هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
صراع العروش الجزائري.. من يقطف الثمرة؟

صراع العروش الجزائري.. من يقطف الثمرة؟

محمد جمال الدين

محرر سياسة
  • ض
  • ض

"أعرب لكم بداية عن جزيل شكري على تشريفكم لي بأغلبية أصواتكم، وأنوه بالسكينة التي جعلت موعد السابع عشر من أبريل/نيسان عرسا للديمقراطية، وأجزل التقدير للمترشحين الآخرين للرئاسة، وأخص بالشكر مئات الآلاف من أعوان الدولة في صفوف الجيش الشعبي، الذين سهروا على تنظيم وتأمين هذه الانتخابات"

عبد العزيز بوتفليقة، 28 أبريل/نيسان 2014

    

مع تدهور حالته الصحية منذ عدة أعوام، يتفهّم الجزائريون غياب "عبد العزيز بوتفليقة" عن عدة مناسبات وطنية تعوّد على حضورها، غير أنه في تلك المرة، لم يكن من مفرّ للرئيس الذي فاز في الانتخابات لولاية رابعة من الظهور لتأدية القسم أمام البرلمان امتثالا للبروتوكولات الرئاسية. وبكلمات متلعثمة، ونفس متقطع، ومن على كرسيه المتنقل، أحنى بوتفليقة ظهره ليتمكن من قراءة خطابه الذي لم تتجاوز مدته الدقيقة والنصف في قاعة البرلمان، توقف خلالها عدة مرات ملتقطا أنفاسه، تخللها تصفيق من النواب وجنرالات الجيش الشعبي الذين احتشدوا في القاعة على نحو مختلط وغير معتاد، قبل أن يختم خطابه بالسلام ويقوده مرافقوه خارج القاعة بسرعة كبيرة (1).

 

كان بوتفليقة يعلمُ في قرارة نفسه أن هذه الدورة الرئاسية الممتدة لخمسة أعوام هي الأخيرة غالب الظن وستكون منوطة باختيار الرئيس القادم، وهو الذي يتسللُ الهرمُ في أواصر جسده، بينما يخوضُ صراعا عنيفا مع مرض لطالما بقي الحديث حوله خافتا قبل أن يخرج لأضواء الصحافة، بالتزامن مع أنباء عن إصابته بسكتة دماغية في أبريل/نيسان 2013 منتقلا لباريس في رحلة علاج استمرت ثلاثة أشهر، غاصت البلاد خلالها في دوامة من التكهنات والنقاشات السياسية المحتدمة، في وقت كانت فيه سحابة الانتخابات الرئاسية المقبلة تحوم في الأفق.

 

خلال فترة علاجه، وجدت المعارضة التقليدية فرصتها في المطالبة بتنظيم انتخابات مبكرة، متذرعة بعدم أهلية الرئيس لتولي زمام الحكم، وسط إشاعات وتسريبات متباينة حول صحته المتدهورة، والتي قوبلت بالإهمال من قِبل حزب بوتفليقة "جبهة التحرير الوطني"، وجنرالات الجيش الشعبي الموالي له، واستمر تداولها حتى بعد عودته من رحلة العلاج التي اختفى بعدها لشهور طويلة، في وقت كانت رياح الربيع العربي تهبُ فيه في بلدان مجاورة مُهددة بالانتقال للجزائر الذي بدا متجهزا أكثر من أي وقت مضى لاستقبالها، في وقت كانت الدولة شمال الأفريقية تُعاني فيه من فضائح فساد لسياسيين مرتبطين بشخص الرئيس، واضطراب اقتصادي كبير (2).

   

  

في تلك الفترة، يتذكر الجزائريون الذين كانوا محتقنين من الوضع الاقتصادي ويتساءلون عن صحة الرئيس الغائب، كيف بدأ "أحمد قايد صالح" قائد أركان الجيش الشعبي وأحد المقربين من الرئيس الهرِم تعزيز وجوده في المشهد السياسي، متنقلا بين الخطابات السياسية والعروض العسكرية، ومفتعلا الظهور على وسائل الإعلام بذرائع شتى، ليُطَمْئن الجزائريين حيال أمن الجزائر وسلامته وأن البلاد تتجه نحو اقتصاد معافى، لكن غياب الرئيس في وقت أصبحت فيه الانتخابات الرئاسية على الأبواب مع توارد أنباء غير مؤكدة عن نيته الترشح لجولة رابعة، أثار استياء موسعا وتساؤلات كثيرة حول أهليته للحكم، قبل أن يتداول الناس وعلى نطاق واسع تقريرا حمل توقيع الجنرال القوي "محمد مدين" والمتربع على عرش "دائرة الاستعلام والأمن" جهاز المخابرات الأقوى في البلاد (3).

 

تضمّن التقرير تشكيكا بأهلية الرئيس للقيام بمهام الحكم بعد اليوم، وطالبه بعدم الترشح لولاية رابعة، وهي مطالبة أطلقت جهاز الإنذار لدى قائد الجيش الذي كان مشغولا بالحفاظ على المشهد السياسي، ويُنظر له كأحد أبرز المستفيدين من بقاء العجوز، محاولا موازنة الكفة وعدم السماح لجهاز المخابرات بالتمدد على حساب الجيش أو المؤسسة الرئاسية حليفته الأولى.

 

لم يطل غياب "بوتفليقة" بعد ذلك، ولم يمنعه كونه يتنقل على كرسي متحرك من خوض الانتخابات والفوز بها منتصف 2014، تاركا الصراع يتمثل بشكل أكثر وضوحا مع بدء كل من صالح وبوتفليقة تفكيك إمبراطورية "مدين" الأمنية، وقضم مؤسسات المخابرات تدريجيا وإلحاقها بالجيش، قبل أن يتولى الجيش والحكومة اعتقال وإقالة عدد كبير من حلفاء مدين وأذرعه الاستخباراتية بذرائع فساد مختلفة، انتهت بإقالة "مدين" نفسه في سبتمبر/أيلول عام 2015، لينتقل بعدها إلى الظلّ لسنوات، قبل أن يعاود الظهور مجددا هذه الأيام استعدادا للمشاركة في السباق القادم نحو كرسي الرئاسة في 2019، والذي يضم بالإضافة إليه كلا من قايد صالح نفسه، و"سعيد بوتفليقة" شقيق الرئيس وأحد كبار أباطرة الأعمال الجزائريين، و"أحمد أويحيي" الأمين العام لجبهة التحرير الوطني الحاكمة، وبرغم أن الحديث حول صراع الجنرالات لم يظهر للعلن إلا في السنوات الأخيرة، فإنه كان يدور خلف الكواليس بشكل تقليدي منذ تسعينيات القرن الماضي وصولا إلى اليوم، في واحد من أهم مفاتيح الشمال الأفريقي على الإطلاق (4).

      

قبضة "بوتفليقة" الأولى

"لماذا ليس أنا؟"

الجنرال "أحمد قايد صالح"، عام 1994

    

كونه إحدى الشخصيات التي شاركت في انقلاب الستينيات بصورة فعالة، بجوار الرئيس الأسطوري "هواري بومدين" الذي تولى الرئاسة بعدها، لطالما رأى بوتفليقة نفسه الوريث الشرعي لرئاسة الأخير، ولم يتعلق ذلك بكونه أحد أبرز المقربين منه خلال فترة رئاسته فحسب، بل لأنّ طبيعة المهام التي كان يوكلها "بومدين" له طوال فترة رئاسته منحته خبرة جعلته يعتقد أنه الأكفأ للحكم، قبل أن تجلب وفاة "هواري" خيبة أمل لبوتفليقة في الوصول للرئاسة عندما لقي حُلمه معارضة من جهاز المخابرات والجيش من اعتبروه ليبراليا أكثر من اللازم، تاركين الجنرال العسكري القوي حينها "العربي بلخير" يحسم كفة الكرسي الفارغ لصالح وزير الدفاع "الشاذلي بن جديد".

   

وبتسلم الأخير الرئاسة الجزائرية تبددت آمال بوتفليقة، لينتقل للظل بعدها لسنوات متنقلا داخل البلاد وخارجها بالتزامن مع تسلمه منصب عضو اللجنة المركزية في "جبهة التحرير الوطني"، قبل أن يطلق وصولُ "جبهة الإنقاذ الإسلامية" للحكم مطلع التسعينيات جرس إنذار لدى الجيش الذي قاد انقلابا عسكريا تطور لحرب أهلية وضعت البلاد على صفيح ساخن عدة سنوات، وعرفت باسمها فائق الشهرة "العشرية السوداء"، ولعب كل من الجيش والمخابرات دورا بارزا بها في قمع المعارضين.

 

وفي عام 1994 تم اختيار جنرال آخر هو اليمين زورال لرئاسة الدولة، إلا أن صلاحية حكم "زورال" قد تقلصت بعد خلاف مع الجيش حول التفاوض مع المعارضين (5). ومع غروب شمس "زروال" مبكرا، تعلّم بوتفليقة أهمية إقامة علاقات وطيدة مع رجال الجيش والمخابرات، لا سيما "محمد مدين" المعروف بـ "الأخطبوط الاستخباراتي" إضافة إلى الجنرالات رفيعي المستوى مثل "أحمد قايد صالح"، حتى بدا للجميع أن الرجل الليبرالي الذي حُرم من الرئاسة يوما بات يتقن قواعد اللعبة بشكل أفضل. ومع إعداد الحكومة للانتخابات الرئاسية، أظهرت ردود أفعال كبار الجنرالات أنهم قد غيروا مواقفهم تجاه بوتفليقة وأصبحوا يرون فيه أخيرا بطل المرحلة المناسب، لا سيما "العربي بلخير" نفسه والذي دعم بوتفليقة بقوة، إلى جوار مدين أو "الجنرال توفيق" كما يسميه أتباعه (6).

 

  

كان بوتفليقة بارعا في بناء شبكة علاقاته الواسعة، وتوجّه بمكافأة كلٍّ من بلخير وشقيقه سعيد بتعيينهما على رأس مستشاريه لينقل كفاحه إلى محطة مختلفة موجها أنظاره لوزارة الدفاع وقيادة الجيش في ظل النفوذ الواسع الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، واقتصار الرئاسة الفعلي على دور الواجهة المدنية فقط، لينجح قبل دخول الألفية الجديدة في الحصول على صلاحيات واسعة، صلاحيات أتت بعد دوامة من المعاناة والحروب المكتومة مع الجنرالات المعارضين لنفوذه.

 

كان الفريق "محمد العماري" أحد أولئك الجنرالات، فمع كونه قائد أركان الجيش الشعبي وأحد من ساهموا بالانقلاب على الرئيس "الشاذلي"، وأحد من قادوا المعركة الدموية الشهيرة ضد جبهة الإنقاذ لسنوات، فإن ذلك مكّنه من أن يصبح نواة صلبة في القرار العسكري الجزائري، لذا فقد مثّل وجود "العماري" عائقا أمام بوتفليقة، من سعى لتخليد اسمه في ذاكرة البلاد عبر إنهاء حالة الطوارئ، وإصدار العفو الشهير الذي عُرف باسم "الوئام الأمني"، ثم ميثاق "المصالحة الوطنية" الذي تلاه وبدا أنّه سيضعه في مواجهة صقور الجيش الأقوياء كالعماري.

  

كانت المصالحة في جوهرها انتزاعا لبعض أوراق القوة من المؤسسة العسكرية التي تتغذى على حالة الحرب لبسط نفوذها، وهو ما جعلَ العماري يدعم بشكل قوي المرشح المنافس "علي بن فليس"، الذراع اليمنى لبوتفليقة ورئيس وزرائه الذي انقلب عليه تحت تأثير الجنرال القوي، لكن بوتفليقة فاز في انتخابات عام 2004 ليُقدم بعدها مباشرة على عزل "فليس" ويُعيّن بدلا منه "أحمد أويحيي"، مُنهيا ترتيب دائرته شديدة القرب، ومُمهّدا في الوقت نفسه للإطاحة بالرأس الأكبر، الجنرال العماري، لصالح أحد المقربين منه وهو الجنرال أحمد قايد صالح (7).

 

لم يكن "قايد صالح" وجها جديدا على المشهد العسكري الجزائري على كل حال، فالضابط الذي قاد عددا من الفيالق التابعة لجيش التحرير بعد الاستقلال، قبل أن يُمضي عامين في الاتحاد السوفياتي خاضعا لدورات تدريبية انتهت بترقيته لرتبة لواء في التسعينيات ليعود ليتسلم قيادة القوات البرية إبان العشرية السوداء، كان أحد أولئك الجنرالات الصاعدين في الجيش معتمدا على شخصيته القوية وخبراته العسكرية المتراكمة وجهوده في قمع "المتمردين" كما أطلق عليهم خلال انقلاب التسعينيات.

   

الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة والجنرال أحمد قايد صالح 
رويترز
  

وشأنه شأن العديدين من جنرالات الجيش، كان صالح يحمل ذات النظرة لشكل العلاقة التي تربط الجيش بالسياسة، فلطالما فضّل حكومة يقودها جنرالات لا مدنيون، مقتنعا أن الجنرالات هم أفضل من يصنعون القرار السياسي، إلا أنه على ما يبدو كان يعني بذلك المبدأ نفسه في المقام الأول، وهو ما دعاه عشية تسليم الرئاسة للجنرال "اليمين زروال" عام 1994 للتساؤل بصوت عالٍ حول عدم منحها له، شاعرا بأن جميع الضباط يتعمدون تهميشه وإقصاءه عن المناصب القيادية الرفيعة.

 

كان "صالح" بعد ذلك مضطرا لدفن طموحاته السياسية لأعوام طويلة والانزواء إلى الظل بعد أن خذله رفاقه مرة تلو مرة، قبل أن يستدعيه بوتفليقة إلى الضوء ويرقيه إلى رتبة فريق ويسلّمه قيادة أركان الجيش الشعبي بدلا من الجنرال العماري، ليُحكم بوتفليقة بتلك الخطوة سيطرته على المؤسسة العسكرية بشكل كامل، في الوقت الذي سارع فيه لاستبعاد عدد من المحيطين به ممن حاولوا نسج شبكة نفوذهم الخاصة، مثل "العربي بلخير" و"بن فليس"، ليصفو المناخ السياسي بعدها لسيد قصر المرادية بلا منازع (8).

         

وبعد أن تمت له السيطرة، شرع "بوتفليقة" في توجيه جهوده نحوالاقتصاد الجزائري الذي يعتمد على عائدات النفط والغاز بشكل رئيس، وهو وضع تسبب في مستويات عالية من البطالة بلغت حد 10%، قبل أن ترتفع مع حلول الأزمة الاقتصادية العالمية الشهيرة عام 2008 وتراجع أسعار الثروات النفطية، تاركة بوتفليقة المقبل على جولة انتخابية ثالثة يكافح لإثبات جدارته عبر نسج شبكته الخاصة داخل الرقعة الاقتصادية للبلاد معتمدا على طيف من المقربين منه، وبادئا بشقيقه سعيد الذي تم منحه تسهيلات كبيرة داخل القطاع الاقتصادي ليصبح في غضون عدة سنوات أحد أباطرة الأعمال الكبار في الجزائر بالتوازي مع منح "شكيب خليل" صديق طفولته مهمة الإشراف على شركة "سوناطراك" النفطية الشهيرة، وتسليمه وزارة الطاقة والمناجم (9).

    

  

على التوازي، هندس الشقيقان صعودهما بشكل كبير، فسعيد الذي أثبت جدارته خلال عمله كمستشار ثم براعته في إدارة حملتي أخيه الانتخابيتين خلال عقد حكمه الأول تمكّن من الحصول على نفوذ واسع داخل الحزب الحاكم وكواليس صناعة القرار، وخلال فترة قصيرة، أصبح له الكلمة الفصل في تعيين الدبلوماسيين والوزراء، بحسب جريدة جون فريك الفرنسية (10) التي وصفته بـ "الرجل الذي يسيّر رزنامة الرئيس"، لتشتبك عند تلك النقطة إمبراطورية المال مع النفوذ السياسي، ويرث إمبراطور الأعمال الصاعد مكان "بلخير" بعد أن دفع شقيقه الرئيس للإطاحة به في لعبة سياسية معقدة.

    

في الوقت نفسه احتكر "خليل" مهمة الإشراف على العقود المبرمة بين الشركات الأجنبية والجزائر العائمة على بحر من النفط حيث تمكّن في غضون عدة سنوات من بناء إمبراطوريته الاقتصادية من الأموال الحكومية، إمبراطورية كلفته وكلفت بوتفليقة الكثير، وكادت تكلفه رئاسته نفسها بعد تقارير نشرها موقع ويكيليكس (11) مطلع 2010 فصلت ممارسات الفساد المالي الذي صاحب عملية صعود الحوت الأثير من البداية وحتى النهاية.

  

حرب "مدين"

تضمنت التقارير المسربة عقودا غير قانونية لتوريد النفط لشركات أوروبية متعددة، "ألمانية وفرنسية وإيطالية"، بقيمة لامست مبلغ 300 مليون دولار، وتناولت أسماء عدة شخصيات على رأسهم شكيب خليل، إضافة إلى "محمد مزيان" رئيس "سوناطراك" حينها، وحملت بوتفليقة وحكومته مسؤولية الفساد، وبرغم أن هذه القضايا وُصفت بأنها أكبر نخر في العمود الفقري للاقتصاد الجزائري حتى ذلك الحين، فإن الذي جذب الأضواء حقيقة هو أن تسريبات ويكيليكس المزعومة حملت توقيع جهاز المخابرات العامة، والذي تنضوي تحته أربعة من كبرى الأجهزة الأمنية في البلاد وأكثرها نفوذا.

 

حدث ذلك في وقت كان بوتفليقة يتطلع فيه لتثبيت حكمه مجددا بعد فوزه بولاية رئاسية ثالثة قبل حادثة التسريبات، وفي وقت تساءل فيه الجميع عن دور "مدين"، الجنرال الغامض المتربع على عرش جهاز المخابرات والذي نمت معارضته لنفوذ عائلة بوتفليقة "غير الشرعي" في مؤسسات الدولة وخصوصا شقيقه سعيد، تساءلوا عن دوره في تسريب تلك الوثائق التي تزامنت مع تسريب وثائق أخرى تتعلق بفساد المؤسسة العسكرية ورئيسها "قايد صالح" في الفترة نفسها، فيما بدا أنها حملة منسقة ضد المعسكر الرئاسي بأكمله (12).

 

لم تقتصر تحركات أخطبوط الاستخبارات على الصعيد الإعلامي فقط، فالرجل الذي تدرب على يد جهاز المخابرات السوفياتية "كي جي بي" لسنوات خلال القرن الفائت، ويتربعُ على عرش أكبر مجموعة أمنية في الجزائر، يتقنُ استخدام أذرعه ببراعة، حيث قام بتحريك القضاء الجزائري وشرطة مكافحة الفساد الخاضعة لسلطته ضد بوتفليقة وحلفائه، وهو ما اضطر الرئيس للتضحية ببعضهم مقابل الاستمرار بولايته الثالثة، خطوة دفع ثمنها عدد كبير من المقربين للرئيس الذين تمت إقالتهم، وعلى رأسهم "شكيب خليل" و"مزيان"، ليُسدَل الستار على أول مواجهة علنية ساخنة بين المخابرات ودائرة الرئاسة، مواجهة انتقلت للكواليس لسنوات قبل أن تعود مجددا للأضواء بعد عامين من هبوب رياح الربيع العربي، وبعنف أكبر هذه المرة.

   

  

ففي الوقت الذي كان فيه بإمكان أي جزائري -كما أي مواطن عربي- تتبع أخبار الحراك الثوري الشبابي في دول عربية مجاورة يتشابه مناخها السياسي والاقتصادي لحد كبير مع المناخ الجزائري، أَلِفَ الجزائريون سماع عبارة "تطوير مؤسسات الدولة" تتردد بكثافة على وسائل الإعلام الرئاسية الخاضعة لنفوذ شقيق الرئيس المطلق، وهو شعار سياسي تقليدي خرج للنور لاستيعاب الاحتقان المتصاعد في نفوس الجزائريين نتيجة تردي الوضع الاقتصادي، ولم يفت المعسكر الرئاسي بالطبع أن يستغل تحرك الجماعات الجهادية التابعة لـ "تنظيم القاعدة" جنوب الجزائر لشن حملة عسكرية واسعة ضده حملت اسم "مكافحة الإرهاب"، حملة كان ضمن أهدافها إرسال رسائل إلى المخابرات وإلى "مدين"، مفادها أن التحالف القائم بين "صالح" و"بوتفليقة" يسيطر على المفاصل الأمنية في البلاد بلا أي مساحة للاعبين آخرين، لكن تلك الاستعراضات خفتت قبل أن يُكتبَ لها السطوع مرة أخرى مع ظهور لاعب جديد، وبشكل خاطف، لاعب يلعبُ بقواعده الخاصة ولا يلتزمُ بأي قاعدة أخرى.

 

ففي الجنوب الشرقي من الجزائر وفي بلدة "أميناس" الحدودية، وتحديدا في صباح السادس عشر من يناير/كانون الثاني عام 2013، فوجئ عدد من الموظفين الأجانب والجزائريين العاملين في منشأة الغاز التي تحمل اسم المدينة بأرتال من السيارات حاملة مقاتلين مدججين بالأسلحة اقتحموا المنشأة واحتجزوا أكثر من 650 شخصا بينهم أكثر من 150 خبيرا أجنبيا، ولم تمضِ عدة ساعات حتى تحول الاقتحام إلى أزمة دولية، بالتزامن مع بث المقاتلين التابعين لتنظيم القاعدة مقطع فيديو مصورا يُظهر احتجازهم للرهائن.

 

استدعى الأمر اجتماعا أمنيا لرؤوس الهرم الأمني الجزائري، قبل أن تقتحم مجموعة من القوات الخاصة دون تخطيط كافٍ مقرَّ المنشأة وتحرر الرهائن في عملية وُصفت بالعشوائية (13)، مخلّفة عشرات القتلى من الرهائن بينهم أجانب، ومطلقة العنان لسيل من ردود الأفعال الدولية الغاضبة التي ناقضت الرسائل التي حاولت الجزائر تصديرها عن نفسها كبقعة مستقرة في أعقاب الربيع العربي.

 

بعد شهرين تماما، وفيما كانت حلقة جديدة من الأشخاص المحيطين بـ "بوتفليقة" قابعة تحت مجهر التحقيق والملاحقة القضائية بسبب فضائح فساد جديدة أشهرها قضية "سونلغاز" وقضية "سوناطراك"، انتقل الانتباه فجأة إلى باريس لمتابعة آخر أخبار صحة الرئيس الذي أُصيب بسكتة دماغية في أبريل/نيسان من العام نفسه، مع تسريبات شككت بأهليته لأداء مهامه الرئاسية حملت توقيع "مدين" واستمرت طول النصف الأول من 2013، خطوة أخيرة يبدو أنها أقنعت مثلث القوة المؤلف من صالح وسعيد إضافة إلى بوتفليقة بأن الوقت قد حان لقطع أذرع الأخطبوط وتفكيك إمبراطوريته "مدين" العتيدة التي بناها على طريقة "الكي جي بي"، خطة رسمها المعسكر الرئاسي كله قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية لعام 2014، ونفّذها جميعهم بإتقان وكان قايد صالح، قائد الجيش، بطلها الأثير (14).

 

طوفان صالح

مستخدما أسلوب مدين نفسه، وعبر بوابة "مكافحة الفساد" الأثيرة، حمَّل صالح المخابرات مسؤولية الخرق الأمني الذي سهّل تسلل "الجهاديين" لمنشأة أميناس مطلع 2013 قبل أن يتخذ الرئيس قراره في سبتمبر/أيلول 2013 بحل "مصلحة الشرطة القضائية"، إحدى المؤسسات الأمنية الرئيسة التابعة للمخابرات، وإلحاقها بالجيش، ثم شنَّ هجوما ضاريا على مديرية الإعلام التابعة للمخابرات أيضا متهما إياها بالفساد المالي، لتُحال إلى المحاسبة ويتم إلحاقها بالجيش وإقالة قائدها العقيد عبد القادر "فوزي" لوناس وتعيين العقيد "عقبة" المعروف بولائه المطلق لصالح بدلا منه في الشهر نفسه، موقعا جهاز الاستخبارات في صدمة أعجزته عن الرد.

   

  

كانت هذه التحركات السريعة للرئيس وحلفائه كافية لتوجيه ضربة حاسمة لإمبراطورية مدين الأمنية الكبيرة، ضربة تفرّغ بعدها صالح وبوتفليقة لتفكيك شبكة الجنرالات الموسعة التي شكّلها الرجلُ طوال ربع قرن، وهي فترة "غير مألوفة" لأي رجل مخابرات في العالم بحدّ تعبير الباحث البريطاني "جيرمي كينان" (15)، خطوات جريئة استعادت قبضة "بوتفليقة" على السلطة من جديد، ومهّدت طريقه للترشح لفترة رابعة بهدوء، بل والفوز بها دون مقاومة تُذكر حتى مع حالته الصحية السيئة.

   

يستحق النصف الثاني من عام 2014 و2015 في الجزائر وصف "مرحلة الإضعاف البطيء" بلا منازع، ولا يعود ذلك لخسارة جهاز المخابرات العامة صلاحيات راسخة مثل التحقيق في قضايا الفساد، ولا لحل مجموعة التدخل الشهيرة خاصته والمعروفة باسم "جي آي إس" أيضا، بل لأنّ حملة الإضعاف استهدفت كل الجنرالات التي يمكن لمدين أن يعتمد عليهم بعد تقليص صلاحيات جهازه الأمّ، حيث تم عزل وإقالة عشرات الجنرالات والضباط الكبار بذريعتي مكافحة الفساد وتنظيم الجيش، بينهم قادة الحرس الجمهوري والأمن الرئاسي ومكافحة التجسس، ليتم بذلك استكمال تجريد "مدين" من أنيابه بالكامل.

  

على الجانب الآخر، اكتفى "الجنرال" بصمت غامض مثله طوال عامين تقريبا، صمت لم يكسره إلا اعتقال صديقه المقرب اللواء حسان أو "سيد مكافحة الإرهاب" كما يُطلق عليه وأحد أقوى الجنرالات بعد مدين نفسه، عندما اعترض ببيان مكتوب على اعتقاله في وقت بدا فيه للجميع بوضوح أن مدين نفسه أو "إله الجزائر" كما يُعرف شعبيا، هو الهدف القادم، ويبدو أن حقبة التكهنات لم تستمر طويلا، ففي سبتمبر/أيلول 2015 أصدر مكتب "بوتفليقة" قرارا بعزل الجنرال الأسطوري، وتعيين مستشار مكتب الرئاسة "عثمان طارطاق" عوضا عنه، من قام بحل "دائرة الأمن" وتشكيل مديرية المصالح الأمنية عوضا عنها، لينتهي بذلك إرث مدين إلى الأبد.

 

بحلول منتصف 2017، كانت وتيرة الحرب الناعمة قد انخفضت في الجزائر، مقتصرة على التنقيب الصامت عن الجنرالات من بقايا منظومة مدين، قبل أن يدخل رئيس الوزراء "عبد المجيد تبون" إلى رقعة الشطرنج الكبيرة، وينخرط في صراع مع مراكز القوى بدون تعمد على الأرجح، وذلك عندما حاول تقليص الاعتماد على الشركات الأجنبية بشكل أساسي، وبلغ الصراع ذروته في يوليو/تموز من العام نفسه، عندما تلقى عدد من الشركات الأجنبية والمحلية الكبرى إشعارات بإنهاء عقودها، بينها شركة تتبع لـ "علي حداد" أحد المقربين من "سعيد" مهندس العلاقات الرئاسية، ليصدر قرار رئاسي بإقالة "تبون" وتعيين "أحمد أويحيى" مدير المكتب الرئاسي بدلا منه، والذي كثرت الروايات القائلة بأنه سبق وأن وقع قرارات رئاسية دون علم "بوتفليقة" نفسه، لا سيما في مرحلة تدهور صحته، فيما بدا أنها حملة تنسب لـ "سعيد" الطامح في الرئاسة، تهدف لتثبيت نفوذ معسكر الرئاسة داخل الحكومة بعد إتمام "صالح" السيطرة شبه الكاملة على جهاز المخابرات، من البداية للنهاية، وبوقت قياسي (16).

     

   

لكن سعيد بوتفليقة قد لا يكون هو الطامح الوحيد لخلافة شقيقه المريض، فمن المحتمل أن "قايد صالح"، الرجل الذي حمى بوتفليقة لعقد ونصف، وابتلع إمبراطورية مدين الأمنية، وبسط نفوذه الكامل على ميادين السياسة والعسكرة، وصار اليوم الرجل الأقوى في البلاد بلا منازع كما كان منذ سنوات، قد داعبته أحلامه القديمة مجددا، خاصة بعد أن نجح في التأثير على الرئيس لاستكمال تشكيل المشهد الأمني بما يتوافق مع رغبته تماما، وقد بدا ذلك واضحا مع إقالة بوتفليقة للجنرال "عبد الغني هامل" مدير الأمن الوطني في يونيو/حزيران الماضي، مستبدلا إياه بـ "مصطفى الهبيري" المقرب من "صالح"، بعد الانتقادات التي وجهها هامل للجيش الجزائري فيما عُرِفَ بأزمة "الكوكايين" الشهيرة (17).

 

وعلى مدار الشهور التالية وحتى سبتمبر/أيلول الماضي توسعت حملة الإقالات وطالت حزمة جديدة من جنرالات القوى البرية والجوية هذه المرة، بينهم "أحسن طافر" و"عبد القادر لوناس"، الذين استُبدلوا لصالح جنرالات مقربين من صالح، في الوقت نفسه الذي جرى فيه منع آخرين من السفر مثل اللواء "مناد نوبة" القائد السابق لجهاز الدرك الوطني العام، إضافة إلى ثلاثي القوة الشهير المؤلف من "سعيد باي" و"عبد الرزاق شريف" و"لحبيب شنتوف"، القادة السابقين للنواحي العسكرية الثلاث، إقالات مَثّلت اللمسات الأخيرة لسيناريو إعادة تشكيل الجيش الجزائري قبل أشهر قليلة من سباق الرئاسة (18).

 

بشكل رئيس، وبالنظر إلى ما سبق، فإن هناك عدة شخصيات رئيسة مرشحة لخلافة بوتفليقة المحتومة، فرغم إصرار قايد صالح على الابتعاد عن السياسة، لا يبدو أن التزامه قد يستمر بالنظر إلى طموحه القديم والدعوات الجديدة لإقحام الجيش في مسار انتقال ديمقراطي، وهناك بالطبع التكهنات التقليدية حول سعيد بوتفليقة الذي دائما ما كان يتطلعُ لنموذج راؤول كاسترو الذي خلف أخاه فيدل، أو على الأقل ترشيح أحد المقربين القابعين في الظل فيما يتولى هو التأثير من الخلف كما كان في عهد شقيقه، فيما يبقى هناك سيناريو أقل احتمالا حول توافق صالح وسعيد على دعم أحمد أويحيي في الوصول إلى الرئاسة وممارسة الحكم من الظل كما يفعلان الآن، أو حتى استمرار الوضع على ما هو عليه وترشيح الرئيس المريض لفترة حكم جديدة من فوق كرسيه المتحرك، مع مناوشات محتملة من الجنرال الجريح توفيق، الساعي إلى استعادة مجده الضائع، في كل هذه السيناريوهات التي، وعلى الرغم من اختلافها الظاهر، يبقى الثابت الأوحد فيها أنه بغض النظر عمن سيعتلي كرسي الرئاسة بعد بوتفليقة، فإن دور "قايد صالح" سيكون مركزيا في ترتيب الرئيس القادم، وإن الجنرال الذي دافع عن طموحه في السلطة علنا قبل أكثر من عقدين في طريقه لتحقيق حلمه بالحكم سواء بشكل فعلي أو من وراء الكواليس.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار