة إدارة ترامب في حصار إيران قد منحت المزيد من القيمة لدور السعودية المتناقص في سوق النفط، فمع الارتفاع المطّرد للأسعار التي تجاوزت حاجز 85 دولارا للبرميل، فإن سحب أكثر من مليون برميل من النفط يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات تقترب من مئة دولار للبرميل، ويعول ترامب على تعاون السعودية في سد الفجوة التي سيخلفها انسحاب إيران من السوق، وبالتالي الحفاظ على استقرار أسعار البنزين قبل الانتخابات الأميركية النصفية المقررة الشهر المقبل.

 

لحظة ترامب الذهبية

لم يكن دونالد ترامب إذن جملة اعتراضية في سلسلة الرؤساء الأميركيين الذين طالما احتضنوا النظام السعودي، وإن كان أكثرهم صراحة حول طبيعة العلاقة، وأكثرهم جرأة في الاعتراف أن واشنطن عالقة فيما يبدو في علاقة لا فكاك منها مع طرف لا ترغبه وتعرفه منذ أكثر من سبعة عقود، ورغم كل ذلك، فإن هناك فوارق إستراتيجية وتكتيكية في سياسات إدارة ترامب تجاه المملكة والشرق الأوسط مقارنة بسلفه أوباما على وجه التحديد، وهي سياسة تجعل ترامب عالقا مع السعودية أكثر من أي إدارة أميركية أخرى منذ حرب الخليج مطلع التسعينيات.

 

فلسوء الحظ، أو ربما لحسنه من وجهة نظر ترامب، لا تمنح الإستراتيجية الحالية للولايات المتحدة الكثير من الخيارات في مواجهة الرياض، فعلى النقيض من إدارة أوباما التي سعت لتقليص مشاركة أميركا في الشرق الأوسط، وإبعاد واشنطن عن حلفائها التاريخيين من خلال صناعة توازن جديد للقوى بين حلفاء الولايات المتحدة في السعودية وإسرائيل وبين خصومها في طهران، فإن إدارة ترامب قلبت هذه السياسة مع قدومها من السلطة، معتمدة إستراتيجية قائمة(12) على ثلاثة أهداف رئيسة، أولها تحجيم النفوذ الإيراني، وثانيها هزيمة "التطرف" ممثلا في تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وثالثها دفع حلفائها للقيام بالدور الأكبر في كلا الملفين، وبهذا المعنى فإن الفوارق بين سياسات ترامب وسياسات أوباما لم تعد تتعلق بالإستراتيجيات فقط ولكن بالتكليفات أيضا، ففي خضم خطة الولايات المتحدة لتحجيم أعدائها في الشرق الأوسط، برزت السعودية بوصفها أهم لاعب في تلك الإستراتيجية الأميركية، ومتفوقة بمسافة ضخمة على غيرها من حلفاء واشنطن بما في ذلك إسرائيل نفسها.

   

  

وفي المقابل، فإن صعود ترامب إلى السلطة جاء متزامنا مع إحساس غير مسبوق بالحصار من قِبل السعوديين، مع تعرض موقع السعودية المهيمن للتهديد من قِبل القوى الصاعدة في إيران الشيعية وتركيا السنية، ومع انهيار اقتصادها القائم على الهيدروكربونات بفعل انخفاض أسعار النفط في عام 2014 ما تسبب في عجز بقيمة مئة مليار دولار في الميزانية السعودية، وحتى مع ارتفاع أسعار النفط في الأشهر الأخيرة، لا يزال الاقتصاد السعودي يعاني من عجز يبلغ نحو 50 مليار دولار، مع انخفاض احتياطيات المملكة الهائلة من النقد من 737 مليار دولار في عام 2014 ، إلى 506 مليار دولار في أغسطس/آب الماضي.

 

في هذا السياق، مَثّل صعود ترامب للسلطة لحظة ذهبية(13) بالنسبة للمملكة، ومع التحديات الداخلية والخارجية التي واجهها حكم الملك سلمان ونجله في الرياض، بداية من اهتزاز الشرعية الإقليمية للسعودية بفعل التنافس مع إيران وتركيا، ووصولا للاضطرابات الاقتصادية التي ضربت المملكة والهزات الداخلية التي أصابت العائلة المالكة بسبب تجاوز الخلافة الملكية، كان وجود رئيس أميركي على استعداد للارتكاز على الرياض من جديد فرصة لا تُقدر بثمن بالنسبة للأخيرة.

 

وفي مقابل ذلك، كان النظام الجديد الذي يسيطر عليه ولي العهد السعودي الشاب مستعدا لتقديم كل تغيير ممكن لاسترضاء واشنطن، بداية من تقليص دور الدين في دولة آل سعود، إلى تحجيم تمويل الرياض للجماعات الإسلامية، مرورا باستثمار مليارات الدولارات في مختلف القطاعات الأميركية، وليس انتهاء بالاستعداد الكامل لوضع طاقات النفط السعودي في خدمة السياسات الأميركية، سواء السياسات الخارجية مثل مواجهة إيران، أو حتى السياسات الداخلية المتمثلة في الحفاظ على أسعار مناسبة للبنزين في السوق المحلية الأميركية قبيل الانتخابات النصفية.

 

رئيس قوي.. كونغرس ضعيف

  

شيئا فشيئا، كان ترامب يدرك أن حاجته إلى السعودية لا تقل عن حاجة الرياض إليه، أو لعله لمس أن النظام الحالي في السعودية هو نظام مثالي تماما لابتزاز آخر قطرة من الدعم السعودي، ومع كون ترامب قد أوضح بما لا يدع مجالا للشك أن إدارته لا تضع قضايا حقوق الإنسان على رأس أجندتها، كان من الأمل المبالغ فيه توقع أن قضية خاشقجي يمكن أن تُمثّل أكثر من سحابة عابرة بالنسبة لترامب، أو أن الرئيس الأميركي الذي يعتبر صحافة بلاده عدو الشعب يمكن أن يضحي بهذا القدر الهائل من المصالح من أجل صحافي سعودي قُتل أو حتى قطع لأجزاء في إسطنبول.

 

ولكن ترامب وجد نفسه بشكل مفاجئ في مرمى النيران بسبب علاقته وعلاقة أسرته المريبة مع السعوديين، والتي تتجاوز عالم السياسة إلى عالم المال والمنافع التجارية، ومن ثم كانت الإستراتيجية المثلى بالنسبة للبيت الأبيض هي إمساك عصا القضية من المنتصف، عبر التلويح اللفظي باتخاذ إجراءات حاسمة، في انتظار انتهاء الجدل وطي القضية ومواصلة العلاقات كالمعتاد بمرور الوقت، ليترك ذلك الكرة في ملعب الكونغرس الغاضب، حيث يمكن أن تمرر أغلبية من الحزبين هناك تشريعا ضد الرياض، أو أن تمنع مبيعات الأسلحة لها، على غير رغبة الرئيس.

 

وبالفعل، لم يضيع المشرعون الغاضبون الكثير من الوقت قبل أن يكشّروا عن أنيابهم، ملوحين بإمكانية استخدام قانون ماغنيتسكي الذي يمنح واشنطن الحق في فرض العقوبات على المسؤولين الأجانب المتورطين في انتهاكات لحقوق الإنسان. وقد تم إقرار قانون ماغنيتسكي للمرة الأولى في عام 2012 بهدف معاقبة الشخصيات الروسية المتورطة في مقتل المحاسب الروسي سيرغي ماغنيتسكي في أحد السجون الروسية، لكن القانون تم توسيعه عام 2016 ليشمل معاقبة كافة المسؤولين الأجانب المتورطين في انتهاكات حقوقية، ملزما الإدارة الأميركية بإجراء مراجعة خلال أربعة أشهر لتحديد موقف المسؤولين المتهمين بارتكاب انتهاكات.

 

لكن إدارة ترامب يمكن أن تختار عدم فرض العقوبات في نهاية المطاف، حيث يجبر قانون ماغنيتسكي الإدارة على النظر في فرض عقوبات لكنه(14) لا يجبرها ببساطة على فرضها، فضلا عن كون القانون يرتكز على أسس قانونية مختلفة لدرجة أن أوباما اعتبره غير دستوري بسبب انتزاعه لصلاحيات الرئيس المقرة بموجب المادة الثانية من الدستور، ويعني عدم التزام الرئيس بتطبيق توصية الكونغرس بفرض العقوبات أن على الهيئة التشريعية أن تلجأ لمقاضاة الرئيس أمام المحكمة العليا، وبافتراض أن البرلمان الذي يهيمن عليه الجمهوريون إلى الآن سوف يمتلك الإرادة السياسية للدخول في خصومة مع الرئيس، وهو افتراض غير منطقي كما يبدو، فحتى لو حدث ذلك فإن توازن القوى في المحكمة العليا يبدو مائلا لصالح ترامب في ظل هيمنة توجه القوى اليمينية على المحكمة، وهي قوى تبدو أكثر احتراما لسلطة الرئيس في إدارة الشؤون الخارجية.

    

  

  

على الجانب الآخر، لا تبدو مهمة تعليق مبيعات الأسلحة أقل إشكالية. ففي نهاية المطاف فإن سلطة تعليق مبيعات الأسلحة تهدف لمنح فرصة للتوافق بين الحزبين الكبيرين على أن الإدارة اتخذت ما يكفي من الإجراءات لاحترام مخاوف النواب فيما يتعلق بالصفقات، ولكن القانون يمنح الرئيس بشكل نهائي سلطة الطعن في قرار التعليق، ليدشن فترة مراجعة مدتها 30 يوما يجب أن يقرر الكونغرس خلالها رفض البيع أو القبول به بشكل نهائي، وفي حال اختار الكونغرس رفض البيع فإن الرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات استخدام حق النقض "الفيتو" لتمرير عملية البيع، وهي صلاحية لا يمكن تجاوزها إلا بتوافق أغلبية الثلثين على رفض البيع.

 

يعني ذلك نهاية أن أي قرار بمعاقبة السعودية أو تعليق مبيعات الأسلحة في الكونغرس يتطلب ما هو أكثر من الرغبة في معاقبة الرياض إلى وجود إرادة سياسية لدى الكونغرس لتحدي ترامب نفسه. وفي ظل الهيمنة الحالية للجمهوريين على الكونغرس، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فإن أحدا لا يبدو راغبا في تحدي رئيس يزعم أن معاقبة الرياض سوف تتسبب في فقدان عشرات الآلاف من الناخبين لوظائفهم، وحتى في حالة سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في أعقاب انتخابات التجديد النصفي، فإن هناك القليل من الدلائل على أن المشرعين سوف يكونون راغبين في افتتاح دورتهم التشريعية بمواجهة حادة مع ترامب أيضا.

 

وفي عصر دونالد ترامب، نادرا ما أظهرت أي جهة في واشنطن رغبة في التحدي أمام سيل هائل من القرارات الأحادية ذات النتائج الهائلة التي اتخذها هو نفسه، بداية من انسحابه من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ومن اتفاق باريس للمناخ، مرورا بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وفرض رسوم جمركية على كندا والصين والمكسيك والاتحاد الأوروبي، وانتهاء بالتزامه الفاتر المتذبذب تجاه حلف الشمال الأطلسي، ومؤتمره الصحافي المثير للجدل بصحبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 

كانت جميع قرارات ترامب السالفة وغيرها كفيلة بتفجير العديد من صيحات الغضب في واشنطن، لكنها لم تسفر عن أي ضغوط حقيقية عليه سواء من قِبل الكونغرس أو من قِبل البيروقراطية الأميركية، فرغم أن الدستور الأميركي يمنح الكونغرس صلاحية تقييد الرئيس في قضايا التجارة واستخدام القوة العسكرية، فإن المشرعين الأميركيين منذ الحرب الباردة نادرا ما أظهروا إرادة حقيقية للوقوف في وجه الرئيس، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى التصاعد المفرط للاستقطاب السياسي في واشنطن منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وهو ما جعل الأعضاء أكثر التصاقا بالتزامهم الحزبي، وأقل قابلية لعبور الخطوط العابرة للحزبية.

   

فشل السيناتور بوب كوركر في حشد الدعم الكافي لمشروع قانون يُلزم الرئيس بطلب موافقة الكونغرس على التعريفات التي تم سنها باسم الأمن القومي

رويترز
   

ورغم تورط الولايات المتحدة في حروب متتالية في الشرق الأوسط من أفغانستان إلى العراق، شهد الكابيتول هيل انخفاضا ملحوظا في أنشطة لجان الخدمات المسلحة والعلاقات الخارجية، تزامنا مع اتجاه آخر وهو التراجع الملحوظ لخبرة أعضاء الكونغرس في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي، وهو ما دفع الكونغرس لمنح إذن مفتوح للرؤساء الأميركيين باستخدام القوة العسكرية في مهام مكافحة الإرهاب، إذن استخدمته الإدارات الأميركية المتعاقبة لتوسيع عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط دون اللجوء للكونغرس على مدار 17 عاما، وفي المقابل فإنه رفع عن كاهل أعضاء الكونغرس مؤونة التصويب على العمليات العسكرية، وهو أمر يمكن أن يؤثر بالسلب على شعبيتهم الانتخابية.

 

لا يقتصر هذا التردد التشريعي على مراقبة استخدام القوة العسكرية، لكنه يمتد إلى التجارة، فعلى الرغم من المخاوف بشأن التدابير الحمائية التي اتخذها ترامب، لم يستطع المشرعون من الديمقراطيين والجمهوريين الوقوف في وجهه في هذه القضية، حتى إن السيناتور بوب كوركر،  رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، فشل في حشد الدعم الكافي لمشروع قانون يُلزم الرئيس بطلب موافقة الكونغرس على التعريفات التي تم سنها باسم الأمن القومي، وفشل كوركر بسبب إحجام النواب الجمهوريين عن الدخول في مواجهة مع ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي.

 

خليج واشنطن المفضل

لا تقف ظاهرة الأيادي المقيدة تلك عند حدود الكونغرس فحسب، فحتى المؤسسات البيروقراطية الراسخة مثل وزارة الخارجية، والتي اشتكى الرئيس الأسبق هاري ترومان يوما من فشلها في تنفيذ سياسته، صارت اليوم أقل قدرة على فرض الرقابة المهنية على السلطات الرئاسية. وكما يشير تحليل(15) للباحثين جيمس جولدغير وإليزابيث ساندز في مجلة فورين أفيرز، فإنه منذ توقيع ترومان على قانون الأمن القومي لعام 1947 والذي تم بموجبه إنشاء مجلس الأمن القومي، فقد عمد الرؤساء إلى إقصاء البيروقراطيين المهنيين في وزارة الخارجية لصالح كوادر مجلس الأمن القومي الأكثر توافقا سياسيا مع الرئيس.

     

مع العسكرة المتزايدة للسياسة الخارجية الأميركية منذ أحداث 11 (سبتمبر/أيلول) فقد توسع نفوذ البنتاغون على حساب وزارة الخارجية

رويترز
     

وقد توسع هذا التوجه بشكل كبير منذ إدارة جورج بوش الأب، حيث بلغ عدد موظفي مجلس الأمن القومي في عهده 50 موظفا، فيما نما العدد إلى 100 في ظل بيل كلينتون، و200 في ظل حكم جورج دبليو بوش، و400 تحت حكم أوباما، ولم يعد مجلس الأمن القومي يعمل منسقا للسياسة فقط؛ بل كان يطبقها أيضا، على حساب المسؤولين المهنيين في وزارة الخارجية الذين فقدوا أي دور لهم في صناعة السياسة لصالح طواقم الجناح الغربي المعينة من قبل الرئيس، وهو توجه يبدو أكثر وضوحا في ظل حكم ترامب في ظل تحكم طاقم رئاسي عائلي في السياسات الرئيسة للبيت الأبيض.

  

وللمفارقة، فإن جزءا واحدا من البيروقراطية الحكومية الأميركية هو الذي شهد نموا خلال الأعوام الأخيرة وهو البنتاغون. فمع العسكرة المتزايدة للسياسة الخارجية الأميركية منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول، فقد توسع نفوذ البنتاغون على حساب وزارة الخارجية خاصة في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وصارت مفاتيح العلاقات الدبلوماسية واقعة في أيدي القادة العسكريين الذي أثبتوا قدرتهم على التدخل بشكل أكثر فاعلية من نظرائهم السياسيين.

 

وللمفارقة الأكبر، فإن أحدا ليس بإمكانه أن يدّعي أن هناك مؤسسة بيروقراطية في واشنطن أكثر صداقة للسعوديين من وزارة الدفاع. فطالما كانت إمكانية الوصول الثابت للجيش الأميركي للمنشآت والمطارات والموانئ في دول الخليج، والقدرة على تحريك الأصول العسكرية الأميركية بحُرية، لطالما كانت أولوية قصوى للجيش الأميركي، وهكذا فإن العسكرية الأميركية صنعت(16) مبدأها الخاص في العلاقات مع السعودية ودول الخليج، وهو مبدأ ينص على تقديم أميركا للتعاون الأمني واللوجيستي، مقابل منح الحكومات الخليجية الجيش الأميركي وصولا غير مقيد إلى أراضيها وأجوائها.

 

لا يُعدّ هذا النوع من العلاقات وليد اللحظة، وهو مبني على عقود من الاتصالات الشخصية المكثفة بين قادة الجيش الأميركي ونظرائهم الإقليميين، اتصالات شملت برامج التعاون الأمني الروتينية ومبيعات الأسلحة والذخائر، حيث يذهب نصف مبيعات الأسلحة الأميركية إلى دول الشرق الأوسط، والدعم اللوجستي والأمني، وهو ما يفسر الدعم الذي قدمه الجيش الأميركي لحرب السعودية في اليمن على الرغم من عدم التوافق السياسي بين الدولتين خلال السنوات الأخيرة من حكم أوباما.

    

  

ورغم أن قضية خاشقجي من غير المرجح أن تعبث بالخطوط الحمراء الرئيسة في العلاقات السعودية الأميركية، فإن القضية تلعب دورا حيويا عبر خطوط الانقسام الرئيسة في المجتمع السياسي في واشنطن، وهي الانقسام الحزبي داخل الكونغرس، والخلاف المتأصل بين الإدارة والمشرعين، ومن المرجح أن يتم توظيف القضية على كلا خطي الانقسام، حيث سيستخدم الديمقراطيون القضية باللعب على وتر علاقة ترامب بالنظام السعودي والدعم الأميركي لحرب اليمن، فيما سيسعى الكونغرس لإثبات قدرته على مواجهة الرئيس من خلال فرض قيود أكبر على الرياض بسبب الأزمة.

 

وعلى الرغم من أن الكونغرس قد لا يملك ما يكفي من السلطة أو الإرادة السياسية لإحداث مراجعة حاسمة في علاقة واشنطن والرياض كما ذكرنا، فإن لديه العديد من الأدوات لفرض قيود على التعاون الأميركي السعودي، بما في ذلك تعقيد مهمة الرئيس في تمرير مبيعات الأسلحة من خلال جلسات الاستماع المزعجة للجان العلاقات الخارجية والخدمات المسلحة، أو فرض قيود على عمليات نقل التكنولوجيا أو توريد أسلحة بعينها مثل الذخائر الموجهة بدقة، وقد يختار الكونغرس تكثيف جهوده وتوجيه ضربات مكثفة إلى أضعف حلقات الدعم الأميركي للسعودية، من خلال استخدام قانون سلطة الحرب لإجبار الإدارة على إنهاء الدعم الأميركي لحرب اليمن.

   

على جانب آخر، فإن هناك حزمة(17) من الضغوط التي يمكن التوافق حولها بين الكونغرس والإدارة الأميركية دون المخاطرة بإشعال صراع نفوذ بين المؤسسات الأميركية، ومن ذلك التوافق على فرض عقوبات على عدد من المسؤولين السعوديين من الصف الثاني، وقد قالت الإدارة الأميركية إنها فرضت عقوبات بالفعل على 21 مسؤولا سعوديا لم تسمهم، ويمكن للكونغرس أيضا أن يختار الضغط على السعودية من خلال تشريع "نو أوبك" الذي يهدف لتقويض منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" بدعوى تورطها في ممارسات احتكارية، وعلى العكس من عرقلة صفقات الأسلحة، يبدو "نو أوبك" منسجما مع أولويات ترامب للسياسة الخارجية وانتقاداته المتتالية لأوبك، ما يجعل من غير المرجح أن يحتاج القانون إلى أغلبية كبيرة لمواجهة "فيتو" رئاسي محتمل.

    

  

وخلف ذلك كله، تبقى(18) القنبلة الكامنة في العلاقات السعودية الأميركية وهي قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب"، "جاستا"، الذي يسمح للمواطنين الأميركيين بمقاضاة الحكومة السعودية بسبب دورها في أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وحتى الآن امتنع القضاة الأميركيون فعليا عن نظر الدعاوى المتعلقة بالقانون، مفضلين إحالة المسألة إلى وزارة الخارجية التي يمكن أن تشهد أن الدول المعنية تبذل جهودا لحل القضية، ورغم ذلك فإن تدهور صورة السعودية بفعل واقعة قتل خاشقجي ربما يدفع القضاة الأميركيين لاستخدام سلطاتهم والنظر في الدعاوى بجدية.

   

ورغم كل هذه السيناريوهات وأن أقلها سيكون له تداعيات كارثية على الرياض على كل حال، يبقى من المسلم به أن أيا منها لا يمكن اعتباره تحولا دراميا في العلاقات الأميركية السعودية ككل، ويمكننا هنا أن ندعي أنه على الرغم من الأصوات الصاخبة التي تتعالى منادية بمعاقبة الرياض اليوم، فإن مراكز القوى وصناع السياسية الحقيقيين في واشنطن هم من أنصار الحكمة التقليدية حول كون الولايات المتحدة عالقة في تحالف مع "شيطان" لا يمكن تجنبه، أو بتعبير فرانكلين روزفلت نفسه قبل قرن من زمان حين أراد أن يبرر دعمه لـ "أناستاسيو سوموزا" رئيس نيكاراغوا قائلا: "قد يكون ابن عاهرة، لكن ابننا من تلك العاهرة"، في حكمة ساخرة يبدو أنها تستنسخ نفسها باستمرار في دائرة لا تنتهي.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار